Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ تفسير سورة البقرة شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ آَخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيِدُ (.) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوّأْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعُ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ اُلَّلِمُونَ (٦َ اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ الْقَيُمْ لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ، إِلَّ بِإِذْنِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة، وقيل هو إدريس لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاه مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] فالرفعة على هذا في المسافة وقيل هو مطلق في كل مَن فضّله الله منهم ﴿مِن بَعْدِهِم﴾ أي من بعد الأنبياء، والمعنى بعد كل نبيّ لا بعد الجميع ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَلُوا﴾ كرّره تأكيدًا وليبني عليه ما بعده ﴿أَنفِقُوا﴾ يعمّ الزكاة والتطوّع ﴿لاَ بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي لا يتصرّف أحد في ماله، والمراد لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق في الدنيا ويدخل فيه نفي الفدية لأنه بشراء الإنسان نفسه ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾ أي مودة نافعة لأن كل أحد يومئذ مشغول بنفسه ﴿وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ أي ليس في يوم القيامة شفاعة إلاّ بإذن الله فهو في الحقيقة رحمة من الله للمشفوع فيه، وكرامة للشافع ليس فيها تحكّم على الله، وعلى هذا يحمل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن أعني أن لا تقع إلاّ بإذن الله فلا تعارض بينه وبين إثباتها، وحيث ما كان سياق الكلام في أهوال يوم القيامة والتخويف بها نفيت الشفاعة على الإطلاق ومبالغة في التهويل وحيث ما كان سياق الكلام تعظيم الله نفيت الشفاعة إلاّ بإذنه ﴿والكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ قال عطاء بن دينار الحمد لله الذي قال هكذا ولم يقل والظالمون هم الكافرون ﴿اللَّهُ لاَ إلهَ إلاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ هذه آية الكرسي وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث، وجاء فيها فضل كبير في الحديث الصحيح وفي غيره ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ تنزيه الله تعالى عن الآفات البشرية، والفرق بين السِنَة والنوم: أن السِنَة هي ابتداء النوم لا نفسه : كقول القائل: في عينه سِنّة وليس بنائم ﴿مَن ذا الذي يشفع عنده﴾ استفهام مراد به نفي الشفاعة إلاّ بإذن الله فهي في الحقيقة راجعة إليه ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضمير عائد على مَن يعقل ممّن تضمنه قوله: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ والمعنى يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم، وقال مجاهد ما بين أيديهم الدنيا؛ وما خلفهم الآخرة ﴿مِّنْ عِلْمِهِ﴾ من معلوماته أي لا يعلم .. ١٢٢ تفسير سورة البقرة مِنْ عِلْمِهِ، إِلَّ بِمَا شَآءْ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَاً وَقُوَ أَلْعَلِىُّالْعَظِيمُ (٢٥٥) لَآ إِكْرَاهَ فِى الْذِيْنِّ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِّنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٢٥٠ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَّثْقَ لَا أَنفِصَامَ لَهَا وَاَللَّهُ سَيْعُ عَلِيمُ ج وفين .* / التُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ ◌َ أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِنَّهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ٢٥ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ [ ءَاتَنُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِعُمُ رَبِىَ الَّذِى يُخِىء وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحِىء وَأُمِيتٌ قَالَ إِبْرَهِعِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرٍّ وَاللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ عباده من معلوماته إلاّ ما شاء هو أن يعلموه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الكرسي مخلوق عظيم بنين يدي العرش، وهو أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء، وقيل كرسيه علمه وقيل كرسيه ملكه ﴿ولا يَؤُدُّهُ﴾ أي لا يشغله ولا يشقّ عليه ﴿لاَ إِنْرَاهَ في الدِّينِ﴾ المعنى أن دين الإسلام في غاية الوضوح وظهور البراهين على صحته بحيث لا يحتاج أن يُكره أحد على الدخول فيه بل يدخل فيه كل ذي عقل سليم من تلقاء نفسه، دون إكراه. ويدلّ على ذلك قوله: ﴿قَذْ تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيّ﴾ أي قد تبيّن أن الإسلام رشد وأن الكفر غيّ، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه، وقيل معناها الموادعة، وأن لا يكره أحد بالقتال على الدخول في الإسلام ثم نسخت بالقتال، وهذا ضعيف لأنها مدنية وإنما آية المسالمة وترك القتال بمكة ﴿بالعُزْوَةِ الوُثْقَى﴾ العروة في الأجرام هي موضع الإمساك وشدّ الأيديّ، وهي هنا تشبيه واستعارة في الإيمان ﴿لاَّ انِفِصَامَ لَهَا﴾ لا انكسار لها ولا انفصال ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ﴿أُوْ لِتَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ جمع الطاغوت هنا وأفرد في غير هذا الموضع فكأنه اسم جنس لما عبد من دون الله، ولمَن يضلّ الناس من الشياطين وبني آدم ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو نمروذ الملك وكان يدّعي الربوبية فقال لإبراهيم: مَن ربك؟ ﴿قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْرِي وَيُمِيتُ﴾ فقال نمروذ: ﴿أَنَا أُخْبِي وأُمِيتُ﴾ وأحضر رجلين فقتل أحدهما وتركِ الآخرِ، فقال قد أحييت هذا وأمتّ هذا، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ﴾ أي انقطع وقامت عليه الحجة، فإن قيل: لِمَ انتقل إبراهيم عن دليله الأوّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟ فالجواب أنه لم ينقطع ولكنه لمّا ذكر الدليل الأوّل وهو الإحياء والإماتة كان له حقيقة، وهو فعل الله ومجازًا وهو فعل غيره فتعلق نمروذ ١٢٣ تفسير سورة البقرة ٤َ أَوْ كَلَّذِى مََّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ يُحِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ الظّلمِينَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اَللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّبَعَثَمٌ قَالَ كَمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِئْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً بالمجاز غلطًا منه أو مغالطة، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافر عدول عنه أصلاً ﴿أوْ كَالَّذِي مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾ تقديره أو رأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم ترَ عليه؛ لأن كلتيهما كلمتا تعجب، ويجوز أن يحمل على المعنى كأنه يقول أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم، أو كالذي مرّ على قرية وهذا المارّ قيل إنه عزير، وقيل الخضر، فقوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ليس إنكارًا للبعث ولا استبعادًا ولكنه استعظام لقدرة الذي يحيي الموتى، أو سؤال عن كيفية الإحياء وصورته، لا شك في وقوعه، وذلك مقتضى كلمة أنى فأراه الله ذلك عيانًا ليزداد بصيرة، وقيل بل كان كافرًا وقالها إنكارًا للبعث واستبعادًا، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي خالية من الناس، وقال السدّي سقطت سقوفها وهي العروش، ثم سقطت الحيطان على السقف ﴿أَنَّى يُخْبِي هَذِهِ اللَّهُ﴾ ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم لأن هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصّر وقيل قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ سؤال على وجه التقرير ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمِ﴾ استقلّ مدّة موته، قيل أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام فظنّ أنه يوم واحد ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله يومًا فقال أو بعض يوم ﴿فانْظُرْ إلى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ﴾ قيل كان طعامه تينًا وعنبًا وأنّ شرابه كان عصيرًا ولبنًا ﴿لَم يَتَسَنَّ﴾ معناه لم يتغير بل بقي على حاله طول مائة عام، وذلك أُعجوبة إلهية واللفظ يحتمل أن يكون مشتقًا من السِنَة، لأنّ لامها هاء، فتكون الهاء في يتسنّه أصليه. أي لم يتغيّر السنون ويحتمل أن يكون مشتقًّا من قولك تسنن الشيء إذا فسد، ومنه الحمأ المسنون، ثم قلبت النون حرف علّة كقولهم قصّيت أظفاري ثم حذف حرف العلّة للجازم، والهاء على هذا هاء السّكت ﴿وَانْظُرْ إلى حِمَارِكَ﴾ قيل بقي حماره حيًّا طول المائة عام، دون علف ولا ماء، وقيل مات ثم أحياه الله، وهو ينظر إليه ﴿ولِتَجْعَلَكَ آيَةٌ لِلنَّاسِ﴾ التقدير فعلنا بك هذا لتكون آية للناس، ورُوِيَ أنه قام شابًّا على حالته يوم مات فوجد أولاده وأولادهم شيوخًا ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ هي عظام نفسه، وقيل عظام الحمار على ١٢٤ تفسير سورة البقرة لِلنَّاسِ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمٌ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢) وَإِذْقَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْقَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلٌَّ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلّ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ ٢٦٠ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( أَمْوَلَهُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْتَةُ حَّةٌ وَاللَّهُ يُضْنَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيُ ◌َ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ ﴿ قَوْلُ مَّعْرُوفُ ٢٦٢ مَنَّا وَلَآ أَذٌَّّ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ! القول بأنه مات ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالراء نحييها، وقرىء بالزاي، ومعناه نرفعها للإحياء ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ بهمزة قطع وضمّ الميم أي قال الرجل ذلك اعترافًا، وقرىء بألف وصل، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية: قال الجمهور: لم يشك إبراهيم في إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة، لأنه رأى دابّة قد أكلتها السِّباع والجيّات فسأل ذلك السؤال، ويدلّ على ذلك قوله: كيف، فإنها سؤال عن حال الإحياء وصورته لا عن وقوعه ﴿وَلَكِن لْيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي بِالمعاينة ﴿أزْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ﴾ قيل هي الديك، والطاوس، والحمام، والغراب، فقطعها وخلط أجزاءها ثم جعل من المجموع جزءاً على كل جيل، وأمسك رأسها بيدها، ثم قال: تعالين بإذن الله فتطايرت تلك الأجزاء حتى التأمت، وبقيت بلا رؤوس، ثم كرّر النداء فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها في رؤوسها وطارت بإذن الله ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أي ضمّهنّ، وقيل قطّعهنّ على كل جبل، قيل أربعة جبالٍ، وقيل سبعة، وقيل الجبال التي وصل إليها حينئذ من غير حصر بعدد ﴿في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ظاهره الجهاد، وقد يحمل على جميع وجوه البرّ ﴿كَمَثَلٍ حَبَّةٍ﴾ كل ما يزرع ويقتات وأشهره القمح، وفي الكلام حذف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة أو يقدر في آخر الكلام كمثل صاحب حبة ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ بيان أن الحسنة بسبعمائة كما جاء في الحديث أن رجلاً جاء بناقة فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة)) ﴿واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ أي يزيده على سبعمائة وقيل هو تأكيد وبيان للسبعمائة، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث ما يدلّ عليه ﴿الَّذِينَ يُتْفِقُونَ﴾ الآية: قيل نزلت في عثمان، وقيل في عليّ وقيل في عبد الرحمن بن عوف ﴿مَنَّ وَلاَ أَنّى﴾ المنّ: ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، والأذى السبّ ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفِّ﴾ هو ١٢٥ تفسير سورة البقرة وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيُ لَا يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِقَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ. كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ (١) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُر (٢) أَيَوَدُ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ ردّ السائل بجميل من القول: كالدعاء له والتأنيس ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل مغفرة من الله لسبب الردّ الجميل، والمعنى تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ عقيدة أهل السُّنّة أن السيئات لا تبطل الحسنات فقالوا في هذه الآية إن الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي لا تُقبَل منه، وقيل إن المنّ والأذى: دليل على أن نيّته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ﴾ تمثيل لمَن يمنّ ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل المُرائي في نفقته كحجر عليه تراب يظنّه من يراه أرضًا مُنبِتَة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا منفعة فيه، فكذلك المُرائي يظن أن له أجْرًا، فإذا كان يوم القيامة انكشف سرّه ولم تنفعه نفقته ﴿صَفْوَانٍ﴾ حجر كبير ﴿وَابِلٌ﴾ مطر كثير ﴿صَلْدًا﴾ مطر كثير ﴿صَلْدًا﴾ أملس ﴿لاَ يَقْدِرُونَ﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم ﴿وتَشْبِيتًا﴾ أي تيقنًا وتحقيقًا للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقّة في بذل المال، وانتصاب ابتغاء على المصدر في موضع الحال وعطف عليه وتثبيتًا، ولا يصحّ في تثبيتًا أن يكون مفعولاً من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ تقديره كمثل صاحب جنّة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها ﴿فَطَلِّ﴾ الطلّ الرقيق الخفيف، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية: مثل ضرب للإنسان يعمل صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره ختم له بعمل السوء، أو مثل للكافر أو المنافق أو المُرائي المتقدّم ذكره آنفًا أو ذي المنّ ١٢٦ تفسير سورة البقرة فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيُِّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا ◌َكُمْ مِنَ تَتَفَكَّرُونَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِقَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُفْرِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ [®َ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْهُ وَفَضْلًا وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ (جَ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءٌ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْنِىَ خَبْراً كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبٍ (*) وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ الْهَا إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِيَا هِىَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمَّ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ والأذى، فإن كل واحد منهم يظن أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجة إليه لم يجد شيئًا، فشبّههم الله بمَن كانت له جنة، ثم أصابتها الجائحة المُهلِكة، أخوج ما كان إليها لشيخوخته، وضعف ذريته، قالوا في قوله: وأصابه الکبر للحال ﴿إغضار﴾ أي ريح فيها سموم محرقة ﴿مِن طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والطيبات هنا عند الجمهور: الجيد غير الرديء فقيل إن ذلك في الزكاة فيكون واجبًا؛ وقيل في التطوّع فيكون مندوبًا لا واجبًا؛ لأنه كما يجوز التطوّع بالقليل يجوز بالرديء ﴿ومَمَّا أَخْرَجْنَا﴾ من النبات والمعادن وغير ذلك ﴿وَلاَ تَيْمَّمُوا الخپیثَ﴾ أي لا تقصدوا الرديء ﴿مِنهُ تُنفِقُونَ﴾ في موضع الحال ﴿وَقَسْتُم بِآخِذِیهِ﴾ الواو للحال والمعنى أنكم لا تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلاّ أن تتسامحوا بأخذه وتعملوا من قولك: أغمض فلان عن بعض حقّه: إذا لم يستوفه وإذا غضّ بصره ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الفَقْرَ﴾ الآية: دفع لم يوسوس به الشيطان من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حضّ على الإنفاق، ثم بيّن عداوة الشيطان بجمره بالفحشاء، وهي المعاصي، وقيل الفحشاء البخل). والفاحش عند العرب البخيل، قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان واثنتان من الله، والفضل هو الرزق والتوسعة ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ قيل هي المعرفة بالقرآن، وقيل النبوّة، وقيل الإصابة في القول والعمل ﴿وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ الآية. ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان. تبرّعًا، وما يفعله بعد إلزامه نفسه بالنذر، وفي قوله: ﴿فإن اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعد بالثواب، وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ وعيد لمّن يمنع الزكاة أو ينفق لغير الله ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ هي التطوّع عند الجمهور لأنها يحسن إخفاؤها وإبداء الواجبة كالصلوات ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ثناء على الإظهار، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء وما من نِعِمًا في ١٢٧ تفسير سورة البقرة ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ خَبِيرٌ لـ فَلِأَ نْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ الَ لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَاْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ لَهُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى (٢٧٤) عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ! موضع نصب تفسير للمضمر والتقدير فنعم شيء إبداؤها ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ قيل إن المسلمين كانوا لا يتصدّقون على أهل الذمّة فنزلت الآية مبيحة للصدقة على مَن ليس على دين الإسلام، وذلك في التطوّع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلاً، فالضمير في هداهم على هذا القول للكافر، وقيل ليس عليك أن تهديهم لما أمروا به من الإنفاق، وترك المنّ والأذى والرياء، والإنفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلغهم والهدى بيد الله، فالضمير على هذا للمسلمين ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلْأَنفُسِكُمْ﴾ أي إن منفعته لكم لقوله: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصّلت: ٤٦، والجاثية: ١٥] ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قيل إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلاّ ابتغاء وجه الله ففيه تزكية لهم وشهادة بفضلهم، وقيل ما تنفقون نفقة تقبل منكم إلاّ ابتغاء وجه الله، ففي ذلك حضّ على الإخلاص ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلّق بمحذوف تقديره الإنفاق للفقراء وهم هنا المهاجرون ﴿أحصروا﴾حبسوا بالعدو، وبالمرض ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يحتمل الجهاد والدخول في الإسلام ﴿ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ هو التصرّف في التجارة وغيرها ﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ أي يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء لقلّة سؤالهم والتعفّف هنا هو عن الطلب ومن سببية، وقال ابن عطية لبيان الجنس ﴿تَغْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ علامة وجوههم وهي ظهور الجهد والفاقة وقلّة النعمة وقيل الخشوع وقيل السجود ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الإلحاف هو الإلحاح في السؤال، والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطفون ولا يلخّون، وقيل هو نفي السؤال والإلحاح معًا وباقي الآية وعد ﴿باللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَئِيَةَ﴾ تعميم لوجوه الإنفاق وأوقاته، قال ابن عباس: نزلت في عليّ فإنه تصدّق بدرهم بالليل وبدِرهم بالنهار وبدِرهم سرًّا وبدرهم علانية وقال أبو هريرة نزلت في علف الخيل ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ أي ينتفعون به، وعبّر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع ١٢٨ تفسير سورة البقرة" يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوَأْ وَأَخَلَّ اللَّهُ اَلْبَيْعَ وَحَلَّمَ الْرَّوَأْ فَمَنْ جَمُ مَوْعِظَةٌ مِن رَّبِّهِ، فَانْنَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَاذَ لَكُوْنَكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ لْ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِ الضَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَغَارٍ وسواء مَن أعطاه أو مَن أخذه، والربا في اللغة الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة، فإن غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم أتقضي أم تربي، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبرُ الطالب عليه، ثم إن الربا على نوعين: رِبَا النسيئة، ورِبا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام. فأما الثسيئة فتجرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصرف، وفي الطعام بالطعام مطلقًا، وأما التفاضل فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين، ومن الطعام، ومذهب مالك أنه يحرم التفاضل في المقتات المدّخر من الطعام، ومذهب الشافعي أنه يحرم في كل طعام، ومذهب أبي حنيفة أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره ﴿لاَ يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسْ﴾ أجمع المفسّرون. أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلاّ كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك خبط. يخبط، والمسّ الجنون، ومن تتعلق بيقوم ﴿ذلك بأنهم﴾ تعليل للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا الكفّار، لأن قولهم إنما البيع مثل الربا: ردّ على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد، فإن قيل: هلاً قيل إنما الربا مثل البيع، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز، فالجواب: أن هذا مبالغة، فإنهم جعلوا الربا أصلاً حتى شبّهوا به البيع ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعًا، وقد عدّدناها في الفقه ثمانين نوعًا ﴿وَخَرَّمَ الرُّبًا﴾ رد على الكفّار وإنكار للتسوية بين البيع والزبا، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي له ما أخذ من الربا، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم ﴿وَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل الضمير عائد على الربا، والمعنى أن أمر الزبا إلى الله في تحريم أو غير ذلك ﴿ومَنْ عَادَ﴾ الآية: يعني مَن عاد إلى فعل الربا وإلى القول. إنما البيع مثل الربا، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار، لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر « خلا حجة فيها لمَن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفّار ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبًا﴾ ينقصه ويذهبه ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ينمّيها في الدنيا بالبركة، وفي الآخرة بمضاعفة الثواب ﴿كَفَّارٍ أَثِيم﴾ ١٢٩ تفسير سورة البقرة أَثِيرِ الْكَ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ لِ) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٠) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ () وَأَنَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٨٠) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَمَّى فَاكْتُبُوَةٌ وَلْيَكْتُب تَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ أي مَن يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا، وهذا يدلّ على أن الآية في الكفّار ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ سبب الآية أنه كان بين قريش وثقيف ربا في الجاهلية فلما فتح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكة قال في خطبته: ((كلّ رِبًا كان في الجاهلية موضوع))، ثم إن ثقيف أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه وقالوا قد وضع الربا فتحاكموا إلى عتاب بن أسيد أمير مكة فكتب بذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فنزلت الآية ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط لمَن خوطب به من قريش وغيرهم ﴿فإن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَزْبٍ﴾ أي إن لم تنتهوا عن الربا حوربتم ومعنى فأذنوا: اعلموا، وقرىء بالمدّ أي أعلموا غيركم، ولما نزلت قالت ثقيف لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلُمُونَ﴾ أي لا تظلمون بأخذ زيادة على رؤوس أموالكم، ولا تظلمون بالنقص منها ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ كان تامّة بمعنى حضر ووقع، وقرىء ذا عسرة، أي إن كان الغريم ذا عسرة ﴿فَتَظْرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، وقد كان قبل ذلك يُباع فيما عليه، ونظرة مصدر، معناه التأخير، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره فالجواب نظرة أو مبتدأ، وميسرة أيضًا مصدر وقرىء بضم السين وفتحها ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدين عنه فذلك أفضل من إنظاره، وباقي الآية وعظ، وقيل إن آخر آية نزلت آية الربا، وقيل بل قوله: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، الآية وقيل آية الدين المذكورة بعد ﴿إذا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ﴾ أي إذا عامل بعضكم بعضًا بدين، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكورًا في تداينتم ليعود عليه الضمير في اكتبوه وليزول الاشتراك الذي في تداينتم، إذ يقال لمعنى الجزاء ﴿إِلى أَجَلِ مُسَمَّى﴾ دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصّاد، لأنه معروف عند الناس، ومنعه الشافعي التسهيل لعلوم التنزيل / ج ١/ م ٩ ١٣٠ تفسير سورة البقرة اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلٍ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رَّجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَآَمْرَأَتَانِ مِمَّن ◌َرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن وأبو حنيفة، قال ابن عباس: نزلت الآية في السّلم خاصّة يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب نزولها، قال مالك وهذا يجمع الدين كله يعني أنه يجوز التأخير في السّلم والسلف وغيرهما ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية، وقال قوم إنها منسوخة لقوله: ﴿فإن أمِنَ بعضُكُم بعضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقال قوم إنها على الندب ﴿ولْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾ قال قوم يجب على الكاتب أن يكتب، وقال قوم نسخ ذلك بقوله: ﴿ولا يضارّ كَاتِبٌ ولَا شَهيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال آخرون يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه، وقال قوم إن الأمر بذلك على الندب ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق ﴿بالعَذلِ﴾ يتعلق عند ابن عطية بقوله وليكتب، وعند الزمخشري بقوله كاتب فعلى الأول تكون الكتابة بالعدل، وإن كان الكاتب غير مرضيّ، وعلى الثاني يجب أن يكون الكاتب مرضيًا في نفسه، قال مالك؛ لا يكتب الوثائق إلاّ عارف بها، عدل في نفسه مأمون ﴿ولاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أن يَكْتُبَ﴾ نهي عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب ﴿كَمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يتعلق بقوله أن يكتب، والكاف للتشبيه أي يكتب مثل ما علمه الله أو التعليل: أي ينفع الناس بالكتابة كما علّمه الله لقوله أحسن كما أحسن الله إليك وقيل يتعلق بقوله بعدها ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ﴾ يقال أمللت الكتاب، وأمليته، فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله تملي عليه على الأخرى ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لأنّ الشهادة إنما هي باعترافه، فإن كتب الوثيقة دون إملاله، ثم أقرّ بها جاز ﴿وَلا يَبْخَسْ﴾ أمر الله بالتقوى فيما يملي، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق ﴿سَفِيهَا أَو ضَعِيفًا أو لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله، والضعيف الصغير وشبهه، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه ﴿وَلِيُّهُ﴾ أبوه، أو وصيّه، والضمير عائد على الذي عليه الحق ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ شهادة الرجلان جائزة في كل شيء إلاّ في الزنا فلا بدّ من أربعة ﴿مِن رُّجَالِكُمْ﴾ نص في رفض شهادة الكفّار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرقّ ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانٍ﴾ قال قوم لا تجوز شهادة المرأتين إلاّ مع الرجال، وقال معنى الآية؛ إن لم يكونا أي إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان، فرجل وامرأتان، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها، وتجوز ١٣١ تفسير سورة البقرة تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَمُهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْعَمُواْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاعُ أَلَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَ كَانِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهُ شهادة المرأتين دون رجل، فيما لا يطّلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال، وعيوب النساء، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره: فليكن رجل، فهو فاعل، أو تقديره: فليستشهد رجل فهو مفعول لم يُسَمَّ فاعله، أو بالابتداء تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾ صفة للرجل والمرأتين، وهو مشترط أيضًا في الرجلين الشاهدين، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو العدالة، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقّي الصغائر مع المحافظة على المروءة ﴿أن تضلّ﴾ مفعول من أجله، والعامل فيه هو المقدّر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة وهو نسيانها أو نسيان بعضها، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولاً من أجله، وليس هو المراد، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد، فأقيم السبب مقام المسبّب، وقرىء: إن تضلّ: بكسر الهمزة على الشرط، وجوابه الفاء في فتذكر، ولذلك رفعه من كسر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف، وقرىء تذكر بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ أي لا يمتنعون ﴿إذا مَا دُعُوا﴾ إلى أداء الشهادة، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعى إليها، وقيل إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها. وقيل إلى الأمرين ﴿وَلاَ تَسْأَمُوا أن تَكْتُبُوهُ﴾ أي لا تملّوا من الكتابة إدا تردّدت وكثرت، سواء كان الحق صغيرًا أو كبيرًا، ونصب صغيرًا على الحال ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى الكتابة ﴿أَقْسَطُ﴾ من القسط وهو العدل ﴿وَأَقْوَمُ﴾ بمعنى أشد إقامة، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل ﴿وَأَذْنَى أَلَّ تَرْتَابُوا﴾ أي أقرب إلى عدم الشك في الشهادة ﴿إلاَّ أن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ﴾ أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل، والمعنى إياحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، وهو ما يباع بالنقد وغيره، ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي القبض والبينونة ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ﴾ ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيرًا أو كبيراً، وهم الظاهرية خلافًا للجمهور وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: فإن أمِنَ بعضكم بعضًا، وذهب قوم إلى أنه على الندب ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ يحتمل أن يكون كاتب فاعلاً على تقدير كسر الراء المدغمة من يضارّ، والمعنى على هذا نهي للكاتب ١٣٢ تفسير سورة البقرة ﴿﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ج فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَتَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةُ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (﴾الِلّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴿َ ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَيُعَذِّبُ مَن يَشَدَةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُر والشاهد أن يضارّ صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيها أو النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولاً لم يُسَمّ فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوّي ذلك قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ((لا يضارر)) بالتفكيك وفتح الراء، والمعنى النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل ﴿وإن تَفْعَلُوا﴾ أي إن وقعتم في الإضرار ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ حال بكم ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ إخبار على وجه الامتنان، وقيل معناه الوعد بأن من اتّقى علّمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا. ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية: لما أمر الله تعالى بكتب الدين: جعل الرهن توثيقًا للحق، عوضًا عن الكتابة، حيث تتعذّر الكتابة في السفر، وقال الظاهرية؛ لا يجوز الرهن إلاّ في السفر لظاهر الآية. وأجازه مالك وغيره في الحضر لأن النبي ول﴾ رهن درعه بالمدينة ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع العلماء على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عدل، والقبض للرمن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره، لقوله تعالى: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾ وهو عند مالك شرط كمال لا صحة ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ الآية: أي إن أمن صاحب الحق المديان لحسن ظنه به، فليستغنٍ عن الكتابة وعن الرهن، فأمر أولاً بالكتابة، ثم بالرهن ثم بالائتمان، فللدين ثلاثة أحوال ثم أمر المديان بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ محمول على الوجوب ﴿فإنّه آئِّمٌ قَلْبُهُ﴾ معناه: قد تعلق به الإثم اللاحق من المعصية في كتمان الشهادة، وارتفع آثم بأنه خبر إن، وقلبه فاعل به، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ، وآثم خبره، وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كان جملة الكاتم هي الأئمة، لأن الكتمان من فعل القلب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان: ﴿وإن تُبُدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ الآية: مقتضاها المحاسبة على ما في نفوس العباد من ١٣٣ تفسير سورة البقرة وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا الذنوب، سواء أبدوه أم أخفوه، ثم المعاقبة على ذلك لمن يشاء الله أو الغفران لمَن شاء الله، وفي ذلك إشكال لمعارضته لقول رسول الله وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها))، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شقّ ذلك على الصحابة وقالوا أهلكنا إن حوسبنا على خواطر أنفسنا، فقال لهم النبي ◌َله: ((قولوا سمعنا وأطعنا))، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاّ وُسْعَهَا﴾، فكشف الله عنهم الكربة، ونسخ بذلك هذه الآية، وقيل هي في معنى كتم الشهادة وإبدائها، وذلك محاسب به، وقيل يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذّب الكافرين والمنافقين، والصحيح التأويل الأول لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضًا عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصحّ دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر، ومعناها حكم ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ ويُعَذِّبُ﴾ قرىء بجزمهما عطفًا على يحاسبكم وبرفعهما على تقدير فهو يغفر ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية سببها ما تقدّم في حديث أبي هريرة: لما قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله بهذه الآية، وقدّم ذلك قبل كشف ما شقّ عليهم ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول أو مبتدأ، فعلى الأوّل يوقف على المؤمنون وعلى الثاني يوقف على من ربّه والأوّل أحسن ﴿كُلِّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إن كان المؤمنون معطوفًا فكل عموم في الرسول والمؤمنون، وإن كان مبتدأ فكل عموم في المؤمنين ووحّد الضمير في آمن على معنى أن كل واحد منهم آمن ﴿وكُتُبِهِ﴾ قرىء بالجمع أي كل كتاب أنزله الله، وقرىء بالتوحيد يريد القرآن أو الجنس ﴿لاً نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ التقدير يقولون لا نفرّق، والمعنى لا نفرّق بين أحد من الرُّسل وبين غيره في الإيمان بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ حكاية عن قول المؤمنين على وجه المدح لهم ﴿غُفْرَانَكَ﴾ مصدر، والعامل فيه مضمر ونصبه على المصدرية تقديره اغفر غفرانك، وقيل على المفعولية تقديره: نطلب غفرانك ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ إقرار بالبعث مع تذلّل وانقياد، وهنا تمّت حكاية كلام المؤمنين ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ إخبار من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق، وهو جائز عقلاً عند الأشعرية ومُحال عقلاً عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقع في الشريعة ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي من الحسنات ﴿وَعَلَيْهَا ما اكْتَسَبَتْ﴾ أي من ١٣٤ تفسير سورة البقرة كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ السيئات، وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع العبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضرّ بالعبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها. يتكلّف مخالفة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلّف أو لأن السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولما لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إنِ نَسِينَا أَو أَخْطَأْنَا﴾ أي قولوا ذلك في دعائكم ويحتمل أن يكون ذلك من بقية حكاية قولهم كما حكى عنهم قولهم: سمعنا وأطعنا، والنسيان هنا هو ذهول القلب على الإنسان، والخطأ غير العمد فذلك معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان)) وقد كان يجوز أن يأخذ به لولا أنّ الله رفعه ﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ التكاليف الصعبة، وقد كانت لمَن تقدّم من الأمم كقتل أنفسهم، وقرض أبدانهم، ورفعت عن هذه الأمة. قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعي برفع ما لا يجوز أن يقع. ثم إن الشرع دفع وقوعه. وتحقيق ذلك أنّ ما لا يطاق أربعة أنواع: الأول عقلي محض: كتكليف الإيمان لمَن علم الله أنه لا يؤمن. فهذا جائز وواقع بالاتفاق. والثاني عاديّ كالطيران في الهواء. والثاني عقلي وعادي: كالجمع بين. الضدّين، فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه، والرابع تكليف ما يشقّ ويصعب، فهذا جائز اتفاقًا، فقد كلّفه الله من تقدّر من الأمم، ورفعه عن هذه الأمّة ﴿واغْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أن العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضّل بالإنعام ﴿مَوْلاَنَا﴾ ولیّنا وسيّدنا. سورة آل عمران مدنيّة وآياتها ٢٠٠ نزلت بعد الأنفال بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّ الَّمَّ أَ اأَنَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ (٤) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاْإِنِيلٌ ﴿٤َ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنَزَ الْفُرْقَانُّ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِقَايَتِ اَللَّهِ لَهُمْ عَدَابٌ شَدِيدٌ وَاَللَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمن الرّحيم نزل صدرها إلى نيّف وثمانين آية لمّا قَدِمَ نصارى نجران المدينة المنوّرة يُناظرون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عيسى عليه السلام ﴿الم﴾ تقدّم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري هي حركة الهمزة نقلت إلى الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ردّ على النصارى في قولهم إنّ عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس بحيّ وليس بقيّوم ﴿الكِتَابَ﴾ هنا هو القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي تضمن الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق ﴿ مُصَدَّقًا﴾ قد تقدّم في مصدّقًا لما معكم ﴿بَينَ يَدَيْهِ﴾ الكتب المتقدّمة ﴿التَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ﴾ أعجميان فلا يصحّ ما ذكره النحاة من اشتقاقهما ووزنهما ﴿وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ﴾ يعني القرآن وإنما كرّر ذكره ليصفه بأنه الفارق بين الحق والباطل ويحتمل أن يكون ذكره أولاً على وجه الإثبات لإنزاله لقوله: ﴿مُصَدْقًا لْمَا بَيْنَ يَدَبِهِ﴾، ثم ١٣٦ تفسير سورة آل عمران عَزِيزٌ ذُوْ أَنِقَاءِ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ بَ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ لِلَ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِتَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَمَا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ هَا تَْبَهَ مِنْهُ أَبِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ وَالرَّسِفُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلِّ مِنْ عِندِ رَيِّنَاْ وَمَا ذكره ثانيًا على وجه الامتنان بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل هدى للناس، فكأنه قال وأنزل الفرقان هدىّ للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما اختلف قصد الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكرارًا، وقيل الفرقان هنا: كلّ ما فرّق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل هو الزّبور، وهذا بعيد ﴿لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على التفضيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك ردّ على النصارى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ برهان على إثبات علم الله المذكور قبل: وفيه ردّ على النصارى، لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصوّرًا كسائر بني آدم ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من طول، وقصر، وحُسْن وقُبْح، ولون؛ وغير ذلك ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ المحكم من القرآن: هو البيّن المعنى، الثابت الحكم، والمتشابه هو الذي يحتاج إلى التأويل، أو يكون مستغلق المعنى: كحروف الهجاء، قال ابن عباس: المحكمات الناسخات والحلال والحرام، والمتشابهات المنسوخات والمقدّم والمؤخّر، وهو تمثيل لما قلنا ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي عمدة ما فيه ومعظمه ﴿فَأْمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ﴾ نزلت في نصارى نجران فإنهم قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه قال: ((نعم))، قالوا: فحسبنا إذًا، فهذا من المتشابه الذي اتّبعوه، وقيل نزلت في أبي ياسر بن أخطب اليهودي وأخيه حكيم ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مهتدع، أو جاهل يتبع المتشابه من القرآن ﴿ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ أي ليفتنوا به الناس ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي يبتغون أن يتأوّلوه على ما تقتضي مذاهبهم أو يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يصل إليه مخلوق ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاّ اللَّهُ﴾ إخبار بانفراد الله بعلم تأويل المتشابه من القرآن وذمّ لمَن طلب علم ذلك من الناس ﴿والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم﴾ مبتدأ مقطوع ممبا قبله، والمعنى أن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه وإنما يقولون آمنًا به على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته، وقيل إنه معطوف على ما قبله وأن المعنى أنهم يعلمون تأويله، وكلا القولين مروي عن ابن عباس، والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح، وقال ابن عطية المتشابه نوعان: نوع انفرد الله بعلمه، ونوع ١٣٧ تفسير سورة آل عمران يَذَكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَ لْبَبِ أَ رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ ٧ اَلْوَهَّابُ الَْ رَبََّآَ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لََّ رَيّبَ فِيَةٍ إِنَّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ أَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بَِا يَئِنَا فَأَخَذَهُمُ الَّهُ بِذُنُوبِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِقَابِ (١). قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّهٌ وَبِفْسَ الْمِهَادُ (١١) قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَّةٌ فِى فِئَتَبْنِ الْتَقَتَّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ يمكن وصول الخلق إليه فيكون الراسخون ابتداء بالنظر إلى الأول، وعطفًا بالنظر إلى الثاني ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ أي المحكم والمتشابه من عند الله ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِعْ قُلُوبَنَا﴾ حكاية عن الراسخين، ويحتمل أن يكون منقطعًا على وجه التعليم والأول أرجح لاتصال الكلام، وأما قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾؛ فهو من كلام الله تعالى لا حكاية قول الراسخين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ استدلال على البعث ويحتمل أن يكون من تمام كلام الراسخين أو منقطعًا فهو من كلام الله ﴿كَدَأْبِ﴾ في موضع رفع أي دأب هؤلاء كدأب ﴿آَلٍ فِرْعَوْنَ﴾ وفي ذلك تهديد ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ عطف على آل فرعون، ويعني بهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير عائد على آل فرعون ﴿بِآيَاتِنَا﴾ البراهين أو الكتاب ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُخْشَرُونَ﴾ قرىء بتاء الخطاب ليهود المدينة، وقيل الكفّار قريش، وقرىء بالياء إخبارًا عن يهود المدينة، وقيل عن قريش وهو صادق على كل قول أما اليهود فغلبوا يوم قريظة والنضير وقينقاع، وأما قريش ففي بدر وغيرها والأشهر أنها في بني قينقاع؛ لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا له لا يغرّنّكَ أنك قتلت نفرًا من قريش لا يعرفون القتال. فلو قاتلنا لعرفت أنا نحن الناس، فنزلت الآية. ثم أخرجهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من المدينة ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قیل خطاب للمؤمنين، وقيل لليهود، وقيل لقريش؛ والأول أرجح أنه لبني قينقاع، الذين قيل لهم ستغلبون. ففيه تهديد لهم وعبرة كما جرى لغيرهم ﴿فِي فِئَتَيْنِ التقتا فئة﴾ المسلمون والمشركون يوم بدر ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾ قرىء ترونهم بالتاء خطابًا لمَن خوطب بقوله: ﴿قد كان لكم آية﴾ . والمعنى ترون الكفّار مثلي المؤمنين. ولكن الله أيّد المسلمين بنصره على قدر عددهم، وقرىء بالياء. والفاعل في يرونهم المؤمنون، والمفعول به هم المشركون. والضمير في مثليهم للمؤمنين والمعنى على حسب ما تقدّم. فإن قيل: إن الكفّار كانوا يوم بدر أكثر من ١٣٨ تفسير سورة آل عمران اُلْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَكَةَ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِأُوْلِىِ الْأَبْصَكِ [ثَّ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ اُلْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَكْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسُْ اَلْمَغَابِ قُلْ أَؤُ نَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّلـٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِيْنَ ١٠ المسلمين؛ فالجواب من وجهين أحدهما أن الكفّار كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين، لأن الكفّار كانوا قريبًا من ألف، والمؤمنون ثلاثمائة وثلاثة عشر ثم إن الله تعالى قلّل عدد الكفّار في أعين المؤمنين حتى حسبوا أنهم مثلهم مرتين ليتجاسروا على قتالهم إذا ظهر لهم أنهم على ما أخبروا به من قتال الواحد للاثنين من قوله: ﴿إِنْ تَكُنْ مِنْكُم مَائَة صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مَائَتَينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: ﴿وإذ يُرِيكُمُوهُم إذ الْتَقَيْتُم فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلاً﴾ [الأنفال: ٤٤]، والآخر أنه رجع قوم من الكفار حتى بقي منهم ستمائة وستة وعشرون رجلاً، وذلك قدر عدد المسلمين مرتين وقيل إن الفاعل في يرونهم ضمير المشركين، والمفعول ضمير المؤمنين وأن الضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمؤمنين والمفعول للمشركين. والمعنى على هذا أن الله كثّر عدد المسلمين في أعين المشركين حتى حسب الكفّار المؤمنين مثلي الكافرين أو مثلي المؤمنين. وهم أقل من ذلك وإنما كثرهم الله في أعينهم ليرهبوهم، ويردّ هذا قوله تعالى: ﴿ويقلّلكم في أعينهم﴾ [الأنفال: ٤٤] ﴿رَأْيَ العَيْنِ﴾ نصب على المصدرية ومعناه معاينة ظاهرة لا شك فيها ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أي أن النصر بمشيئة الله لا بالقلّة ولا بالكثرة، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ قيل المزين هو الله وقيل الشيطان. ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا. وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة ﴿والقَنَّاطِيرِ﴾ جمع قنطار، وهو ألف ومائتا أوقية، وقيل ألف ومائتا مثقال، وكلاهما مروي عن النبي وَّرَ ﴿المُقَتْطَرَةِ﴾ مبنية من لفظ القناطير وللتأكيد كقولهم أُلوف مؤلّفة، وقيل المضروبة دنانير أو دراهم ﴿المُسَوَمَةِ﴾ الراعية من قولهم سام الفرس وغيره إذا جال في المسارح، وقيل المعلّمة في وجوهها شيئان فهي منٍ السِّمات بمعنى العلامات قيل المعدة للجهاد ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تحقير لها ليزهد فيها : الناس. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُم﴾ تفضيل للآخرة على الدنيا ليرغب فيها وتمام الكلام ١٣٩ تفسير سورة آل عمران فِيهَا وَأَزْوَابٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِنَ اللهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١) الضَبِينَ وَالصََّدِقِينَ وَاُلْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ (٨) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَم وَمَا أُخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُر ◌َِايَتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤٦) فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ في قوله من ذلكم ثم ابتدأ قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ تفسيرًا لذلك فجنّات على هذا مبتدأ وخبره للذين اتقوا، وقيل إن قوله للذين اتقوا متعلق بما قبله وتمام الكلام في قوله عند ربّهم، فجنّات على هذا خبر مبتدأ مضمر ﴿ورِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ زيادة إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ نعت للذين اتقوا، ورفع بالابتداء، أو نصب بإضمار فعل ﴿الصَّادِقِينَ﴾ في الأقوال والأفعال ﴿والقَانِتِينَ﴾ العابدين والمطيعين ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ﴾ الاستغفار هو طلب المغفرة قيل لرسول الله بَّله كيف نستغفر، فقال قولوا اللّهمَّ اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التّاب الرحيم ﴿بِالأَسْحَارِ﴾ جمع سحر وهو آخر الليل يقال إنه الثلث الأخير، وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذ: مَن يستغفرني فأغفر له ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية: شهادة من الله سبحانه لنفسه بالوحدانية وقيل معناها إعلامه لعباده بذلك ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْم﴾ عطف على اسم الله أي هم شهداء بالوحدانية، ويعني بأُولي العلم: العارفين بالله الذين يقيمون البراهين على وحدانيته ﴿قَائِمًا﴾ منصوب على الحال من اسم الله أو من هو أو منصوب على المدح ﴿ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿لاَ إلهَ إلاّ هُوَ﴾ إنما كرّر التهليل لوجهين: أحدهما: أنه ذكر أولاً الشهادة بالوحدانية، ثم ذكرها ثانيًا بعد ثبوتها بالشهادة المتقدمة، والآخر أن ذلك تعليم لعباده ليكثروا من قولها ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ﴾ الآية: إخبار أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق من أجل البغي، وهو الحسد، والآية في اليهود، وقيل في النصارى، وقيل فيهما ﴿سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ قد تقدّم معناه في البقرة وهو هنا تهديد، ولذلك وقع في جواب مَن يكفر ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي جادلوك في الدين، والضمير لليهود ونصارى نجرّان ﴿أُسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ أي أخلصت نفسي وجملتي ﴿لِلَّهِ﴾ وعبّر بالوجه على الجملة ومعنى الآية إقامة الحجّة عليهم لأن مَن أسلم ١٤٠ تفسير سورة آل عمران اَلْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ءَ أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَوْاْ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَمُ وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِتْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ◌َ أُوْلَكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنْ نَصِرِينَ مَا أَلَّرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيٌْ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ إِ ٢٣ ٢٤ ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُ ودَاتٍ وَغَّهُمْ فِي دِينِهِمِ مَا حَكَانُواْ يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لََّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥. ٠٠٠ قُلِ اُللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِنِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُ مَنْ وجهه لله فهو على الحق بلا شك، فسقطت حجة مَن خالفه ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطف على التاء في أسلمت ويجوز أن يكون مفعولاً معه ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ تقرير بعد إقامة الحجة عليهم أي قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تسلموا ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ﴾ أي إنما عليك أن تبلغ رسالة ربك، فإذا أبلغتها فقد فعلت ما عليك، وقيل إن فيها موادعة نسختها آية السيف ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآية: نزلت في اليهود والنصارى توبيخًا لهم ووعيدًا على قيح أفعالهم، وأفعال أسلافهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود، والكتاب هنا التوراة، أو جنس ﴿يُذْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: دخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد، فقالوا له: على أقّ دين أنت؟ فقال لهم: ((على دين إبراهيم))، فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديًّا، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ((فهلمّوا إليّ التوراة فهي بيننا وبينكم))، فأبوا عليه فنزلت الآية، فكتاب الله على هذه التوراة، وقيل هو القرآن: كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يدعوهم إليه فيعرضون عنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ الإشارة إلى إعراضهم عن كتاب الله والباء سببية: والمعنى أن كفرهم، بسبب اعتراضهم وأكاذيبهم، والأيام المعدودات قد ذكرت في البقرة ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ أي كيف يكون حالهم يوم القيامة، والمعنى تهويل واستعظام لها أعدّ لهم. ﴿اللَّهُمَّ﴾ منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين، ولذلك لا يجتمعان، وقال الكوفيون أصله يا ألله أمّنا بخير فالميم عندهم من أمّنا ﴿مَالِكَ المُلْكِ﴾ منادى عند سيبويه، وأجاز الزجّاج أن يكون صفة لاسم الله؛ وقيل إن الآية نزلت ردًّا على النصارى في قولهم إن عيسى هو الله لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى، وقيل لما أخير النبي و ليس أن أمته.