Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
تفسير سورة المائدة
إِنَّهُمْ لَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَسِرِ ينَ (٣) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ
يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ
لَوْمَةً لَآَبِرٍ ذَلِكَ فَضْلُ الَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (٥٠) إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ
الله، أو عطفًا على فيصبحوا ﴿هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا﴾ الإشارة إلى المنافقين، لأنهم كانوا
يحلفون أنهم مع المؤمنين، وانتصب جهد أيمانهم على المصدر المؤكد ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾
يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، أو من كلام الله، ويحتمل أن يكون دعاء أو خبر ﴿مَنْ
يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ خطاب على وجه التحذير والوعيد، وفيه إعلام بارتداد بعض
المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع فارتدّ في حياة رسول الله وَ ط98 بنو حنيفة
قوم مسيلمة الكذاب، وبنو مدلج الأسود العنسي الذي ادّعى النبوّة، وقتل في حياة رسول
الله وَلُ وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر
المرتدّون، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله وَلّهِ، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر
الصدّيق رضي الله عنه، وكانت القبائل التي ارتدّت بعد وفاة رسول الله وَّل سبع قبائل بنو
فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة، وبنو بكر بن وائل، وبعض بني تميم، ثم
ارتدّت غسان في زمان عمر بن الخطاب، وهم جبلة بن الأيهم الذي تنصّر من أجل اللطمة
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ رُوِيَ أن رسول الله بَّر قرأها، وقال: ((هم قوم
هذا)) يعني أبا موسى الأشعري، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن، لأن الأشعريين
من أهل اليمن، وقيل المراد أبي بكر الصدّيق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردّة ويقوّي ذلك
ما ظهر من أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه من الجدّ في قتالهم، والعزم عليه حين خالفه في
ذلك بعض الناس، فاشتدّ عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردّة،
ويقوّي ذلك أيضًا أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر، ألا ترى
قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وكان أبو بكر ضعيفًا في نفسه قويًّا في الله،
وكذلك قوله: ﴿وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةِ لاَئِم﴾: إشارة إلى مَن خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل
الردّة فلم يرجع عن عزمه ﴿أَذِلَّةٍ عَلَىَ المُؤْمِنِينَ﴾ كقوله أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم،
وإنما تعدّى أذلّة بعلى، لأنه تضمن معنى العطف والحنو، فإن قيل: أين الراجع من الجزاء
إلى الشرط؟ فالجواب: أنه محذوف تقديره مَن يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم
مكانهم أو بقوم يقاتلونهم ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ ذكر الوليّ بلفظ المفرد إفرادًا لله تعالى بهما ثم
عطف على اسمه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قال
التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م١٦
٢٤٢
تفسير سورة المائدة
وَمِّنْ يَتَّوَّلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِيْنَ مُسَنُواْ فَإِنَّ حِرْبَ اللَّهِهُمُ
يُقِيمُونَ الصََّوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ (!
الْغَالِبُونَ {َُْهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواْ وَلَعِبَّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَّ مِن قَبْلِكُمْ
١٤) وَإِذَاأَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ أَمَّخَذُوَهَا هُوًا وَلَغِبَّأ ◌َ لِكَ بِأَنَّهُمْ
وَلْكُفَّارَ أَوْلِيَاءٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُم مُّؤْمِنِينَ!
قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ الْهَا قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنِقِمُونَ مِنََّ إِلَّ أَنْ ءَامَنَّا بِالَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ
وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَسِقُونَ (٦) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةٌ عِندَ اللَّهِ مَن لَّمَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ
إنما أولياؤكم لم يكن في الكلام أصل وتبع ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ قيل نزلت في عليّ بن أبي
طالب رضي الله عنه فإنه سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاصه، وقيل هي عامّة:
وذكر الركوع بعد الصلاة لأنه من أشرف أعمالها، فالواو على القول الأوّل واو الحال،
وعلى الثاني للعطف ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقام المضار: معناه فإنهم هم
الغالبون ﴿والكُفَّارَ﴾ بالنصب عطف على الذين اتخذوا، وقرىء بالخفض عطف على الذين
أُوتوا الكتاب، ويعضده قراءة ابن مسعود: ومن الكفّار، ويراد بهم المشركون من العرب
﴿وَإِذَا نَاذَيْكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ الآية: رُوِيّ أن رجلاً من النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذِّف
يقول أشهد أنّ محمدًا رسول الله قال: حرق الله الكاذب، فوقعت النار في بيته فاخترق هو
وأهله، واستدلّ بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمُ لاَّ
يَعْقِلُونَ﴾ جعل قلّة عقولهم علّة لاستهزائهم بالدين ﴿هَل تَنْقِمُونَ مِنًا﴾ هل تعيبول علينا
وتنكرون منّا إلاّ إيماننا بالله، ويجمع كتبه ورسله، وذلك أمر لا يُنكّر ولا يُعاب، ونظير هذا
في الاستثناء العجيب قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب
ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من اليهود
سألوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الرسل الذي يؤمن بهم، فَتَلا: ﴿آمَنَّ فَاللّهِ وَمّا
أُنزِلَ إِلَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به ﴿وَأَنَّ
أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ قيل إنه معطوف على آمنًا)) وقيل على ما أنزل، وقيل هو تعليل معطوف
على تعليل محذوف تقديره هل تنقمون منّا إلاّ لقلّة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون ويحتمل
أن يكون وأنّ أكثركم مبتدأ وخبره محذوف تقديره فسقكم معلوم، أو ثابت ﴿قُلْ هَلْ أُنْتُكُمْ
بِشَرّ مِن ذَلِكَ﴾ لما ذكر أن أهل الكتاب يعيبون المسلمين بالإيمان بالله ورسله ذكر عيوب
أهل الكتاب في مقابلة ذلك ردًّا عليهم، فالخطاب في أنبئكم لليهود، والإشارة بذلك إلى ما
٢٤٣
تفسير سورة المائدة
(٤) وَإِذَا جَآءُوَكُمْ قَالُواْ
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَازِيَرَ وَعَبَدَ الطّغُوتَ أُوْلَكَ شَرٌ شَكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ
ءَامَنَّا وَقَدَ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرٍ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوْ يَكْتُونَ (١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِى
آلْإِثْمِ وَالْعُدّوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) لَوْلَا يَنْهَنهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن
قَوْلِهُ آلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةُ غُلَّتْ أَيْدِهِمْ
وَلُعِنُواْبِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنًا
تقدّم من حال المؤمنين ﴿مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾ هي من الثواب ووضع الثواب موضع العقاب
تهكمًا بهم نحو قوله: فبشرهم بعذاب أليم ﴿مَن لَّعَتَهُ اللَّهُ﴾ يعني اليهود ومن في موضع رفع
بخبر مبتدأ مضمر تقديره هو من لعنه الله، أو في موضع خفض على البدل من بشرّ، ولا بدّ
في الكلام من حذف مضاف تقديره بشرّ من أهل ذلك وتقديره دين من لعنه الله ﴿وَجَعَلَ
مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والخَنَازِيرَ﴾ مسخ قوم من اليهود قرودًا حين اعتدوا في السبت، ومسخ قوم
منهم خنازير حين كذبوا بعيسى ابن مريم ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ القراءة بفتح الباء فعل معطوف
على لعنه الله، وقرىء بضم الباء وخفض الطاغوت على أن يكون عبد اسمًا على وجه
المبالغة كيقظ أضيف إلى الطاغوت، وقرىء وعابد وعباد، وهو في هذه الوجوه عطف على
القردة والخنازير ﴿شَرِّ مَّكَانًا﴾ أي منزلة ونسب الشرّ للمكان وهو في الحقيقة لأهله، وذلك
مبالغة في الذمّ ﴿وَإِذَا جَاؤُوكُمْ قَالُوا آمَنًا﴾ نزلت في منافقين من اليهود ﴿وَقَدْ دَّخَلُوا بِالكُفْرِ﴾
تقديره ملتبسين بالكفر، والمعنى دخلوا كفّارًا وخرجوا كفّارًا، ودخلت قد على دخلوا
وخرجوا: تقريبًا للماضي من الحال أي ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام
﴿فِي الإِثْم﴾ الكذب وسائر المعاصي ﴿والعُذْوَانِ﴾ الظلم ﴿السُّخْتَ﴾ الحرام ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ﴾
عرض وتحضيض وتقريع ﴿لَبِثْسَ﴾ اللام في الموضعين للقسم ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌ﴾ غلّ اليد كناية عن البخل وبسطها كناية عن الجود ومنه: ﴿وَلاَ تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُوْلَةٍ﴾
[الإسراء: ٢٩]: أي لا تبخل كل البخل، ولا تبسطها كل البسط: أي لا تجد كل الجود،
ورُوِيَ أنّ اليهود أصابتهم سنة جهد فقالوا هذه المقالة الشنيعة، وكان الذي قالها فنخاص،
ونسبت إلى جملة اليهود، لأنهم رضوا بقوله ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يحتمل أن يكون دعاءً أَو
خبرًا، ويحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فإن كان في الدنيا، فيحتمل أن يراد به
البخل أو غلّ أيديهم في الأسر، وإن كان في الآخرة، فهو جعل الأغلال في جهنم ﴿بَلْ
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ عبارة عن إنعامه وجوده، وإنما ثنّيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود:
يد الله مغلولة، ليكون ردًّا عليهم ومبالغة في وصفه تعالى بالجود: كقول العرب فلان يعطي
٢٤٤
تفسير سورة المائدة
وَكُفْرًا وَأَلْقَيَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَّةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُ وْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى
اُلْأَرْضِ فَسَادًا وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْاْ لَكَفَرْنَا
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْ خَلْنَهُمْ جَنَّتِ النَّعِيمِ (3) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَأَلْإِنِيلَ، وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن
زَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُنَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ
النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ (١) قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَقَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَّةَ
بكلتا يديه إذا كان عظيم السخاء ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَزْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ إيقاد النار عبارة عن
محاولة الحرب، وإطفاؤها عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم، ويحتمل أن يراد بذلك
أسلافهم، أو يراد مَن كان معاصرًا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم، ومَن يأتِ بعدهم،
فيكون على هذا إخبار بغيب، وبشارة للمسلمين ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ آمَنُوا﴾ الآية: يحتمل
أن يراد أسلافهم والمعاصرون للنبي صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وسلّم، فيكون على هذا
ترغيبًا لهم في الإيمان والتقوى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا النَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ﴾ إقامتها بالعلم والعمل؛
وذكر الإنجيل دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب ﴿لأُكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن
تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ قيل من فوقهم عبارة عن المطر، ومن تحت أرجلهم: عبارة عن النبات
والزرع، وقيل ذلك استعارة في توسعة الرزق من كل وجه ﴿أَمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي معتدلة،
ويراد به مَن أسلم منهم: كعبد الله بن سلام، وقيل مَن لم يعاد الأنبياء المتقدمين ﴿يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أمر بتبليغ جميع ما أُوحي إليه على الاستيفاء والكمال،
لأنه كان قد بلغ وإنما أمر هنا ألاّ يتوقف عن شيء مخافة أحد ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ﴾ هذا وعيد على تقدير عدم التبليغ، وفي ارتباط هذا الشرط مع جوابه قولان:
أحدهما أن المعنى إن تركت منه شيئًا، فكأنك لم تبلغ شيئًا، وصار ما بلغت لا يعتدّ به،
فمعنى إن لم تفعل: إن لم تستوفِ التبليغ على الكمال، والآخر أن المعنى إن لم تبلغ
الرسالة وجب عليك عقاب مَن كتمها، ووضع السبب موضع المسبّب ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ﴾ وعد وضمان للعصمة وكان رسول الله وسلّر يخاف أعداءه ويحترس منهم في غزواته
وغيرها، فلما نزلت هذه الآية، قال يا أيّها الناس انصرفوا فإن الله قد عصمني وترك
الاحتراس ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية؛ أي لستم على دين يعتِدُّ به يسمى
شيئًا ﴿حَتَّى تُقِيمُوا الَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلّى الله تعالى عليه
٢٤٥
تفسير سورة المائدة
وَالْإِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَبِّكُمُّ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ◌ُغْيَانًا
وَكُفْرَأْ فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِيِنَ الثَ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّدِئُونَ وَالنَّصَرَى مَنْ
ءَامَنَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٤) لَقَدْ أَخَذْنَا
مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًاٌ كُلَمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا
أَوَحَسِبُواْ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ
كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
ثُمَّ عَمُواْ وَصَقُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٨) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَنَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبٍِ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ
يُشْرِكَ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٨) لَّقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيِهُ
وعلى آله وسلّم وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية
بسبب رافع بن حارثة وسلام بن بشكم ورافع بن خزيمة وغيرهم من اليهود جاؤوا إلى
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا إنّا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ولا نؤمن بك
ولا نتبعك ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ تقدّم الكلام على نظيرتها في البقرة
﴿والصَّابِثُونَ﴾ قراءة السبعة بالواو وهي مشكلة حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب
المصحف، وإعرابها عند أهل البصرة مبتدأ وخبره محذوف تقديره والصابئون كذلك وهو
مقدّم في نيّة التأخير، وأجاز بعد الكوفيين أن يكون معطوفًا على موضع اسم إن، وقيل إن
هنا بمعنى نعم وما بعدها مرفوع بالابتداء وهو ضعيف ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْتَةٌ﴾ أي بلاء
واختبار، وقرىء تكون بالرفع على أن تكون أن مخفّفة من الثقيلة، وبالنصب على أنها
مصدرية ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عبارة عن تماديهم على المخالفة والعصيان ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾
قيل إن هذه التوبة ردّ ملكهم ورجوعهم إلى بيت المقدس بعد خروجهم منه، ثم أخرجوا
المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبدًا، وقيل التوبة بعث عيسى عليه السلام، وقيل بعث محمد
صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿كَثِيرٌ مُّنْهُمْ﴾ بدل من الضمير أو فاعل على لغة أكلوني البراغيث
والبدل أرجح وأفصح ﴿وَقَالَ المَسِيحُ﴾ الآية: ردّ على النصارى، وتكذيب لهم ﴿وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ يحتمل أن يكون من كلام المسيح، أو من كلام الله ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ
٢٤٦
تفسير سورة المائدة:
مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
٧٤
وَيَسْتَغْفِرُونَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لـ
قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وَأَتُهُ صِدِيقَةٌ كَانَا بَأْكُلانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ ضَيْفَ نُبَيِّثُ لَهُمُ
وَ قُلْ أَتَّبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَحِكُمْ
اُلْآَيَاتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
قُلْ يَكَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ
ضَرَّا وَلَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
اَلْحَقِّ وَلَا تَسَِّّعُواْ أَهْوَاَءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَلَءِ
السَّبِيلِ ® لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِى إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمُ
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ
٧٨
ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْنَّدُونَ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ◌ِّ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَ
قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ بِرْهَ وَلَوْ كَانُواْ.
مَرْيَّمَ إلاّ رَسُولٌ﴾ الآية: ردّ على مَن جعله إلهًا ﴿وَأُمُّهُ صِدَّيقَةٌ﴾ أي بليغة الصدق في نفسها».
أو من التصديق، ووصفها بهذه الصفة دون النبوّة يدفع قول مَن قال إنها نبيّة ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ
الطَّعَامَ﴾ استدلال على أنهما ليسا بإلهين لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلاّ
محدّث مفتقر، ومَن كان كذلك فليس بإله، لأن الإله مُنَزّه عن صفة الحدوث، وعن كل ما
يخلق البشر، وقيل إن قوله يأكلان الطعام: عبارة عن الاحتياج إلى الغائط، ولا ضرورة.
تدعو إلى إخراج اللفظ عن ظاهره، لأن الحجة قائمة بالوجهين ﴿قُمَّ انظُرْ﴾ دخلت ثم
لتفاوت الأمرين ولقصد التعجيب من كفرهم بعد بيان الآيات ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ﴾.
الآية: إقامة حجة على مَن عبد عيسى وأُمه وهما لا يملكان ضرًّا ولاَ نَفعًا ﴿قُلْ يَا أَهْلَ
الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ خطاب للنصارى والغلوّ الإفراط وسبب ذلك كفر النصارى:
﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قّؤْم﴾ قيل هم أئمتهم في دين النصرانية كانوا على ضلال في عيسى"
وأضلوا كثيرًا من الناس، ثم ضلّوا بكفرهم بمحمد بَّره وقيل هم اليهود، والأول أرجح:
لوجهين: أحدهما أن الضلال وصف لازم للنصارى ألا ترى قوله تعالى ولا الضالين»
والآخر أنه يبعد نهي النصارى عن اتباع اليهود مع ما بينهم من الخلاف والشقاق،﴿هَلَى
لِسَانٍ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أي في الزبور والإنجيل ﴿لاَ يَتَتَاهَونَ﴾ أي لا ينهى بعضهم:
بعضًا ﴿فَنْ مُنكَرٍ﴾ فإن قيل: لِمَ وصف المنكر بقوله فعلوه والثهي لا يكون بعد الفعل؟.
فالجواب: أن المعنى لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر إن أرادوا فعلة ﴿تَرَى
كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾ إنه أراد أسلافهم، فالرؤية بالقلب، وإن أراد المعاصرين : للمنبي. وَلـ واهمنقول
:
٢٤٧
تفسير سورة المائدة
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا أَتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
فَاسِقُونَ
٨١
وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى
قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنَا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ الثَّا وَمَا
لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ (٨) فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ
بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ فِيه
وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٨٠) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآَ
، وَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًّاً
:٨٧
أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
الأظهر، فهي رؤية عين ﴿وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِليه﴾ يعني محمدًا فََّ ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
يعني ما اتخذوا الكفّار أولياء ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةَ﴾ الآية: إخبار عن شدّة عداوة اليهود
وعبدة الأوثان للمسلمين ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةٌ﴾ الآية: إخبار أن النصارى أقرب إلى مودة
المسلمين، وهذا الأمر باقٍ إلى آخر الدهر فكل يهودي شديد العداوة للإسلام والكيد لأهله
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِّنْهُم قِسْيسينَ وَرُهْبَانًا﴾ تعليل لقرب مودتهم، والقسّيس العالم والراهب العابد
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ الآية: هي في النجاشي، وفي الوفد الذين بعثهم إلى
رسول الله ◌َّر، وهو سبعون رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله وَلتر القرآن فبكوا كما بكى
النجاشي حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه سورة مريم، وقال السهيلي:
نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى عشرين رجلاً. فلما سمعوا القرآن بكوا ﴿مِمَّا عَرَفُوا
مِنَ الحَقِّ﴾ من الأولى سببية والثانية بيان للجنس ﴿آمنًّا﴾ أي بالقرآن من عند الله ﴿مَعَ
الشَّاهِدِينَ﴾ أي مع المسلمين، وكذلك مع القوم الصالحين ﴿وَمَا لَنَا لاَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ توقيف
لأنفسهم، أو محاجّة لغيرهم ﴿ونَطمع﴾ قال الزمخشري الواو للحال، وقال ابن عطية
العطف جملة على جملة لا لعطف فعل على فعل ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لكم)
سببها أن قومًا من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم
النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهم بعضهم أن يختصّوا، أو يسيحوا في الأرض، فقال
رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء،
٢٤٨
تفسير سورة المائدة
وَأَثَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ لِهَ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِلَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ
بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْنَّ فَكَفََّتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَهِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّاتٍ ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ
ج
(َْ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُّواْ إِنَّمَا الْخَتَّرُ وَاُلْمَيْسِرُ
أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
فمَن رغب عن سُنَّتَي فليس منّي)) ﴿وَلاَ تَعْتَدّوا﴾ أي لا تفرطوا في التشديد على أنفسكم أكثر
مما شرع لكم ﴿وَكُلُوا﴾ أي تمتعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك، وإنما خصّ
الأكل بالذكر، لأنه أعظم حاجات الإنسان ﴿ بِاللَّغْوِ﴾ تقدّم في البقرة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾
أي بما قصدتم عقده بالنيّة، وقرىء عقدتم بالتخفيف، وعاقدتم بالألف ﴿ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَاكِينَ﴾ اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يجزي في الكفّارة إطعام غني، فإن أطعم جهلاً
لم يجزيه على المشهور من المذهب، واشترط مالك أيضًا أن يكونوا أحرارًا مسلمين،
وليس في الآية ما يدلّ على ذلك ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ اختلف في هذا التوسّط
هل هو في القدر أو في الصنف، واللفظ يحتمل الوجهين، فأما القدر فقال مالك يطعم
بالمدينة مدّ بمدّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبغيرها وسط من الشبع، وقال الشافعي
وابن القاسم: يجزي المدّ في كل مكان وقال أبو حنيفة إن غذّاهم وعشّاهم أجزأه، وأما
الصنف فاختلف هل يطعم من عيش نفسه، أو من عيش أهل بلده؟ فمعنى الآية على التأويل
الثاني من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم على الجملة، وعلى الأول يختصّ الخطاب
بالكفر ﴿أَوْ كِسْوَتُهُم﴾ قال كثير من العلماء يجزي ثوب واحد لمسكين، لأنه يقال فيه
كسوة، وقال مالك إنما يجزي ما تصحّ به الصلاة، فللرجل ثوب واحد، وللمرأة قميص
وخمار ﴿أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ اشترط مالك فيها أن تكون مؤمنة لتقيدها بذلك في كفّارة القتل،
فحمل هذا المطلق على ذلك المقيّد، وأجاز أبو حنيفة هنا عتق الكافرة، لإطلاق اللفظ
هنا، واشترط مالك أيضًا أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدلّ على ذلك
﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ﴾ أي مَن لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ثلاثة أيام،
فالخصال الثلاث على التخيير، والصيام مرتّب بعدها لمَن عدمها، وهو عند مالك مَن لم
يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذا حَلَقْتُمْ﴾ معناه إذا
حلفتم وخشيتم أو أردتم الحنث، واختلف هل يجوز تقديم الكفّارة على الحنث أم لا
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي احفظوها فبرّوا فيها، ولا تخشوا، وقيل: احفظوها بأن تكفّروها
إذا حنثتم، وقيل احفظوها أي لا تنسو هاتها ونابها ﴿الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ ذكر في البقرة
٢٤٩
تفسير سورة المائدة
وَاْأَنْصَابُ وَالْأَزْكُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٥) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ
٩١
بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْهُم مُّنْنَهُونَ
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ الْمَ لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوَاْ إِذَا مَا أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَ اتَّقَواْ
مَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ:
وَءَامَنُواْتُمَّأَتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (
﴿وَالأَنْصَابُ والأزْلاَمُ﴾ مذكوران في أول هذه السورة ﴿رِجْسٌ﴾ هو في اللغة كل مكروه
مذموم وقد يطلق بمعنى النجس وبمعنى الحرام وقال ابن عباس معنى رجس سخط
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ نص في التحريم والضمير يعود على الرجس الذي هو خبر عن جميع الأشياء
المذكورة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ تقبيح
الخمر والميسر، وذكر لبعض عيوبها، وتعليل لتحريمها، وقد وقعت في زمان الصحابة
عداوة بين أقوام بسبب شربهم لها قبل تحريمها، ويقال إن ذلك كان سبب نزول الآية ﴿فَهَلْ
أَنتُم مُنتَهُون﴾ توقيف يتضمن الزجر والوعيد ولذلك قال عمر لمّا نزلت: انتهينا انتهينا
﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فِيمَا طَعِمُوا﴾ فيها تأويلان: أحدهما أنه لما
نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة كيف بمّن مات منّا وهو يشربها، فنزلت الآية معلّمة
أنه لا جُناح على مَن شربها قبل التحريم، لأنه لم يعصَ الله بشربها حينئذ، والآخر أن
المعنى رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا الحرام منها، وعلى
هذا أخذها عمر رضي الله عنه حين قال لقدامة: إنك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حرم عليك،
وكان قدامة قد شربها واحتجّ بهذه الآية على رفع الجناح عنه، فقال عمر: أخطأت التأويل
﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا﴾ الآية قيل كرّر التقوى مبالغة، وقيل الرتبة الأولى: اتّقاء الشرك،
والثانية اتّقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذرًا مما به البأس، وقيل الأولى
للزمان الماضي والثانية للحال، والثالثة للمستقبل ﴿وأَخْسَنُوا﴾ يحتمل أن يريد الإحسان إلى
الناس، أو الإحسان في طاعة الله وهو المراقبة، وهذا أرجح لأنه درجة فوق التقوى،
ولذلك ذكره في المرة الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثة: مقام
الإسلام ثم مقام الإيمان ثم مقام الإحسان.
﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أي يختبر طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من
الصيد مع الإحرام وفي الحرم وكان الصيد من معاش العرب ومستعملاً عندهم، فاختبروا
٢٥٠
تفسير سورة المائدة
أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْنِ، فَنِ: أَهْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ◌ِنَُّّهَا الْنَ
ءَامَنُواْلَا تَقْتُلُواْ اْلْضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَلَهُ مِنْكُم ◌ُتَغَيِّدً ا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّوِ يَحْكُمُ بِهِأَ وَ إِعَذْلٍ
يتركه كما اختبر بنو إسرائيل بالحوت في الشيت وإنما قلّله في قوله: بشيءٍ من الصيد
إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظيمة، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها ﴿تَقَالُهُ
أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال مجاهد: الذي تناله الأيدي الفراخ والبيض ومآ لا يستطيع أن يفرّ
والذي تناله الرماح كبار الصيد، والظاهر عموم هذا التخصيص ﴿لِيَعْلَمَ إِلَّهُ﴾ أي يعلمه، علِهَا
تقوم به الحجة، وذلك إذا ظهر في الوجود ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي بقتل الصيد وهو محرم،
والعذاب الأليم هنا في الآخرة ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُم حُرُمٌ﴾ معنى حرم داخلين في الإجرام
وفي الحرم، والصيد هنا عامّ خصّص منه الحديث: الغراب والحدأة، والفأرة، والعقرب،
والكلب العقور، وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السِّباع وغيرها،
وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كل ما لا يؤكل لحمه، ولفظ الصيد يدخل فيه ما صيدٍ
وما لم يصدّ مما شأنه أن يُصاد وورد النهي هنا عن القتل قبل أن يُصادِ وبعد أن يُصاد، وأما
النهي عن الاصطياد فيؤخذ مِن قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدَ البَنّ مَا دُمْتُم حُرُمًا﴾
[المائدة: ٩٦] ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمْدًا﴾ مفهوم الآية يقتضي أن جزاء الصيد على المتعمّد
لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر، وقال جمهور الفقهاء المتعمّدٍ والناسي سواء في
وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في قوله متعمّدًا على ثلاثة أقوال: أحدها أن المتعمّد إنما ذكر
لِيُناط به الوعيد في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، إذ لا وعيد على الناسي، والثاني: أنّ
الجزاء على الناسي بالقياس على المتعمّد، والثالث أن الجزاء على المتعمّد ثبت بالقرآن وأن
الجزاء على الناسي ثبت بالسُّنّة ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المعنى فعليه جزاء، وقرئء
بإضافة جزاء إلى مثل، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به، وقيل مثل زائدة، كقولك
أنا أكرم مثلك أي أكرمك، وقرىء فجزاء بالتنوين، ومثل بالرفع على البدل أو الصفة،
والنعم الإبل والبقر والغنم خاصّة، ومعنى الآية عند مالك والشافعي: أنّ مَن قتل صيدًا وهو
محرم أنّ عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في الخلقة والمنظر، ففي النعامة بدنة، وفي
حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة شاة، فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار، فإن لِم
يكن له مثل أطعم أو صام، ومذهب أبي حنيفة أنّ المثل القيمة يقوّم الصيد المقتول ويخيّر
القاتل بين أن يتصدّق بالقيمة أو يشتري بالقيمة من النعم منا يهديه ﴿يحكُثُ بِهِ ذُوَا عَذْلٍ﴾ هذه
الآية تقتضي أنّ التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد
٢٥١
تفسير سورة المائدة
مِنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَلِكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اللَّهُ عَمَّا
سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْيَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامٍ الْ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا
الجزاء قبل الحكم عليه، فعليه إعادته بالحكم إلاّ حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين،
قاله مالك، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه،
لعموم الآية، وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة ﴿هَذيًا﴾ يقتضي
ظاهره أن ما يخرج من النّعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدى، وهو
الجذع من الضأن والثني مما سواه، وقال الشافعي يخرج المثل في اللحم ولا يشترط السن
﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، ويقتضي أن يصنع بالجزاء ما يصنع
بالهدي من سوقه من الحلّ إلى الحرم، وقال الشافعي وأبو حنيفة إن اشتراه في الحرم أجزأه
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَذِلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عدد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد،
فذكر أولاً الجزاء من النّعم، ثم الطعام ثم الصيام، ومذهب مالك والجمهور أنها على
التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بأو، ومذهب ابن عباس أنها على الترتيب، ولم يبيّن الله
هنا مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يقدّر الجزاء من النعم. لأنهم اختلفوا في كيفية التقدير،
فقال مالك: يقدّر الصيد المقتول نفسه بالطعام أو الدراهم، ثم تقوّم الدراهم بالطعام، فينظر
كم يساوي من طعام أو من دراهم وهو حيّ، وقال بعض أصحاب مالك يقدّر الصيد
بالطعام أي يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس ثم يخرج قدر شبعهم طعامًا، وقال الشافعي
لا يقدر الصيد نفسه، وإنما يقدّر مثله، وهو الجزاء الواجب على القاتل له ﴿أَوْ عَذِلُ ذَلِكَ
صِيَامًا﴾ تحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن لأنه أقرب أو إلى الصيد،
واختلف في تعديل الصيام بالطعام فقال مالك يكون مكان كل مدّ يومًا، وقال أبو حنيفة
مكان كل مدّين يوم، وقيل مكان كل صاع يومًا، ولا يحب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام،
إلاّ بقتل الصيد لا بأخذه دون قتل لقوله مَن قتله، وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين،
وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء ﴿لْيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ الذوق
هنا مستعار لأن حقيقته بحاسّة اللسان، والوبال سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التكفير
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي عمّا فعلتم في الجاهلية من قتل الصيد في الحرم ﴿وَمَنْ عَادَ
فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي مَن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي عن ذلك فينتقم الله منه
بوجوب الكفّارة عليه أو بعذابه الآخرة ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَخْرِ﴾ أحلّ الله بهذه الآية صيد
البحر للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر هو الماء الكثير: سواء كان ملحًا أو
عذبًا، كالبرك ونحوها، وطعامه هو ما يطفو على الماء وما قذف به البحر لأنّ ذلك طعام
٢٥٢
تفسير سورة المائدة
لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهَرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْفَلَّةُ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ الثَّ أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿وَمَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
تَكْتُمُونَ ﴿ قُل لَا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِّ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِ
اُلْأَلْبَبٍ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿لَا يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
وليس بصيد، قال أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب، وقال ابن عباس: طعامه ما ملح منه
وبقي ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة المسافرون أي
هو متاع ما تدومون به ﴿وَحُرْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْيَرْ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الصيد هنا يحتمل أن يراد به
المصدر أو الشيء المصيد أو كلاهما، فنشأ من هذا أن ما صاده المجرم فلا يحلّ له أكله
بوجه، ونشأ الخلاف فيما صاد غيره، فإذا اصطاد حلال، فقيل يجوز للمحرم أكله، وقيل
لا يجوز إن اصطاده لمحرم، والأقوال الثلاثة مرويّة عن مالك، وإن اصطاد حرام لمَن يجيز
لغيره أكله عند مالك خلافًا للشافعي ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لْلنَّاسِ﴾ أي أمرًا
يقوم للناس بالأمن والمنافع، وقيل موضع قيام بالمناسك ولفظ الناس هنا عامٌ، وقيل أراد
العرب خاصّة، لأنهم الذين كانوا يعظّمون الكعبة ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يريد جنس الأشهر.
الحرم الأربعة، لأنهم كانوا يكفّون فيها عن القتال ﴿والْهَذْيَ﴾ يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه
يعلم أنه في عبادة لم يأتِ لحرب ﴿وَالقَلاَئِدَ﴾ كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلّد شيئًا من
السَّمَر، وإذا رجع تقلّد شيئًا من أشجار الحرم، ليعلم أنه كان في عبادة، فلا يتعرّض له أحد
بشيء، فالقلائد هنا هو ما تقلّده المحرم من الشجر، وقيل أراد قلائد الهدي، قال سعيد بن
جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وشدّد في الإسلام ﴿ذَلِكَ لتَعْلَمُوا﴾ الإشارة
إلى جعل هذه الأمور قيامًا للناس، والمعنى جعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل
الأمور ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيْبُ﴾ لفظ عام في جميع الأمور من المكاسب والأعمال
والناس وغير ذلك ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قيل سببها سؤال عبد الله بن
حذافة بن أُبيّ، فقال له النبي وَ﴿ أبوك حذافة، وقال آخر: أين أَبيّ، قال في النار، وقيل
سببها أن النبي ◌َّر قال: ((إن الله كتب عليكم الحج فحجّوا))، فقالوا يا رسول الله: أفي كل
عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: ((لا، ولو قلت نعم لوجبت))، فعلى الأول تسؤكم بالإخبار
٢٥٣
تفسير سورة المائدة
وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ (١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ
مِّن قَبْلِ كُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ ﴿َ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَ حَاٍْ
وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَّرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ الْ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ إِلَى مَآ أَنْزَلَ
اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَلْءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَّاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا
◌َهْتَدُونَ (٤٦) ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْ جِعُّكُمْ
بما لا يعجبكم، وعلى الثاني تسؤكم بتكليف ما يشقّ عليكم، ويقوّي هذا قوله عفا الله
عنها: أي سكت عن ذكرها ولم يطالبكم بها كقوله بَّر: ((عفا الله عن الزكاة في الخيل»،
وقيل إن معنى عفا الله عنها: عفا عنكم فيما تقدّم من سؤالكم فلا تعودوا إليه ﴿وَإِن تَسْأَلُوا
عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فيه معنى الوعيد على السؤال: كأنه قال: لا تسألوا، وإن
سألتم أبدى لكم ما يسوؤكم، والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مُن
قَبْلِكُمْ﴾ الضمير في سألها راجع إلى المسألة التي دلّ عليها لا تسألوا، وهي مصدر، ولذلك
لم يتعدّى بعين كما تعدّى قوله إن تسألوا عنها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون
أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به ﴿مَا
جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَام﴾ لما سأل قوم عن هذه الأمور التي كانت
في الجاهلية هل تعظم لتعظيم الكعبة والهديّ أخبرهم الله أنه لم يجعل شيئًا من ذلك
لعباده: أي لم يشرعه لهم، وإنما الكفّار جعلوا ذلك، فأما البحيرة: فهي فعيلة بمعنى
مفعولة من بحر إذا شقّ، وذلك أن الناقة إذا أنتجت عشرة أبطن شقّوا آذانها وتركوها ترعى
ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول إذا قَدِمْتُ من سفري أو برئت من مرضي
فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في عدم الانتفاع بها، وأما الوصيلة فكانوا إذا ولدت الناقة
ذكرًا وأنثى في بطن واحد قالوا وصلت الناقة أخاها فلم يذبحوها، وأما الحامي فكانوا إذا
نتج من صلب الجمل عشرة بطون قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه شيء
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أي يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرّم الله
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ الذين يفترون على الله الكذب هم الذين اخترعوا تحريم تلك
الأشياء، والذين لا يعقلون هم أتباعهم المقلّدون لهم ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾
أي یکفینا دین آبائنا ﴿أَوَلَوْ کَانَ آباؤُهُمْ﴾ قال الزمخشري الواو واو الحال، دخلت عليها
همزة الإنكار، كأنه قيل أحسبهم هذا وآباؤهم لا يعقلون، قال ابن عطية ألف التوقيف
دخلت على واو العطف، وقول الزمخشري أحسن في المعنى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُكُم
٢٥٤
تفسير سورة المائدة
يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَّكُمُ الْمَوْتُ
جميعًا فَيُنَّبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
١٠٠
حِينَ اُلْوَصِيَّةِ اثْشَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَّهُ فِ الْأَرْضِ فَأَصَدِبَتَّكُم
مِّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قيل إنها منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل إنها
خطاب للمسلمين من ذرّيّة الذين حرّموا البحيرة وأخواتها، كأنه يقول: لا يضرّكم ضلال
أسلافكم إذا اهتديتم، والقول الصحيح فيها ما ورد عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: سألت
عنها رسول الله وَ﴿، فقال: ((مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر))، فإذا رأيتم شخًّا مُطاعًا
وهوّى مُتْبَعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويضة نفسك+ذر
عوامهم، ومثل ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليسَّ هذا بزمان هذه الآية
قولوا الحق ما قبلَ منكم، فإذا ردّ عليكم فعليكم أنفسكم.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانٍ﴾ قال مكّي هذه الآية
أشكل آية في القرآن إعرابًا، ومعنَى، وحكمًا، ونحن نبيّن معناها على الجملة، ثم نبين
أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها أن رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهمه وجل
آخر بتجارة، فمرض في الطريق فكتب كتابًا قيّد فيه كلّ ما معه، وجعله فيّ متاعه، وأواحتى
الرجلين أن يؤدّيا وحله إلى ورثته فمات فَقَدِمّ الرجلان المدينة، وهفعا رحله التى ورثته،
فوجدوا فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لاندوي. هذا الذي قبضناه،
فرفعوهما إلى رسول الله ﴿ فاستحلفهما رسول الله وَر، فبقي الأمر حدّة، ثم عثر على إناء
عظيم من فضة، فقيل لمَن وُجِدَ عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلاته ؛يعني
الرجلين، فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأمر رسوله الهندي
رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقّا، فمعنى الآية: إذا حضر الموت أحد في
السفر، فليشهد عدلين بما معة، فإن وقعبته ريبة في شهادتهما حلفا أنهمه ما كذّبا ولا بدّلا،
فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا خلف رجلان من أولياء النهيلت، وغرم الشاهدان
ما ظهر عليهما، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره اثنان التقدير شهادة بينكم شهادة اثنين
أو مقيم شهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، والعامل في إذا المصدر الذي هو
شهادة، وهذا على أن يكون إذا بمنزلة حين لا تحتاج جوابًا، ويجوز أن تكون شفرطية)
وجوابها محذوفة يدلّ عليه ما تقدّم قبلها، فإنّ المعنى: إذا حضر أخدكم الموت، فينبغي
أن يشهد حين الوصية ظرف العامل فيه حضر، ويكون بدلاً من فإذا ﴿فَوّا عَذْلِ﴾ صفة
٢٥٥
تفسير سورة المائدة
مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ آَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ
ذَا قُرْبٌ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ (٢) فَإِنْ عُثِرَ عَلَ أَنَّهُمَا أُسْتَحَقًّا إِثْمًا فَفَاخَرَانِ
يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُفْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنُنَا أَحَقٌّ مِن
للشاهدين منكم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قيل معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ومن
غيركم من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور منكم أي من المسلمين، ومن غيركم من
الكفّار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة بقوله وأشهدوا ذوي
عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفّار أصلاً، وهو قول مالك والشافعي والجمهور أو هي
محكمة وأن شهادة الكفّار جائزة على الوجه في السفر، وهو قول ابن عباس ﴿إِنْ أَنْتُمْ
ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم، وجواب إن محذوف يدلّ عليه ما تقدّم قبلها، والمعنى إن
ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين ﴿تَخْبِسُونَهُمَا﴾ قال
أبو علي الفارسي. هو صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى
قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين من غير الملّة، إنما يجوز لضرورة الضرب في
الأرض، وحلول الموت في السفر، وقال الزمخشري تحبسونهما استئناف كلام ﴿مِن بَعْدِ
الصَّلاَةِ﴾ قال الجمهور هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها
أمر النبي ◌َ﴿ بالأيمان، وقال مَن حلف على سلعة بعد صلاة العصر، وكان التحليف بعدها
معروف عندهم، وقال ابن عباس هي صلاة الكافرين في دينهما لأنهما لا يعظمان صلاة
العصر ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد
استحلفهما عليّ بن أبي طالب وأبو موسى الأشعري ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي شككتم في صدقهما
أو أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف يدلّ
عليه يقسمان ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ هذا هو المقسوم عليه، والضمير في به للقسم، وفي كان
للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضًا من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين
لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبًا لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم ﴿وَلاً
نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها إلى الله تعظيمًا لها
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا﴾ أي إن اطّلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثمًا،
والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي اثنان
من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في اليمين ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي من
الذين استحقّ عليهم الإثم أو المال، ومعناه من الذين جَنَا عليهم وهم أولياء الميت
٢٥٦
تفسير سورة المائدة
شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذَالَّمِنَ الظَّالِمِينَ إِذَاذَ لِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ
﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ
أَنْ تُرَدَّ ◌َيْمَنْ بَعْدَ أَيْمَنِمَّ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَسْمَعُوْا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ إِ
أَذْكُرْ نِعْمَتِ عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدِتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ
وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَإِذْ تَّخْلُقُ مِنَ الطِّينِ
﴿الأوْلَيَانِ﴾ تثنية أولى بمعنى أحق: أي الأحقّان بالشهادة لمعرفتهما، والأحقّان بالملل:
لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره
الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى
الأوليان، وأجازه ابن عطية، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل،
فالأوليان فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخد المال وجعل يده عليه والأوليان على
هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة،
وقرىء الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم، أو منصوبًا
بإضمار فعل، ووصفهم بالأولية لتقدّمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق
الشهادة ﴿فَيَقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِن شَهَاءَتِهِمَا﴾ أي يحلف هذان الآخران أن شهادتهما
أحقّ: أي أصحّ من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما ﴿إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي إن
اعتدينا، فإنّا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأوّلين إنا إذًا لَمِنَ الآثمين
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ الإشارة بذلك إلى الحكم الذي وقع في هذه
القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى وجهها أي كما وقعت من غير تغيير ولا تبديل أو يخافوا
﴿أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ
الرُّسُلَ﴾ هو يوم القيامة، وانتصب الظرف بفعل مضمر أي ماذا أجابكم به الأمم من إيمان
وكفر وطاعة ومعصية، والمقصود بهذا السؤال توبيخ مَن كفر من الأمم، وإقامة الحجة
عليهم وانتصب ماذا أجبتم انتصاب مصدره، ولو أُريد الجواب، لقيل بماذا أجبتم ﴿قَالُوا لاَ
عِلْمَ لَنَا﴾ إنما قالوا ذلك تأذّبًا مع الله فوكّلوا العلم إليه قال ابن عباس: المعنى لا علم لنا إلاّ
ما علمتنا، وقيل معناه علمنا ساقط في جنب علمك ويقوّي ذلك قوله إنك أنت علام
الغيوب، لأنّ مَن علم الخفيّات لم تُخْفَ عليه الظواهر، وقيل ذهلوا عن الجواب لهول
ذلك اليوم، وهذا بعيد، لأنّ الأنبياء في ذلك اليوم آمنون، وقيل أرادوا بذلك توبيخ الكفّار
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع، ويكون هذا القول يوم القيامة أو
٢٥٧
تفسير سورة المائدة
كَهَيْئَةٍ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُغُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبِىُّ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذَ
تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ
كُفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِخْرٌ مُّبِينٌ ﴿٤) وَ إِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِدِّعْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُواْ
◌َامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَتَّنَا مُسْلِمُونَ (٨) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن
يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِينَ (٨) قَالُواْ فُرِيدُ أَن نَّأَكُلَ مِنْهَا
يكون العامل في إذ مضمرًا ويحتمل على هذا أن يكون القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا
جعلناه يوم القيامة فقوله قال بمعنى يقول، وقد تقدّم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران
﴿فَتَنْقُخُ فِيهَا﴾ الضمير المؤنث عائد على الكاف، لأنها صفة للهيئة، وكذلك الضمير في
تكون، وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]
عائد على الكاف أيضًا، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت هو في الموضعين عائد على
الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله كهيئة فتقديره في التأنيث صورة، وفي التذكير
شخصًا أو خلقًا وشبه ذلك، وقيل المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير،
والطين، وهو بعيد في المعنى ﴿بِإذْنِي﴾ كرّره مع كل معجزة ردًّا على مَن نسب الربوبية إلى
عيسى ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ يعني اليهود حين همّوا بقتله، فرفعه الله إليه ﴿وَإِذْ
أَوْحَيْتُ﴾ معطوف على ما قبله، فهو من جملة نِعَم الله على عيسى والوحي هنا يحتمل أن
يكون وحي إلهام أو وحي كلام ﴿واشْهَذْ﴾ يحتمل أن يكون خطابًا لله تعالى أو لعيسى عليه
السلام ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نداؤهم له باسمه: دليل على أنهم لم يكونوا
يعظّمونه كتعظيم المسلمين لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإنهم كانوا لا ينادونه باسمه،
وإنما يقولون يا رسول الله يا نبيّ الله، وقولهم ابن مريم: دليل على أنهم كانوا يعتقدون فيه
الاعتقاد الصحيح من نسبته إلى أُمّ دون والد، بخلاف ما اعتقده النصارى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ
رَبُّكَ﴾ ظاهر هذا اللفظ أنهم شكّوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة وعلى هذا أخذه
الزمخشري، وقال ما وصفهم الله بالإيمان، ولكن حكى دعواهم في قولهم آمنًا وقال ابن
عطية وغيره: ليس كذلك لأنهم شكّوا في قدرة الله لكنه بمعنى هل يفعل ربك هذا، وهل
يقع منه إجابة إليه، وهذا أرجح، لأن الله أثنى على الحواريين في مواضع من كتابه، مع أنّ
في اللفظ بشاعة تنكّر، وقرىء تستطيع بتاء الخطاب ربّك بالنصب أي هل تستطيع سؤال
ربك، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكّوا، وبها قرأت عائشة رضي الله عنها، وقالت كان
الحواريون أعرف بربّهم من أن يقولوا: هل يستطيع ربّك ﴿أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾
التسهيل لعلوم التنزيل/ ج ١/ م ١٧
٢٥٨
تفسير سورة المائدة
وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ [﴾ قَالَ عِيسَى أَبْنُ حَمَْ
اَلَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنْزِلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَمَّةٌ مِّنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ
قَالَ اللَّهُ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُ هَذَابَ لَ أُعَذِّبُهُ وَ أَحَدًا
١١٤
خَيْرُ الزَّزِقِينَ لـ
٢) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اَتَّخِذُونِ وَأُمِّىَ إِلَهَيْنٍ مِن دُونِ
مِّنَ الْعَلَمِينَ لَـ
موضع أن مفعول بقوله يستطيع على القراءة بالياء، ومفعول بالمصدر، وهو السؤال المقذّر
على القراءة بالتاء، والمائدة هي التي عليها طعام، فإن لم يكن عليها طعام فهي خوان ﴿قَالَ
اتّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ فقوله لهم اتّقوا الله: يحتمل أن يكون زجرًا عن طلب المائدة،
واقتراح الآيات، ويحتمل أن يكون زجرًا عن الشك الذي يقتضيه قولهم هل يستطيع ريك
على مذهب الزمخشري، أو عن البشاعة التي في اللفظ وإن لم يكن فيه شك، وقوله إن
كنتم مؤمنين: هو على ظاهره على مذهب الزمخشري، وأما على مذهب ابن عطية وغيره،
فهو تقرير لهم كما تقول افعل كذا إن كنت رجلاً، ومعلوم أنه رجل، وقيل إن هذه المقالة
صدرت منهم في أوّل الأمر قبل أن يروا معجزات عيسى ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي
أكلاً نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي نعاين الآية
فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض في الاستدلال
﴿وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ ظاهره يقوّي قول من قال إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكّن إيمانهم،
ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علمًا ضروريًا لا يحتمل الشك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ
الشَّاهِدِينَ﴾ أي نشهد بها عند مَن لم يحضرها من الناس ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَزَيَمَ اَللَّهُمَّ رَبَّنَا
أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، ورُوِيَ أنه لبسِ جُبَّة
شعر ورداء شعر، وقام یصلّي ويدعو ویبکي ﴿تكُونُ لَنَا عِیدا لأولِنًا وآخِرِنَا﴾ قیل نتخذيوم
نزولها عيدًا يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمَن بعدهم، وقال ابن عباس: المعني تكون
مجتمعًا لجميعنا أوّلنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة لا عيدًا يدور ﴿وَآيَةً مِّنكَ﴾ أي علامة
على صدقي ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزَّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها.
سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمّان وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم
حيثما نزلوا وفي قصّة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة ﴿فَمِن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذْبُهُ
عَذَابًا﴾ عادة الله عزّ وجل عقاب مَن كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاءٍ
مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمر أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة مَن كفر من أصحاب
المائدة وآل فرعون والمنافقون ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
٢٥٩
تفسير سورة المائدة
اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنْتُ قُلْتُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِى
وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴿َ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِ بِ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِىِ
وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّْتَنِ كُنْتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدُ (!) إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٠) قَالَ اللَّهُ هَا يَوْمُ بَنْفَعُ
وَأُمِّيَ إلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس والجمهور: هذا القول يكون من الله يوم القيامة
على رؤوس الخلائق، ليرى الكفّار تبرئة عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على
باطل، وقال السدّي لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالوا، وزعموا أن غيسى
أمرهم بذلك، وسأل الله حينئذ عن ذلك، فقال سبحانك الآية، فعلى هذا يكون إذ قال
ماضيًا في معناه كما هو في لفظه، وعلى قول ابن عباس يكون بمعنى المستقبل ﴿مَا يَكُونُ
لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٌ﴾ نفي يعضده دليل العقل لأنّ المحدّث لا يكون إلها ﴿إن كُنْتُ
قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اعتذار وبراءة من ذلك القول ووكل العلم إلى الله لتظهر براءته، لأن الله
علم أنه لم يقل ذلك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي تعلم معلومي ولا
أعلم معلومك، ولكنه سلك باللفظ مسلك المشاكلة، فقال في نفسك مقابلة لقوله في نفسي
وبقية قوله تعظيمًا لله، وإخبار بما قال الناس في الدنيا ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ أن حرف عبارة وتفسير
أو مصدرية بدل من الضمير في به ﴿إن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ
الحَكِيمُ﴾ فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم
والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه لأن الخلق
عباده، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفّار، وإنما
يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزّته، وفرّق بين الجواز والوقوع، وأما على قول مَن
قال إن هذا الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال، لأن المعنى
إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكلّ حيّ مُعَرّض للتوبة، السؤال الثاني: ما
مناسبة قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، لقوله وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن
لو قيل، فإنك أنت الغفور الرحيم؟ والجواب من ثلاثة أوجه. الأول يظهر لي أنه لما قصد
التسليم الله والتعظيم له، كان قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أليق، فإن الحكمة تقتضي
التسليم له والعزّة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد؛ ولا يغلبه غيره،
ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم
المغفرة لأنه قادر على كلا الأمرين لعزّته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. الجواب الثاني
٢٦٠
تفسير سورة المائدة
الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِيْنَ فِهَاَ أَبْدًا رَضِىَ اَلَهُ ◌َنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَّةٌ ذَلِكَ
١٢
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٦) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِنٌّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير إنما لم يقل الغفور الرحيم لئلا يكون في ذلك
تعريض في طلب المغفرة لهم فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب، إذ لا تطلب
المغفرة للكفّار، وهذا قريب من قولنا. الثالث حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد
عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله: ﴿وَإِن تُغْفِرْ لَهُمْ﴾
ويجعل ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ﴾ استئنافًا، وجواب إن في قوله فإنهم عبادك، كأنه قال إن
تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ عموم
في جميع الصادقين وخصوصًا في عيسى ابن مريم فإن في ذلك إشارة إلى صدقه في الكلام
الذي حكاه الله عنه، وقرأ غير نافع هذا يوم بالرفع على الابتداء أو الخبر، وقرأ نافع
بالنصب وفيه وجهان: أحدهما أن يكون يوم ظرف لقال، فعلى هذا لا تكون الجملة معمول
القول، وإنما معموله هذا خاصّة والمعنى قال الله هذا القصص أو الخبر في يوم، وهذا بعيد
مُزيل لرونق الكلام، والآخر أن يكون هذا مبتدأ، ويوم في موضع خبره والعامل فيه
محذوف تقديره هذا واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولا يجوز أن يكون يوم مبنيًّا على
قراءة نافع، لأنه أضيف إلى معرب، قاله الفارسي والزمخشري.