Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ الإسلام فما بعده، عقب ذلك بما صدر من بعض المسلمين، إذ أشار الرسول بأمر وقع منهم الإباء له، فأنكر عليهم، إذ طاعته، عليه السلام، من طاعة الله، وأمره من أمره. و﴿الخيرة﴾: مصدر من تخير على غير قياس، كالطيرة من تطير. وقرىء: بسكون الياء، ذكره عيسى بن سليمان. وقرأ الحرميان، والعربيان، وأبو جعفر، وشيبة، والأعرج، وعيسى: أن تكون، بتاء التأنيث؛ والكوفيون، والحسن، والأعمش، والسلمي: بالياء. ولما كان قوله: ﴿لمؤمن ولا مؤمنة﴾، يعم في سياق النفي، جاء الضمير مجموعاً على المعنى في قوله: ﴿لهم﴾، مغلباً فيه المذكر على المؤنث. وقال الزمخشري: كان من حق الضمير أن يوحد، كما تقول: ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه كذا. انتهى. ليس كما ذكر، لأن هذا عطف بالواو، فلا يجوز إفراد الضمير إلا على تأويل الحذف، أي: ما جاءني من رجل إلا كان من شأنه كذا، وتقول: ما جاء زيد ولا عمرو إلا ضربا خالداً، ولا يجوز إلا ضرب إلا على الحذف، كما قلنا. ﴿وإذ تقول﴾: الخطاب للرسول، عليه السلام. ﴿للذي أنعم الله عليه﴾، بالإسلام، وهو أجل النعم، وهو زيد بن حارثة الذي كان الرسول تبناه. ﴿وأنعمت عليه﴾: وهو عتقه، وتقدّم ظرف من قصته في أوائل السورة. ﴿أمسك عليك زوجك): وهي زينب بنت جحش، وتقدّم أن الرسول كان خطبها له. وقيل: أنعم الله عليه بصحبتك ومودتك، وأنعمت عليه بتبنيه. فجاء زيد فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: ((أرابك منها شيء؟)) قال: لا والله ولكنها تعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال: ((﴿أمسك عليك زوجك﴾))، أي لا تطلقها، وهو أمر ندب، ((﴿واتق الله﴾ في معاشرتها)). فطلقها، وتزوجها رسول الله وسلم، بعد انقضاء عدّتها. وعلل تزويجه إياها بقوله: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ في أن يتزوجوا زوجات من كانوا تبنوه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم في قوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾(١). وقال علي بن الحسين: كان قد أوحى الله إليه أن زيداً سيطلقها، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها. فلما شكا زيد خلقها، وأنها لا تطيعه، وأعلمه بأنه يريد طلاقها، قال له : ((﴿أمسك عليك زوجك واتق الله﴾))، على طريق الأدب والوصية، وهو يعلم أنه سيطلقها. وهذا هو الذي أخفي في نفسه، ولم يرد أنه يأمره بالطلاق. ولما علم من أنه سيطلقها، (١) سورة النساء: ٤//٢٣. تفسير البحر المحيط ج٨ م٣١ ٤٨٢ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ وخشي رسول الله أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا القدر في شيء قد أباحه الله بأن قال: ﴿أمسك﴾، مع علمه أن يطلق، فأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال. انتهى. وهذا المروي عن علي بن الحسين، هو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهري، وبكر بن العلاء، والقشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم. والمراد بقوله: ﴿وتخشى الناس﴾، إنما هو إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأبناء، والنبي ◌َّر معصوم في حركاته وسكناته. ولبعض المفسرين كلام في الآية يقتضي النقص من منصب النبوة، ضربنا عنه صفحاً. وقيل؛ قوله ﴿واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾: خطاب من الله عز وجل، أو من النبي ﴿ لزيد، فإنه أخفى الميل إليها، وأظهر الرغبة عنها، لما توهم أن رسول الله ولو أراد أن تکون من نسائه. انتهى. وللزمخشري : في هذه الآية كلام طويل، وبعضه لا يليق ذكره بما فيه غير صواب مما جرى فيه على مذهب الاعتزال وغيره، واخترت منه ما أنصه. قال: كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحيي من إطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله. وربما كان الدخول في ذلك المباح سلماً إلى حصول واجبات، لعظم أثرها في الدين، ويجل ثوابها، ولو لم يتحفظ منه، لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم، إلا من أوتي فضلاً وعلماً وديناً ونظراً في حقائق الأشياء ولبابها دون قشورها. ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله وير، بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يديمون مستأنسين بالحديث. وكان رسول الله وَالر يؤذيه قعودهم، ويضيق صدره حديثهم، والحياء يصدّه أن يأمرهم بالانتشار حتى نزلت: ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق﴾. ولو أبرز رسول الله و لي مكنون ضميره، وأمرهم أن ينتشروا، لشق عليهم، ولكان بعض المقالة. فهذا من ذلك القبيل، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته، من امرأة أو غيرها، غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع. وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه. ولم يكن مستنكراً عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر. فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة، استهم الأنصار بكل شيء، حتى أن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر. وإذا كان الأمر مباحاً من جميع جهاته، ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح، ولا ٤٨٣ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ مفسدة ولا مضرة بزيد ولا بأحد، بل كان مستجراً مصالح؛ ناهيك بواحدة منها: أن بنت عمة رسول الله بَ*، أمنت الأيمة والضيعة ونالت الشرف وعادت أماً من أمّهات المؤمنين، إلى ما ذكر الله عز وجل من المصلحة العامة في قوله: ﴿لكي لا يكون﴾ الآية. انتهى ما اخترناه من كلام الزمخشري. وقوله: ﴿أمسك عليك﴾ فيه وصول الفعل الرافع الضمير المتصل إلى الضمير المجرور وهما لشخص واحد، فهو كقوله : هوّن عليك ودع عنك نهياً صيح في حجراته وذكروا في مثل هذا التركيب أن على وعن اسمان، ولا يجوز أن يكونا حرفين، لامتناع فكر فيك، وأعني بك، بل هذا مما يكون فيه النفس، أي فكر في نفسك، وأعني بنفسك، وقد تكلمنا على هذا في قوله: ﴿وهزي إليك﴾(١)، ﴿واضمم إليك جناحك﴾(٢). وقال الحوفي: ﴿وتخفي في نفسك﴾: مستأنف، ﴿وتخشى): معطوف على وتخفي. وقال الزمخشري: واو الحال، أي تقول لزيد: ﴿أمسك عليك زوجك﴾، مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفي خاشياً قاله الناس، أو واو العطف، كأنه قيل: وأن تجمع بين قولك: ﴿أمسك﴾، وإخفاء قالة، وخشية الناس. انتهى. ولا يكون ﴿وتخفي﴾ حالاً على إضمار مبتدأ، أي وأنت تخفي، لأنه مضارع مثبت، فلا يدخل عليه الواو إلا على ذلك الإضمار، وهو مع ذلك قليل نادر، لا يبنى على مثله القواعد؛ ومنه قولهم: قمت وأصك عينه، أي وأنا أصك عينه. ﴿والله أحق أن تخشاه﴾: تقدّم إعراب نظيره في التوبة(٣). ﴿فلما قضى زيد منها وطراً﴾: أي حاجة، قيل: وهو الجماع، قاله ابن عباس. وروى أبو عصمة: نوح بن أبي مريم، بإسناد رفعه إلى زينب أنها قالت: ما كنت أمتنع منه، غير أن الله منعني منه. وقيل: إنه مدُ تزوجها لم يتمكن من الاستمتاع بها. وروي أنه كان يتورم ذلك منه حين يريد أن يقربها. وقال قتادة: الوطر هنا: الطلاق. وقرأ الجمهور: ﴿زوجناكها﴾، بنون العظمة؛ وجعفر بن محمد، وابن الحنفية، وأخواه الحسن والحسين، وأبوهم علي: زوجتكها، بتاء الضمير للمتكلم. ونفى تعالى الحرج عن المؤمنين في إجراء أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهن بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهن. ﴿وكان أمر الله﴾: أي مقتضى أمر الله، أو مضمن أمره. قال ابن عطية: وإلا فالأمر (١) سورة مريم: ٢٥/١٩. (٢) سورة القصص: ٣٢/٢٨. (٣) سورة التوبة: ١٣/٩. ٤٨٤ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ قديم لا يوصف بأنه مفعول، ويحتمل على بعد أن يكون الأمر واحد الأمور التي شأنها أن تفعل. وقال الزمخشري: ﴿وكان أمر الله﴾ الذي يريد أن يكونه، ﴿مفعولاً﴾: مكوناً لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله صل﴿ زينب. ويجوز أن يراد بأمر الله المكون، لأنه مفعول يكن. ولما نفى الحرج عن المؤمنين فيما ذكر، واندرج الرسول فيهم، إذ هو سيد المؤمنين، نفى عنه الحرج بخصوصه، وذلك على سبيل التكريم والتشريف، ونفى الحرج عنه مرتين، إحداهما بالاندراج في العموم، والأخرى بالخصوص . ﴿فيما فرض الله له﴾، قال الحسن: فيما خص به من صحة النكاح بلا صداق. وقال قتادة: فيما أحل له. وقال الضحاك: في الزيادة على الأربع، وكانت اليهود عابوه بكثرة النكاح وكثرة الأزواج، فرد الله عليهم بقوله: ﴿سنة الله﴾: أي في الأنبياء بكثرة النساء، حتى كان لسليمان، عليه السلام، ثلاثمائة حرة وسبعماية سرية، وكان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية. وقيل: الإشارة إلى أن الرسول جمع بينه وبين زينب، كما جمع بین داود وبين التي تزوجها بعد قتل زوجها. وانتصب ﴿سنة الله﴾ على أنه اسم موضوع موضع المصدر، قاله الزمخشري؛ أو على المصدر؛ أو على إضمار فعل تقديره: ألزم أو نحوه، أو على الإغراء، كأنه قال: فعليه سنة الله. قال ابن عطية: وقوله: أو على الإغراء، ليس بجيد، لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، وأيضاً فتقديره: فعليه سنة الله بضمير الغيبة، ولا يجوز ذلك في الإغراء، إذ لا يغرى غائب. وما جاء من قولهم: عليه رجلاً، ليسنى له تأويل، وهو مع ذلك نادر. و﴿الذين خلوا﴾: الأنبياء، بدليل وصفهم بعد قوله: ﴿الذين يبلغون رسالات الله﴾. ﴿وكان أمر الله﴾: أي مأموراته، والكائنات من أمره، فهي مقدورة. وقوله: ﴿قدراً﴾: أي ذا قدر، أو عن قدر، أو قضاء مقضياً وحكماً مثبوتاً. و﴿الذين﴾: صفة للذين خلوا، أو مرفوع، أو منصوب على إضمارهم، أو على أمدح. وقرأ عبد الله: الذين بلغوا، جعله فعلاً ماضياً. وقرأ أبي: رسالة الله على التوحيد؛ والجمهور: يبلغون رسالات جمعاً. ﴿وكفى بالله حسيباً﴾: أي محاسباً على جميع الأعمال والعقائد، أو محسباً: أي كافياً. ثم نفى تعالى كون رسوله ﴿أبا أحد من رجالكم﴾، بينه وبين من تبناه من حرمة الصهارة والنكاح ما يثبت بين الأب وولده. هذا مقصود هذه الجملة، وليس المقصود أنه لم يكن له ولد، فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن ٤٨٥ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ والحسين بأنهما كانا طفلين. وإضافة رجالكم إلى ضمير المخاطبين يخرج من كان من بنيه، لأنهم رجاله، لا رجال المخاطبين. وقرأ الجمهور؛ ﴿ولكن رسول﴾، بتخفيف لكن ونصب رسول على إضمار كان، لدلالة كان المتقدّمة عليه؛ قيل: أو على العطف على ﴿أبا أحد﴾. وقرأ عبد الوارث، عن أبي عمرو: بالتشديد والنصب على أنه خبر لكن، والخبر محذوف تقديره: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ هو، أي محمد رَله. وحذف خبر لكن واخواتها جائز إذا دل عليه الدليل. ومما جاء في ذلك قول الشاعر: ولكنّ زنجياً عظيم المشافر فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي أي: أنت لا تعرف قرابتي. وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: بالتخفيف، ورفع ورسوله وخاتم، أي ولكن هو رسول الله، كما قال الشاعر: ولكن مدرة الحرب العوال ولست الشاعر السقاف فيهم أي: لكن أنا مدرة. وقرأ الجمهور: ﴿خاتم﴾، بكسر التاء، بمعنى أنه ختمهم، أي جاء آخرهم. وروي عنه أنه قال: أنا خاتم ألف نبي، وعنه: أنا خاتم النبيين في حديث واللبنة . وروي عنه، عليه السلام، ألفاظ تقتضي نصاً أنه لا نبي بعده وَّر، والمعنى أن لا يتنبأ أحد بعده، ولا يرد نزول عيسى آخر الزمان، لأنه ممن نبىء قبله، وينزل عاملاً على شريعة محمد رَّ﴿ مصلياً إلى قبلته كأنه بعض أمته. قال ابن عطية: وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بالهداية، من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف، وما ذكره الغزالي في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بالاقتصاد، وتطرق إلى ترك تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد وسير النبوة، فالحذر الحذر منه، والله الهادي برحمته. وقرأ الحسن، والشعبي، وزيد بن علي، والأعرج: بخلاف؛ وعاصم: بفتح التاء بمعنى: أنهم به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم. ومن ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي، فهو زنديق يجب قتله. وقد ادعى النبوة ناس، فقتلهم المسلمون على ذلك. وكان في عصرنا شخص من الفقراء ادعى النبوة بمدينة مالقة، فقتله السلطان بن الأحمر، ملك الأندلس بغرناطة، وصلب إلى أن تناثر لحمه. ﴿وكان الله بكل شيء عليمً﴾: هذا عام، والقصد هنا علمه تعالى بما رآه الأصلح لرسوله، وبما قدّره في الأمر كله، ثم أمر المؤمنين بذكره بالثناء عليه وتحميده وتقديسه، ٤٨٦ سورة الأحزاب / الآيات : ١ - ٧٣ وتنزيهه عما لا يليق به. والذكر الكثير، قال ابن عباس: أن لا ينساه أبداً، أو التسبيح مندرج في الذكر، لكنه خص بأنه ينزهه تعالى عما لا يليق به، فهو أفضل، أو من أفضل الأذكار. وعن قتادة: قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وعن مجاهد: هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب. و﴿بكرة وأصيلاً﴾: يقتضيهما اذكروا وسبحوا، والنصب بالثاني على طريق الإعمال، والوقتان كناية عن جميع الزمان، ذكر الطرفين إشعار بالاستغراق. وقال ابن عباس: أي صلوا صلاة الفجر والعشاء. وقال الأخفش: ما بين العصر إلى العشاء. وقال قتادة: الإشارة بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر؛ ويجوز أن يكون الأمر بالذكر وإكثاره تكثير الطاعات والإقبال على الطاعات، فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر. ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً، وهي الصلاة في جميع أوقاتها، تفضل الصلاة غيرها، أو صلاة الفجر والعشاء، لأن أداءهما أشق. ولما أمرهم بالذكر والتسبيح، ذكر إحسانه تعالى بصلاته عليهم هو وملائكته. قال الحسن: ﴿يصلي عليكم﴾: يرحمكم. وقال ابن جبير: يغفر لكم. وقال أبو العالية يثني عليكم. وقيل: يترأف بكم. وصلاة الملائكة الاستغفار، كقوله تعالى: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾(١). وقال مقاتل: الدعاء، والمعنى: هو الذي يترحم عليكم، حيث يدعوكم إلى الخير، ويأمركم بإكثار الذكر والطاعة، ليخرجكم من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة. وقال ابن زيد: من الضلالة إلى الهدى. وقال مقاتل: من الكفر إلى الإيمان. وقيل: من النار إلى الجنة، حكاه الماوردي. وقيل: من القبور إلى البعث. ﴿وملائكته﴾: معطوف على الضمير المرفوع المستكن في ﴿يصلي﴾، فأغنى الفصل بالجار والمجرور عن التأكيد، وصلاة الله غير صلاة الملائكة، فكيف اشتركا في قدر مشترك؟ وهو إرادة وصول الخير إليهم. فالله تعالى يريد برحمته إياهم إيصال الخير إليهم، وملائكته يريدون بالاستغفار ذلك. وقال الزمخشري: جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة، كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة، ونظيره قولهم: حياك الله: أي أحياك وأبقاك، وحييتك: أي دعوت لك بأن يحييك الله، لأنك لاتكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة؛ وكذلك عمرك الله وعمرتك، وسقاك الله وسقيتك، وعليه قوله؛ ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه﴾: أي ادعوا له بأن يصلى عليه. ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾: دليل (١) سورة غافر: ٤٠ /٧. ٤٨٧ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ على أن المراد بالصلاة الرحمة. انتهى. وما ذكره من قوله، كأنهم فاعلون فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، وما ذكرناه من أن الصلاتين اشتركتا في قدر مشترك أولى . ﴿تحيتهم يوم يلقونه﴾: أي يوم القيامة. ﴿سلام): أي تحية الله لهم. يقول للمؤمنين: السلام عليكم، مرحباً بعبادي الذين أرضوني باتباع أمري، قاله الرقاشي. وقيل: يحييهم الملائكة بالسلامة من كل مكروه. وقال البراء بن عازب: معناه أن ملك الموت لا يقبض روح المؤمن حتى يسلم عليه. وقال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: ربك يقرؤك السلام، قيل: فعلى هذا الهاء في قوله: ﴿يلقونه﴾ كناية عن غير مذكور، وقيل: سلام الملائكة عند خروجهم من القبور. وقال قتادة: يوم دخولهم الجنة يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، أي سلمنا وسلمت من كل مخوف. وقيل: تحييهم الملائكة يومئذ. وقيل: هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم، وبشارتهم بالجنة. والتحية مصدر في هذه الأقوال أضيف إلى المفعول، إلا في قول من قال إنه مصدر مضاف للمحيي والمحيا، لا على جهة العمل، لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلاً مفعولاً ، ولكنه كقوله: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾(١): أي للحكم الذي جرى بينهم، وليبعث إليهم، فكذلك هذه التحية الجارية بينهم هي سلام. وفرق المبرد بين التحية والسلام فقال: التحية يكون ذلك دعاء، والسلام مخصوص، ومنه: ﴿ويلقون فيها تحية وسلاماً﴾(٢). والأجر الكريم: الجنة، ﴿شاهداً﴾ على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي مفعولاً قولك عند الله، وشاهداً بالتبليغ إليهم، وبتبليغ الأنبياء قولك. وانتصب ﴿شاهداً﴾ على أنه حال مقدّرة، إذا كان قولك عند الله وقت الإرسال لم يكن شاهداً عليهم، وإنما يكون شاهداً عند تحمل الشهادة وعند أدائها، أو لأنه أقرب زمان البعثة، وإيمان من آمن وتكذيب من كذب كان ذلك وقع في زمان واحد. ﴿وداعياً إلى الله﴾، قال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن عيسى: إلى الطاعة. ﴿بإذنه): أي بتسهيله وتيسيره، ولا يراد به حقيقة الإذن، لأنه قد فهم في قوله: إنا أرسلناك داعياً أنه مأذون له في الدعاء. ولما كان دعاء المشرك إلى التوحيد صعباً جداً، قيل: بإذنه، أي بتسهيله تعالى. و﴿سراجاً منيراً﴾: جلي من ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. ويهتدى به إذا مد الله بنور نبوته نور (١) سورة الأنبياء: ٧٨/٢١. (٢) سورة الفرقان: ٧٥/٢٥. ٤٨٨ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار. ووصفه بالإنارة، لأن من السراج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته. وقال الزجاج: هو معطوف على ﴿شاهداً﴾، أي وذا سراج منير، أي كتاب نير. وقال الفراء: إن شئت كان نصباً على معنى: وتالياً سراجاً منيراً. وقال الزمخشري: ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف ﴿أرسلناك﴾. انتهى. ولا يتضح هذا الذي قاله، إذ يصير المعنى: أرسلنا ذا سراج منير، وهو القرآن. ولا يوصف بالإرسال القرآن، إنما يوصف بالإنزال. وكذلك أيضاً إذا كان التقدير: وتالياً، يصير المعنى: أرسلنا تالياً سراجاً منيراً، ففيه عطف الصفة التي للذات على الذات، كقولك: رأيت زيداً والعالم. إذا كان العالم صفة لزيد، والعطف مشعر بالتغاير، لا يحسن مثل هذا التخريج في كلام الله، وثم حمل على ما تقتضيه الفصاحة والبلاغة. ولما ذكر تعالى أنه أرسل نبيه ﴿شاهداً﴾ إلى آخره، تضمن ذلك الأمر بتلك الأحوال، فكأنه قال؛ فاشهد وبشر وأنذر وادع وانه، ثم قال؛ ﴿وبشر المؤمنين)؛ فهذا متصل بما قبله من جهة المعنى، وإن كان يظهر أنه منقطع من الذي قبله. والفضل الكبير الثواب من قولهم: للعطايا فضول وفواضل، أو المزيد على الثواب. وإذا ذكر المتفضل به وكبره، فما ظنك بالثواب؟ أو ما فضلوا به على سائر الأمم، وذلك من جهته تعالى، أو الجنة وما أوتوا فيها، ويفسره: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾(١). ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾: نهي له عليه السلام عن السماع منهم في أشياء كانوا يطلبونها مما لا يجب، وفي أشياء ينتصحون بها وهي غش. ﴿ودع أذاهم﴾: الظاهر إضافته إلى المفعول. لما نهى عن طاعتهم، أمر بتركه إذايتهم وعقوبتهم، ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف. ﴿وتوكل على الله﴾، فإنه ينصرك ويخذلهم. ويجوز أن يكون مصدراً مضافاً للفاعل، أي ودع إذايتهم إياك، أي مجازاة الإذاية من عقاب وغيره حتى تؤمر، وهذا تأويل مجاهد. ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهنّ وسرحوهنّ سراجاً جميلاً، يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهنّ وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في (١) سورة الشورى: ٢٢/٤٢. ٤٨٩ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكون عليك جرج وكان الله غفوراً رحيماً، ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقرأ أعينهن ولا يحزنّ ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً، لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدّل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيباً﴾ . لما ذكر تعالى قصة زيد وزينب وتطليقه إياها، وكانت مدخولاً بها، واعتدت، وخطبها الرسول، عليه السلام، بعد انقضاء عدتها، بين حال من طلقت قبل المسيس، وأنها لا عدة عليها . ومعنى ﴿نكحتم﴾: عقدتم عليهن. وسمى العقد نكاحاً لأنه سبب إليه، كما سميت الخمر إثماً لأنها سبب له. قالوا: ولفظ النكاح في كتاب الله لم يرد إلا في العقد، وهو من آداب القرآن؛ كما كنى عن الوطء بالمماسة والملامسة والقربان والتغشي والإتيان، قيل: إلا في قوله: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾(١)، فإنه بمعنى الوطء، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. والكتابيات، وإن شاركت المؤمنات في هذا الحكم، فتخصيص المؤمنات بالذكر تنبيه على أن المؤمن لا ينبغي أن يتخير لنطفته إلا المؤمنة. وفائدة المجيء بثم، وإن كان الحكم ثابتاً، إن تزوجت وطلقت على الفور، ولمن تأخر طلاقها. قال الزمخشري: نفي التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم بين أن يطلقها، وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح، وتتراخى بها المدة في حيالة الزوج ثم يطلقها. انتهى. واستعمل صلة لمن عسى، وهو لا يجوز، أو لوحظ في ذلك الغالب. فإن من أقدم على العقد على امرأة، إنما يكون ذلك لرغبة، فيبعد أن يطلقها على الفور، لأن الطلاق مشعر بعدم الرغبة، فلا بد أن يتخلل بين العقد والطلاق مهلة يظهر فيها للزوج نأيه عن المرأة، وأن المصلحة في ذلك له. والظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد، ولا يصح طلاق من لم يعقد عليها عينها أو قبيلتها أو البلد، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. وقالت طائفة كبيرة، منهم مالك: يصح ذلك. والظاهر أن المسيس هنا كناية عن الجماع، وأنه إذا خلا بها ثم طلقها، لا يعقد. وعند أبي حنيفة وأصحابه: حكم الخلوة الصحيحة حكم المسيس. والظاهر أن المطلقة رجعية، إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها، ثم فارقها قبل أن يمسها، لا تتم عدتها من الطلقة الأولى، ولا تستقبل عدة، لأنها مطلقة قبل الدخول، وبه (١) سورة البقرة: ٢٣٠/٢. ٤٩٠ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ قال داود. وقال عطاء وجماعة: تمضي في عدتها عن طلاقها الأول، وهو أحد قولي الشافعي. وقال مالك: لا تبنى على العدة من الطلاق الأول، وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق الثاني، وهو قول فقهاء جمهور الأمصار. والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتة، فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول، كالرجعية في قول داود، ليس عليها عدة، لا بقية عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة الثاني، ولها نصف المهر. وقال الحسن، وعطاء، وعكرمة، وابن شهاب، ومالك، والشافعي، وعثمان البتي، وزفر: لها نصف الصداق، وتتم بقية العدة الأولى. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأبو يونس: لها مهر كامل للنكاح الثاني، وعدة مستقبلة، جعلوها في حكم المدخول بها، لاعتدادها من مائة . وقرأ الجمهور: ﴿تعتدونها﴾، بتشديد الدال: افتعل من العد، أي تستوفون عددها، من قولك: عد الدراهم فاعتدها، أي استوفى عددها؛ نحو قولك: كلته واكتاله، وزنته فاتزنته. وعن ابن كثير وغيره من أهل مكة: بتخفيف الدال، ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه وأبو الفضل الرازي. وقال ابن عطية: وروي عن أبي برزة، عن ابن كثير: بتخفيف الدال من العدوان، كأنه قال: فما لكم عدة تلزمونها عدواناً وظلماً لهنّ، والقراءة الأولى أشهر عن ابن كثير، وتخفيف الدال وهم من أبي برزة. انتهى. وليس بوهم، إذ قد نقلها عن ابن كثير ابن خالويه وأبو الفضل الرازي في (كتاب اللوامح في شواذ القراءات)، ونقلها الرازي المذكور عن أهل مكة وقال: هو من الإعتداد لا محالة، لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه. فإن جعلت من الاعتداء الذي هو الظلم ضعف، لأن الاعتداء يتعدى بعلى. انتهى. وإذا كان يتعدى بعلى، فيجوز أن لا يحذف على، ويصل الفعل إلى الضمير، نحو قوله: ٠٫ وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني تحن فتبدى ما بها من صبابة أي: لقضى علي. وقال الزمخشري: وقرىء: تعتدونها مخففاً، أي تعتدون فيها، كقوله: ويوماً شهدناه. والمراد بالاعتداء ما في قوله: ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا. انتهى. ويعني أنه اتصل بالفعل لما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى ضمير العدة، كقوله: ويوماً شهدناه سليماً وعامراً أي: شهدنا فيه. وأما على تقدير على، فالمعنى: تعتدون عليهنّ فيها. وقرأ الحسن: ٤٩١ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ بإسكان العين كغيره، وتشديد الدال جمعاً بين الساكنين. وقوله: ﴿فما لكم﴾ يدل على أن العدة حق الزوج فيها غالب، وإن كانت لا تسقط بإسقاطه، لما فيه من حق الله تعالى. والظاهر أن من طلقت قبل المسيس لها المتعة مطلقاً، سواء كانت ممدودة أم مفروضاً لها. وقيل: يختص هذا الحكم بمن لا مسمى لها. والظاهر أن الأمر في ﴿فمتعوهنّ﴾ للوجوب، وقيل: للندب، وتقدم الكلام مشبعاً في المتعة في البقرة. والسراج الجميل: هو كلمة طيبة دون أذى ولا منع واجب. وقيل: أن لا يطالبها بما آتاها. ولما بين تعالى بعض أحكام أنكحة المؤمنين، أتبعه بذكر طرف من نساء النبي وَالر. والأجور: المهور، لأنه أجر على الاستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الاستمتاع. وفي وصفهنّ بـ﴿اللاتي آتيت أجورهنّ﴾، تنبيه على أن الله اختار لنبيه الأفضل والأولى، لأن إيتاء المهر أولى وأفضل من تأخيره، ليتفصى الزوج عن عهدة الدين وشغل ذمته به، ولأن تأخيره يقتضي أنه يستمتع بها مجاناً دون عوض تسلمته، والتعجيل كان سنة السلف، لا يعرف منهم غيره. ألا ترى إلى قوله، عليه السلام، لبعض الصحابة حين شكا حالة التزوج: ((فأين درعك الحطمية))؟ وكذلك تخصيص ما ملكت يمينه بقوله: ﴿مما أفاء الله عليك﴾، لأنها إذا كانت مسبية، فملكها مما غنمه الله من أهل دار الحرب كانت أحل وأطيب مما تشترى من الجلب. فما سبي من دار الحرب قيل فيه سبي طيبة، وممن له عهد قيل فيه سبي خبيثة، وفيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث. والظاهر أن قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾، مخصوص لفظة أزواجك بمن كانت في عصمته، كعائشة وحفصة، ومن تزوجها بمهر. وقال ابن زيد: أي من تزوجها بمهر، ومن تزوجها بلا مهر، وجميع النساء حتى ذوات المحارم من ممهورة ورقيقة وواهبة نفسها مخصوصة به. ثم قال بعد ﴿ترجي من تشاء منهنّ﴾: أي من هذه الأصناف كلها، ثم الضمير بعد ذلك يعم إلى قوله: ﴿ولا أن تبدل بهنّ من أزواج﴾، فينقطع من الأول ويعود على أزواجه التسع فقط، وفي التأيل الأول تضييق. وعن ابن عباس: كان رسول الله القيم يتزوج أي النساء شاء، وكان ذلك يشق على نسائه. فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء، إلا من سمي سر نساؤه بذلك، وملك اليمين إنما يعلقه في النادر، وبنات العم، ومن ذكر معهنّ يسير. ومن يمكن أن يتزوج منهن محصور عند نسائه، ولا سيما وقد قرن بشرط الهجرة، والواجب أيضاً من النساء قليل، فلذلك سر بانحصار الأمر. ثم مجيء ﴿ترجي من تشاء منهن﴾، إشارة إلى ما تقدم، ثم مجيء ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾، ٤٩٢ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ إشارة إلى أن أزواجه اللواتي تقدم النص عليهن بالتحليل، فيأتي الكلام مثبتاً مطرداً أكثر من اطراده على التأويل الآخر. ﴿وبنات عمك﴾، قالت أم هانىء، بنت أبي طالب: خطبني رسول اللّهِ وَ ارِ، فاعتذرت إليه فعذرني، ثم نزلت هذه الآية فحرمتني عليه، لأني لم أهاجر معه، وإنما كنت من الطلقاء. والتخصيص بـ ﴿اللاتي هاجرن معك﴾، لأن من هاجر معه من قرابته غير المحارم أفضل من غير المهاجرات. وقيل: شرط الهجرة في التحليل منسوخ. وحكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق. والثاني: أنه شرط في إحلال قرابات المذكورات في الآية دون الأجنبيات، والمعية هنا: الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها، فيقال: دخل فلان معي وخرج معي، أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان. ولو قلت: فرجعنا معاً، اقتضى المعنيان الاشتراك في الفعل، والاقتران في الزمان. وأفرد العم والخال لأنه اسم جنس، والعمة والخالة كذلك، وهذا حرف لغوي قاله أبو بكر بن العربي القاضي . ﴿وامرأة مؤمنة﴾، قال ابن عباس، وقتادة: هي ميمونة بنت الحارث. وقال علي بن الحسين، والضحاك، ومقاتل: هي أم شريك. وقال عروة، والشعبي: هي زينب بنت خزيمة، أم المساكين، امرأة من الأنصار. وقال عروة أيضاً: هي خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية. واختلف في ذلك. فعن ابن عباس: لم يكن عند رسول الله وَلل أحد منهن بالهبة. وقيل: الموهبات أربع: ميمونة بنت الحارث، ومن ذكر معها قبل. وقرأ الجمهور: ﴿وامرأة﴾، بالنصب؛ ﴿إن وهبت﴾، بكسر الهمزة: أي أحللناها لك. ﴿إن وهبت﴾، ﴿إن أراد﴾، فهنا شرطان، والثاني في معنى الحال، شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح النبي، كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها، وأنت تريد أن تستنكحها، لأن إرادته هي قبوله الهبة وما به تتم، وهذان الشرطان نظير الشرطين في قوله: ﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، إن كان الله يريد أن يغويكم﴾(١). وإذا اجتمع شرطان، فالثاني شرط في الأول، متأخر في اللفظ، متقدم في الوقوع، ما لم تدل قرينة على الترتيب، نحو: إن تزوجتك أو طلقتك فعبدي حر. واجتماع الشرطين مسألة فيها خلاف وتفصيل، وقد استوفينا ذلك في (شرح التسهيل)، في باب الجوازم. وقرأ أبو (١) سورة هود: ٣٤/١١. ٤٩٣ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ حيوة: وامرأة مؤمنة، بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف: أي أحللناها لك. وقرأ أبي، والحسن، والشعبي، وعيسى، وسلام: أن بفتح الهمزة، وتقديره: لأن وهبت، وذلك حكم في امرأة بعينها، فهو فعل ماض، وقراءة الكسر استقبال في كل امرأة كانت تهب نفسها دون واحدة بعينها. وقرأ زيد بن علي: اذ وهبت، إذ ظرف لما مضى، فهو في امرأة بعينها. وعدل عن الخطاب إلى الغيبة في النبي، ﴿إن أراد النبي﴾، ثم رجع إلى الخطاب في قوله: ﴿خالصة لك﴾، للإيذان بأنه مما خص به وأوثر. ومجيئه على لفظ النبي، لدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. واستنكاحها: طلب نكاحها والرغبة فيه. والجمهور: على أن التزويج لا يجوز بلفظ الإجارة ولا بلفظ الهبة. وقال أبو الحسن الكرخي: يجوز بلفظ الإجارة لقوله: ﴿اللاتي آتيت أجورهن﴾، وحجة من منع: أن عقد الإجارة مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فتنافيا. وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى جواز عقد النكاح بلفظ الهبة إذا وهبت، فأشهد على نفسه بمهر، لأن رسول الله وأمته سواء في الأحكام، إلا فيما خصه الدليل. وحجة الجمهور: أنه، عليه السلام، خص بمعنى الهبة ولفظها جميعاً، لأن اللفظ تابع للمعنى، والمدعى للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل. وقرأ الجمهور: ﴿خالصة﴾، بالنصب، وهو مصدر مؤكد، ﴿كوعد الله﴾(١)، و﴿صبغة الله﴾(٢)، أي أخلص لك إخلاصاً. ﴿أحللنا لك﴾، ﴿خالصة﴾ بمعنى خلوصاً، ويجىء المصدر على فاعل وعلى فاعلة. وقال الزمخشري: والفاعل والفاعلة في المصادر على غير عزيزين، كالخارج والقاعد والعاقبة والكاذبة. انتهى، وليس كما ذكر، بل هما عزيزان، وتمثيله كالخارج يشير إلى قول الفرزدق: ولا خارجُ من في زور كلام والقاعد إلى أحد التأويلين في قوله: أقاعداً وقد سار الركب والكاذبة إلى قوله تعالى: ﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾(٣). وقد تتأول هذه الألفاظ على أنها ليست مصادر. وقرىء: خالصة، بالرفع، فمن جعله مصدراً، قدره ذلك خلوص لك، وخلوص من دون المؤمنين. والظاهر أن قوله: ﴿خالصة لك﴾ من صفة الواهبة نفسها لك، فقراءة (١) سورة النساء: ١٢٢/٤. (٢) سورة البقرة: ١٣٨/٢. (٣) سورة الواقعة: ٢/٥٦. ٤٩٤ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ النصب على الحال، قاله الزجاج: أي أحللناها خالصة لك، والرفع خبر مبتدأ: أي هي خالصة لك، أي هبة النساء أنفسهنّ مختص بك، لا يجوز أن تهب المرأة نفسها لغيرك. وأجمعوا على أن ذلك غير جائز لغيره، عليه السلام. ويظهر من كلام أبيّ بن كعب أن معنى قوله: ﴿خالصة لك﴾ يراد به جميع هذه الإباحة، لأن المؤمنين قصروا على مثنى وثلاث ورباع. وقال الزمخشري: والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول الله وَّر، على سبيل التوكيد لها قوله: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم)، بعد قوله: ﴿من دون المؤمنين﴾، وهي جملة اعتراضية. وقوله: ﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾ متصل بـ ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ في الأزواج الإماء، وعلى أي حد وصفه يجب أن يفرض عليهم، ففرضه وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله القد بما اختصه به، ففعل. ٠ ومعنى ﴿لكيلا يكون عليك حرج﴾: أي لكيلا يكون عليك ضيق في دينك، حيث اختصصناك بالتنزيه، واختصاص ما هو أولى وأفضل في دنياك، حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات، وزدناك الواهبة نفسها؛ ومن جعل خالصة نعتاً للمرأة، فعلى مذهبه هذه المرأة خالصة لك من دونهم. انتهى. والظاهر أن ﴿لكيلا﴾ متعلق بقوله: ﴿أحللنا لك أزواجك﴾. وقال ابن عطية: ﴿لكيلا يكون﴾، أي بينا هذا البيان وشرحنا هذا الشرح لكي لا يكون عليك حرج، ويظن بك أنك قد أثمت عند ربك، ثم آنس جميع المؤمنين بغفرانه ورحمته. وقال الزمخشري: ﴿غفوراً﴾ للواقع في الحرج إذا تاب، ﴿رحيماً﴾ بالتوسعة على عباده. انتهى، وفيه دسيسة اعتزالية. ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم) الآية، معناه: أن ما ذكرنا فرضك وحكمك مع نسائك، وأما حكم أمتك فعندنا علمه، وسنبينه لهم. وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين نفسه على ما كان للنبي وَّر، فإن له في النكاح والتسري خصائص ليست لغيره. وقال مجاهد: ﴿ما فرضنا عليهم﴾، هو أن لا يجاوزوا أربعاً. وقال قتادة: هو الولي والشهود والمهر. وقيل: ما فرضنا من المهر والنفقة والكسوة. ﴿وما ملكت أيمانهم﴾، قيل: لا يثبت الملك إلا إذا كانت ممن يجوز سبيها. وقيل: ما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور، والمعنى: قد علمنا إصلاح كل منك ومن أمتك، وما هو الأصلح لك ولهم، فشرعنا في حقك وحقهم على وفق ما علمنا. روي أن أزواجه عليه السلام لما تغايرن وابتغين زيادة النفقة، فهجرهن شهراً، ونزل ٤٩٥ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ التخيير، فأشفقن أن يطلقن فقلن: يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. وتقدم الكلام في معنى ترجي في قوله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾(١)، في سورة براءة. والظاهر أن الضمير في ﴿منهن﴾ عائد على أزواجه عليه السلام، والإرجاء: الإيواء. قال ابن عباس، والحسن: في طلاق ممن تشاء ممن حصل في عصمتك، وإمساك من تشاء. وقالت فرقة: في تزوج من تشاء من الواهبات، وتأخير من تشاء. وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: وتقرر من شئت في القسمة لها، وتؤخر عنك من شئت، وتقلل لمن شئت، وتكثر لمن شئت، لا حرج عليك في ذلك، فإذا علمن أن هذا حكم الله وقضاؤه، زالت الإحنة والغيرة عنهن ورضين وقرت أعينهن، وهذا مناسب لما روي في سبب هذه الآية المتقدم ذكره. ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت﴾: أي ومن طلبتها من المعزولات ومن المفردات، ﴿فلا جناح عليك﴾ في ردها وإيوائها إليك. ويجوز أن يكون ذلك توكيداً لما قبله، أي ومن ابتغيت ممن عزلت ومن عزلت سواء، لا جناح عليك. كما تقول: من لقيك ممن لم يلقك، جميعهم لك شاكر، تريد من لقيك ومن لم يلقك، وفي هذا الوجه حذف المعطوف، وغرابة في الدلالة على هذا المعنى بهذا التركيب، والراجح القول الأول. وقال الحسن: المعنى: من مات من نسائك اللواتي عندك، أو خليت سبيلها، فلا جناح عليك أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك. وقال الزمخشري: بمعنى تترك مضاجع من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت، أو تترك من تشاء من أمتك وتتزوج من شئت. وعن الحسن: كان النبي، ﴿ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض، لأنه إما أن يطلق، وأما أن يمسك. فإذا أمسك ضاجع، أو ترك وقسم، أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل، فإما أن يخلي المعزولة لا يتبعها، أو يتبعها. وروي أنه أرجأ منهن: سودة، وجويرية، وصفية، وميمونة، وأم حبيبة. فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن أوى إليه: عائشة، وحفصة، وأم سملة، وزينب، أرجأ خمساً وأوى أربعاً. وروي أنه كان يسوي بينهن مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة، فإنها وهبت نفسها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. انتهى. ذلك التفويض إلى مشيئتك أدنى إلى قرة عيونهن وانتفاء حزنهن ووجود رضاهن، (١) سورة براءة (التوبة): ١٠٦/٩. ٤٩٦ سورة الأحزاب / الآیات: ١ - ٧٣ إذا علمت أن ذلك التفويض من عند الله، فحالة كل منهن كحالة الأخرى في ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿أن تقرأعينهن﴾: مبنياً للفاعل من قرت العين؛ وابن محيصن: يقر من أقر أعينهن بالنصب، وفاعل تقر ضمير الخطاب، أي أنت. وقرىء: تقر مبنياً للمفعول، وأعينهن بالرفع. وقرأ الجمهور: ﴿كلهن﴾ بالرفع، تأكيداً لنون ﴿يرضين﴾؛ وأبو إياس حوبة بن عائد: بالنصب تأكيداً لضمير النصب في ﴿آتيتهن﴾. ﴿والله يعلم ما في قلوبكم﴾: عام. قال ابن عطية: والإشارة به ههنا إلى ما في قلب رسول الله صلطير من محبة شخص دون شخص، ويدخل في المعنى المؤمنون. وقال الزمخشري، وعبيدة: من لم يرض منهن بما يريد الله من ذلك، وفوض إلى مشيئة رسوله، وبعث على تواطؤ قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على طلب رضا رسول الله وَيقر، وما فيه طيب نفسه. انتهى. ﴿وكان الله عليماً﴾ بما انطوت عليه القلوب، ﴿حليماً): يصفح عما يغلب على القلب من المسؤول، إذ هي مما لا يملك غالباً. واتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام، كان يعدل بينهن في القسمة حتى مات، ولم يستعمل شيئاً مما أبيح له، ضبطاً لنفسه وأخذاً بالفضل، غير ما جرى لسودة مما ذكرناه. ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾: الظاهر أنها محكمة، وهو قول أبيّ بن كعب وجماعة، منهم الحسن وابن سيرين، واختاره الطبري. ومن بعد المحذوف منه مختلف فيه، فقال أبيّ، وعكرمة، والضحاك: ومن بعد اللواتي أحللنا لك في قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾. فعلى هذا المعنى، لا تحل لك النساء من بعد النساء اللاتي نص عليهن أنهن يحللن لك من الأصناف الأربعة: لا أعرابية، ولا عربية، ولا كتابية، ولا أمة بنكاح. وقال ابن عباس، وقتادة: من بعد، لأن التسع نصاب رسول الله من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمته منهن. قال: لما خيرن فاخترن الله ورسوله، جازاهن الله أن حظر عليه النساء غيرهن وتبديلهن، ونسخ بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء. وقال مجاهد، وابن جبير: وروي عن عكرمة: من بعد، أي من بعد إباحة النساء على العموم، ولا تحل لك النساء غير المسلمات من يهودية ولا نصرانية. وكذلك: ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾: أي بالمسلمات من أزواج يهوديات ونصرانيات. وقيل: في قوله ﴿ولا أن تبدل﴾، هو من البدل الذي كان في الجاهلية. كان يقول الرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي، فينزل كل واحد منهما عن امرأته للآخر. قال معناه ابن زيد، وأنه كان في الجاهلية، وأنكر هذا القول الطبري وغيره في معنى الآية، وما فعلت العرب قط هذا. وما ٠ ٤٩٧ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ روي من حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله وي ليه، حين دخل عليه بغير استئذان، وعنده عائشة. من هذه الحميراء؟ فقال: ((عائشة))، فقال عيينة: يا رسول الله، إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالاً ونسباً، فليس بتبديل، ولا أراد ذلك، وإنما احتقر عائشة لأنها كانت صبية. ومن في ﴿من أزواج﴾ زائدة لتأكيد النفي، وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم. وقيل: الآية منسوخة، واختلف في الناسخ فقيل: بالسنة . قالت عائشة: ما مات حتى حل له النساء. وروي ذلك عن أم سلمة، وهو قول علي وابن عباس والضحاك، وقيل بالقرآن، وهو قوله: ﴿ترجي من تشاء منهن) الآية. قال هبة الله الضرير: في الناسخ والمنسوخ له، وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ سوى هذا. قال ابن عطية: وكلامه يضعف من جهات. انتهى. وقيل: قوله ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ الآية، فترتيب النزول ليس على ترتيب كتابة المصحف. وقد روي عن ابن عباس القولان: إنها محكمة، وإنها منسوخة . ﴿ولو أعجبك حسنهن﴾، قيل: منهن أسماء بنت عميس الخثعمية، امرأة جعفر بن أبي طالب. والجملة، قال الزمخشري، في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في ﴿تبدل﴾، لا من المفعول الذي هو ﴿من أزواج﴾، لأنه موغل في التنكير، وتقديره: مفروضاً إعجابك لهن؛ وتقدم لنا في مثل هذا التركيب أنه معطوف على حال محذوفة، أي ﴿ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ على كل حال، ولو في هذه الحال التي تقتضي التبدل، وهي حالة الإعجاب بالحسن. قال ابن عطية: وفي هذا اللفظ ﴿أعجبك حسنهن﴾، دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. انتهى. وقد جاء ذلك في السنة من حديث المغيرة بن شعبة، وحديث محمد بن مسلمة. ﴿إلا ما ملكت يمينك﴾: أي فإنه يحل لك. وأما إن كانت موصولة واقعة على الجنس، فهو استثناء من الجنس، يختار فيه الرفع على البدل من النساء. ويجوز النصب على الاستثناء، وإن كانت مصدرية، ففي موضع نصب، لأنه استثناء من غير جنس الأول، قاله ابن عطية، وليس بجيد، لأنه قال: والتقدير: إلا ملك اليمين، وملك بمعنى: مملوك، فإذا كان بمعنى مملوك صار من جملة النساء لأنه لم يرد حقيقة المصدر، فيكون الرفع هو أرجح، ولأنه قال: وهو في موضع نصب، ولا يتحتم أن يكون في موضع نصب. ولو فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة، بل الحجاز تنصب وتمیم تبدل، لأنه مستثنى، يمكن توجه العامل عليه، وإنما يكون النصب متحتماً حيث كان المستثنى لا يمكن توجه العامل تفسير البحر المحيط ج٨ ٣٢٢ ٤٩٨ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ عليه نحو: ما زاد المال إلا النقص، فلا يمكن توجه الزيادة على النقص، ولأنه قال: استثناء من غير الجنس. وقال مالك: بمعنى مملوك فناقض. ﴿وكان الله على كل شيء رقيباً﴾: أي راقباً، أو مراقباً، ومعناه: حافظ وشاهد ومطلع، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطي حلاله وحرامه. ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً، إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً، لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيداً، إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾. في الصحيحين، أنه وَل﴿ لما تزوج زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، فجاء فدخل، فإذا القوم جلوس، فرجع وأنهم قاموا فانطلقوا، وجئت فأخبرته أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل عليه هذه الآية. قال ابن عباس: كان ناس يتحينون طعامه، عليه الصلاة والسلام، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان يتأذى بهم، فنزلت. وأما سبب الحجاب، فعمر قال: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البار والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت. وقال مجاهد: طعم معه بعض أصحابه، ومعهم عائشة، فمست يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك عليه السلام، فنزلت آية الحجاب. ولما كان نزول الآية في شيء خاص وقع للصحابة، لم يدل ذلك على أنه لا يجوز دخول بيوت النبي إلا إن كان عن إذن ﴿إلى طعام غير ناظرين إناه﴾، بل لا يجوز دخول بيوته، عليه السلام، إلا بإذن، سواء كان لطعام أم لغيره. وأيضاً فإذا كان النهي إلا بإذن إلى طعام، وهو ما تمس الحاجة إليه لجهة الأولى. و﴿بيوت﴾: جمع، وإن كانت الواقعة في ٤٩٩ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ بيت واحد خاص يعم جميع بيوته. و﴿إلا أن يؤذن﴾، قال الزمخشري: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف تقديره: وقت أن يؤذن لكم، و﴿غير ناظرين﴾: حال من ﴿لا تدخلوا﴾، أوقع الاستثناء على الوقت والحال معاً، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه. انتهى. فقوله: ﴿إلا أن يؤذن﴾ في معنى الظرف وتقديره: وقت أن يؤذن لكم، وأنه أوقع الاستثناء على الوقت فليس بصحيح، وقد نصوا على أن أنْ المصدرية لا تكون في معنى الظرف. تقول: أجيئك صياح الديك وقدوم الحاج، ولا يجوز: أجيئك أن يصيح الديك ولا أن يقدم الحاج. وأما أن الاستثناء وقع على الوقت والحال معاً، فلا يجوز على مذهب الجمهور، ولا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى، " أو المستثنى منه، أو صفة المستثنى منه: وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال، أجازا: ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا، فيجوز ما قاله الزمخشري في الحال. وأما قوله: ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾، فلا يتعين أن يكون ظرفاً، لأنه يكون التقدير: إلا بأن يؤذن لكم، فتكون الباء للسببية، كقوله: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾(١)، أو للحال، أي مصحوبين بالإذن. وأما ﴿غير ناظرين﴾، كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾(٢). أرسلناهم بالبينات والزبر، دل عليه ﴿لا تدخلوا﴾، كما دل عليه أرسلناهم قوله: ﴿وما أرسلنا﴾. ومعنى ﴿غير ناظرين﴾ فحال، والعامل فيه محذوف تقديره: ادخلوا بالإذن غير ناظرين. كما قرر في قوله: ﴿بالبينات والزبر﴾، أي غير منتظرين وقته، أي وقت استوائه وتهيئته. وقرأ الجمهور: ﴿غير﴾ بالنصب على الحال؛ وابن أبي عبلة: بالكسر، صفة لطعام. قال الزمخشري : ولیس بالوجه، لأنه جرى على غير من هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز من إلى اللفظ، فيقال: غير ناظرين إناه أنتم، كقوله: هند زيد ضاربته هي. انتهى. وحذف هذا الضمير جائز عند الكوفيين إذا لم يلبس وأنى الطعام إدراكه، يقال: أنى الطعام أنى، كقوله: قلاه قلّى، وقيل: وقته، أي غير ناظرين ساعة أكله. وقرأ الجمهور: إناه مفرداً؛ والأعمش: إناءه، بمدة بعد النون. ورتب تعالى الدخول على أن يدعوا، فلا يقدمون عليه الدخول حين يدعوا، ثم أمر بالاستثناء إذا طعموا. ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾: معطوف على ﴿ناظرين﴾، فهو مجرور أو معطوف على ﴿غير﴾، فهو منصوب، أي لا تدخلوها لا ناظرين ولا مستأنسين. وقيل: ثم حال محذوفة، أي لا تدخلوها أجمعين ولا مستأنسين، فيعطف عليه. واللام في ﴿لحديث﴾ إما لام العلة، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس (١) سورة الأعراف: ٥٧/٧. (٢) سورة آل عمران: ١٨٤/٣، وسورة النحل: ٤٤/١٦. ٥٠٠ سورة الأحزاب / الآيات: ١ - ٧٣ بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه، به أو اللام المقوية لطلب اسم الفاعل للمفعول، فنهوا أن يستأنسوا حديث أهل البيت. واستئناسه: تسمعه وتوحشه. ﴿إن ذلكم﴾: أي انتظاركم واستئناسكم، ﴿يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾: أي من إنهاضكم من البيوت، أو من إخراجكم منها بدليل قوله: ﴿والله لا يستحيي من الحق﴾: يعني أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه. ولما كان الحياء مما يمنع الحي من بعض الأفعال، قيل: ﴿لا يستحيي من الحق﴾ بمعنى: لا يمتنع، وجاء ذلك على سبيل المقابلة لقوله: ﴿فيستحيي منكم﴾. وعن عائشة، وابن عباس: حسبك في الثقلاء، أن الله لم يحتملهم. وقرئت هذه الآية بين يدي إسماعيل بن أبي حكيم فقال: هنا أدب أدب الله به الثقلاء. وقرأت فرقة: فيستحيي بكسر الحاء، مضارع استحا، وهي لغة بني تميم. واختلفوا ما المحذوف، أعين الكلمة أم لامها؟ فإن كان العين فوزنها يستفل، وإن كان اللام فوزنها يستفع، والترجيح مذكور في النحو. وقرأ الجمهور: بياءين وسكون الحاء، والمتاع عام في ما يمكن أن يطلب على عرف السكنى والمجاورة من المواعين وسائر المرافق للدين والدنيا. ﴿ذلكم﴾، أي السؤال من وراء الحجاب، ﴿أطهر): يريد من الخواطر التي تخطر للرجال في أمر النساء، والنساء في أمر الرجال، إذ الرؤية سبب التعلق والفتنة. ألا ترى إلى قول الشاعر: في أعين العين موقوف على الخطر والمرء مادام ذاعين يقلبها لا مرحباً بانتفاع جاء بالضرر يسر مقلته ما ساء مهجته وذكر أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب؟ لئن مات محمد لأتزوجن فلانة. وقال ابن عباس وبعض الصحابة: وفلانة عائشة. وحكى مكي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن عطية: وهذا عندي لا يصح على طلحة فإن الله عصمه منه. وفي التحرير أنه طلحة، فنزلت: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً﴾، فتاب وأعتق رقبة، وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله، وحج ماشياً. وروي أن بعض المنافقين قال: حين تزوج رسول الله وَالر، أم سلمة بعده، أي بعد سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا؟ والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه. ولما توفي رسول الله وَط هير، وارتدت العرب ثم رجعت، تزوج عكرمة ابن أبي جهل قتيلة بنت الأشعث بن قيس، وكان رسول الله وَّر، قد تزوجها ولم يبن بها. فصعب ذلك على أبي بكر وقلق، فقال له عمر: مهلاً يا خليفة رسول الله، إنها ليست من