Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ عظيم﴾(١): أي من إحدى القريتين. وقيل: هما بحران، يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان. وقال أبو عبد الله الرازي: كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، ومن أعلم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب، وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح. ولكن لم قلتم إن الصدف لا يخرج بأمر الله من الماء العذب إلى الماء الملح؟ وكيف يمكن الجزم به والأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد، فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم؟ واللؤلؤ، قال ابن عباس والضحاك وقتادة: كبار الجوهر؛ والمرجان صغاره. وعن ابن عباس أيضاً، وعلي ومرة الهمداني عكس هذا. وقال أبو عبد الله وأبو مالك: المرجان: الحجر الأحمر. وقال الزجاج: حجر شديد البياض. وحكي القاضي أبو يعلى أنه ضرب من اللؤلؤ، كالقبضان، والمرجان: اسم أعجميّ معرب. قال ابن دريد: لم أسمع فيه نقل متصرف، وقال الأعشى : من كل مرجانة في البحر أحرزها تيارها ووقاها طينها الصدف قيل: أراد اللؤلؤة الكبيرة. وقرأ طلحة: اللؤلؤء بكسر اللام الثالثة، وهي لغة. وعبد اللولي: تقلب الهمزة المتطرفة ياء ساكنة بعد كسرة ما قبلها، وهي لغة، قاله أبو الفضل الرازي. ﴿وله الجواز): خص تعالى الجواري بأنها له، وهو تعالى له ملك السموات والأرض وما فيهن، لأنهم لما كانوا هم منشئيها، أسندها تعالى إليه، إذ كان تمام منفعتها إنما هو منه تعالى، فهو في الحقيقة مالكها. والجواري: السفن. وقرأ عبد الله والحسن وعبد الوارث، عن أبي عمرو: بضم الراء، كما قالوا في شاك شاك. وقرأ الجمهور؛ ﴿المنشآت﴾ بفتح الشين، اسم مفعول: أي أنشأها الله، أو الناس، أو المرفوعات الشراع. وقال مجاهد: ما له شراع من المنشآت، وما لم يرفع له شراع، فليس من المنشآت. والشراع: القلع. والأعمش وحمزة وزيد بن علي وطلحة وأبو بكر: بخلاف عنه، بكسر الشين: أي الرافعات الشراع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، أو التي تنشىء السفر إقبالاً وإدباراً. وشدد الشين ابن أبي عبلة والحسن المنشأة، وحد الصفة، ودل على الجمع الموصوف، كقوله: ﴿أزواج مطهرة﴾(٢)، وقلب الهمزة ألفاً على حد قوله: إن السباع لتهدى في مرابضها (١) سورة الزخرف: ٣١/٤٣. (٢) سورة البقرة: ٢٥/٢، وسورة النساء: ٥٧/٤. ٦٢ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ يريد: لتهدأ، التاء التأنيث الصفة، كتبت تاء على لفظها في الوصل. ﴿كالأعلام﴾: أي كالجبال والآكام، وهذا يدل على كبر السفن حيث شبهها بالجبال، وإن كانت المنشآت تنطلق على السفينة الكبيرة والصغيرة. وعبر بمن في قوله: ﴿كل من عليها﴾ تغليباً لمن يعقل، والضمير في ﴿عليها﴾ قليل عائد على الأرض في قوله: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾، فعاد الضمير عليها، وإن كان بعد لفظها. والفناء عبارة عن إعدام جميع الموجودات من حيوان وغيره، والوجه يعبر به عن حقيقة الشيء، والجارجة منتفية عن الله تعالى، ونحو: كل شيء هالك إلا وجهه. وتقول صعاليك مكة: أين وجه عربي كريم يجود عليّ؟ وقرأ الجمهور: ذو بالواو، وصفة للوجه؛ وأبي وعبد الله: ذي بالياء، صفة للرب. والظاهر أن الخطاب في قوله: ﴿وجه ربك﴾ للرسول، وفيه تشريف عظيم له رَّ. وقيل: الخطاب لكل سامع. ومعنى ﴿ذو الجلال﴾: الذي يجله الموحدون عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، أو الذي يتعجب من جلاله، أو الذي عنده الجلال والإكرام للمخلصين من عباده . ﴿يسأله من في السموات والأرض): أي حوائجهم، وهو ما يتعلق بمن في السموات من أمر الدين وما استعبدوا به، ومن في الأرض من أمر دينهم ودنياهم. وقال أبو صالح: من في السموات: الرحمة، ومن في الأرض: المغفرة والرزق. وقال ابن جريج: الملائكة الرزق لأهل الأرض والمغفرة، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً. والظاهر أن قوله: يسأله استئناف إخبار. وقيل: حال من الوجه، والعامل فيه يبقى، أي هو دائم في هذه الحال. انتهى، وفيه بعد. ومن لا يسأل، فحاله تقتضي السؤال، فيصح إسناد السؤال إلى الجميع باعتبار القدر المشترك، وهو الافتقار إليه تعالى. ﴿كل يوم﴾: أي كل ساعة ولحظة، وذكر اليوم لأن الساعات واللحظات في ضمنه. ﴿هو في شأن﴾، قال ابن عباس: في شأن يمضيه من الخلق والرزق والإحياء والإماتة. وقال عبيد بن عمير: يجيب داعياً، ويفك عانياً، ويتوب على قوم، ويغفر لقوم. وقال سويد بن غفلة: يعتق رقاباً، ويعطي رغاماً ويقحم عقاباً. وقال ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء؛ والثاني الذي هو يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب. وعن مقاتل: نزلت في اليهود، فقالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً. وقال الحسين بن الفضل، وقد سأله عبد الله بن طاهر عن قوله: ﴿كل يوم هو في شأن﴾: وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة فقال: ٦٣ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ شؤون يبديها، لا شؤون يبتديها. وقال ابن بحر: هو في يوم الدنيا في الابتلاء، وفي يوم القيامة في الجزاء. وانتصب ﴿كل يوم﴾ على الظرف، والعامل فيه العامل في قوله: ﴿في شأن﴾، وهو مستقر المحذوف، نحو: يوم الجمعة زيد قائم. قوله عز وجل: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان. فبأي آلاء ربكما تكذبان، يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فیومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام، فبأي آلاء ربكما تكذبان، هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، يطوفون بينها وبين حميم آن، فبأي آلاء ربكما تكذبان، ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، ذواتا أفنان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فيهما عينان تجريان، فبأي آلا ربكما تكذبان، فيهما من كل فاكهة زوجان، فبأي آلا ربكما تكذبان، متکثین علی فرش بطائنها من إستبرق﴾ . لما ذكر تعالى ما أنعم به من تعليم العلم وخلق الإنسان والسماء والأرض وما أودع فيهما وفناء ما على الأرض، ذكر ما يتعلق بأحوال الآخرة الجزاء وقال: ﴿سنفرغ لكم﴾: أي ننظر في أموركم يوم القيامة، لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ منه. وجرى على هذا كلام العرب في أن المعنى: سيقصد لحسابكم، فهو استعارة من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، أي سأتجرد للإيقاع بك من كل ما شغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه، والمراد التوفر على الانتقام منه. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون التوعد بعذاب في الدنيا، والأول أبين. انتهى، يعني: أن يكون ذلك يوم القيامة. وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا ويبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله: ﴿كل يوم هو في شأن﴾، فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل. انتهى. والذي عليه أئمة اللغة أن فرغ تستعمل عند انقضاء الشغل الذي كان الإنسان مشتغلاً به، فلذلك احتاج قوله إلى التأويل على أنه قد قد قيل: إن فرغ يكون بمعنى قصد واهتم، واستدل على ذلك بما أنشده ابن الأنباري لجرير: فهذا حين كنت لهم عذابا الآن وقد فرغت إلى نمير أي: قصدت. وأنشد النحاس: ٦٤ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ فرغت إلى العبد المقيد في الحجل وفي الحديث: ((فرغ ربك من أربع))، وفيه: ((لأتفرغن إليك يا خبيث))، يخاطب به رسول الله و ليول إرب العقبة يوم بيعتها: أي لأقصدن إبطال أمرك، نقل هذا عن الخليل والكسائي والفراء. وقرأ الجمهور: سنفرغ بنون العظمة وضم الراء، من فرغ بفتح الراء، وهي لغة الحجاز؛ وحمزة والكسائي وأبو حيوة وزيد بن علي : بياء الغيبة؛ وقتادة والأعرج: بالنون وفتح الراء، مضارع فرغ بكسرها، وهي تميمية؛ وأبو السمال وعيسى: بكسر النون وفتح الراء. قال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر؛ والأعمش وأبو حيوة بخلاف عنهما؛ وابن أبي عبلة والزعفراني: بضم الياء وفتح الراء، مبنياً للمفعول؛ وعيسى أيضاً: بفتح النون وكسر الراء؛ والأعرج أيضاً: بفتح الياء والراء، وهي رواية يونس والجعفي وعبد الوارث عن أبي عمرو. والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض، أو لكونهما مثقلين بالذنوب، أو لثقل الإنس. وسمي الجن ثقلاً لمجاورة الإنس، والثقل: الأمر العظيم. وفي الحديث: ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي))، سميا بذلك لعظمهما وشرفهما. والظاهر أن قوله: ﴿يا معشر﴾ الآية من خطاب الله إياهم يوم القيامة، ﴿يوم التناد﴾(١). وقيل: يقال لهم ذلك. قال الضحاك: يفرون في أقطار الأرض لما يرون من الهول، فيجدون الملائكة قد أحاطت بالأرض، فيرجعون من حيث جاءوا، فحينئذ يقال لهم ذلك. وقيل: هو خطاب في الدنيا، والمعنى: إن استطعتم الفرار من الموت. وقال ابن عباس: ﴿إن استطعتم﴾ بأذهانكم وفكركم، ﴿أن تنفذوا﴾، فتعلمون علم ﴿أقطار﴾: أي جهات ﴿السموات والأرض). قال الزمخشري: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾، كالترجمة لقوله: ﴿أيها الثقلان﴾، ﴿إن استطعتم) أن تهربوا من قضائي، وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي فافعلوا؛ ثم قال: لا تقدرون على النفوذ ﴿إلا بسلطان﴾، يعني: بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾(٢). انتهى. ﴿فانفذوا﴾: أمر تعجيز. وقال قتادة: السلطان هنا الملك، وليس لهم ملك. وقال الضحاك أيضاً: بينما الناس في أسواقهم، انفتحت السماء ونزلت الملائكة، فتهرب الجن والإنس، فتحدق بهم الملائكة. وقرأ زيد بن علي: إن استطعتما، على خطاب تثنية الثقلين ومراعاة الجن والإنس؛ والجمهور: على خطاب الجماعة إن (٢) سورة العنكبوت: ٥١/٢٩. (١) سورة غافر: ٣٢/٤٠. سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ ٦٥ استطعتم، لأن كلاً منهما تحته أفراد كثيرة، كقوله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾(١). ﴿يرسل عليكم شواظ﴾، قال ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم، ساقهم شواظ إلى المحشر. والشواظ: لهب النار. وقال مجاهد: اللهب الأحمر المنقطع. وقال الضحاك: الدخان الذي يخرج من اللهب. وقرأ الجمهور: شواظ، بضم الشين؛ وعيسى وابن كثير وشبل: بكسرها. والجمهور؛ ﴿ونحاس﴾: بالرفع؛ وابن أبي إسحاق والنخعي وابن كثير وأبو عمرو: بالجر؛ والكلبي وطلحة ومجاهد: بكسر نون نحاس والسين. وقرأ ابن جبير: ونحس، كما تقول: يوم نحس. وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة وابن أبي إسحاق أيضاً: ونحس مضارعاً، وماضيه حسه، أي قتله، أي ويحس بالعذاب. وعن ابن أبي إسحاق أيضاً: ونحس بالحركات الثلاث في الحاء على التخيير؛ وحنظلة بن نعمان: ونحس بفتح النون وكسر السين؛ والحسن وإسماعيل: ونحس بضمتين والكسر. وقرأ زيد بن علي: نرسل بالنون، عليكما شواظاً بالنصب، من نار ونحاساً بالنصب عطفاً على شواظاً. قال ابن عباس وابن جبير والنحاس: الدخان؛ وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد: هو الصفر المعروف، والمعنى: يعجز الجن والإنس، أي أنتما بحال من يرسل عليه هذا، فلا يقدر على الامتناع مما يرسل عليه. ﴿فإذا انشقت السماء﴾: جواب إذا محذوف، أي فما أعظم الهول، وانشقاقها: انفطارها يوم القيامة. ﴿فكانت وردة﴾: أي محمرة كالورد. قال ابن عباس وأبو صالح: هي من لون الفرس الورد، فأنث لكون السماء مؤنثة. وقال قتادة: هي اليوم زرقاء، ويومئذ تغلب عليها الحمرة كلون الورد، وهي النوار المعروف، قاله الزجاج، ويريد كلون الورد، وقال الشاعر: ولكن ربي شانني بسواديا فلو كانت ورداً لونه لعشقتني وقال أبو الجوزاء: وردة صفراء. وقال: أما سمعت العرب تسمي الخيل الورد؟ قال الفراء: أراد لون الفرس الورد، يكون في الربيع إلى الصفرة، وفي الشتاء إلى الحمرة، وفي اشتداد البرد إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وهذا قول الكلبي. ﴿كالدهان﴾، قال ابن عباس: الأديم الأحمر، ومنه قول الأعشى: (١) سورة الحجرات: ٩/٤٩. تفسير البحر المحيط ج١٠ م٥ ٦٦ - سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ كأن على شواكله دهانا وأجرد من كرام الخير طرف وقال الشاعر: كالدهان المختلفة، لأنها تتلون ألواناً. وقال الضحاك: كالدهان خالصة، جمع دهن، كقرط وقراط. وقيل: تصير حمراء من حرارة جهنم، ومثل الدهن لذوبها ودورانها. وقيل: شبهت بالدهان في لمعانها. وقال الزمخشري: ﴿كالدهان﴾: كدهن الزيت، كما قال: ﴿كالمهل﴾(١)، وهو دردي الزيت، وهو جمع دهن، أو اسم ما يدهن به، كالحرام والأدام، قال الشاعر: فريان لما سلعا بدهان كأنهما مزادتا متعجل وقرأ عبيد بن عمير: وردة بالرفع بمعنى: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي یسمی التجريد، كقوله : نحو المغانم أو يموت كريم فلئن بقيت لأرحلن بغزوة انتھی. ﴿فيومئذ﴾: التنوين فيه للعوض من الجملة المحذوفة، والتقدير: فيوم إذ انشقت السماء، والناصب ليومئذ ﴿لا يسأل﴾، ودل هذا على انتفاء السؤال، و: ﴿وقفوهم أنهم مسؤولون﴾ وغيره من الآيات على وقوع السؤال. فقال عكرمة وقتادة: هي مواطن يسأل في بعضها. وقال ابن عباس: حيث ذكر السؤال فهو سؤال توبيخ وتقرير، وحيث نفي فهو استخبار محض عن الذنب، والله تعالى أعلم بكل شيء. وقال قتادة أيضاً: كانت مسألة، ثم ختم على الأفواه وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يعملون. وقال أبو العالية وقتادة: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ولا جأن بالهمز، فراراً من التقاء الساكنين، وإن كان التقاؤهما على حده. وقرأ حماد بن أبي سليمان: بسيمائهم؛ والجمهور: ﴿بسيماهم﴾، وسيما المجرمين: سواد الوجوه وزرقة العيون، قاله الحسن، ويجوز أن يكون غير هذا من التشويهات، كالعمى والبكم والصمم. ﴿فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾، قال ابن عباس: يؤخذ بناصيته وقدميه فيوطأ، ويجمع كالحطب، ويلقى كذلك في النار. وقال الضحاك: يجمع بينهما في سلسلة من وراء ظهره. وقيل: تسحبهم الملائكة، تارة تأخذ بالنواصي، وتارة بالأقدام. وقيل: بعضهم سحباً، بالناصية، وبعضهم سحباً بالقدم؛ ويؤخذ متعد إلى مفعول بنفسه، وحذف هذا الفاعل والمفعول، (١) سورة الكهف: ٢٩/١٨، وسورة الدخان: ٤٥/٤٤، وسورة المعارج: ٨/٧٠. ٦٧ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل مضمناً معنى ما يعدى بالباء، أي فيسحب بالنواصي والأقدام، وأل فيهما على مذهب الكوفيين عوض من الضمير، أي بنواصيهم وأقدامهم، وعلى مذهب البصريين الضمير محذوف، أي بالنواصي والأقدام منهم. ﴿هذه جهنم): أي يقال لهم ذلك على طريق التوبيخ والتقريع. ﴿يطوفون بينها﴾: أي يتردّدون بين نارها وبين ما غلى فيها من مائع عذابها. وقال قتادة: الحميم يغلي منذ خلق الله جهنم، وآن: أي منتهى الحر والنضج، فيعاقب بينهم وبين تصلية النار، وبين شرب الحميم. وقيل: إذا استغاثوا من النار، جعل غياثهم الحميم. وقيل: يغمسون في واد في جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فتنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه، وقد أحدث الله لهم خلقاً جديداً. وقرأ علي والسلمي: يطافون؛ والأعمش وطلحة وابن مقسم: يطوفون بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة. وقرىء: يطوفون، أي يتطوفون؛ والجمهور: يطوفون مضارع طاف. قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، قال ابن الزبير: نزلت في أبي بكر. ﴿مقام ربه﴾ مصدر، فاحتمل أن يكون مضافاً إلى الفاعل، أي قيام ربه عليه، وهو مروي عن مجاهد، قال: من قوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾(١)، أي حافظ مهيمن، فالعبد يراقب ذلك، فلا يجسر على المعصية. وقيل: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، فالمعنى أنه يخاف مقامه الذي يقف فيه العباد للحساب، من قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾(٢)، وفي هذه الإضافة تنبيه على صعوبة الموقف. وقيل: مقام مقحم، والمعنى: ولمن خاف ربه، كما تقول: أخاف جانب فلان يعني فلاناً. والظاهر أن لكل فرد فرد من الخائفين ﴿جنتان﴾، قيل: إحداهما منزله، والأخرى لأزواجه وخدمه. وقال مقاتل: جنة عدن، وجنة نعيم. وقيل: منزلان ينتقل من أحدهما إلى الآخر لتتوفر دواعي لذته وتظهر ثمار كرامته. وقيل: هما للخائفين؛ والخطاب للثقلين، فجنة للخائف الجني، وجنة للخائف الإنسي. وقال أبو موسى الأشعري: جنة من ذهب للسابقين، وجنة من فضة للتابعين. وقال الزمخشري: ويجوز أن يقال: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف دائر عليهما. وأن يقال: جنة يبات بها، وأخرى تضم إليها على وجه التفضل لقوله وزيادة؛ وخص الأفنان بالذكر جمع فنن، وهي الغصون التي تتشعب عن فروع الشجر، لأنها التي تورق وتثمر، ومنها تمتد الظلال، ومنها تجنى الثمار. وقيل: (١) سورة الرعد: ٣٣/١٣. (٢) سورة المطففين: ٦/٨٣. ٦٨ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ الأفنان جمع فن، وهي ألوان النعم وأنواعها، وهي قول ابن عباس، والأول قال قريباً منه مجاهد وعكرمة، وهو أولى، لأن أفعالاً في فعل أكثر منه في فعل بسكون العين، وفن يجمع على فنون. ﴿فيهما عينان تجريان﴾، قال ابن عباس: هما عينان مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة. وقال: تجريان بالزيادة والكرامة على أهل الجنة. وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل. وقال ابن عطية: إحداهما من ماء، والأخرى من خمر. وقيل: تجريان في الأعالي والأسافل من جبل من مسك. ﴿زوجان﴾، قال ابن عباس: ما في الدنيا من شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، حتى شجر الحنظل، إلا أنه حلو. انتهى. ومعنى زوجان: رطب ويابس، لا يقصر هذا عن ذاك في الطيب واللذة. وقيل: صنفان، صنف معروف، وصنف غريب. وجاء الفصل بين قوله: ﴿ذواتا أفنان﴾ وبين قوله: ﴿فيهما من كل فاكهة﴾ بقوله: ﴿فيهما عينان تجريان﴾. والأفنان عليها الفواكه، لأن الداخل إلى البستان لا يقدم إلا للتفرج بلذة ما فيه بالنظر إلى خضرة الشجر وجري الأنهار، ثم بعد يأخذ في اجتناء الثمار للأكل. وانتصب ﴿متكئين﴾ على الحال من قوله: ﴿ولمن خاف﴾، وحمل جمعاً على معنى من. وقيل: العامل محذوف، أي يتنعمون متكئين. وقال الزمخشري: أي نصب على المدح، والاتكاء من صفات المتنعم الدالة على صحة الجسم وفراغ القلب، والمعنى: ﴿متكئين﴾ في منازلهم ﴿على فرش﴾. وقرأ الجمهور: وفرش بضمتين؛ وأبو حيوة: بسكون الراء. وفي الحديث: ((قيل لرسول الله واليوم هذه البطائن من استبرق، كيف الظهائر؟ قال: هي من نور يتلألأ))، ولو صح هذا لم يجز أن يفسر بغيره. وقيل: من سندس. قال الحسن والفراء: البطائن هي الظهائر. وروي عن قتادة، وقال الفراء: قد تكون البطانة الظهارة، والظهارة البطانة، لأن كلاً منهما يكون وجهاً، والعرب تقول: هذا وجه السماء، وهذا بطن السماء. قوله عز وجل: ﴿وجنی الجنتين دان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فیھن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، كأنهن الياقوت والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، ومن دونهما جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، مدهامتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فيهما عينان نضاحتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فيهما فاكهة ونخل ورمان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، فيهن خيرات حسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، حور مقصورات في ٦٩ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ الخيام، فبأي آلاء ربكما تكذبان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، منکئین علی رفرف خضر وعبقري حسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ . قال ابن عباس: تجتنيه قائماً وقاعداً ومضطجعاً، لا يرد يده بعد ولا شوك وقرأ عيسى: بفتح الجيم وكسر النون، كأنه أمال النون، وإن كانت الألف قد حذفت في اللفظ، كما أمال أبو عمرو ﴿حتى نرى الله﴾(١). وقرىء: وجنى بكسر الجيم. والضمير في ﴿فيهن) عائد على الجنان الدال عليهن جنتان، إذ كل فرد فرد له جنتان، فصح أنها جنان كثيرة، وإن كان الجنتان أريد بهما حقيقة التثنية، وأن لكل جنس من الجن والإنس جنة واحدة، فالضمير يعود على ما اشتملت عليه الجنة من المجالس والقصور والمنازل. وقيل: يعود على الفرش، أي فيهن معدات للاستماع، وهو قول حسن قريب المأخذ. وقال الزمخشري: فيهن في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والجنى. انتهى، وفيه بعد. وقال الفراء: كل موضع من الجنة جنة، فلذلك قال: ﴿فيهن﴾، والطرف أصله مصدر، فلذلك وحد. والظاهر أنهن اللواتي يقصرون أعينهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك. وقيل: الطرف طرف غيرهن، أي قصرن عيني من ينظر إليهن عن النظر إلى غيرهن. ﴿لم يطمثهن﴾، قال ابن عباس: لم يفتضهن قبل أزواجهن. وقيل: لم يطأهن على أي وجه. كان الوطء من افتضاض أو غيره، وهو قول عكرمة. والضمير في ﴿قبلهم﴾ عائد على من عاد عليه الضمير في ﴿متكئين﴾. وقرأ الجمهور: بكسر ميم يطمثهن في الموضعين؛ وطلحة وعيسى وأصحاب عبد الله وعليّ: بالضم. وقرأ ناس: بضم الأول وكسر الثاني، وناس بالعكس، وناس بالتخيير، والجحدري: بفتح الميم فيهما، ونفي وطئهن عن الإنس ظاهر وأما عن الجن، فقال مجاهد والحسن: قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذ لم يذكر الزوج الله تعالى، فنفى هنا جميع المجامعين. وقال ضمرة بن حبيب: الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف من الجن نوعهم، فنفي الافتضاض عن البشريات والجنيات. قال قتادة: ﴿كأنهن) على صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكاً، ثم نظرت إليه، لرأيته من ورائه. انتهى. وفي الترمذي: أن المرأة من نساء الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة مخها. وقال ابن عطية: (١) سورة البقرة: ٥٥/٢. ٧٠ __ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ الياقوت والمرجان من الأشياء التى يرتاح بحسنها، فشبه بهما فيما يحسن التشبيه به، فالياقوت في إملاسه وشفوفه، والمرجان في إملاسه وجمال منظره، وبهذا النحو من النظر سمت العرب النساء بذلك، كدرة بنت أبي لهب، ومرجانة أم سعيد. انتهى : ﴿هل جزاء الإحسان﴾ في العمل، ﴿إلا الإحسان﴾ في الثواب؟ وقيل: هل جزاء التوحيد إلا الجنة؟ وقرأ ابن أبي إسحاق: إلا الحسان يعني: بالحسان الحور العين. ﴿ومن دونهما): أي من دون تينك الجنتين في المنزلة والقدر، ﴿جنتان﴾ لأصحاب اليمين، والأوليان هما للسابقين، قاله ابن زيد والأكثرون. وقال الحسن: الأوليان للسابقين، والأخريان للتابعين. وقال ابن عباس: ﴿ومن دونهما﴾ في القرب للمنعمين، والمؤخرتا الذكر أفضل من الأوليين. يدل على ذلك أنه وصف عيني هاتين بالنضخ، وتينك بالجري فقط؛ وهاتين بالدهمة من شدة النعمة، وتينك بالأفنان، وكل جنة ذات أفنان. ورجح الزمخشري هذا القول فقال: للمقربين جنتان من دونهم من أصحاب اليمين ادهامتا من شدة الخضرة، ورجح غيره القول الأول بذكر جري العينين والنضخ دون الجري، وبقوله فيهما: ﴿من كل فاكهة﴾، وفي المتأخرتين: ﴿فيهما فاكهة﴾، وبالاتكاء على ما بطائنه من ديباج وهو الفرش، وفي المتأخرتين الاتكاء على الرفرف، وهو كسر الخباء، والفرش المعدة للاتكاء أفضل، والعبقري: الوشي، والديباج أعلى منه، والمشبه بالياقوت والمرجان أفضل في الوصف من خيرات حسان، والظاهر النضخ بالماء، وقال ابن جبير: بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر. وعنه أيضاً بأنواع الفواكه والماء. ﴿ونخل ورمان﴾ عطف فاكهة، فاقتضى العطف أن لا يندرجا في الفاكهة، قاله بعضهم. وقال يونس بن حبيب وغيره: كررهما وهما من أفضل الفاكهة تشريفاً لهما وإشارة بهما، كما قال تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾(١). وقيل: لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه. ﴿فيهن خيرات﴾، جمع خيرة: وصف بني على فعلة من الخير، كما بنوا من الشر فقالوا: شرة. وقيل: مخفف من خيرة، وبه قرأ بكر بن حبيب وأبو عثمان النهدي وابن مقسم، أي بشدّ الياء. وروي عن أبي عمرو بفتح الياء، كأنه جمع خايرة، جمع على فعلة، وفسر الرسول وَ ل ﴿ لأم سلمة ذلك فقال: ((خيرات الأخلاق حسان الوجوه)). ﴿حور (١) سورة البقرة: ٩٨/٢. ٧١ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ مقصورات﴾: أي قصرن في أماكنهن، والنساء تمدح بذلك، إذ ملازمتهن البيوت تدل على صيانتهن، كما قال قيس بن الأسلت: وتغفل عن أبياتهن فتعذر وتکسل عن جاراتها فيزرنها قال الحسن: لسن بطوافات في الطرق، وخيام الجنة: بيوت اللؤلؤ. وقال عمر بن الخطاب: هي در مجوف، ورواه عبد الله عن النبي ◌َّهِ. ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم): أي قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكر الجنتين. ﴿متكئين)، قال الزمخشري: نصب على الاختصاص. ﴿على رفرف﴾، قال ابن عباس وغيره: فضول المجلس والبسط. وقال ابن جبير: رياض الجنة من رف البيت تنعم وحسن. وقال ابن عيينة: الزرابي. وقال الحسن وابن كيسان: المرافق. وقرأ الفراء وابن قتيبة: المجالس. وعبقري، قال الحسن: بسط حسان فيها صور وغير ذلك يصنع بعبقر. وقال ابن عباس: الزرابي. وقال مجاهد: الديباج الغليظ. وقال ابن زيد: الطنافس. قال الفراء: الثخان منها. وقرأ الجمهور: ﴿على رفرف﴾، ووصف بالجمع لأنه اسم جنس، الواحد منها رفرفة، واسم الجنس يجوز فيه أن يفرد نعته وأن يجمع لقوله: ﴿والنخل باسقات﴾(١)، وحسن جمعه هنا مقابلته لحسان الذي هو فاصلة. وقال صاحب اللوامح، وقرأ عثمان بن عفان، ونصر بن عاصم، والجحدري، ومالك بن دينار، وابن محيصن، وزهير العرقبي وغيره: رفارف جمع لا ينصرف، خضر بسكون الضاد، وعباقري بكسر القاف وفتح الياء مشددة؛ وعنهم أيضاً: ضم الضاد؛ وعنهم أيضاً: فتح القاف. قال: فأما منع الصرف من عباقري، وهي الثياب المنسوبة إلى عبقر، وهو موضع تجلب منه الثياب على قديم الأزمان، فإن لم يكن بمجاورتها، وإلا فلا يكون يمنع التصرف من ياءي النسب وجه إلا في ضرورة الشعر. انتهى. وقال ابن خالويه: على رفارف خضر، وعباقري النبي ژے والجحدري وابن محیصن. وقد روي عمن ذكرنا على رفارف خضر وعباقري بالصرف، وكذلك روي عن مالك بن دينار. وقرأ أبو محمد المروزي، وكان نحوياً: على رفارف خضار، يعني: على وزن فعال. وقال صاحب الكامل: رفارف جمع، عن ابن مصرف وابن مقسم وابن محيصن، واختاره شبل وأبو حيوة والجحدري والزعفراني، وهو الاختيار لقوله: ﴿خضر﴾، وعباقري بالجمع وبكسر القاف من غير تنوين، ابن مقسم وابن محيصن، وروي عنهما التنوين. وقال ابن عطية، وقرأ زهير (١) سورة قّ: ١٠/٥٠. ٧٢ سورة الرحمن / الآيات: ١ - ٧٨ العرقبي: رفارف بالجمع والصرف، وعنه: عباقري بفتح القاف والياء، على أن اسم الموضع عباقر بفتح القاف، والصحيح في اسم الموضع عبقر. انتهى. وقال الزمخشري، وروى أبو حاتم: عباقري بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته. انتهى. وقد يقال: لما منع الصرف رفارف، شاكله في عباقري، كما قد ينون ما لا ينصرف للمشاكلة، يمنع من الصرف للمشاكلة. وقرأ ابن هرمز: خضر بضم الضاد. قال صاحب اللوامح : وهي لغة قليلة. انتهى، ومنه قول طرفة: جردوا منها وراداً وشقر أيها الفتيان في مجلسنا وقال آخر: ولا لئام غداة الروع أوزاع وما انتميت إلى خور ولا كسف فشقر جمع أشقر، وكسف جمع أكسف. وقرأ الجمهور: ﴿ذي الجلال﴾: صفة لربك؛ وابن عامر وأهل الشام: ذو صفة للاسم، وفي حرف. أبي عبد الله وأبيّ: ذي الجلال، كقراءتهما في الموضع الأول، والمراد هنا بالاسم المسمى. وقيل: اسم مقحم، كالوجه في ﴿ويبقى وجه ربك﴾، ويدل عليه إسناد ﴿تبارك﴾ لغير الاسم في مواضع، كقوله: ﴿تبارك الله أحسن الخالقين﴾(١)، ﴿تبارك الذي إن شاء﴾(٢)، ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾(٣). وقد صح الإسناد إلى الاسم لأنه بمعنى العلو، فإذا علا الاسم، فما ظنك بالمسمى؟ ولما ختم تعالى نعم الدنيا بقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، ختم نعم الآخرة بقوله: ﴿تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام﴾ وناسب هنالك ذكر البقاء والديمومة له تعالى، إذ ذكر فناء العالم؛ وناسب هنا ذكر ما اشتق من البركة، وهي النمو والزيادة، إذ جاء ذلك عقب ما امتن به على المؤمنين، وما آتاهم في دار كرامته من الخير وزيادته وديمومته، ويا ذا الجلال والإكرام من الصفات التي جاء في الحديث أن يدعى الله بها، قال الله: ((ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام)). (١) سورة المؤمنون: ١٤/٢٣. (٢) سورة الفرقان: ١٠/٢٥. (٣) سورة الملك: ١/٦٧. ٧٣ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ سُورَةُ الوَاقِعَةِ أَمَ ـرّيّبَهَا ٥٦ بِسْـ إِذَارُبحَّتِ الْأَرْضُ ٣ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿﴿ الَّسَ لِوَقَعَنِهَا كَاذِبَةُ أَ خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ ! فَكَانَتْ هَبَآءُ مُتْبَثًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُبَسًا رَجَّالها ٧ } وَكُمْ أَزْوَجَا ثَلَكَّةً فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ! وَأَصْحَبُ اُلْشِئَمَةِ مَآ أَصْحَبُ الَْشْئَمَةِ ١٠ أَوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ فِي جَنََّتِ النَّعِيمِ ( ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَّقَبِلِينَ ١٥ عَلَى سُرُرِقَوْضُونَةٍ وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ يَطُوُفُ ١٦ وَلَّايُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنِفُونَ عَلَيْهِمْ وِلْدَنْ مُخَلَُّونَ ﴿ْا بِأَ كَوَابٍ وَأَبَارِقَ وَكَأْسِ مِنْ مَّعِينٍ (٥ كَشَدِ الُؤْمِ ٢٢ وَحُورُ عِينٌ! وَلَخْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ٢٠ وَفَكِهَدٍ مِّمَّا يَتَخَيِّرُونَ اٌلْمَكْتُونِ( لَا يَسْمَعُونَ فِيَ لَغْوًا وَلَا تَأْثِمًا ﴿ إِلَّ قِيلًا سَلَمَاسَلَمَا ٢٤ جَزَآءَ بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ٢٣ ٢٦ ! وَطَلْحِ مَّنْضُودٍ () وَظِلٍ ٨ فِى سِدْرِ مَخْضُودٍ أَوَأَصْحَبُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ٣١ وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿ لََّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةِ [٣] وَفُرُشٍ تَمْدُودٍ ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ! عُرُبًا أَتْرَابًا ٣٦ مَّرْفُوعَةٍ (٣٦) إِنَّا أَنشَأْنَهُنَّ ◌ِشَاءُ (٢٥َّ فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا لِأَصْحَبِ أَلْيَمِينِ (٣٧) ٤٠ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَثُلَّةٌ مِّنَ اْلْآَخِرِينَ (٣٨ رجت الأرض: زلزلت وحركت تحريكاً شديداً بحيث تنهدم الأبنية وتخر الجبال. ٧٤ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ بست الجبال: فتتت، وقيل: سيرت، من قولهم: بس الغنم: ساقها، ويقال: رجت الأرض وبست الجبال لازمين. المشأمة: من الشؤم، أو من اليد الشؤمى، وهي الشمال. الثلاثة: الجماعة، كثرت أو قلت. وقال الزمخشري: الأمّة من الناس الكثيرة، وقال الشاعر: بجيش كتيار من السيل مزيد وجاءت إليهم ثلاثة خندقية الموضونة: المنسوجة بتركيب بعض أجزائها على بعض، كحلق الدرع. قال الأعشى : تسير مع الحي عيراً فعيرا ومن نسج داود موضونة ومنه: وضين الناقة، وهو خزامها، لأنه موضون: أي مفتول. قال الراجز: معترضاً في بطنها جنينها إليك تغدو قلقاً وضینها مخالفاً دين النصارى دينها الإبريق: إفعيل من البريق، وهو إناء للشرب له خرطوم. قيل: وأذن، وهو من أواني الخمر عند العرب، قال الشاعر: كأن إبريقهم ظبي على شرف مقدّم فسبا الكتان ملتوم وقال عدي بن زید: قينة في يمينها إبريق وندعو إلى الصباح فجاءت صدع القوم بالخمر: لحقهم الصداع في رؤوسهم منها. وقيل: صدعوا: فرقوا. السدر: تقدّم الكلام عليه في سورة سبأ. المخضود: المقطوع شوكه. قال أمية بن أبي الصلت: فيها الكواعب سدرها مخضود إن الحدائق في الجنان ظليلة الطلح: شجر الموز، وقيل: شجر من العضاة كثير الشوك. المسكوب: المصبوب. العروب: المتحببة إلى زوجها. الترب: اللذة، وهو من يولد هو وآخر في وقت واحد، سميا بذلك لمسهما التراب في وقت واحد، والله تعالى أعلم. ﴿إذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة، إذا رجت الأرض رجاً، وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً، وكنتم أزواجاً ثلاثة، فأصحاب الميمنة ما أصحاب ٧٥ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ الميمنة، وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة، والسابقون السابقون، أولئك المقربون، في جنات النعيم، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، على سرر موضونة، متکتین علیها متقابلین، يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق و کأس من معین، لا يصدّعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون، لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً، إلا قيلاً سلاماً سلاماً، وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة، إنا أنشأناهنّ إنشاء، فجعلناهنّ أبكاراً، عرباً أتراباً، لأصحاب اليمين، ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾. هذه السورة مكية، ومناسبتها لما قبلها تضمن العذاب للمجرمين، والنعيم للمؤمنين. وفاضل بين جنتي بعض المؤمنين وجنتي بعض بقوله: ﴿ومن دونهما جنتان﴾(١)، فانقسم العالم بذلك إلى كافر ومؤمن مفضول ومؤمن فاضل؛ وهكذا جاء ابتداء هذه السورة من كونهم أصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة، وسباق وهم المقربون، وأصحاب اليمين والمكذبون المختتم بهم آخر هذه السورة. وقال ابن عباس: الواقعة من أسماء القيامة، كالصاخة والطامّة والآزفة، وهذه الأسماء تقتضي عظم شأنها، ومعنى ﴿وقعت الواقعة﴾: أي وقعت التي لا بد من وقوعها، كما تقول: حدثت الحادثة، وكانت الكائنة؛ ووقوع الأمر نزوله، يقال: وقع ما كنت أتوقعه: أي نزل ما كنت أترقب نزوله. وقال الضحاك: ﴿الواقعة﴾: الصيحة، وهي النفخة في الصور. وقيل: ﴿الواقعة): صخرة بيت المقدس تقع يوم القيامة. والعامل في إذا الفعل بعدها على ما قررناه في كتب النحو، فهو في موضع خفض بإضافة إذا إليها احتاج إلى تقدير عامل، إذ الظاهر أنه ليس ثم جواب ملفوظ به يعمل بها. فقال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب إذا؟ قلت: بليس، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل، أو بمحذوف يعني: إذا وقعت، کان کیت وکیت، أو بإضمار اذكر. انتهى. أما نصبها بليس فلا يذهب نحوي ولا من شدا شيئاً من صناعة الإعراب إلى مثل هذا، لأن ليس في النفي كما، وما لا تعمل، فكذلك ليس، وذلك أن ليس مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان. والقول بأنها فعل هو على سبيل المجاز، لأن حد الفعل لا ينطبق (١) سورة الرحمن: ٦٢/٥٥. ٧٦ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ عليها. والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث، فإذا قلت: يوم الجمعة أقوم، فالقيام واقع في يوم الجمعة، وليس لا حدث لها، فكيف يكون لها عمل في الظرف؟ والمثال الذي شبه به، وهو يوم القيامة، ليس لي شغل، لا يدل على أن يوم الجمعة منصوب بليس، بل هو منصوب بالعامل في خبر ليس، وهو الجار والمجرور، فهو من تقديم معمول الخبر على ليس، وتقديم ذلك مبني على جواز تقديم الخبر الذي لليس عليها، وهو مختلف فيه، ولم يسمع من لسان العرب: قائماً ليس زيد. وليس إنما تدل على نفي الحكم الخبري عن المحكوم عليه فقط، فهي كما، ولكنه لما اتصلت بها ضمائر الرفع، جعلها ناس فعلاً، وهي في الحقيقة حرف نفي كما النافية. ويظهر من تمثيل الزمخشري إذاً بقوله: يوم الجمعة، أنه سلبها الدلالة على الشرط الذي هو غالب فيها، ولو كانت شرطاً، وكان الجواب الجملة المصدرة بليس، لزمت الفاء، إلا إن حذفت في شعر، إذ ورد ذلك، فنقول: إذا أحسن إليك زيد فلست تترك مكافأته. ولا يجوز لست بغير فاء، إلا إن اضطر إلى ذلك. وأما تقديره: إذا وقعت كان كيت وكيت، فيدل على أن إذا عنده شرطية، ولذلك قدر لها جواباً عاملاً فيها. وأما قوله: بإضمار اذكر، فإنه سلبها الظرفية، وجعلها مفعولاً بها منصوبة باذكر. و﴿كاذبة﴾: ظاهره أنه اسم فاعل من كذب، وهو صفة لمحذوف، فقدره الزمخشري: نفس كاذبة، أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، لقوله تعالى: ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾(١)، ﴿لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾ (٢) ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية سنه حتى تأتيهم الساعة﴾(٣)، واللام مثلها في قوله: ﴿يا ليتني قدّمت لحياتي﴾(٤)، إذ ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكذبي، كما لها اليوم نفوس كثيرة يقلن لها: لم تكذبي، أو هي من قولهم: كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته على مباشرته، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال على معنى: أنها وقعة لا تطاق بشدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما نحدثه به عند عظائم الأمور، وتزين له احتمالها وإطاقتها، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كالفراش المبثوث﴾(٥)؟ والفراش مثل في الضعف. (١) سورة غافر: ٨٤/٤٠. (٢) سورة الشعراء: ٢٠١/٢٦. (٥) سورة القارعة: ٤/١٠١. (٣) سورة الحج: ٥٥/٢٢. (٤) سورة الفجر: ٢٤/٨٩. ٧٧ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ انتهى، وهو تكثير وإسهاب. وقدره ابن عطية حال كاذبة، قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما كاذبة، أي مكذوب فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول: هذه قصة كاذبة، أي مكذوب فيها. والثاني: حال كاذبة، أي لا يمضي وقوعها، كما تقول: فلان إذا حمل لم يكذب. وقال قتادة والحسن المعنى: ليس لها تكذيب ولا رد ولا منثوية، فكاذبة على هذا مصدر، كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين. والجملة من قوله: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ على ما قدّره الزمخشري من أن إذا معمولة لليس يكون ابتداء السورة، إلا إن اعتقد أنها جواب لإذا، أو منصوبة باذكر، فلا يكون ابتداء كلام. وقال ابن عطية: في موضع الحال، والذي يظهر لي أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه. وقرأ الجمهور: ﴿خافضة رافعة﴾ برفعهما، على تقدير هي؛ وزيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم والزعفراني واليزيدي في اختياره بنصبهما. قال ابن خالوية: قال الكسائي: لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به، ونصبهما على الحال. قال ابن عطية: بعد الحال التي هي ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾، ولك أن تتابع الأحوال، كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ. والقراءة الأولى أشهر وأبدع معنى، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لو لم يذكر لاستغنى عنه، وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما يتهم به. انتهى. وهذا الذي قاله سبقه إليه أبو الفضل الرازي. قال في كتاب اللوامح: وذو الحال الواقعة والعامل وقعت، ويجوز أن يكون ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ حال أخرى من الواقعة بتقدير: إذا وقعت صادقة الواقعة، فهذه ثلاثة أحوال من ذي حال، وجازت أحوال مختلفة عن واحد، كما جازت عنه نعوت متضادة وأخبار كثيرة عن مبتدأ واحد. وإذا جعلت هذه كلها أحوالاً، كان العامل في ﴿إذا وقعت﴾ محذوفاً يدل عليه الفحوى بتقدير يحاسبون ونحوه. انتهى. وتعداد الأحوال والأخبار فيه خلاف وتفصيل ذكر في النحو، فليس ذلك مما أجمع عليه النحاة. قال الجمهور: القيامة تنفظر له السماء والأرض والجبال، وتنهد له هذه البنية برفع طائفة من الأجرام وبخفض أخرى، فكأنها عبارة عن شدة الهول والاضطراب. وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الصيحة تخفض قوتها لتسمع الأدنى، وترفعها لتسمع الأقصى. وقال قتادة وعثمان بن عبد الله بن سراقة: القيامة تخفض أقواماً إلى النار، وترفع أقواماً إلى الجنة؛ وأخذ الزمخشري هذه الأقوال على عادته وكساها بعض ألفاظ رائعة، فقال: ترفع أقواماً وتضع آخرين، أما وصفاً لها بالشدة، لأن الواقعات العظام كذلك يرتفع فيها ناس إلى ٧٨ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ مراتب ويتضع ناس؛ وأما أن الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يحطون إلى الدرجات؛ وأما أنها تزلزل الأشياء عن مقارها لتخفض بعضاً وترفع بعضاً، حيث تسقط السماء كسفاً، وتنتشر الكواكب وتنكدر، وتسير الجبال فتمر في الجومر السحاب. انتهى. ﴿إذا رجت﴾، قال ابن عباس: زلزلت وحركت بجذب. وقال أيضاً هو وعكرمة ومجاهد: ﴿بست﴾: فتتت، وقيل: سيرت. وقرأ زيد بن علي: ﴿رجت﴾، و﴿بست﴾ مبنياً للفاعل، ﴿وإذا رجت﴾ بدل من ﴿إذا وقعت﴾، وجواب الشرط عندي ملفوظ به، وهو قوله: ﴿فأصحاب الميمنة﴾، والمعنى إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم وما أعظم ما يجازون به، أي إن سعادتهم وعظم رتبتهم عند الله تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم. وقال الزمخشري: ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة، أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال، لأنه عند ذلك ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض. انتهى. ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد. وقال ابن جني وأبو الفضل الرازي: ﴿إِذ رجت﴾ في موضع رفع على أنه خبر للمبتدأ الذي هو ﴿إذا وقعت﴾، وليست واحدة منهما شرطية، بل جعلت بمعنى وقت، وما بعد إذا أحوال ثلاثة، والمعنى: وقت وقوع الواقعة صادقة الوقوع، خافضة قوم، رافعة آخرين وقت رج الأرض. وهكذا ادعى ابن مالك أن إذا تكون مبتدأ، واستدل بهذا. وقد ذكرنا في شرح التسهيل ما تبقى به إذا على مدلولها من الشرط، وتقدم شرح الهباء في سورة الفرقان. ﴿منبثاً﴾: منتشراً. منبتاً بنقطتين بدل الثاء المثلثة، قراءة الجمهور، أي منقطعاً . ﴿وكنتم﴾: خطاب للعالم، ﴿أزواجاً ثلاثة﴾: أصنافاً ثلاثة، وهذه رتب للناس يوم القيامة. ﴿فأصحاب الميمنة﴾، قال الحسن والربيع: هم الميامين على أنفسهم. وقيل: الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب المنزلة السنية، كما تقول: هو مني باليمين. وقيل: المأخوذ بهم ذات اليمين، أو ميمنة آدم المذكورة في حديث الإسراء في الأسودة. ﴿وأصحاب المشأمة﴾: هم من قابل أصحاب الميمنة في هذه الأقوال، فأصحاب مبتدأ، وما: مبتدأ ثان استفهام في معنى التعظيم، وأصحاب الميمنة خبر عن ما، وما بعدها خبر عن أصحاب، وربط الجملة بالمبتدأ تكرار المبتدأ بلفظه، وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم، وما تعجب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة، والمعنى : أي شيء هم. ٧٩ سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ ﴿والسابقون السابقون﴾: جوزوا أن يكون مبتدأ وخبرً، نحو قولهم: أنت أنت، وقوله: أنا أبو النجم، وشعرى شعرى، أي الذين انتهوا في السبق، أي الطاعات، وبرعوا فيها وعرفت حالهم. وأن يكون السابقون تأكيداً لفظياً، والخبر فيما بعد ذلك؛ وأن يكون السابقون مبتدأ والخبر فيما بعده، وتقف على قوله: ﴿والسابقون﴾، وأن يكون متعلق السبق الأول مخالفاً للسبق الثاني. والسابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، فعلى هذا جوزوا أن يكون السابقون خبراً لقوله: ﴿والسابقون﴾، وأن يكون صفة والخبر فيما بعده. والوجه الأول، قال ابن عطية: ومذهب سيبويه أنه يعني السابقون خبر الابتداء، يعني خبر والسابقون، وهذا كما تقول: الناس الناس، وأنت أنت، وهذا على تفخيم الأمر وتعظيمه. انتهى. ويرجح هذا القول أنه ذكر أصحاب الميمنة متعجباً منهم في سعادتهم، وأصحاب المشأمة متعجباً منهم في شقاوتهم، فناسب أن يذكر السابقون مثبتاً حالهم معظماً، وذلك بالإخبار أنهم نهاية في العظمة والسعادة، والسابقون عموم في السبق إلى أعمال الطاعات، وإلى ترك المعاصي. وقال عثمان بن أبي سودة: السابقون إلى المساجد. وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال كعب: هم أهل القرآن. وفي الحديث: ((سئل عن السابقين فقال هم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوه بذلوه، وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم)). ﴿أولئك﴾: إشارة إلى السابقين المقربين الذين علت منازلهم وقربت درجاتهم في الجنة من العرش. وقرأ الجمهور: ﴿في جنات﴾، جمعاً؛ وطلحة: في جنات مفرداً. وقسم السابقين المقربين إلى ﴿ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين﴾. وقال الحسن: السابقون من الأمم، والسابقون من هذه الأمة. وقالت عائشة: الفرقتان في كل أمة نبي، في صدرها ثلة، وفي آخرها قليل. وقيل: هما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كانوا في صدر الدنيا، وفي آخرها أقل. وفي الحديث: ((الفرقتان في أمتي، فسابق في أول الأمة ثلة، وسابق سائرها إلى يوم القيامة قليل))، وارتفع ثلة على إضمارهم. وقرأ الجمهور: ﴿على سرر﴾ بضم الراء؛ وزيد بن علي وأبو السمال: بفتحها، وهي لغة لبعض بني تميم وكلب، يفتحون عين فعل جمع فعيل المضعف، نحو سرير، وتقدم ذلك في: والصافات. ﴿مضمونة﴾، قال ابن عباس: مرمولة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت. ﴿متكئين عليها): أي على السرر، ومتكئين: حال من الضمير المستكن في ﴿على سرر﴾، ﴿متقابلين﴾: ينظر بعضهم إلى بعض، وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء بطائنهم من غل إخواناً. ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾: ٨٠. سورة الواقعة / الآيات: ١ - ٤٠ وصفوا بالخلد، وإن كان من في الجنة مخلداً، ليدل على أنهم يبقون دائماً في سن الولدان، لا يكبرون ولا يتحولون عن شكل الوصافة. وقال مجاهد: لا يموتون. وقال الفراء: مقرطون بالخلدات، وهي ضروب من الأقراط. ﴿وكأس من معين﴾، قال: من خمر سائلة جارية معينة. ﴿لا يصدعون عنها﴾، قال الأكثرون: لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا. وقرأت على أستاذنا العلامة أبي جعفر بن الزبير، رحمه الله تعالى، قول علقمة في صفة الخمر: ولا يخالطها في الرأس تدويم تشفي الصداع ولا يؤذيك صالبها فقال: هذه صفة أهل الجنة. وقيل: لا يفرقون عنها بمعنى: لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب، كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق، كما جاء: فتصدع السحاب عن المدينة: أي فتفرق. وقرأ مجاهد: لا يصدعون، بفتح الياء وشد الصاد، أصله يتصدعون، أدغم التاء في الصاد: أي لا يتفرقون، كقوله: ﴿يومئذ يصدعون﴾(١). والجمهور؛ بضم الياء وخفة الصاد؛ والجمهور: بجر ﴿وفاكهة﴾؛ ولحم وزيد بن علي: برفعهما، أي ولهم؛ والجمهور: ﴿ولا ينزفون﴾ مبنياً للمفعول. قال مجاهد وقتادة وجبير والضحاك: لا تذهب عقولهم سكراً؛ وابن أبي إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي، نزف البئر: استفرغ ماءها، فالمعنى: لا تفرغ خمرهم. وابن أبي إسحاق أيضاً وعبد الله والسلمي والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي: أي لا يفنى لهم شراب، ﴿مما يتخيرون﴾: يأخذون خيره وأفضله، ﴿مما يشتهون﴾: أي يتمنون. وقرأ الجمهور: ﴿وحور عين﴾ برفعهما؛ وخرج عليّ على أن يكون معطوفاً على ﴿ولدان﴾، أو على الضمير المستكن في ﴿متكئين﴾، أو على مبتدأ محذوف هو وخبره تقديره: لهم هذا كله، ﴿وحور عين﴾، أو على حذف خبر فقط: أي ولهم حور، أو فيهما حور. وقرأ السلمي والحسن وعمرو بن عبيد وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة والمفضل وأبان وعصمة والكسائي: بجرهما؛ والنخعي: وحير عين، بقلب الواو ياء وجرهما، والجر عطف على المجرور، أي يطوف عليهم ولدان بكذا وكذا وحور عين. وقيل: هو على معنى: وينعمون بهذا كله وبحور عين. وقال الزمخشري: عطفاً على ﴿جنات النعيم﴾، كأنه قال: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور. انتهى، وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط (١) سورة الروم: ٤٣/٣٠.