Indexed OCR Text
Pages 1-20
ـيد التَّسهيل لِعُلومِ التَّتزيل للشيخ الإمام العلامة المفسّر أبي القاسم محمّد بن أحمد بن خزيّ العلمي المتوفى سنة ٧٤١ هـ ضبطة وصح حه وخرّج آياته محمد سَالم هاشم الجُزُءُ الأَوَّل دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جَمَيْع الحقوق محفوظة الدَّار السَّبْ العِلميَّة بيروت - لبْنان الطبعة الأولى ١٤١٥ هــ - ١٩٩٥م. دار الكتب العلمية بيروت- لبنان ص.ب: ١١/٩٤٢٤ __ تلكس :_ Nasher 41245 Le هاتف: ٣٦٦١٣٥ ٠ ٠٦٠٢١٣٣ - ٨١٥٥٧٣٠٨٦٨٠٥١ فاكس: ٠٠/٩٦١١/٦٠٢١٣٣ ◌َلْهِالرَّنِ الرَّحِيـ قال الشيخ الفقيه الإمام العالم العلم العلاّمة، فريد دهره، ووحيد عصره، أبو عبد الله محمد المدعو بالقاسم بن أحمد بن محمد بن جزيّ الكلبي، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، بحرمة النبي الأوّاه: الحمد لله العزيز الوهاب، مالك الملوك وربّ الأرباب، هو الذي أنزل على عبده الكتاب، هدى وذكرى لأولي الألباب، وأودعه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة: غاية الحكمة وفصل الخطاب؛ وخصّصه من الخصائص العليّة، واللطائف الخفيّة، والدلائل الجليّة، والأسرار الربّانيّة، العجب بكل عجب عجاب؛ وجعله في الطبقة العليا من البيان، حتى أعجز الإنسان والجان، واعترف علماء أرباب اللسان بما تضمنه من الفصاحة والبراعة والبلاغة والإعراب والإغراب؛ ويسّر حفظه في الصدور، وضمن حفظه من التبديل والتغيير، فلم يتغيّر ولا يتغيّر على طول الدهور وتوالي الأحقاب؛ وجعله قولاً فصلاً، وحكمًا عدلاً، وآية بادية، ومعجزة باقية: يشاهدها مَن شهد الوحي ومَن غاب؛ وتقوم بها الحجة للمؤمن الأوّاب، والحجة على الكافر المرتاب؛ وهدى الخلق بما شرع فيه من الأحكام، وبيّن الحلال والحرام، وعلم من شعائر الإسلام، وصرف من النواهي والأوامر والمواعظ والزواجر، والبشارة بالثواب، والنذارة بالعقاب، وجعل أهل القرآن أهل الله وخاصته، واصطفاهم من عباده، وأورثهم الجنة وحُسْن المآب. فسبحان مولانا الكريم الذي خصّنَا بكتابه، وشرّفنا بخطابه، فيا له من نعمة سابغة، وحجة بالغة، أوزعنا الله الكريم القيام بواجب شكرها، وتوفية حقها، ومعرفة قدرها، وما توفيقي إلاّ بالله، هو ربّي لا إله إلاّ هو، عليه توكلت وإليه متاب. وصلاة الله وسلامه، وتحياته وبركاته وإكرامه، على مَن ٤ مقدمة المؤلّف دلّنا على الله، وبلغنا رسالة الله، وجاءنا بالقرآن العظيم، وبالآيات والذكر الحكيم، وجاهد في الله حق الجهاد، وبذل جهده في الحرص على نجاة العباد، وعلم ونصح وبيّن وأوضح حتى قامت الحجة، ولاحت المحجة، وتبيّن الرشد من الغيّ، وظهر طريق الحق والصواب، وانقشعت ظلمات الشك والارتياب، ذلك: سيدنا ومولانا محمد النبي الأمّيّ، القرشي الهاشمي، المختار من لباب اللباب، والمصطفى من أطهر الأنساب، وأشرف الأحساب، الذي أيّده الله بالمعجزات الظاهرة، والجنود القاهرة، والسيوف الباترة الغضاب، وجمع له بين شرف الدنيا والآخرة، وجعله قائدًا للغرّ المحجلين والوجوه الناضرة، فهو أوّل مَن يشفع يوم الحساب، وأوّل مَن يدخل الجنة ويقرع الباب، فصلّى الله عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الأكرمين، خير أهل وأصحاب، صلاة زاكية نامية، لا يحصر مقدارها العدّ والحساب، ولا يبلغ إلى أدنى وصفها ألسنة البلغاء ولا أقلام الكتّاب. أما بعد؛ فإنّ علم القرآن العظيم: هو أرفع العلوم قدرًا، وأجلّها خطرًا، وأعظمها أجْرًا، وأشرفها ذكرًا وأن الله أنعم عليّ بأن شغلني بخدمة القرآن، وتعلّمه وتعليمه، وشغفني بتفهّم معانيه وتحصيل علومه، فاطّلعت على ما صنّف العلماء رضي الله عنهم في تفسير القرآن من التصانيف المختلفة الأوصاف، المتباينة الأصناف، فمنهم من آثر الاختصار، ومنهم مَن طوّل حتى كثر الأسفار، ومنهم مَن تكلم في بعض فنون العلم دون بعض، ومنهم مَن اعتمد على نقل أقوال الناس، ومنهم مَن عوّل على النظر والتحقيق والتدقيق، وكل أحد سلك طريقًا نحّاه، وذهب مذهبًا ارتضاه، وكلاً وعد الله الحسنى، فرغبت في سلوك طريقهم، والانخراط في مساق فريقهم، وصنّفت هذا الكتاب في تفسير القرآن العظيم، وسائر ما يتعلق به من العلوم، وسلكت مسلكًا نافعًا، إذ جعلته وجيزًا جامعًا، قصدت به أربع مقاصد: تتضمن أربع فوائد: (الفائدة الأولى) جمع كثير من العلم، في كتاب صغير الحجم؛ تسهيلاً على الطالبين، وتقريبًا على الراغبين؛ فلقد احتوى هذا الكتاب على ما تضمنته الدواوين الطويلة من العلم، ولكن بعد تلخيصها وتمحيصها، وتنقيح فصولها، وحذف حشوها وفضولها؛ ولقد أودعته من كل فنّ من فنون علم القرآن: اللباب المرغوب فيه، دون القشر المرغوب عنه، من غير إفراط ولا تفريط. ثم إني عزمت على إيجاز العبارة، وإفراط الاختصار، وترك التطويل والتكرار، (الفائدة الثانية) ذكر نكت عجيبة، وفوائد غريبة، قلّما توجد في كتاب؛ لأنها من نبات صدري، وينابيع ذكري. ومما أخذته عن شيوخي رضي الله عنهم، أو مما التقطته من مستظرفات النوادر، الواقعة في غرائب الدفاتر، (الفائدة الثالثة) إيضاح المشكلات، إما بحل العقد المقفلات، وإما بحسن العبارة ورفع الاحتمالات: وبيان المجملات، (الفائدة الرابعة) تحقيق أقوال المفسّرين، السقيم منها والصحيح، وتمييز الراجح من المرجوح. وذلك أن أقوال الناس على مراتب: ٥ مقدمة المؤلّف فمنها الصحيح الذي يعوّل عليه، ومنها الباطل الذي لا يلتفت إليه، ومنها ما يحتمل الصحة والفساد. ثم إنّ هذا الاحتمال قد يكون متساويًا أو متفاوتًا، والتفاوت قد يكون قليلاً أو كثيرًا، وإني جعلت لهذه الأقسام عبارات مختلفة، تعرف بها كل مرتبة وكل قول؛ فأدناها ما أصرّح بأنه خطأ أو باطل، ثم ما أقول فيه إنه ضعيف أو بعيد، ثم ما أقول إن غيره أرجح أو أقوى أو أظهر أو أشهر ثم ما أقدّم غيره عليه إشعارًا بترجيح المتقدّم أو بالقول فيه: قيل كذا، قصدًا للخروج من عهدته، وأما إذا صرّحت باسم قائل القول؛ فإني أفعل ذلك لأحد أمرين: إما للخروج عن عهدته، وإما لنصرته إذا كان قائله ممّن يقتدى به، على أني لست أنسب الأقوال إلى أصحابها إلا قليلاً، وذلك لقلة صحة إسنادها إليهم، أو لاختلاف الناقلين في نسبتها إليهم، وأما إذا ذكرت شيئًا دون حكاية قوله عن أحد؛ فذلك إشارة إلى أني أتقلده وأرتضيه سواء كان من تلقاء نفسي، أو مما أختاره من كلام غيري، وإذا كان القول في غاية السقوط والبطلان؛ لم أذكره تنزيها للكتاب، وربما ذكرته تحذيرًا منه، وهذا الذي من الترجيح والتصحيح مبنيّ على القواعد العلمية، أو ما تقتضيه اللغة العربية، وسنذكر بعد هذا بابًا في موجبات الترجيح بين الأقوال إن شاء الله. وسمّيته (كتاب التسهيل: لعلوم التنزيل) وقدّمت في أوّله مقدّمتين: إحداهما في أبواب نافعة، وقواعد كلية جامعة؛ والأخرى فيما كثر دوره من اللغات الواقعة. وأنا أرغب إلى الله العظيم الكريم: أن يجعل تصنيف هذا الكتاب عملاً مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، ووسيلة توصلني إلى جنات النعيم، وتنقذني من عذاب الجحيم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم. ٦ مقدمة المؤلّفب ٠ المقدمة الأولى : فیھا اثنا عشر بابًا الباب الأول: في نزول القرآن على رسول الله: 183 من أوّل ما بعثه الله بمكة وهو ابن أربعين سنة إلى أن هاجر إلى المدينة، ثم نزل عليه بالمدينة إلى أن توفّاه الله، فكانت مدّة نزوله عليه عشرون سنة، وقيل كانت ثلاث وعشرين سنة على حسب الاختلاف في سنّه وَل يوم توفي، هل كان ابن ستّين سنة، أو ثلاث وستين سنة؟ وكان ربما تنزل عليه سورة كاملة، وربما تنزل عليه آيات مفترقات، فيضمّ عليه السلام بعضها إلى بعض حتى تكمل السورة، وأوّل ما نزل عليه من القرآن: صدر سورة العلق، ثم المدّثر والمزّمّل، وقيل أوّل ما نزل المدّثر وقيل فاتحة الكتاب، والأوّل هو الصحيح؛ لما ورد في الحديث الصحيح، عن عائشة في حديثها الطويل في ابتداء الوحي قالت فيه: جاءه الملك وهو بغار حراء، قال اقرأ، قال ما أنا بقارىء، قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، قال فأخذني فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت ما أنا بقارىء، قال فأخذني وغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِأْسِمِ رَبَّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِن عَلَقِ اقْرَأُ وَرَبّكَ الأَكْرَمِ الَّذِي عَلْمَ بِالقَلَم عَلَمَ الإنْسَانَ ما لَمْ يَعْلَم﴾ [العلق: ١- ٥]. فرجع بها رسول الله وَّر يرجف فؤاده، فقال: ((زمّلوني زمّلوني))، فزملوه حتى ذهب عنه ما يجد من الروع، وفي رواية من طريق جابر بن عبد الله: فقال رسول الله وَّر: ((زمّلوني)) فأنزل الله تعالى ﴿يَا أيّها المُزْمّل﴾ [المزمّل: ١] وآخر ما نزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحِ﴾ [النصر: ١] وقيل آية الزنى التي في البقرة، وقيل الآية قبلها. وكان القرآن على عهد رسول الله وَلتر متفرّق في الصحف وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله وَ﴿ قعد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته، فجمعه على ترتيب ٧ مقدمة المؤلّف نزوله، ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير، ولكنه لم يوجد. فلما قتل جماعة من الصحابة يوم اليمامة في قتال مسيلمة الكذاب؛ أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصدّيق رضي الله عنهما بجمع القرآن: مخافة أن يذهب بموت القرّاء، فجمعه في صحف غير مرتب السور وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بعده، ثم عند بنته حفصة أم المؤمنين، وانتشرت في خلال ذلك صحف كتبت في الآفاق عن الصحابة، وكان بينها اختلاف، فأشار حذيفة بن اليمان على عثمان بن عفّان رضي الله عنهما، فجمع الناس على مصحف واحد خيفة من اختلافهم، فانتدب لذلك عثمان، وأمر زيد بن ثابت فجمعه، وجعل معه ثلاثة من قريش: عبد الله بن الزبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن العاصي بن أمية، وقال لهم إذا اختلفتم في شيء فاجعلوه بلغة قريش، وجعلوا المصحف الذي كان عند حفصة إمامًا في هذا الجمع الأخير، وكان عثمان رضي الله عنه يتعهدهم ويشاركهم في ذلك، فلما كمل المصحف نسخ عثمان رضي الله عنه منه نسخًا ووجهها إلى الأمصار وأمر بما سواها أن تخرق أو تحرق ((يُروَى بالحاء والخاء المنقوطة)) فترتيب السور على ما هو الآن من فعل عثمان وزيد بن ثابت والذين كتبوا معه المصحف، وقد قيل إنه من فعل رسول الله وَ لچر، وذلك ضعيف تردّه الآثار الواردة في ذلك، وأما نقط القرآن وشكله فأوّل مَن فعل ذلك الحجّاج بن يوسف بأمر عبد الملك بن مروان وزاد الحجّاج تحزيبه وقيل أوّل مَن نقطه يحيى بن يعمر وقيل أبو الأسود الدؤلي، وأما وضع الأعشار فيه فقيل إنّ الحجّاج فعل ذلك وقيل بل أمره به المأمون العباسي، وأما أسماؤه فهي أربعة: القرآن، والفرقان، والكتاب، والذكر. وسائر ما يسمى صفات لا أسماء: كوصفه بالعظيم، والكريم، والمتين، والعزيز، والمجيد، وغير ذلك. فأما القرآن: فأصله مصدر قرأ، ثم أطلق على المقروء، وأما الفرقان: فمصدر أيضًا معناه التفرقة بين الحق والباطل، وأما الكتاب: فمصدر ثم أطلق على المكتوب، وأما الذكر: فسمى القرآن به لما فيه من ذكر الله أو من التذكير والمواعظ، ويجوز في السورة من القرآن الهمز، وترك الهمز لغة قريش، وأما الآية فأصلها العلامة ثم سُمّيت الجملة من القرآن به لأنها علامة على صدق النبي امَلتر . الباب الثاني: في السورة المكية والمدنية. اعلم أن السور المكيّة هي التي نزلت بمكة ويعدّ منها كل ما نزل قبل الهجرة، وإن نزل بغير مكة، كما أنّ المدنية هي السورة التي نزلت بالمدينة ويعدّ منها كل ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بغير المدينة، وتنقسم السور ثلاثة أقسام: قسم مدنية باتفاق، وهي اثنان وعشرون سورة، وهي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والنور، والأحزاب، والقتال، والفتح، والحجرات، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصفّ، والجمعة، والمنافقون، والتغابن، ٨ مقدمة المؤلف والطلاق، والتحريم، وإذا جاء نصر الله. وقسم فيها خلاف، هل هي مكية أو مدنية؟ وهي ثلاثة عشر سورة: أمّ القرآن، والرعد، والنحل، والحج، والإنسان، والمطففون، والقدر، ولم يكن، وإذا زلزلت، وأرأيت، والإخلاص، والمعوذتين. وقسم مكية باتفاق، وهي سائر السور، وقد وقعت آيات مدنية في سور مكية، وكما وقعت آيات مكية في سور مدنية، وذلك قليل، مختلف في أكثره. واعلم أنّ السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد والردّ على المشركين، وفي قصص الأنبياء. وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الردّ على اليهود والنصارى، وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي وَلّر، وحيث ما ورد: يا أيّها الذين آمنوا؛ فهو مدني، وأما: يا أيها الناس، فقد وقع في المكيّ والمدنيّ. الباب الثالث: في المعاني والعلوم التي تضمنها القرآن، ولنتكلم في ذلك على الجملة والتفصيل. أما الجملة، فاعلم أنّ المقصود بالقرآن دعوة الخلق إلى عبادة الله وإلى الدخول في دينه، ثم إنّ هذا المقصد يقتضي أمرين، لا بدّ منهما، وإليهما ترجع معاني القرآن كله: أحدهما بيان العبادة التي دعى الخلق إليها، والأخرى ذكر بواعث تبعثهم على الدخول فيها وتردّدهم إليها، فأما العبادة فتنقسم إلى نوعين، وهما أصول العقائد وأحكام الأعمال، وأما البواعث عليها فأمرين، وهما الترغيب والترهيب، وأما على التفصيل فاعلم أنّ معاني القرآن سبعة: وهي علم الربوبية، والنبوّة، والمعاد، والأحكام، والوعد، والوعيد والقصص. فأما علم الربوبية: فمنه إثبات وجود الباري جلّ جلاله، والاستدلال عليه بمخلوقاته، فكل ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خلقة الأرض والسموات، والحيوان والنبات، والريح والأمطار، والشمس والقمر، والليل والنهار، وغير ذلك من الموجودات، فهو دليل على خالقه، ومنه إثبات الوحدانية، والرد على المشركين، والتعريف بصفات الله: من الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر، وغير ذلك من أسمائه وصفاته، والتنزيه عمّا لا يليق به. وأما النبوّة: فإثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام على العموم، ونبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم على الخصوص، وإثبات الكتب التي أنزلها الله عليهم، ووجود الملائكة الذين كان منهم وسائط بين الله وبينهم، والردّ على مَن كفر بشيء من ذلك، وينخرط في سلك هذا ما ورد في القرآن من تأنيس النبي صل8 وكرامته والثناء عليه، وسائر الأنبياء وَي أجمعين. وأما المعاد فإثبات الحشر، وإقامة البراهين، والردّ على مَن خالف فيه، وذكر ما في الدار الآخرة من الجنة والنار، والحساب والميزان، وصحائف الأعمال وكثرة الأهوال، ونحو ذلك. وأما الأحكام: فهي الأوامر والنواهي وتنقسم خمسة أنواع: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح. ومنها ما يتعلق بالأبدان: كالصلاة والصيام، وما يتعلق بالأموال كالزكاة، وما يتعلق بالقلوب كالإخلاص ٩ مقدمة المؤلّف والخوف والرجاء وغير ذلك. وأما الوعد: فمنه وعد بخير الدنيا من النصر والظهور وغير ذلك، ومنه وعد بخير الآخرة وهو الأكثر كأوصاف الجنة ونعيمها. وأما الوعيد: فمنه تخويف بالعقاب في الدنيا، ومنه تخويف بالعقاب في الآخرة وهو الأكثر: كأوصاف جهنم وعذابها، وأوصاف القيامة وأهوالها، وتأمّل القرآن تجد الوعد مقرونًا بالوعيد، قد ذكر أحدهما على أثر ذكر الآخر، ليجمع بين الترغيب والترهيب، وليتبيّن أحدهما بالآخر، كما قیل : فبضدّها تتبيّن الأشياء وأما القصص: فهو ذكر أخبار الأنبياء المتقدّمين وغيرهم كقصة أصحاب الكهف، وذي القرنين. فإن قيل: ما الحكمة في تكرار قصص الأنبياء في القرآن. فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه ربما ذكر في سورة من أخبار الأنبياء ما لم يذكره في سورة أخرى، ففي كل واحدة منهما فائدة زائدة على الأخرى. الثاني أنه ذكرت أخبار الأنبياء في مواضع على طريقة الإطناب، وفي مواضع على طريقة الإيجاز، لتظهر فصاحة القرآن في الطريقتين. الثالث أن أخبار الأنبياء قصد بذكرها مقاصد فتعدّد ذكرها بتعدّد تلك المقاصد، فمن المقاصد بها إثبات نبوّة الأنبياء المتقدّمين بذكر ما جرى على أيديهم من المعجزات، وذكر إهلاك مَن كذبهم بأنواع من المهالك. ومنها إثبات النبوّة لمحمد ◌َ له لإخباره بتلك الأخبار من غير تعلّم من أحد. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ [هود: ٤٩] ومنها إثبات الوحدانية. ألا ترى أنه لما ذكر إهلاك الأمم الكافرة قال: ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم اللاتي يدعون من دون الله من شيء﴾ [هود: ١٠١] ومنها الاعتبار في قدرة الله وشدّة عقابه لمَن كفر. ومنها تسلية النبي وَلّر عن تكذيب قومه له بالتأسّي بمَن تقدّم من الأنبياء: كقوله: ﴿وقد كذبت رسل من قبلك﴾ [الأنعام: ٣٤] ومنها تسليته عليه السلام ووعده بالنصر كما نصر الأنبياء الذين من قبله. ومنها تخويف الكفّار بأن يعاقبوا كما عوقب الكفّار الذين من قبلهم، إلى غير ذلك مما احتوت عليه أخبار الأنبياء من العجائب والمواعظ واحتجاج الأنبياء. وردّهم على الكفّار وغير ذلك. فلما كانت أخبار الأنبياء تفيد فوائد كثيرة: ذكرت في مواضع كثيرة. ولكل مقام مقال. الباب الرابع: في فنون العلم التي تتعلق بالقرآن. اعلم أن الكلام على القرآن يستدعي الكلام في اثني عشر فنًّا من العلوم، وهي: التفسير، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوّف، وأصول الدين، وأصول الفقه: واللغة، والنحو، والبيان. فأما التفسير فهو المقصود بنفسه وسائر هذه الفنون أدوات تعين عليه أو تتعلق به أو تتفرع منه، ومعنى التفسير شرح القرآن وبيان معناه والإفصاح بما يقتضيه بنصه أو إشارته أو ١٠ مقدمة المؤلّف نجواه. واعلم أنّ التفسير منه متفق عليه ومختلف فيه، ثم إنّ المختلف فيه على ثلاثة أنواع: الأوّل: اختلاف في العبارة، مع اتفاق في المعنى: فهذا عدّه كثير من المؤلفين خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف لاتفاق معناه، وجعلناه نحن قولاً واحدًا عدوعبّنا عنه بأحد عبارات المتقدّمين، أو بما يقرب منها، أو بما يجمع معانيها. الثاني اختلاف في التمثيل لكثرة الأمثلة الداخلة تحت معنى واحد، وليس مثال منها على خصوصه هو المواد، وإنما المراد المعنى العامّ التي تندرج تلك الأمثلة تحت عمومه فهذا عدّه أيضًا كثير من المؤلّفين خلافًا، وليس في الحقيقة بخلاف؛ لأنّ كل قول منها مثال، وليس بكل المراد، ولم نعدّه نحن خلافًا: بل عبّرنا عنه بعبارة عامّة تدخل تلك تحتها، وربما ذكرنا بعض تلك الأقوال على وجه التمثيل مع التنبيه على العموم المقصود. الثالث: اختلاف المعنى؛ فهذا هو الذي عدّدناه خلافًا، ورجحنا فيه بين أقوال الناس حسبما ذكرناه في خطبة الكتاب؛ فإن قيل: ما الفرق بين التفسير والتأويل؛ فالجواب أن في ذلك ثلاثة أقوال: الأوّل أنهما بمعنى واحد. الثاني: أن التفسير للفظ، والتأويل للمعنى. الثالث وهو الصواب: أن التفسير: هو الشرح، والتأويل: هو حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر بموجب اقتضى أن يحمل على ذلك ويخرج على ظاهره وأما القراءات: فإنها بمنزلة الرواية في الحديث، فلا بد من ضبطها كما يضبط الحديث بروايته، ثم إن القراءات على قسمين: مشهورة. وشاذة. قالمشهورة: هي القراءات السبع وما جرى مجراها: كقراءة يعقوب". وابن محيصين. والشّاذة ما سوى ذلك. وإنما بنينا هذا الكتاب على قراءة نافع لوجهين: أحدهما أنها القراءة المستعملة في بلادنا بالأندلس وسائر بلاد المغرب. والأخرى اقتداء بالمدينة شرّفها الله لأنها قراءة أهل المدينة. وقال مالك بن أنس: قراءة نافع سُنّة. وذكرنا من سائر القراءة ما فيها فائدة في المعنى والإعراب وغير ذلك. دون ما لا فائدة فيه زائدة. واستغنينا عن استيفاء القراءات لكونها مذكورة في الكتب المؤلفة فيها. وقد ألّقنا فيها كتبًا نفع الله بها. وأيضًا فإنا لما عزمنا في هذا الكتاب على الاختصار حذفنا منه ما لا تدعو إليه الضرورة وقد ذكرنا في هذه المقدّمات بابًا في قواعد أصول القراءات. وأما أحكام القرآن فهي ما ورد فيه من الأوامر والنواهي. والمسائل الفقهية. وقال بعض العلماء إن آيات الأحكام خمسمائة آية. وقد تنتهي إلى أكثر من ذلك إذا استقصى تتبعها في مواضعها. وقد صنّفِ الناس في أحكام القرآن تصانيف كثيرة. ومن أحسن تصانيف المشارقة فيها، تأليف إسماعيل القاضي وابن الحسن كباه ومن أحسن تصانيف أهل الأندلس تأليف القاضي الإمام أبي بكر بن العربي والقاضي الحافظ ابن محمد بن عبد المنعم بن عبد الرحيم المعروف باين الفرس. وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام لأنها محل النسخ إذ لا تنسخ الأخبار ولا بدّ من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ، والمحكم وهو ما لم ينسخ، وقد صنّف ١١ مقدمة المؤلّف الناس في ناسخ القرآن ومنسوخه تصانيف كثيرة وأحسنها تأليف القاضي أبي بكر بن العربي. وقد ذكرنا في هذه المقدمات بابًا في قواعد النسخ، وذكر ما تقرّر في القرآن من المنسوخ، وذكرنا سائره في مواضعه، وأما الحديث فيحتاج المفسّر إلى روايته وحفظه لوجهين: الأوّل أنّ كثيرًا من الآيات في القرآن نزلت في قوم مخصوصين ونزلت بأسباب قضايا وقعت في زمن النبي وَّ من الغزوات والنوازل والسؤالات، ولا بدّ من معرفة ذلك ليعلم فيمَن نزلت الآية وفيما نزلت ومتى فإنّ الناسخ يبني على معرفة تاريخ النزول لأنّ المتأخّر ناسخ للمتقدّم. الثاني أنه ورد عن النبي ◌َّ كثير من تفسير القرآن فيجب معرفته لأن قوله عليه السلام مقدّم على أقوال الناس. وأما القصص فهي من جملة العلوم التي تضمنها القرآن فلا بدّ من تفسيره إلاّ أن الضروري منه ما يتوقف التفسير عليه. وما سوى ذلك زائد مستغنى عنه وقد أكثر بعض المفسّرين من حكاية القصص الصحيح وغير الصحيح. حتى أنهم ذكروا منه ما لا يجوز ذكره مما فيه تقصير بمنصب الأنبياء عليهم السلام أو حكاية ما يجب تنزيههم عنه. وأما نحن فاقتصرنا في هذا الكتاب من القصص على ما يتوقف التفسير عليه وعلى ما ورد منه في الحديث الصحيح. وأما التصرّف فله تعلّق بالقرآن. لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس. وتنوير القلوب. وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة. واجتناب الأخلاق الذميمة. وقد تكلمت المتصوّفة في تفسير القرآن. فمنهم مَن أحسن وأجاد. ووصل بنور بصيرته إلى دقائق المعاني. ووقف على حقيقة المراد. ومنهم مَن توغل في الباطنية وحمل القرآن على ما لا تقتضيه اللغة العربية. وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي كلامهم في التفسير في كتاب سمّاه ((الحقائق)) وقال بعض العلماء. بل هي البواطل. وإذا ما انتصفنا قلنا فيه حقائق وبواطل. وقد ذكرنا هذا في كتاب ما يستحسن من الإشارات الصوفية. دون ما يعترض أو يقدح فيه. وتكلمنا أيضًا على اثني عشر مقامًا من مقام التصوّف في مواضعها من القرآن: فتكلمنا على الشكر في أُمّ القرآن، لما بين الحمد والشكر من الاشتراك في المعنى. وتكلمنا على التقوى في قوله تعالى في البقرة: ﴿هدّى للمتّقين﴾ [البقرة: ٢]، وعلى الذكر في قوله فيها: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢]، وعلى الصبر في قوله تعالى: ﴿وبشّر الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٥]، وعلى التوحيد في قوله فيها: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ [البقرة: ١٦٣]، وعلى محبة الله في قوله فيها: ﴿والذين آمنوا أشدّ حبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، وعلى التوكّل في قوله في آل عمران: ﴿فإذا عزمت فتوكّل على الله﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وعلى المراقبة في قوله في النساء: ﴿إنّ الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١]، وعلى الخوف والرجاء في قوله في الأعراف: ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وعلى التوبة في قوله في النور: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا﴾ [النور: ٣١]، وعلى الإخلاص في قوله في لم يكن: -- ١٢ مقدمة المؤلّف ﴿وما أُمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البيّنة: ٥]. وأما أصول الدين فيتعلق بالقرآن من طرفين: أحدهما: ما ورد في القرآن من إثبات العقائد وإقامة البراهين عليها. والردّ على أصناف الكفّار. والآخر: أنّ الطوائف المختلفة من المسلمين تعلقوا بالقرآن وكل طائفة منهم تحتجّ لمذهبها بالقرآن وتردّ على مَن خالفها. وتزعم أنه خالف القرآن .. ولا شك أن منهم المحقّ والمبطل. فمعرفة تفسير القرآن أن توصل في ذلك إلى التحقيق مع التشديد والتأييد من الله والتوفيق. وأما أصول الفقه فإنها من أدوات تفسير القرآن. على أن كثيرًا من المفسّرين لم يشتغلوا بها. وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال. وما أحوج المفسّر إلى معرفة النص. والظاهر، والمجمل. والمبين. والعامّ. والخاصّ، والمطلق. والمقيد. وفحوى الخطاب. ولحن الخطاب .. ودليل الخطاب. وشروط النسخ. ووجوه التعارض. وأسباب الخلاف. وغير ذلك من علم الأصول. وأما اللغة فلا بدّ للمفسّر من حفظ ما ورد في القرآن منها. وهي غريب القرآن وهي من فنون التفسير. وقد صنّف الناس في غريب القرآن تصانيف كثيرة. وقد ذكرنا بعد هذه المقدّمة: مقدّمة في اللغات الكثيرة الدوران في القرآن. لئلا نحتاج أن نذكرها حيث وقعت فيطول الكتاب بكثرة تكرارها. وأما النحو فلا بدّ للمفسّر من معرفته. فإن القرآن نزل بلسان العرب فيحتاج إلى معرفة اللسان. والنجو ينقسم إلى قسمين: أحدهما عوامل الإعراب. وهي أحكام الكلام المركّب. والآخر التصرّف وهي أحكام الكلمات من قبل تركيبها. وقد ذكرنا في هذا الكتاب من إعراب القرآن ما يحتاج إليه من المشكل والمختلف. أو ما يفيد فهم المعنى. أو ما يختلف المعنَى باختلافه ولم نتعرض لما سوى ذلك من الإعراب السهل الذي لا يحتاج إليه إلا المبتدىء فإن ذلك يطول بغير فائدة كبيرة. وأما علم البيان: فهو علم شريف تظهر به فصاحة القرآن. وقد ذكرنا منه في هذا الكتاب فوائد فائقة. ونكت مستحسنة رائقة. وجعلنا في المقدّمات بابًا في أدوات البيان ليفهم به ما يرد منها مفرّقًا في مواضعه من القرآن. الباب الخامس: في أسباب الخلاف بين المفسّرين. والوجوه التي يرجح بها بين أقوالهم. فأما أسباب الخلاف فهي اثني عشر: الأول اختلاف القرآن. الثاني اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات. الثالث اختلاف اللغويين في معنى الكلمة. الرابع اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر. الخامس احتمال العموم والخصوص. السادس احتمال الإطلاق أو التقييد. السابع احتمال الحقيقة أو المجاز. الثامن احتمال الإضمار أو الاستقلال: التاسع احتمال الكلمة زائدة. العاشر احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير. الحادي عشر احتمال أن يكون الحكم منسوخًا أو محكمًا. الثاني عشر اختلاف الرواية في التفسير عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وعن السلف رضي الله عنهم. وأما وجوه الترجيح فهي اثني عشر الأول تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دلّ موضع من القرآن على ١٣ مقدمة المؤلّف المراد بموضع آخر حملناه عليه ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. الثاني حديث النبي ◌َّ: فإذا ورد عنه عليه السلام تفسير شيء من القرآن عوّلنا عليه. لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح. الثالث أن يكون القول قول الجمهور وأكثر المفسّرين: فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. الرابع أن يكون القول قول مَن يقتدى به من الصحابة كالخلفاء الأربعة. وعبد الله بن عباس. لقول رسول الله وَالر: ((اللّهمَّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل)). الخامس أن يدلّ على صحّة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق. السادس أن يشهد بصحة القول سياق الكلام ويدلّ عليه ما قبله أو ما بعده. السابع أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه. الثامن تقديم الحقيقة على المجاز. فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين. وقد يترجح المجاز إذا كثر استعماله حتى يكون أغلب استعمالاً من الحقيقة ويسمى مجازًا راجحًا والحقيقة مرجوحة. وقد اختلف العلماء أيّهما يقدّم: فمذهب أبي حنيفة تقديم الحقيقة، لأنها الأصل ومذهب أبي يوسف تقديم المجاز الراجح؛ لرجحانه. وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح. التاسع تقديم العمومي على الخصوصي؛ فإن العمومي أولى لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص. العاشر تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدلّ دليل على التقييد. الحادي عشر تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار. الثاني عشر حمل الكلام على ترتيبه إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير. الباب السادس: في ذكر المفسّرين. اعلم أن السلف الصالح انقسموا إلى فرقتين: فمنهم مَن فسّر القرآن وتكلم في معانيه. وهم الأكثرون. ومنهم مَن توقف عن الكلام فيه احتياطًا لما ورد من التشديد في ذلك. فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله وَلَه يفسّر من القرآن الآيات إلا بعد علمه إيّاهنّ من جبريل. وقال وَّ: ((مَن قال في القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ)). وتأوّل المفسّرون حديث عائشة رضي الله عنها بأنه في مغيبات القرآن التي لا تعلم إلاّ بتوقيف من الله تعالى. وتأوّل الحديث الآخر بأنه فيمن تكلم في القرآن بغير علم ولا أدوات؛ لا فيمن تكلم فيما تقتضيه أدوات العلوم ونظر في أقوال العلماء المتقدّمين؛ فإن هذا لم يقل في القرآن برأيه. واعلم أن المفسّرين على طبقات؛ فالطبقة الأولى: الصحابة رضي الله عنهم. وأكثرهم كلامًا في التفسير ابن عباس. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يثني على تفسير ابن عباس. ويقول: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق. وقال ابن عباس: ما عندي من تفسير القرآن فهو عن عليّ بن أبي طالب، ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأَبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكلما جاء من التفسير عن الصحابة فهو حسن. والطبقة الثانية: التابعون. وأحسنهم كلامًا في التفسير الحسن بن الحسن البصري، ١٤ مقدمة المؤلف وسعيد بن جبير ومجاهد مولى ابن عباس، وعلقمة صاحب عبد الله بن مسعود. ويتلؤهم: عكرمة، وقتادة، والسدي، والضخّاك بن مزاحم، وأبو صالح، وأبو الغالية. ثم حمل تفسير القرآن عدول كل خلف، وألّف الناس فيه: كالمفضل، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبخاري، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم. ثم إن محمد بن جرير الطبري جمع أقوال المفسّرين وأحسن النظر فيها. وممّن صنّف في التفسير أشياء: أبو بكر النقاش، والثعلبي، والماوردي، إلا أن كلامهم يحتاج إلى تنقيح. وقد استدرك الناس على بعضهم. وصنّف أبو محمد بن قتيبة في غريب القرآن ومشكله وكثير من علومه وصنّف في معاني القرآن جماعة من النحويين: كأبي إسحق الزجّاج، وأبي علي الفارسي ، وأبي جعفر النخاس. وأما أهل المغرب والأندلس فصنّف القاضي منذر بن سعيد البلوطيّ كتابًا في غريب القرآن وتفسيره. ثم صنف المقرىء أبو محمد مكّي بن أبي طالب كتاب الهداية في تفسير القرآن، وكتابًا في غريب القرآن، وكتابًا في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتابًا في إعراب القرآن، إلى غير ذلك من تأليفه. فإنها نحو ثمانين تأليفًا: أكثرها في علوم القرآن والقراءات والتفسير وغير ذلك. وأما أبو عمرو الدانيّ: فتآليفه تنيف على مائة وعشرين، إلا أن أكثرها في القرآن، ولم يؤلف في التفسير إلا قليلاً. وأما أبو العباس المهدي فمثقن التأليف، حسن الترتيب، جامع لفنون علوم القرآن. ثم جاء القاضيان أبو بكر بن العربي وأبو محمد عبد الحق بن عطية، فأبدع كل واحد وأجمل، واحتفل وأكمل. فأما ابن العربي فصنف كتاب ((أنوار الفجر)) في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب ((قانون التأويل)) إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه. وألّف في ساثر علوم القرآن تآليفًا مفيدة. وأما ابن عطية فكتابه في التفسير أحسن التآليف وأعدلها، فإنه اطلع على تأليف مَن كان قبله فهذبها، ولخّصها. وهو مع ذلك حسن العبارة، مسدّد النظر، محافظ على السُّنّة. ثم ختم علم القرآن بالأندلس وسائر المغرب بشيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير. فلقد قطع عمره في خدمة القرآن وآتاه الله بسطة في علمه، وقوّة في فهمه، وله فيه تحقيق، ونظر دقيق. ومما بأيدينا من تأليف أهل المشرق تفسير ابن القاسم الزمخشري فمسدد النظر بارع في الإعراب مثقن في علم البيان، إلا أنه ملأ كتابه من مذهب المعتزلة وشرّهم، وحَمَل آيات القرآن على طريقتهم، فتكدّر صفوه، وتمرّر حلوه، فخذ منه ما صفا ودع ما كدر. وأما القرنوي فكتابه مختصر، وفيه من التصوّف نكت بديعة. وأما ابن الخطيب فتضمن كتابه ما في كتاب الزمخشري وزاد عليه إشباع في قواعد علم الكلام، ونمّقه بترتيب المسائل، وتدقيق النظر في بعض المواضع. وهو على الجملة كتاب كبير الجرّمَ، ربما يحتاجَ إِلَى تلخيص، والله ينفع الجميع بخدمة كتابه، ویجزیهم أفضل ثوابه. الباب السابع: في الناسخ والمنسوخ: النسخ في اللغة: هو الإزالة والنقل. ومعناه في ١٥ مقدمة المؤلّف الشريعة: رفع الحكم الشرعي بعد ما نزل. ووقع في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول نسخ اللفظ والمعنى كقوله: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم))، الثاني نسخ اللفظ دون المعنى كقوله: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم))، الثالث نسخ المعنى دون اللفظ وهو كثير وقع منه في القرآن على ما عدّ بعض العلماء مائتا موضع وثنتا عشرة مواضع منسوخة، إلا أنهم عدّوا التخصيص والتقييد نسخًا، والاستثناء نسخًا، وبين هذه الأشياء وبين النسخ: فروق معروفة، وسنتكلم عن ذلك في مواضعه. ونقدّم هنا ما جاء من نسخ مسالمة الكفّار والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم، بالأمر بقتالهم ليغني ذلك عن تكراره في مواضعه، فإنه وقع منه في القرآن مائة آية وأربع عشرة آية من أربع وخمسين آية، ففي البقرة ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ ﴿ولنا أعمالنا﴾ ﴿ولا تعتدوا﴾ أي لا تبدءوا بالقتال ﴿ولا تقاتلوهم﴾ ﴿قل قتال﴾ ﴿لا إكراه﴾. وفي آل عمران ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ ﴿منهم تقاة﴾. وفي النساء ﴿فأعرض عنهم﴾ في موضعين ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ ﴿إلا الذين يصلون). وفي المائدة ﴿ولا آمن﴾ ﴿عليك البلاغ﴾ ﴿عليكم أنفسكم﴾. وفي الأنعام ﴿لست عليكم بوكيل﴾ ﴿ثم ذرهم﴾ ﴿عليكم بحفيظ﴾ ﴿وأعرض﴾ ﴿عليهم حفيظًا﴾ ﴿ولا تسبوا﴾ قدرهم في موضعين ﴿يا قوم اعملوا﴾ ﴿قل انظروا﴾ ﴿لست منهم في شيء﴾. وفي الأعراف ﴿فأعرض﴾ ﴿وأملى لهم﴾. وفي الأنفال ﴿وإن استنصروكم﴾ يعني المجاهدين. وفي التوبة ﴿فاستقيموا لهم﴾. وفي يونس ﴿فانتظروا﴾ ﴿فقل لي عملي﴾ ﴿وإما نرينك﴾ ﴿ولا يحزنك قولهم﴾ لما يقتضي من الإمهال ﴿أفأنت تكره﴾ ﴿فمَن اهتدى﴾ لأن معناه الإمهال ﴿واصبر﴾. وفي هود ﴿إنما أنت نذير﴾ أي تنذر ولا تجبر ﴿اعملوا على مكانتكم﴾ ﴿انتظروا﴾. وفي الرعد ﴿عليك البلاغ﴾. وفي النحل ﴿إلا البلاغ﴾ ﴿عليك البلاغ﴾ ﴿وجادلهم﴾ ﴿واصبر﴾. وفي الإسراء ﴿ربكم أعلم بكم﴾ وفي مريم ﴿فأنذرهم﴾ ﴿فليمدد﴾ ﴿ولا تعجل﴾. وفي طه ﴿قل كل متربص﴾. وفي الحج ﴿وإن جادلوك﴾. وفي المؤمنين ﴿فذرهم﴾ ﴿ادفع﴾. وفي النور ﴿فإن تولوا﴾ ﴿وما على الرسول إلّ البلاغ﴾. وفي النمل ﴿فمَن اهتدى﴾. وفي القصص ﴿لنا أعمالنا﴾. وفي العنكبوت ﴿أنا نذير﴾ لما يقتضي من عدم الإجبار. وفي الروم ﴿فاصبر﴾. وفي لقمان ﴿ومَن كفر﴾. ﴿وفي السجدة﴾ ﴿فانظروا﴾. وفي الأحزاب ﴿ودع أذاهم﴾. وفي سبأ ﴿قل لا تسألون﴾. وفي فاطر ﴿إن أنت إلا نذير﴾. وفي يس ﴿فلا يحزنك﴾. وفي الصّافّات ﴿فقول﴾ و﴿قول﴾ وما يليهما. في ص ﴿اصبر﴾ ﴿أنا نذير﴾. وفي الزّمر ﴿إنّ الله يحكم بينهم﴾ لما فيه من الإمهال ﴿فاعبدوا ما شئتم﴾ ﴿يا قوم اعملوا﴾ ﴿فمَن اهتدى﴾ ﴿أنت تحكم﴾ لأنّ فيه تفويضًا. وفي المؤمن ﴿فاصبر﴾ في موضعين. وفي السجدة ﴿ادفع﴾. وفي الشورى ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ ﴿لنا أعمالنا﴾ ﴿فإن أعرضوا﴾. وفي الزخرف ١٦ مقدمة المؤلّف ﴿فذرهم﴾ ﴿واصفح﴾. وفي الدخان ﴿فارتقب﴾. وفي الجاثية ﴿يغفروا﴾. وفي الأحقاف. ﴿فاصبر﴾. وفي القتال ﴿فإمامنا﴾. وفي ق ﴿فاصبر﴾ ﴿وما أنت﴾. وفي الذاريات ﴿فقول﴾. وفي الطور: ﴿قل تربصوا﴾ ﴿واصبر﴾ ﴿فذرهم﴾. وفي النجم ﴿فأعرض﴾. وفي القمر ﴿فقول﴾. وفي ن ﴿فاصبر﴾ ﴿سنستدرجهم﴾. وفي المعارج ﴿فاصبر﴾ ﴿فذرهم﴾. وفي المزّمّل ﴿واهجرهم﴾ ﴿وذرني﴾. وفي المدثر ﴿ذرني﴾. وفي الإنسان ﴿فاصبر﴾ .. وفي الطارق ﴿فمهّل الكافرين﴾. وفي الغاشية ﴿لست عليهم بمسيطر﴾. وفي الكافرين ﴿لكم دينكم﴾ نسخ ذلك كله: ﴿اقتلوا المشركين﴾ و﴿كتب عليكم القتالو﴾. الباب الثامن: في جوامع القراءة، وهو على نوعين: مشهورة، وشاذة، فالمشهورة القراءات السبع، وهو حرف نافع المدني، وابن كثير المكّي، وأبو عمر بن العلاء البصري، وابن عامر الشامي، وعاصم، وابن حمزة والكسائي الكوفيين. ويجري مجراهم في الصحة والشهرة: يعقوب الخضري بن محيصن، ويزيد بن القعقاع. والشاذّة ها سوى ذلك، وإنما سمّيت شاذة لعدم استقامتها في النقل، وقد تكون فصيحة اللفظ، أو قوية المعنى، ولا يجوز أن يقرأ بحرف إلا بثلاث شروط: موافقته لمصحف عثمان بن عقّان رضي الله عنه، وموافقته لكلام العرب ولو على بعض الوجوه أو في بعض اللغات، ونقله نقلاً متواترًا أو مستفيضًا. وأعلم أن اختلاف القرّاء على نوعين: أصول، وفرش الحروف. فأما الفرش: فهو ما لا يرجع إلى أصل مضطرد، ولا قانون كلّي، وهو على وجهين: اختلاف في القراءة باختلاف المعنى، وباتفاق المعنى. وأما الأصول: فالاختلاف فيها لا يُغيّر المعنى. وهي ترجع إلى ثمان قواعد: الأولى: الهمزة، وهي في حروف المدّ الثلاث، ويُزاد فيها على المدّ الطبيعي بسبب الهمزة والتقاء الساكنين. الثانية: وأصله التحقيق ثم قد يحقّق على سَبْعَة أوجه: إبدال واو أو ياء أو ألف وتسهيل بين الهمزة والواو، وبين الهمزة والياء، وبين الهمزة والألف، وإسقاط. الثالثة: الإدغام، والإظهار، والأصل الإظهار، ثم يحدث الإدغام في المثلين، أو المتقاربين وفي كلمة، وفي كلمتين، وهو نوعان: إدغام كبيره انفرد به أبو عمرو: وهو إدغام المتحرّك. وإدغام صغير لجميع القرّاء: وهو إدغام الساكن. الرابعة: الإمالة، وهي أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة، والألف نحو الياء، والأصل الفتح، ويوجب الإمالة الكسرة والياء. الخامسة: الترقيق والتفخيم، والحروف على ثلاثة أقسام يفخم في كل حال، وهي حروف الاستعلاء السبعة؛ ومفخّم تارة ومرقّق أخرى وهي الزاء واللام والألف فأما الراء فأصلها التفخيم وترقّق للكسر والياء، وأما اللام فأصلها الترقيق وتفخّم لحروف الإطباق، وأما الألف فهي تابعة للتفخيم والترقيق لما قبلها، والمرفق على كل حال سائر الحروف. السادسة: الوقف، وهو على ثلاثة أنواع: سكون جائز في ١٧ مقدمة المؤلّف الحركات الثلاثة، وروم في المضموم والمكسور، وإشمام في المضموم خاصة. السابعة: مراعاة الخط في الوقف. الثامنة: إثبات الياءات وحذفها. الباب التاسع: في الوقف، وهي أربعة أنواع: وقف تامّ، وحسن، وكاف، وقبيح، وذلك بالنظر إلى الإعراب، والمعنى فإن كان الكلام مفتقرا إلى ما بعده في إعرابه أو معناه، وما بعده مفتقرًا إليه كذلك: لم يجز إليه الفصل بین کل معمول وعامله، وبین کل ذي خبر وخبره، وبين كل ذي جواب وجوابه. وبين كل ذي موصول وصلته، وإن كان الكلام الأوّل مستقلاً يفهم دون الثاني؛ إلا أن الثاني غير مستقل إلا بما قبله، فالوقف على الأوّل كاف، وذلك في التوابع والفضلات: كالحال، والتمييز، والاستثناء وشبه ذلك إلا أنّ وصل المستثنى المتصل آكد من المنقطع ووصل التوابع والحال إذا كانت أسماء مع ذات آكد من وصلها إذا كانت جملة، وإن كان الكلام مستقلاً والثاني كذلك، فإن كانا في قصة واحدة فالوقف على الأوّل حسن، وإن كانا في قصتين مختلفتين فالوقف تامّ. وقد يختلف الوقف باختلاف الإعراب أو المعنى، وكذلك اختلف الناس في كثير من الوقف من أقوالهم فيها: راجح، ومرجوح، وباطل، وقد يقف لبيان المراد وإن لم يتم الكلام. تنبيه: هذا الذي ذكرنا من رعي الإعراب والمعنى في المواقف: استقرّ عليه العمل، وأخذ به شيوخ المقرئين، وكان الأوائل يراعون رؤوس الآيات فيقفون عندها لأنها في القرآن كالفقر في النثر والقوافي في الشعر، ويؤكد ذلك ما أخرجه الترمذي عن أُمّ سلمة رضي الله عنها أنّ رسول الله وَّر كان يقطع قراءته يقول: ((الحمد لله ربّ العالمين ثم يقف، الرحمن الرحيم ثم يقف)). الباب العاشر: في الفصاحة والبلاغة وأدوات البيان، أما الفصاحة فلها خمسة شروط: الأوّل: أن تكون الألفاظ عربية لا مما أحدثه المولدون ولا مما غلطت فيه العامّة، الثاني: أن تكون من الألفاظ المستعملة لا من الوحشية المستثقلة، الثالث: أن تكون العبارة واقعة على المعنى موفية له؛ لا قاصرة عنه، الرابع: أن تكون العبارة سهلة سالمة من التعقيد. الخامس: أن يكون الكلام سالمًا من الحشو الذي لا يحتاج إليه، وأما البلاغة فهي سياق الكلام على ما يقتضيه الحال والمقال من الإيجاز والإطناب، ومن التهويل والتعظيم والتحقير، ومن التصريح والكناية والإشارة وشبه ذلك، بحيث يهزّ النفوس ويؤثر في القلوب، ويقول السامع إلى المراد أو يكاد، وأما أدوات البيان: فهي صناعة البديع، وهو تزيين الكلام كما يزين العلم الثوب، وقد وجدنا في القرآن منها اثنين وعشرين نوعًا، ونبّهنا على كل نوع من المواضع التي وقع فيها من القرآن وقد ذكرنا هنا أسماءها ونبيّن معناه، الأوّل المجاز: وهو اللفظ المستعمل في غير مواضع له لعلاقة بينهما، وهو اثنا عشر نوعًا: التسهيل لعلوم التنزیل/ ج ١/ م٢ ١٨ مقدمة المؤلّف التشبيه، والاستعارة، والزيادة، والنقصان، وتشبيه المجاور باسم مجاوره، والملابس باسم ملابسه، والكل، وإطلاق اسم الكل على البعض، وعكسه، والتسمية باعتبار ما يستقبل، والتسمية باعتبار ما مضى، وفي هذا خلاف هل هو حقيقة أو مجاز، واتفق أهل علم اللسان وأهل الأصول على وقوع المجاز في القرآن لأنّ القرآن نزل بلسان العرب وعادة فصحاء العرب استعمال المجاز، ولا وجه لمَن منعه؛ لأنّ الواقع منه في القرآن أكثر من أن يحصى. الثاني الكناية: وهي العبارة عن الشيء فيما يلازمه من غير تصريح. الثالث الالتفات: وهو على ستة أنواع: خروج من التكلم إلى الخطاب أو الغيبة، وخروج من الخطاب إلى التكلم أو الغيبة، وخروج من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب. الرابع التمديد: وهو ذكر شيء بعد اندراجه في لفظ عامّ متقدّم، والقصد بالتجديد تعظيم المجدّد ذكره أو تحقيرِه، أو رفع الاحتمال. الخامس الاعتراض: وهو إدراج كلام بين شيئين متلازمين: كالخبر والمخبر عنه، والصفة والموصوف، والمعطوف عليه، وإدخاله في أثناء كلام متصل. والقصد به تأكيد الكلام الذي أدرج فيه. السادس التجنيس: وهو اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، ثم الاتفاق قد يكون في الحروف والصيغة، أو في الحروف خاصّةٍ، أو في أكثر الحروف لا في جميعها، أو في الخط لا في اللفظ، وهو تجنيس التصحيف. السابع الطباق: وهو ذكر الأشياء المتضادّة كالسواد والبياض والحياة والموت، والليل والنهار، وشبّه ذلك. الثامن المقابلة، وهو أن يجمع بين شيئين فصاعدًا ثم يقابلهُما بأشياء أخر. التاسع المشاكلة؛ وهي أن تذكر الشيء بلفظ آخر لوقوعه في صحبتُهُ. العاشر الترديد: وهو ردّ الكلام على آخره ويسمى في الشعر ردّ العجز على الصدر. الحادي عشر لزوم ما لا يلزم: وهو أن تلتزم قبل حروف الرويّ حرفًا آخر، وكذلك عند رؤوس الآيات. الثاني عشر القلب: وهو أن یکون الكلام يصلح ابتداء قراءته من أوله وآخره نحو دعد أو تعكس كلماته فتقدّم المؤخر منها وتؤخّر المقدّم. الثالث عشر التقسيم: وهو أن تقسم المذكور إلى أنواعه أو أجزائه. الرابع عشر التتميم: وهو أن تزيد في الكلام ما يوضحه ويؤكده وإن كان مستقلاً دون هذه الزيادة. الخامس عشر التكرار: وهو أن تضع الظاهر موضع المضمر، فتكرّر الكلمة على وجه التعظيم أو التهويل، أو مدح المذكور أو ذمّهِ أو للبيان. السادس عشر التهكم: وهو إخراج الكلام عن مقتضاه استهزاء بالمخاطب أو بالخبر، كذلك البشارة في موضع النذارة. السابع عشر اللف والنشر وهو أن تلف في الذكر شيئين فأكثر، ثم تذكر متعلقات بها. وفيه طريقتان: أن تبدأ في ذكر المتعلقات بالأول، وأن تبدأ بالآخر. الثامن عشر الجمع: وهو أن تجمع بين شيئين فأكثر في خبر واحد، وفي وصف واحدٍ وشبه ذلك التاسع عشر الترصيع: وهو أن تكون الألفاظ في آخر الكلام مستوفية الوزن، أو متقاربة مع الألفاظ التي في أوله. العشرون التشجيع: وهى أن يكون ١٩ مقدمة المؤلّف كلمات الآي على رويّ واحد. الحادي والعشرون الاستطراد: وهو أن يتطرّق من كلام إلى كلام آخر بوجه يصل ما بينهما، ويكون الكلام الثاني هو المقصود: كخروج الشاعر من السبّ إلى المدح بمعنى يتعلق بالطرفين، مع أنه قصد المدح. الثاني والعشرون المبالغة: وقد تكون بصيغة الكلمة نحو صيغة فعال ومفعال وقد تكون بالمبالغة في الإخبار أو الوصف، فإن اشتدّت المبالغة فهو غلق وإغراب، وذلك مستكره عند أهل هذا الشأن. الباب الحادي عشر: في إعجاز القرآن وإقامة الدليل على أنه من عند الله عز وجل، ويدل على ذاك عشرة أوجه: الأوّل فصاحته التي امتاز بها (عن كلام المخلوقين. الثاني نظمه العجيب وأسلوبه الغريب من قواطع آياته وفواصل كلماته. الثالث عجز المخلوقين في زمان نزوله وبعد ذلك إلى الآن عن الإتيان بمثله. الرابع ما أخبر فيه من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ولم يكن النبي وَطهو تعلم ذلك ولا قرأه في كتاب. الخامس ما أخبر فيه من الغيوب المستقبلة فوقعت على حسب ما قال. السادس ما فيه من التعريف بالباري جلّ جلاله، وذكر صفاته وأسمائه، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه، ودعوة الخلق إلى عبادته وتوحيده، وإقامة البراهين القاطعة، والحجج الواضحة، والردّ على أصناف الكفّار، وذلك كله يعلم بالضرورة أنه لا يصل إليه بشر من تلقاء نفسه، بل بوحي من العليم الخبير، ولا يشك عاقل في صدق مَن عرف الله تلك المعرفة وعظم جلاله ذلك التعظيم ودعا عباد الله إلى صراطه المستقيم. السابع ما شرع فيه من الأحكام وبيّن من الحلال والحرام، وهدى إليه من مصالح الدنيا والآخرة، وأرشد إليه من مكارم الأخلاق، ذلك غاية الحكمة وثمرة العلوم. الثامن كونه محفوظًا عن الزيادة والنقصان، محروسًا عن التغيير والتبديل على طول الزمان، بخلاف سائر الكتب. التاسع تيسيره للحفظ وذلك معلوم بالمعاينة. العاشر كونه لا يملّه قارئه ولا سامعه على كثرة الترديد، بخلاف سائر الكلام. الباب الثاني عشر: في فضل القرآن. وإنما نذكر منه ما ورد في الحديث الصحيح، فمن ذلك ما ورد عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللهِ وَلّ: ((الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكرام البَرَرة والذي يقرؤه وينتفع به وهو عليه شاقّ فله أجران)). وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَّه: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة: لا ريح لها وطعمها طيب، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة: ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة: ليس لها ريح وطعمها مرّ)". وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَلتر: ((استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيًا من صدور الرجال من النّعم بعقلها)). وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله وَل ٢٠ مقدمة المؤلف قال: ((خيركم مَن تعلّم القرآن وعلمه، فإن الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا ويضع آخرين)). ونحن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ◌َ﴾ سمع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال؟ «هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قطّ إلاّ اليوم فنزل منه مَلَك فقال: هذا مَلّك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلاّ اليوم فسلّم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة)). وعن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله وَله قال: «اقرأوا البقرةُ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر إنّ الشيطان يفرّ من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة)). وعن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله وَ لجر: ((يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم». قلت: الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم. فضرب في صدري وقال: ((ليهبك العلم يا أبا المنذر)). وعن النّاس بن سمعان قال: سمعت رسول الله صل18 يقول: ((يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران - وضرب لهما رسول الله والر ثلاثة أمثال ما نسيتهما بعد- قال: وإنهما غمامتان أو طلّتان سوداوان بينهما شرف أو كأنهما فرقان من طير صواف تخافان عن صاحبهما)). وعن أبي الدرداء أنّ رسول الله وَ ﴾ قال: ((مَن حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف عصم من الدجال)). وعن أبي الدرداء أنّ رسول الله وَ ر قال: ((سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)). وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَالر: ((ألم ترَ آيات أُنزلت عليّ لم يرَ مثلهنّ قطّ)): ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١]، ﴿وقل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١].،" ٠٠٩ ،۔۔