Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ تفسير سورة البقرة بِالشَّهْرِ الْخَرَامِ وَالْخُرُمَتُ قِصَاصُنَّ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ (٤) وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْإِلَى النَّلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (3) وَأَنِمُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ خَّ بَغَ الْهَدْىُ مَحِلَّمْ فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نٍُّ فَإِذَآ أَمِنْتُمْ دخول مكة للعمرة عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة أي الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها ﴿والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب أي قاتلوا مَن قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة مَن صدّكم عن دخول مكة ﴿تُلْقُوا بِأَنْدِكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال أبو أيوب الأنصاري: المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد، وقيل لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل لا تقنطوا من التوبة وقيل لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل التقدير: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما قال ابن عباس إنما مهمًّا إكمال المناسك وقال عليّ إتمامهما: أن تحرم بهما ما دارك، ولا حجة فيه لمَن أوجب العمرة؛ لأن الأمر إنما هو بالإتمام لا بالابتداء ﴿فَإنّ أُخْصِرْتُمْ﴾ المشهور في اللغة أحصره المرض بالألف، وحصره العدوّ وقيل بالعكس، وقيل هما بمعنى واحد، فقال مالك أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدى ولم يوجبه على مَن حصره العدوّ، وقال الشافعي وأشهب يجب الهدى على مَن حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدلاً بنحر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الهدى بالحديبية، وقال أبو حنيفة يجب الهدى على المحصر بعدوّ وبمرض ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ أي فعليكم ما اسْتَيْسَرَ من الهدى وذلك شاة ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ﴾ خطابًا للمحصر وغيره ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ الآية: نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي و ﴿ فقال له: ((لعلّك يؤذيك هوام رأسك: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو انسك بشاة))، فمعنى الآية أن مَن كان في الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم النحر: جاز له حلقه وعليه صيام أو صدقة أو نُسْك حسبما تفسّر في الحديث، وقاسَ الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاجّ منها إلاّ الصيد، والوطء، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بدّ في الآية من مضمر لا ينتقل الكلام عنه، وهو المسمّى فحوى الخطاب، وتقديرها: فمَن كان منكم مريضًا أو به أذّى من رأسه فحلق رأسه ١٠٢ تفسير سورة البقرة فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَحِ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيَّ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجِ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُمُ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ ﴿َ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا ◌ِدَالَ فِى الْحَجُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ وَأَتَّقُونِ يَكَأُوْلِ فعليه فدية ﴿فإذا أَمِنْتُم﴾ أي من المرض على قول مالك، ومن العدوّ على قول غيره، والمعنى: إذا كنتم بحال أمن سواء تقدّم مرض أو خوف عدوّ أو لم يتقدّم ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الْحَجْ﴾ التمتّع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، فهو قد تمتّع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة، وقال عبد الله بن الزبير: التمتّع هو أن يحصر عن الحج بعدوّ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرة يتحلّل بها من إحرامه، ثم يحجّ من قابل قضاء لحجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات من الحج في وقت تحلّله بالعمرة إلى الحج القابل، وقيل التمتّع هو قران الحج والعمرة ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَذْىِ﴾ شاة ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجْ﴾ وقتها من إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلَى بلادكم أو في الطريق ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فائدته أن السبع تُصام بعد الثلاثة فتكون عشرة، ورفع لئلا يتوهّم أن السبعة بدل من الثلاثة، وقيل هو مثل الفذلكة وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا، وقيل كاملة في الثواب ﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحرام﴾ يعني غير أهل مكة وذي طوی بإجماع، وقيل أهل الحرام كله، وقيل مَن كان دون الميقات، وقوله ذلك. إشارة إلى الهدي أو الصيام: أي إنما يجب الهدي أو الصيام بدلاً منه على الغرباء لا على أهل مكة، وقيل ذلك إشارة إلى التمتّع ﴿الحَجُّ أَشْهُرْ﴾ التقدير أشهر الحج أشهر، أو الحج في أشهر وهي شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، وقيل العشر الأول منه، وينبني على ذلك أن مَن أخّر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة: فعليه دم على القول بالعشر الأول، ولا دم عليه على القول بجميع الشهر، واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر، فأجازه مالك على كراهة، ولم يجزه الشافعي وداود لتعيين هذا الاسم كذلك؛ فكأنها كوقت الصلاة ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ أي ألزم بالحج نفسه ﴿فَلاَ رَفَكَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ الرفث: الجماع، وقيل الفحش من الكلام، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء مطلقًا، وقيل المجادلة في مواقيت الحج، وقيل النسيء الذي كانت العرب تفعله ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قيل احملوا زادًا في السفر، وقيل تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح لما بعده ﴿فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ التجارة في أيام الحج أباحها الله تعالى، وقرأ ابن ١٠٣ تفسير سورة البقرة اُلْأَلْبَبِ الْمَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّآلِينَ لَِ، ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَ كُمْ أَوْ أَشْدَ ذِكْرَأُ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقِ (٢) وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِىِ الذُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِى اُلْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢َ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ [َ ﴾ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامِ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن عباس: فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴿أَفَضْتُم﴾ اندفعتم جملة واحدة ﴿مِن عَرَفَاتِ﴾ اسم علم للموقف والتنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر لا تنوين صرف، فإن فيه التعريف والتأنيث ﴿المَشْعَرِ الحَرَامِ﴾ المزدلفة والوقوف بها سُنّة ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ الكاف للتعليل ﴿وإن كُنتُم﴾ إن مخفّفة من الثقيلة، ولذلك جاء اللام في خبرها ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ أي من قبل الهدي ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ فيه قولان أحدهما أنه أمر للجنس وهم قريش ومن تبعهم كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرم، ويقفون بعرفة مع سائر الناس؛ لأنها حلّ، ويقولون نحن أهل الحرم لا نقف إلاّ بالحرم، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفة مع الناس ويفيضوا منها، وقد كان النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة توفيقًا من الله تعالى له، والقول الثاني أنها خطاب لجميع الناس، ومعناها: أفيضوا من المزدلفة إلى منى فثَمَّ على هذا القول على بابها من الترتيب، وأما على القول الأول فليست للترتيب، بل للعطف خاصة، قال الزمخشري هي كقولك أحسن إلى الناس، ثم لا تُحسِن إلى غير كريم، فإن معناها التفاوت بين ما قبلها وما بعدها وأن ما بعدها أوكد ﴿قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ فرغتم من أعمال الحج ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ لأن الإنسان كثيرًا ما يذكر آباءه، وقيل كانت العرب يذكرون آباءهم مفاخرة عند الجمرة، فأمروا بذكر الله عوضًا من ذلك ﴿آَتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ كان الكفّار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ﴿حَسَنَةَ﴾ قيل العمل الصالح وقيل المرأة الصالحة ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الجنة ﴿نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ يحتمل أن تكون من سببية أي لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب على هذا الثواب ﴿سَرِيعُ الحِسَابِ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يُراد به سرعة مجيء يوم ١٠٤ تفسير سورة البقرة تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيَّةٍ لِمَنِ أَتَّقَىَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحُشَرُونَ ﴿٢) وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَ مَا فِىِ قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَُّّ الْخِصَامِ ◌ِ:) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلِ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ اليَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْدٍّ فَحَسْبُهُ جَهَتَّمٌ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ الْمَ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْ خُلُواْ فِي نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ القيامة، لأن الله لا يحتاج إلى عدّة ولا فكرة، وقيل لعليّ رضي الله عنه؛ كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم؟ قال كما يرزقهم على كثرتهم ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْدُومَاتٍ﴾ ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، والذكر فيها: التكبير في أدبار الصلوات، وعند الجمار وغير ذلك ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنٍ﴾ أي انصرف في اليوم الثاني من أيام التشريق ﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ إلى اليوم الثالث فرمى فيه بقية الجمار، وأما المتعجّل فقيل يترك رمي جمار اليوم، وقيل يقدّمها في اليوم الثاني ﴿فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الموضعين، قيل إنه إباحة للتعجّل والتأخّر، وقيل إنه إخبار عن غفران الإثم وهو الذنب للحاجّ، سواء تعجّل أو تأخّر ﴿لِمَن اتَّقَى﴾ أما على القول بأن معنى فلا إثم عليه: الإباحة، فالمعنى أن الإباحة في التعجّل والتأخّر لِمَن اتقى أن يأثم فيهما، فقد أُبيح له ذلك من غير إثم، وأما على القول بأن معنى فلا إثم عليه: إخبار بغفران الذنوب، فالمعنى أن الغفران إنما هو لمَن اتقى الله في حجّه، كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((مَن حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) فاللام متعلقة إمّا بالغفران أو بالإباحة المفهومين من الآية ﴿مَن يُعْجِبُكَ﴾ الآية: قيل نزلت في الأخنس بن شريق، فإنه أظهر الإسلام، ثم خرج فقتل دواب المسلمين وأحرق لهم زرعًا، وقيل في المنافقين، وقيل عامّة في كل مَن كان على هذه الصفة ﴿فِي الْحَياةِ﴾ متعلق بقوله يعجبك: أي يعجبك ما يقول في أمر الدنيا، ويحتمل أن يتعلق بيعجبك ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أي يقولى الله أعلم إنه لصادق ﴿الَُّّ الخِصَام﴾ شديد الخصومة ﴿تَوَلَّى﴾ أدبر بجسده أو أعرض بقلبه، وقيل صار واليًا ﴿وَيُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ على القول بأنها في الأخنس، فإهلاك الحرث حرقه الزرع، وإهلاك النسل قتله الدواب، وعلى القول بالعموم فالمعنى مبالغته في الفساد، وعبّر عن ذلك بإهلاك الحرث والنسل، لأنهما قوام منعيشة ابن (آدم، فإنّ الحرث هو الزوع والفواكه وغير ذلك من النبات، والنسل هو الإبل والبقر والغشم وغير ذلك مما يتناسل ﴿أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْم﴾ المعنى أنه لا يطيع من أمره بالتقوى تكبّرًا وطغيانًا والباء يحتمل أن تكون سببية أو بمعنى مع. ١٠٥ تفسير سورة البقرة اُلْسِلْمِ كَافَةٌ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (ْ فَإِنِ زَلَلْتُم مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ نْكُمُ الْبَّنَتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ (جَ هَلْ يَغُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرَجَعُ الْأُمُورُ لَسَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ كُمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةِ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لَا زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَالَّذِينَ آَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَاَللَّهُ وقال الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناس بكذا: أي ألزمهم إياه، فالمعنى حملته العزّة على الإثم ﴿مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي يبيعها، قيل نزلت في صهيب وقيل على العموم وبيع النفس في الهجرة أو الجهاد، وقيل في تغيير المنكر، وأنّ الذي قبلها فيمن غير عليه فلم ينزجر ﴿السِّلْم﴾ بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمّة بالجزية، والأمر على هذا لأهل الكتاب وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدّمة، وقيل هو الإسلام، وكذلك هو بكسر السين، فيكون الخطاب لأهل الكتاب على معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام، وقيل إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظّموا البيت كما كانوا فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه، ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين على معنى الأمر بالثبوت عليه والدخول في جميع شرائعه من الأوامر والنواهي ﴿كَافَّةً﴾ عموم في المخاطبين أو في شرائع الإسلام ﴿فَاعْلَمُوا أنّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تهديد لمَن زلّ بعد البيان ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي ينتظرون ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ تأويله عند المتأولين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا، وهي عند السلف الصالح من المتشابه يحب الإيمان بها من غير تكييف ويحتمل أن لا تكون من المتشابه؛ لأنّ قوله ينظرون بمعنى يطلبون بجهلهم كقولهم: لولا يكلّمنا الله ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ جمع ظلة وهي ما علاك من فوق، فإن كان ذلك لأمر الله فلا إشكال وإن كان الله فهو من المتشابه ﴿الغَمَامِ﴾ السحاب ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ فرغ منه، وذلك كناية عن وقوع العذاب ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على وجه التوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم ﴿ مِّن آيَةٍ﴾ معجزات موسى، أو الدلالات على نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿ومَن يُبَدِّلْ﴾ وعيد ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ كفّار قريش سخروا من فقراء المسلمين كبلال وصهيب ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ هم المؤمنون الذين سخر الكفار منهم ﴿فَوْقَهُمْ﴾ أي أحسن حالاً منهم، ويحتمل فوقية المكان، لأنّ الجنة في السماء ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن أراد في الآخرة، فمن كناية عن المؤمنين، والمعنى ردّ على الكفّار أي إن رزق الله الكفّار في الدنيا، فإن المؤمنين يرزقون في الآخرة وإن أراد في الدنيا فيحتمل أن يكون ١٠٦ تفسير سورة البقرة كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ تُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ ٢١٢ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَمَا اخْتَلَفُواْ فِّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمُّ فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ. وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (َ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُم مَنتَى نَصْرُ اللَّهِ ◌َ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ٢١٤ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ من كناية عن المؤمنين أي سيرزقهم، ففيه وعدلهم، وأن تكون كناية عن الكافرين أي أنّ رزقهم في الدنيا بمشيئة الله لا على وجه الكرامة لهم ﴿بِغَيْرِ حِساب﴾ إن كان للمؤمنين فيحتمل أن يريد بغير تضييق ومن حيث لا يحتسبون أو لا يحاسبون عليه وإن كان للكفار فمن غير تضييق ﴿أَمَّةٌ واحِدَةً﴾ أي متفقين في الدين، وقيل كفّارًا في زمن نوح عليه السلام، وقيل مؤمنين ما بين آدم ونوح، أو مَن كان مع نوح في السفينة وعلى ذلك يقدر: فاختلفوا بعد اتفاقهم، ويدلّ عليه ﴿أُمّةً وَاحِدَةً﴾ فاختلفوا ﴿الكِتَابَ﴾ هنا جنس أو في كل نبيّ وكتابه ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ الضمير المجرور يعود على الكتاب، أو على الضمير المجرور المتقدّم، وقال الزمخشري: يعود على الحق، وأما الضمير في أُوتوه، فيعود على الكتاب، والمعنى تقبيح الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءتهم البينات ﴿بَغْيًا﴾ أي حسدًا أو عدوانًا، وهو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني أمّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿لَمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي للحق لما اختلفوا فيه فما بمعنى الذي وقبلها مضاف محذوف، والضمير في اختلفوا لجميع الناس، يزيد اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين الحق، وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس من الحق، ومن في قوله من الحق لبيان الجنس أي جنس ما وقع فيه الخلاف ﴿بِإِذْنِهِ﴾ قيل بعلمه، وقيل بأمره ﴿أَمْ حَسِبْتُم﴾ خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر على الشدائد ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ أي لا تدخلوا الجنة حتى يصيبكم مثل ما أصاب مَن كان قبلكم ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ﴾ أي حالهم وعبر عنه بالمثل لأنه في شدّته يضرب به المثل ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ بالتخويف والشدائد ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ يحتمل أنَّ يكون جوابًا للذين قالوا متى نصر الله، وأن يكون إخبارًا مستأنفًا، وقيل إن الرسول قال ذلك لما قال الذين معه متی نصر الله. ١٠٧ تفسير سورة البقرة وَاُلْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيمٌ (٣٥) كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ يَسْشَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِیهِ ٢١٦ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِّ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴿فَلِلْوَ الِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ﴾ إن أُريد بالنفقة الزكاة، فذلك منسوخ والصواب أن المراد التطوّع فلا نسخ، وقدّم في الترتيب الأهم فالأهم، وورد السؤال على المنفق، والجواب عن مصرفه لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد حصل الجواب عن المنفق في قوله من خير ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ﴾ إن كان على الأعيان فنسخه وما كان المؤمنون لينفروا كافّة، فصار القتال فرض كفاية، وإن كان على الكفاية فلا نسخ ﴿كُرْهٌ﴾ مصدر ذكر للمبالغة أو اسم مفعول كالخبز بمعنى المخبوز ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا﴾ حضّ على القتال ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ جنس وهو أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدل من الشهر وهو مقصود السؤال ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي ممنوع ثم نسخه: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وذلك بعيد فإن حيث وجدتموهم: عموم في الأمكنة لا في الأزمنة، ويظهر أن ناسخه وقاتلوا المشركين كافّة بعد ذكر الأشهر الحرم، فكان التقدير: قاتلوا فيها، ويدلّ عليه: فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم، ويحتمل أن يكون المراد وقوع القتال في الشهر الحرام: أي إباحته حسبما استقر في الشرع، فلا تكون الآية منسوخة، بل ناسخة لما كان في أوّل الإسلام من تحريم القتال في الأشهر الحرم ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ابتداء، وما بعده معطوف عليه، وأكبر عند الله: خبر الجميع، أي أن هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفّار: أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عيّر به الكفّار المسلمين سرية عبد الله بن جحش، حين قاتل في أوّل يوم من رجب، وقد قيل إنه ظن أنه آخر يوم من جمادى ﴿والمَسْجِدِ﴾ عطف على سبيل الله ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُم﴾ قال الزمخشري حتى هنا للتعليل ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ذهب مالك على أن المرتد يحبط عمله بنفس الارتداد، سواء رجع إلى الإسلام، أو مات على الارتداد، ومن ذلك انتقاض وضوئه، وبطلان صومه، وذهب الشافعي إلى أنه لا يحبط إلاّ إن مات كافرًا؛ لقوله: فيمت وهو كافر، ١٠٨ تفسير سورة البقرة وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ الَهَ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٤) ﴾﴿ يَسْقُلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا وَيَسْعُلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيْتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢) فِي الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةُ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُّخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢) وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ وأجاب المالكية بقوله حبطت أعمالهم جزاء على الردّة، وقوله: ﴿أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ جزاء على الموت على الكفر، وفي ذلك نظر ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية: نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه ﴿الخَمْرِ﴾ كل مُسكِر من العنب وغيره ﴿والمَيْسِرِ﴾ القمار، وكان ميسر العرب بالقداح في لحم الجزور، ثم يدخل في ذلك التّرد والشطرنج وغيرهما، ورُوِيّ أن السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ﴿إِثْمٌّ كَبِيرٌ﴾ نص في التحريم وأنهما من الكبائر، لأن الإثم حرام لقوله: ﴿قل إنما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن فالإثم﴾ [الأعراف: ٣٣]، خلافًا لمَن قال إنما حرّمتها آية المائدة لا هذه الآية ﴿ومَنَافِعُ﴾ في الخمر التلذّذ والطرب، وفي القمار الاكتساب به ولا يدلّ ذكر المنافع على الإباحة قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم بعده ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ﴾ تغلِيبًا للإثم على المنفعة، وذلك أيضًا بيان للتحريم ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي السهل من غير مشقة، وقراءة الجماعة بالنصب بإضمار فعل مشاكلة للسؤال، على أن يكون ما مبتدأ، وذا خبره ﴿تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ أي في أمرهما ﴿ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى﴾ كانوا قد تجنبوا اليتامى تورّعًا، فنزلت إباحة مخالطتهم بالإصلاح لهم، فإن قيل: لِمَ جاء ويسألونك بالواو ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟ فالجواب أن سؤالهم عن المسائل الثلاث الأول وقع في أوقات مفتزقة فلم يأتِ بحرف عطف وجاءت الثلاثة الأخيرة بالواو)، لأنها كانت متناسقة ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ تحذير من الفساد، وهو أكل أموال اليتامى ﴿لأعْنَتَكُمْ﴾ لضيق عليكم بالمنع من مخالطتهم قال ابن عباس لأهلككم بما سبق من أكلكم لأجوال اليتامى ﴿وَلاً تَنْكِحُوا﴾ أي لا تتزوّجوا)) والنكاح مشترك بين الوطىء والعقد ﴿المُشْرِكَاتِ﴾ عبّاد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا النصارى المُباح نكاحهنّ في المائدة، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ، خلافًا لمَن قال آية المائدة نسخت هذه، ولمَن قال هذه نسخت آية ١٠٩ تفسير سورة البقرة وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِذْنِهٌِ وَيُبَيِنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ (٢) وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى اُلْمَحِيضِّ وَلَا نَفْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنٌّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيِنَ الْبَنِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْتَكُمْ أَنَّ شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْلِأَنفُسِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ (*) وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ المائدة فمنع نكاح الكتابيات، ونزول الآية بسبب مرثد الغنوي أراد أن يتزوّج امرأة مشركة ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي أمة لله حرّة كانت أو مملوكة وقيل أمة مملوكة خير من حرّة مشركة ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ في الجمال والمال وغير ذلك ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أي لا تزوّجوهم نساءكم. وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوّج مسلمة، سواء كان كتابيًا أو غيره، واستدلّ المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا المُشرِكِينَ﴾ لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال ﴿وَلَعَبْدٌ﴾ أي عبد الله، وقيل مملوك ﴿أُوْلَئِكَ﴾ المشركات والمشركون ﴿يَدْعُونَ إِلى النَّارِ﴾ إلى الكفر الموجب إلى النار ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي بإرادته أو علمه ﴿وَيَسْتَلُونَكَ﴾ سأل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ألا نجامع النساء في المحيض، خلافًا لليهود ﴿هُوَ أَذَى﴾ مستقذر، وهذا تعليل لتحريم الجماع في المحيض ﴿فَاعْتَزِلُوا النَّسَاءَ﴾ اجتنبوا جماعهنّ، وقد فسّر ذلك الحديث بقوله: لتشدّ عليها إزارها، وشأنك بأعلاها ﴿حَتَّى يَطْهُزْنَ﴾ أي ينقطع عنهنّ الدم ﴿فَإِذا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن بالماء، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند مالك والشافعي، فلا يجوز عندهما وطء حتى تغتسل وبالغاية الأولى عند أبي حنيفة فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل، وقرىء حتى يطهرن بالتشديد، ومعنى هذه الآية بالماء، فتكون الغايتان بمعنى واحد، وذلك حجة لمالك ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قبل المرأة ﴿التَّوَّابِينَ﴾ من الذنوب ﴿المُتَطَهْرِينَ﴾ بالماء أو من الذنوب ﴿حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ أي موضع حرث، وذلك تشبيه للجماع في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلقاء البذر وانتظار الزرع ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي كيف شئتم من الهيئات أو مَن شئتم، لا أين شئتم لأنه يوهم الإتيان في الدبر، وقد افترى مَن نسب جوازه إلى مالك وقد تبرأ هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي الأعمال الصالحة ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُم﴾ أي لا تكثروا الحلف بالله فتبدلوا ١١٠ تفسير سورة البقرة أَن تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيٌ [َ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِ أَيْمَئِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَلَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ [٣) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَآِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُوفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿يَا وَإِنْ عَزَبُواْالطََّقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ (١٧) وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ اسمه، وأن تبرّوا على هذا عّة النهي، فهو مفعول من أجله: أي نهيتم عن كثرة الحلف كي تبرّوا، وقيل المعنى لا تحلفوا على أن تبرّوا وتتقوا، وافعلوا البرّ والتقوى دون يمين، فأن تبرّوا على هذا هو المحلوف عليه، والعُرضة على هذين القولين لقولك؟ فلان عُرضة لفلان إذا أكثر التعرّض له، وقيل عرضة ما منع، من قولك عرض له أمر حال بينه وبين كذا، أي لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البرّ والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصدّيق أن لا ينفق على مسطح، فأن تبرّوا على هذا: علّة لامتناعهم فهو مفعول من أجله أو مفعول بعرضة، لأنها بمعنى مانع ﴿باللَّغْوِ﴾ الساقط وهو عند مالك قولك نعم والله، ولا والله، الجاري على اللسان من غير قصد وفاقًا للشافعي، وقيل أن يحلف على الشيء بظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه وفاقًا لأبي حنيفة، وقال ابن عباس: اللغو الحلف حين الغضب، وقيل اللغو اليمين على المعصية، والمؤاخذة العقاب أو وجوب الكفّارة ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي قصدت فهو على خلاف اللغو، وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس، وذلك أن يحلف على الكذب متعمّدًا، وهو حرام إجماعًا، وليس فيه كفّارة عند مالك خلافًا للشافعي ﴿يُولون من نسائهم﴾ يحلفون على ترك وطئهنّ وإنما تعدّى بمَن، لأنه تضمن معنى البعد منهنّ، ويدخل في عموم قوله الذين: كل حالف حرًّا كان أو عبدًا، إلاّ أنّ مالك جعل مدّة. إيلاء العبد شهرين، خلافًا للشافعي، ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين بكل ما يلزم عنه حكم، خلافًا للشافعي في قصر الإيلاء على الحلف بالله، ووجهه أنها اليمين الشرعية، ولا يكون موليًا عند مالك والشافعي، إلاّ إذا حلف على مدّة أكثر من أربعة أشهر، وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعدًا، فإذا انقضت الأربعة الأشهر: وقف المولى عند مالك والشافعي، فإما فاء وإلاّ طلّق، فإن أبى الطلاق: طلّق عليه الحاكم، وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق دون توقيف، ولفظ الآية يحتمل القولين ﴿فَإِنِ فَاءُوا﴾. رجعوا إلى الوطىء وكفروا عن اليمين ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي يغفر ما في الأيمان من إضرار المرأة ﴿عَزَمُوا الطَّلاَقَ﴾ العزيمة على قول مالك التطليق أو الإباية فيطلق عليه الحاكم، وعند أبي حنيفة ترك الفيء حتى تنقضي الأربعة الأشهر، والطلاق في الإيلاء رجعيّ عند مالك بائن عند الشافعي وأبي حنيفة ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ بيان للعدّة، وهو عموم ١١١ تفسير سورة البقرة بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوَاْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعُرُوفِ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيم ◌َ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌِّ بِحْسَانٍّ وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُ واْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ مخصوص خرجت منه الحامل بقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ﴾ [الطلاق: ٤]، واليائسة والصغيرة بقوله: ﴿واللائي يئسن من المحيض﴾ [الطلاق: ٤] الآية. والتي لم يدخل بها بقوله: ﴿فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فيبقى حكمها في المدخول بها، وهي سنّ مَن تحيض وقد خصّ مالك منها الأمة، فجعل عدّتها قرءين ويتربصن خبر بمعنى الأمر ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتصب ثلاثة على أنه مفعول به هكذا قال الزمخشري، وقروء جمع قرء وهو مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فحمله مالك والشافعي على الطهر لإثبات التاء في ثلاثة، فإنّ الطهر مذكر والحيض مؤنث، ولقول عائشة: الأقراء هي الإطهار، وحمله أبو حنيفة على الحيض لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلك مقصود العدّة، فعلى قول مالك تنقضي العدّة بالدخول في الحيضة الثالثة إذا طلّقها في طهر لم يمسّها فيه، وعند أبي حنيفة بالطهر منها ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أرْحَامِهِنَّ﴾ يعني الحمل والحيض، وبعولتهنّ جمع بعل، وهو هنا الزوج ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أي في زمان العدّة ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ من الاستمتاع وحُسْن المعاشرة ﴿دَرَجَةٌ﴾ في الكرامة وقيل الإنفاق وقيل كون الطلاق بيده ﴿الطَّلاَقُ مَرّتانٍ﴾ بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج آخر وقيل بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السُّنّة ﴿فإمْسَاكُ﴾ ارتجاع وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ حُسْن المعاشرة وتوفية الحقوق ﴿أو تَسْرِيحٌ﴾ هو تركها حتى تنقضي العدّة فتبين منه ﴿بإخسَانٍ﴾ المتعة، وقيل التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، ورُوِيّ في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد لأنّ قوله تعالى بعد ذلك ﴿فإنْ طَلَّقَها) هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكرارًا، والطلقة الرابعة لا معنى لها ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أن تَأْخُدُوا﴾ الآية: نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال لها: ((أتردّين عليه حديقته)) قالت: نعم فدعاه فطلّقها على ذلك وحكمها على العموم وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها أنه لا يجوز الخلع إلاّ إذا خاف الزوجان ﴿أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما، ثم إنّ المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من ١١٢ تفسير سورة البقرة عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْئَدَتْ بِّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمْ الظَّالِمُونَ الَفَإِنَ طَلَّقَهَا فَلَ تِلُ لَهُمْ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَةٍ فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَّ أَنْ يَرَاجَمَّاً إِذْ ظَنَّ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ الَّ وَإِذَا طَلَّقْتُ لْنِسَآءَ فَلَغْوَ لَّلَهُنَّ الزوج ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ [النساء: ٤] الآية. ومنعها قوم لقوله تعالى: ﴿إلاّ أن يَخَافَا ألاَّ يُقِيمًا حُدُودَ اللَّهِ﴾، والثاني أن يكون الضرر منهما جميعًا، فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى؛ ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ لتَذْهَبوا ببعضِ مَا آتَيتُموهنٌ﴾ [النساء: ١٩]، وأجازه الشافعي لقوله تعالى: ﴿إلاّ أن يَخَافًا ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، والثالث أن يكون الضرر من الزوجة خاصّة، فأجازه الجمهور الظاهر هذه الآية، والرابع أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء: ٢٠] الآية، وأجازه أبو حنيفة مطلقًا، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسُّنّة ﴿فإنْ خِفْتُمْ﴾ خطاب للحكّام والمتوسطين في هذا الأمر ﴿فإن طَلَّقَهَا﴾ هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله الطلاق مرتان ﴿حَتَّى تَشْكِخَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾ أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطىء، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم للمطلّقة ثلاثًا حين أرادت الرجوع إلى مطلّقها قبل أن يمسّها الزوج الآخر: ((لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك))؛ ورُوِيَ عن سعيد بن المسيب أن العقد يحلّها دون وطىء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحلّ عنا مالك إذا كان النكاح صحيحًا لا شُبهة فيه، والوطء مُباحًا في غير حيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافًا لابن الماجشون في الوطء غير المباح، وأما نكاح المحلّل فحرام، ولا يحلّ الزوجة لزوجها عند مالك، خلافًا لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نيّة المحلّل لا نيّة المرأة، ولا المحلّل له، وقال قوم مَن نوى التحليل منهم أفسد ﴿فإن طَلَّقَهَا﴾ يعني هذا الزوج الثاني ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي على الزوجة والزوج الأول ﴿أن يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية : :خطاب للأزواج. وهي نهي عن أن يطول الرجل العدّة على المرأة مضارّة منه لها بل يرتجع قرية القضعد، العدّة، ثم يطلّق بعد ذلك، ومعنى بلغن أجلهنّ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذ، ومعنى أمسكوهنّ: راجعوطرق ﴿بمعروف﴾ هنا قيل هو الإشهاد وقيل النفقة ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية: هذه الأخرى خطاب للأولياء، وبلوغ الأجل هنا: انقضاء العدّة ... ٤٠ لم : : ١١٣ تفسير سورة البقرة فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍّ وَلَا تُمْسِكُوُ هُنَّ ضِرَارًا لِّيَعْنَدُوْاْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمٍ وَلَا تَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوَأْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِدَّ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ الْنَا وَإِذَا طَلَّقْتُ النِسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَاتَرَضَوْ بَيْنَهُمْ بِلْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ آلْآَخِرُّ ذَلِكُنْ أَزْكَى لَكُمْ وَلْهَرٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦َ ﴾ُ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمِّ الرَّضَاعَةً وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَّفُ ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنّ﴾ أي لا تمنعوهنّ ﴿أن يَنْكِخْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أي يراجعن الأزواج الذين طلّقوهنّ، قال السهيلي نزلت في معقل بن يسار كان له أُخت فطلّقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل نزلت في جابر بن عبد الله وذلك أنّ رجلاً طلّق أُخته وتركها حتى تمّت عدّتها، ثم أراد مراجعتها فمنعها جابر، وقال تركتها وأنت أملك بها لا زوّجتكها أبدًا. فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل الإشهاد، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الوليّ في نكاح وليّته خلافًا لأبي حنيفة ﴿ذلك يوعظ به﴾ خطابًا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحّد ضمیر الخطاب ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ خطابًا للمؤمنين والإشارة إلى ترك الفصل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين والعرض ﴿والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلاَدَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر وتقتضي الآية حكمين: الحكم الأول مَن يرضع الولد، فمذهب مالك أنّ المرأة يجب عليها إرضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، إلاّ أن تكون شريفة لا يرضع مثلها، فلا يلزمها ذلك، وإن كان والده قد مات وليس للوالد مال: لزمها رضاعه في المشهور، وقيل أجرة رضاعه على بيت المال، وإن كانت مطلّقة بائن: لم يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: ﴿فإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنّ﴾ [الطلاق: ٦]، إلاّ أن تَشَاءِ هِيَ فَهِيَ أَحقٌ بِهِ بأُخْرة المثل، فإن لم يقبل غيرها وجب عليها إرضاعه، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنها لا يلزمها إرضاعه أصلاً، والأمر في هذه الآية عندهما على الندب، وقال أبو ثور: « يلزمها على الإطلاق لظاهر الآية وحملها على الوجوب، وأما مالك فجعلها في موضع على الوجوب، وفي موضع على الندب، وفي موضع على التخيير حسبما ذكر من التقسيم في المذهب الحكم الثاني مدة الرضاع، وقد ذكرها في قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وإنما وصفهما بكاملين لأنه يجوز أن يقال في حول وبعض آخر: حولين، فرفع ذلك الاحتمال، وأباح الفطام قبل التسهيل لعلوم التنزيل / ج ١/ م ٨ ١١٤ تفسير سورة البقرة نَفْسُّ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَّشَاوُرٍ فَلَ جُنَاحَ عَلَيِهِمَاً وَإِنْ أَرَدْ تُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَكُ فَلَا حُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا تمام الحولين بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ واشترط أن يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: ﴿فإن أرادا فصالاً﴾ الآية. فإن لم يكن على الولد ضرر في الفطام فلا جناح عليهما، ومَن دعا منهما إلى تمام الحولين: فذلك له، وأما بعد الحولين فَمّن دعاً منهما إلى الفطام فذلك له، وقال ابن عباس: إنما يرضع حولين من مكث في البطن ستة أشهر، فمَن مكث سبعة فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرًا، وإن مكث تسعة فرضاعه إحدى وعشرون، لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ في هذه النفقة والكسوة: قولان: أحدهما: أنها أُجرة رضاع الولد، أوجبها الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري وابن العربي، الثاني: أنها نفقة الزوجات على الإطلاق، وقال منذر بن سعيد البلوطي: هذه الآية نص في وجوب نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفرس ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أي على قدر حال الزوج في ماله، والزوجة في منصبها، وقد بيّن ذلك بقوله: ﴿لا تكلّف نفسًا إلاّ وسعها لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قرىء بفتح الراء لالتقاء الساكنين على النهي، وبرفعهما على الخير، ومعناها النهي، ويحتمل على كل واحد من الوجهين أن يكون الفعل مسندًا إلى الفاعل، فيكون ما قبل الآخر مكسورًا قبل الإدغام، أو يكون مسندًا إلى المفعول، فيكون مفتوحًا، والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، ويدخل في عموم ﴿ولا النهي: وجوه الضرر كلها والباء في قوله: ﴿بولدها﴾ وبولده: سببية، والمراد يقوله: مولود له﴾: الوالد، وإنما ذكره بهذا اللفظ إعلامًا بأنّ الولد ينسب له لا للأم ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ اختلف في الوارث فقيل وارث المولود له، وقيل وارث الصبي لو مات، وقيل هو الصبي نفسه، وقيل مَن بقي من أبويه، واختلف في المراد بقوله مثل ذلك، فقال مالك وأصحابه: عدم المضارّة، وذلك يجري مع کل قول في الوارث؛ لأنّ ترك الضرر واجب على كل أحد، وقيل المراد أجرة الرضاع في النفقة والكسوة، ويختلف هذا القول بحسب الاختلاف في الوارث، فأما على القول بأنّ الوارث هو الصبي فلا إشكال؛ لأن أُجرة رضاعه في ماله، وأما على سائر الأقوال، فقيل إن الآية منسوخة فلا تجب أُجرةُ الرضاع على أحد غير الوالد، وقيل إنها محكمة فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أن تَسْتَزْضِعُوا﴾ ١١٥ تفسير سورة البقرة سَلَمْتُم مَّآ ءَانَيْتُم بِالْغَرُوفِّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٦) وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنْفُسِهِنَ بِالْمَعْرُوفِّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (ج) وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةٍ النِّسَاءِ أَوْ أَكْتَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًاْ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ أَلِنِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ (٣) لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ إباحة لاتخاذ الغير ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالمَعْرُوفِ﴾ أي دفعتم أُجرة الرضاع ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية عموم في كل متوفّي عنها، سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده، إلاّ الحامل فعدّتها وضع حملها، سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشر أو بعدها عند مالك والشافعي وجمهور العلماء، وقال عليّ بن أبي طالب: عدّتها أبعد الأجلين، وخصّ مالك من ذلك الأمة فعدّتها في الوفاة شهران وخمس ليالٍ، ويتربص: معناه عن التزويج وقيل عن الزينة فيكون أمرًا بالإحداد، وإعراب الذين مبتدأ، وخبره يتربصن على تقدير أزواجهم يتربصن، وقيل التقدير وأزواج الذين يتوفّون منكم يتربصن، وقال الكوفيون: الخبر عن الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ﴾ من التزويج والزينة ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ هنا إذا كان غير منكر وقيل معناه الإشهاد ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ﴾ الآية: إباحة التعريض بخطبة المرأة المعتدّة، ويقتضي ذلك النهي عن التصريح، ثم أباح ما يضمر في النفس بقوله: ﴿أو أكتنتم في أنفسكم عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي تذكروهنّ في أنفسكم وبألسنتكم لم يخف عليكم وقيل أي ستخطبونهنّ إن لم تنتهوا عن ذلك ﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ أي لا تواعدوهنّ في العدّة خفية بأن تتزوّجوهنّ بعد العدّة، وقال مالك فيمن يخطب في العدة ثم يتزوّج بعدها: فراقها أحبّ إليّ، ثم يكون خاطبًا من الخطاب، وقال ابن القاسم: يجب فراقها ﴿إلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ استثناء منقطع، والقول المعروف: هو ما أُبيح من التعريض: كقوله: ((إنكم لأكفّاء كرام))، وقوله: ((إنّ الله سيفعل معك خيرًا»، وشبه ذلك ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ الآية: نهي عن عقد النكاح قبل تمام العدّة والكتاب هنا: القدر الذي شرع فيه من المدّة ومن تزوّج امرأة في عدّتها يفرّق بينهما اتفاقًا، فإن دخل بها حرمت عليه على التأبيد عند مالك خلافاً للشافعي وأبي حنيفة واختلف عن مالك في تأبيد التحريم إذا لم يدخل بها، وإذا دخل بها ولم يطأها ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن ١١٦ تفسير سورة البقرة النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَمَّاً بِلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ () وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَأْالَّذِىِ بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ. طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ﴾ الآية: قيل إنها إباحة للطلاق قبل الدخول ولما نهى عن التزويج بمعنى الذوق وأمر بالتزويج طلب العصمة ودوام الصحبة ظنّ قوم أنّ مّن طلّق قبل البناء وقع في المنهي عنه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، وقيل إنها في بيان ما يلزم" من الصداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول، وذلك أنّ مَن طلّق قبل الدخول فإن كان لم يفرض لها صداقًا وذلك في نكاح التفويض: فلا شيء عليه من الصداق؛ لقوله: ﴿لاَّ جُنَاحَ. عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، والمعنى لا طلب عليكم بشيء من الصداق، ويؤمر بالمتعة. لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وإن كان قد فرض لها: فعليه نصف الصداق لقوله تعالى:". ﴿فَنَصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، ولا متعة عليه، لأنّ المتعة إنما ذكرت فيما لم يفرض لها بقوله :. ﴿أو تفرضوا﴾، أو فيه بمعنى الواو ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أحسنوا إليهنّ، وأعطوهنّ شيئًا عند الطلاق، والأمر بالمتعة مندوب عند مالك، وواجب عند الشافعي ﴿عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أي يمتّع كل واحد على قدر ما يجد، والموسع الغني، و﴿الْمُقْتِرِ﴾ الضيق الحال، وقرىء بإسکان دال قدره وفتحها، وهما بمعنی وبالمعروف هنا: أي لا حمل فيه ولا تكلّف على أحد الجانبين ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ تعلّق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: ﴿حقًّا﴾، وتعلّق مالك بالندب في قوله: ﴿على المحسنين﴾، لأنّ الإحسان تطوّع بما لا يلزم ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية: بيان أن المطلّقة قبل البناء لها تصف الصداق إذا كان فرض لها صداق مسمّى، بخلاف نكاح التفويض ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ النون فيه نون جماعة النسوة: يريد المطلّقات، والعفو هنا بمعنى الإسقاط، أي للمطلّقات قبل الدخول نصف الصداق، إلاّ أن يسقطنه وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ﴾ قال ابن عباس ومالك وغيرهما: هو الوالي الذي تكون المرأة في حجره كالأب في ابنته المحجورة، والسيد في أمته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب لها بالطلاق قبل الدخول، وأجاز شريح إسقاط غير الأب من الأولياء، وقال علي بن أبي طالب والشافعي: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وعفوه أن يعطى النصفي الذي سقط عنه من الصداق، ولا يجوز عندهما أن يسقط الأب النصف الواجب لابنته، وحجة مالك أن قوله الذي بيده عقدة النكاح في الحال، والزوج ليس بيده بعد الطلاق عقدة ١١٧ تفسير سورة البقرة حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ (٢٣٧) لِلتَّقْوَىّ وَلَا تَنسَوأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُرُ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ (٣٢) فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ الَهَا وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا النكاح، وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿وأن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإن الزوج إذا تطوّع بإعطاء النصف الذي لا يلزمه فذلك فضل وأما إسقاط الأب لحق ابنته فليس فيه تقوى لأنه إسقاط حق الغير ﴿وَلاَ تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قيل إنه يعني إسقاط المرأة نصف صداقها أو دفع الرجل النصف الساقط عنه واللفظ أعمّ من ذلك ﴿والصَّلَوَاةُ الْوُسْطَى﴾ جدّد ذكرها بعد دخولها في الصلوات اعتناءً بها وهي الصبح عند مالك وأهل المدينة، والعصر عند عليّ بن أبي طالب لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر))، وقيل هي الظهر، وقيل المغرب، وقيل هي العشاء الآخرة، وقيل الجمعة، وسمّيت وسطى لتوسّطها في عدد الركعات، وعلى القول بأنها المغرب لأنها بين الركعتين والأربع أو لتوسّط وقتها، وعلى القول بأنها الصبح لأنها متوسطة بين الليل والنهار، وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة، لأنها في وسط النهار، أو لفضلها من الوسط وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال فيها ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معناه في صلاتكم ﴿قَانِتِينَ﴾ هنا ساكتين وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت، قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وقيل خاشعين، وقيل طول القيام ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أي من عدوّ أو سبع أو غير ذلك مما يخاف منه على النفس ﴿فَرِجَالاً﴾ جمع راجل أي على رجليه ﴿أو رُكْبَانًا﴾ جمع راكب: أي صلّوا كيف ما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المسايفة، ولا تنقص منها عن ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الآية: قيل المعنى: إذا زال الخوف فصلّوا الصلاة التي علمتموها وهي التامّة، وقيل إذا أمنتم فاذكروا الله كما علّمكم هذه الصلاة التي تجزئكم في حال الخوف، فالذكر على القول الأوّل في حال الصلاة، وعلى الثاني بمعنى الشكر ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم﴾ هذه الآية منسوخة ومعناها أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصيّة لها ثم نسخ إقامتها سنة بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع أو الثمن الذي لها في الميراث حسبما ذكر في سورة النساء، وإعراب وصيّة مبتدأ، وأزواجهم خبر، أو مضمر تقديره: فعليهم وصيّة، وقرئت بالنصب على المصدر، تقديره: ليوصوا وصيّة، ومتاعًا نصب على المصدر ﴿غَيْرَ إخراج﴾ أي ليس لأولياء الميت إخراج ١١٨ تفسير سورة البقرة وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِرَ مِن مَّعْرُوفٍّ وَاَللَّهُ عَزِيِزُ حَكِيمٌ (١٤) وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَهُ بِالْمَعْرُوفِّ ﴿ أَمّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤) كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢٤١ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (َّ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ (١َ مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًاٍ حَسَنًا فَيُضَدْحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقُّطْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ الَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاٍ مِنْ بَنِيّ إِسْرَوِيلَ المرأة ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ معناه إذا كان الخروج من قبل المرأة فلا جُناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوّج وزينة ﴿وَلِلْمُطَلِّقَاتِ مَتَاعْ﴾ عامّ في إمتاع كل مطلّقة وبعمومه أخذ أبو ثور واستثنى الجمهور المطلّقة قبل الدخول وقد فرض لها بالآية المتقدمة منه واستثنى مالك المختلعة والملاعنة ﴿حَقًّا عَلَى المُثَّقِينَ﴾ يدلّ على وجوب المتعة وهي الإحسان للمطلّقات، لأن التقوى واجبة، ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكدة للمتعة لأنه نزل قبلها حقًّا على المحسنين، فقال رجل: فإن لم أرد أن أُحسِن لم أُمتّع، فنزلت ﴿حَقًّا عَلَى المُثْقِينَ﴾ ﴿أَمْ تَرَ﴾ رؤية قلب ﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ قوم من بني إسرائيلى أُمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، وقيل بل فرّوا من الطاعون ﴿وَهُمْ أَلُوفٌ﴾ جمع ألف، قيل ثمانون ألفًا، وقيل ثلاثون ألفًا، وقيل ثمانية آلاف، وقيل هو من الألفة، وهو ضعيف ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ عبارة عن إماتتهم، وقيل إن ملكين صاحا بهم موتوا فماتوا ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ليستوفوا آجالهم ﴿وَقَاتِلُوا﴾ خطاب لهذه الأمّة وقيل للذين أماتهم الله ثم أحياهم ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ استفهام يراد به الطلب والحضّ على الإنفاق وذكر لفظ القرض تقريبًا للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف ردّ ما أسلف، ورُوِيَ أن الآية نزلت في أبي الدحداح حين تصدّق بحائط لم يكن له غيره ﴿قَرْضًا حَسنًا﴾ أي خالصًا طيبًا من حلال من غيرِ منّ ولا أذى ﴿فَيُضَاعِفْهُ﴾ قرىء بالتشديد والتخفيف، وبالرفع على الاستئناف أو عطفًا على يقرض، وبالنصب في جواب الاستفهام ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةٍ﴾ عشرة فما فوقها إلى سبعمائة ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ إخبار يراد به الترغيب في الإنفاق ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلإِ﴾ رؤية قلب، وكانوا قومًا نالهم الذلّة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال فلما أمروا به كرهوه ١١٩ تفسير سورة البقرة مِنْ بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَبِ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ فَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَّا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين ◌ِجَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَا قَالُواْ أَنَى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ لَوَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَكِكَةُ إِنَّ فِ ذَالِكَ لَآيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٨) فَلَمَا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ﴿لِنَبِيّ لَّهُمْ﴾ قيل اسمه شمويل، وقيل شمعون ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي قاربتم، وأراد النبي المذكور أن يتوثّق منهم، ويجوز في السين من عسيتم الكسر والفتح، وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر وأما إذا لم يتصل بعسى ضمير فلا يجوز فيها إلاّ الفتح ﴿طَالُوتَ مَلِكًا﴾ قال وهب بن منبه أوحى الله إلى نبيّهم إذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن هو ملكهم، وقال السدّي أرسل الله إلى نبيّهم عصًا، وقال له إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم فكان ذلك طالوت ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ﴾ رُوِيَ أنه كان دبّاغًا ولم يكن من بيت الملك والواو في قوله ونحن واو الحال والواو في قوله ولم يؤتَ لعطف الجملة على الأخرى ﴿بَسْطَةٌ في العِلْم والجِسْم﴾ كان عالمًا بالعلوم وقيل بالحروب وكان أطول رجل يصل إلى منكبه ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَّن يَشَاءُ﴾ ردّ عليهم في اعتقادهم أن الملك يستحق بالبيت أو المال. ﴿أن يأتيكم التابوت﴾ كان هذا التابوت قد تركه موسى عند يوشع فجعله يوشع في البرية، فبعث الله ملائكة حملته فجعلته في دار طالوت، وفيه قصص كثيرة غير ثابتة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ قيل رمح فيه رأس ووجه كوجه الإنسان، وقيل طست من ذهب تُغسَل فيه قلوب الأنبياء وقيل رحمة، وقيل وقار ﴿وَبَقِيَةٌ﴾ قال ابن عباس: هي عصى موسى ورضاض الألواح وقيل العصا والنعلان وقيل ألواح من التوراة ﴿آلُ مُوسَى وآلُ هَارُونَ﴾ يعني أقاربهما، قال الزمخشري يعني الأنبياء من بني إسرائيل، ويحتمل أن يريد موسى وهارون، ١٢٠ تفسير سورة البقرة اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّ مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْلَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِةٌ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُمْ مُلَقُواْ الَّهِ كَمٍمِّنِ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ﴿٢) وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾ فَهَزَمُوهُم بِذِنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ تِلْكَ وَايَبُ اللَّهِ نَتْلُوهَا اُلْأَرْضُ وَلَ كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ◌ْ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِنْهُم مَّن عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسُِ وَلَوْ وأقحم الأهل ﴿فَصَّلَ طَالُوتُ﴾ أي خرج من موضعه إلى الجهاد ﴿بِنَهْرِ﴾ قيل هو نهر فلسطين ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾ الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب باليد ﴿إلاّ مَن اغْتَرَفَ غُرْفَةٌ﴾ رخّص لهم في الغرفة باليد، وقرىء بفتح الغين وهو المصدر وبضمها هو الاسم ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلاّ قليلاً﴾ قيل كانوا ثمانين ألفًا فشربوا منه كلهم إلاّ ثلاثمائة وبضعة عشر: عدد أصحاب بدر، فأما مَن شرف فاشتدّ عليه العطش، وأما مَن لم يشرب فلم يعطش ﴿بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ كان كافرًا عدوًّا لهم وهو ملك العمالقة، ويقال إن البربر من ذرّيّته ﴿يَظُنُّونَ﴾ أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه ﴿قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة ﴿والحِكْمَةَ﴾ هنا النبوّة والزبور، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ذلك ﴿ولَوْلاً دَفْعُ اللَّهِ﴾ الآية: منّة على العباد بدفع بعضهم ببعض، وقرىء دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متّفق ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الإشارة إلى جماعتهم ﴿فَضَّلْنَا﴾ نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول: كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا تخيّروا بين الأنبياء، ولا تفضلوني على يونس بن متّى: فإنّ معناه النّهي عن تعيين المفضول، لأنه تنقيضٍ له، وذلك غيبة ممنوعة، وقد صرّح صلّى الله عليه وآله وسلّم بفضله على جميع الأنبياء بقوله: ((أنا سيّد ولد آدم)) لا يفضله على واحد بعينه، فلا تعارض بين الحديثين ﴿مَّنِ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى عليه السلام ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قيل هو محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم