Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لَا الظَّالِمِينَ ٤٠ يُصَرُونَ ﴾ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ هُم مِّنَ اٌلْمَقْبُوحِينَ (*) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِ إِذْ ٤٣ ! وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا فُرُونًا فَطَاوَلَ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسِى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ مِنَ الشَّهِدِين عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَ ثَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ وَمَاكُنْتَ بِحَانِبِ الْتُورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّ أَتَنَّهُمْ مِن تَّذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴿ وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْ سَلْتَ إِلَيْنَارَسُولًاً فَقَّبِعَ مَا يَدِئِكَ فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوِ مِثْلَ ٤٧ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أُوْنِى مُوسَىَ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْبِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْإِنَّا قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ (٤٨ بِكُلِ كِفِرُونَ صَدِقِينَ ﴿ فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِتَنِ * وَلَقَدْ ٥٠ أَتَّبَعَ هَوَنَّهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَضَّلْنَا لَمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَّكَّرُونَ ﴿٩الَّذِينَ ءَانَْهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِ يُؤْمِنُونَ أُوْلَئِكَ أَوَ إِذَايُنْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْءَامَنَّابِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴾ ٥٢ ٥٤ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُمْ مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُ ونَ بِالْحَسَنَةِ السَِّئَةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُواْاللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْثَغِى إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ ج اُلْجَهِلِينَ ٢٨٢ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ ) وَقَالُواْإِنِ تََِّّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ نُمَكِّنْلَّهُمْ بِالْمُهْتَدِين ◌ِ حَرَمَاءَامِنَّا يُحْبِىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتٌّ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقَامِّن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَوَّكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْبِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ ٥٧ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا مَحْنُ الْوَرِثِن ◌َّ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىَ أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ ٥٩ وَمَا أُوْتِتُمْ مِن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوْوِ اَلُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوْةِ الذُّنْيَاثُمَّ هُوَيَوْمَ ٦٠ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ٦١ اُلْقِيَامَةِ مِنَ الْمُخْضَرِينَ لـ أَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيَنَّا تَبَأْنَا ٦٢ إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَايَعْبُدُونَ ﴿ وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَّكَكُمْفَدَ عَوْهُمْ فَلَمْيَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْأ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبَتُمُ الْمُرْسَلِينَ ٦٤ اُلْعَذَابَّ لَوْأَنَّهُمْ كَانُوْيَهْنَدُونَ ٦٥ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ ٦٦ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَثْبَاءُ يَوْمَيِذٍفَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ( صَكَلِ حَا فَعَسَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴿﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَاتُكِّنٌ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ هُوَّلَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةِّوَلَهُ قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْ مَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ٧٠ اُلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ أ عَلَيْكُمُ النَّهَارَسَرْ مَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَّهُ غَيْرُ اللَّهِيَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ وَمِن رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ٢٨٣ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْتَشْكُرُونَ ﴿٣) وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَّكُمْ فَعَلِّمُواْ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى ٧٥ أَنَّ الْحَقِّ ◌ِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّاكَانُواْ يَفْتَرُونَ فَبَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُتُوزِمَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَثَنُواْ بِلْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْقَالَ ٧٦ وَأَبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ لَهُ، قَوْمُهُ لَا تَفْرَعُ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ اُلْأَخِرَةٌ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغ ) قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىَّ أَوَلَمْ VV اُلْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّمِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُمْعًا وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [٨] فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وَقَالَ ٧٩ اُلْحَيَوَةَ الدُّنْيَايَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْقِيَ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيَكُمْ تَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَا وَلَا يُلَقَّدُهَآ إِلََّ الضَِّرُونَ ﴿ فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِوَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا أَتِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَأَ يُرِيدُونَ ٨٢ لَخَسَفَ بِنَّاً وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ. مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَ مَنْ جَآءَ ٨٣ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّالَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّ أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلِ تُمبِينٍ ﴿ وَمَاكُنْتَ تَرْجُوْأَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلََّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَ ٢٨٤ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ ﴿ وَلَا يَصُدُّتَكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَأَدْعُ إِلَى ٨٦ ظَهِيرًا لِلْكَّفِرِينَ رَبِكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِإِلَهَاءَاخَرُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءِ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٨ الوكز: الضرب باليد مجموعاً كعقد ثلاث وسبعين. وقيل: بجمع كفه. وقيل: الوكز والنكز واللهز واللكز: الدفع بأطراف الأصابع. وقيل: الوكز على القلب، واللكز على اللحى. وقيل: الوكز بأطراف الأصابع. ذاد: طرد ودفع وقال الفراء: حبس جذوت الشيء جذوآً: قطعته، والجذوة: عود فيه نار بلا لهب. قال ابن مقبل: جزل الجذا غير خوّار ولا ذعر باتت حواطب ليلى يلتمسن لها الخوّار: الذي يتقصف، والذعر الذي فيه تعب. وقال آخر: عليها حمئها وإلتهابها وألقى على قبس من النار جذوة وقيل: الجذوة مثلث الجيم، العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن. وقال السلمي يصف الصلى : وحب الغواني فهو دون الحبائب حمی حب هذي النار حب خليلتي ذخان الجذا في رأس أشمط شاحب وبدلت بعد المسك والبان شقوة الشاطىء والشط: حفة الوادي. الفصاحة: بسط اللسان في إيضاح المعنى المقصود، ومقابله: اللكن. الردء: المعين الذي يشد به في الأمر، فعل بمعنى مفعول، فهو اسم لما يعان به، كما أن الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة بن جندل: شحيذ الحد عضب ذي فلول وردء كل أبيض مشرفي ويقال: ردأت الحائط أردؤه، إذا دعمته بخشبة لئلا يسقط. وقال أبو عبيدة: العون، ويقال: ردأته على عدوه: أعنته. المقبوح: المطرود، وقال الشاعر: ألا قبح الله البراجم كلها وجدّع يربوعاً وعفر دارما ثوی یثوي ثواء: أقام، قال الشاعر: تقضي لبانات ويسأم سائم لقد كان في حول ثواء ثويته ٢٨٥ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ وقال العجاج: فبات حيث يدخل الثوي أي الضيف المقيم. البطر: الطغيان. السرمد: الدائم الذي لا ينقطع. ﴿طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾. هذه السورة مكية كلها، قاله الحسن وعطاء وعكرمة. وقال مقاتل: فيها من المدني ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾. وقيل: نزلت بين مكة والجحفة. وقال ابن عباس: بالجحفة، في خروجه عليه السلام للهجرة. وقال ابن سلام: نزل ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد﴾، بالجحفة، وقت الهجرة إلى المدينة. ومناسبة أول هذه السورة لآخر السورة قبلها أنه أمره تعالى بحمده، ثم قال: ﴿سيريكم آياته﴾(١). وكان مما فسر به آياته تعالى معجزات الرسول، وأنه أضافها تعالی إليه، إذ كان هو المخبر بها على قدمه فقال: ﴿تلك آيات الكتاب﴾، إذ كان الكتاب هو أعظم المعجزات وأكبر الآيات البينات، والظاهر أن الكتاب هو القرآن، وقيل: اللوح المحفوظ. ﴿نتلو﴾: أي نقرأ عليك بقراءة جبريل، أو نقص. ومفعول ﴿نتلو من نبأ﴾: أي بعض نبأ، وبالحق متعلق بنتلو، أي محقين، أو في موضع الحال من نبأ، أي متلبساً بالحق، وخص المؤمنين لأنهم هم المنتفعون بالتلاوة. ﴿علا في الأرض): أي تجبر واستكبر حتى ادّعى الربوبية والإلهية. والأرض: أرض مصر، والشيع: الفرق. ملك القبط واستعبد بني إسرائيل، أي يشيعونه على ما يريد، أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته، أو ناساً في بناء وناساً في حفر، وغير ذلك من الحرف الممتهنة. ومن لم يستخدمه، ضرب عليه الجزية، أو أغرى بعضهم ببعض ليكونوا له أطوع، والطائفة المستضعفة بنو إسرائيل. والظاهر أن ﴿يستضعف﴾ استئناف يبين حال بعض الشيع، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير، وجعل وأن تكون صفة (١) سورة النمل: ٩٣/٢٧. ٢٨٦ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ لشيعاً، ويذبح تبيين للاستضعاف، وتفسير أو في موضع الحال من ضمير يستضعف، أو في موضع الصفة لطائفة. وقرأ الجمهور: يذبح، مضعفاً؛ وأبو حيوة، وابن محيصن: بفتح الياء وسكون الذال. ﴿إنه كان من المفسدين﴾: علة لتجبره ولتذبيح الأبناء، إذ ليس في ذلك إلّ مجرد الفساد. ﴿ونريد﴾: حكاية حال ماضية، والجملة معطوفة على قوله: ﴿إِن فرعون﴾، لأن كلتيهما تفسير للبناء، ويضعف أن يكون حالاً من الضمير في يستضعف، لاحتياجه إلى إضمار مبتدأ، أي ونحن نريد، وهو ضعيف. وإذا كانت حالاً، فكيف يجتمع استضعاف فرعون وإرادة المنة من الله ولا يمكن الاقتران؟ فقيل: لما كانت المنة بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم. و﴿أن نمن﴾: أي بخلاصهم من فرعون وإغراقه. ﴿ونجعلهم أئمة﴾: أي مقتدى بهم في الدين والدنيا. وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. وقال قتادة: ولاة، كقولهم: وجعلكم ملوكاً. وقال الضحاك: أنبياء. ﴿ونجعلهم الوارثين﴾: أي يرثون فرعون وقومه، ملكهم وما كان لهم. وعن علي، الوارثون هم: يوسف عليه السلام وولده، وعن قتادة أيضاً: ورثوا أرض مصر والشام. وقرأ الجمهور: ﴿ونمكن﴾، عطفاً على نمن. وقرأ الأعمش: ولنمكن، بلام كي، أي وأردنا ذلك لنمكن، أو ولنمكن فعلنا ذلك. والتمكين: التوطئة في الأرض، هي أرض مصر والشام، بحيث ينفذ أمرهم ويتسلطون على من سواهم. وقرأ الجمهور: ﴿ونري﴾، مضارع أرينا، ونصب ما بعده. وعبد الله، وحمزة، والكسائي: ونرى، مضارع رأى، ورفع ما بعده. ﴿وهامان﴾: وزير فرعون وأحد رجاله، وذكر لنباهته في قومه ومحله من الكفر. ألا ترى إلى قوله له: ﴿يا هامان ابن لي, صرحاً﴾(١)؟ ويحذرون أي زوال ملكهم وإهلاكهم على يدي مولود من بني إسرائيل. ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون قرّة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون﴾. إيحاء الله إلى أم موسى: إلهام وقذف في القلب، قاله ابن عباس وقتادة؛ أو منام، (١) سورة غافر: ٣٦/٤٠. ٢٨٧ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ قاله قوم؛ أو إرسال ملك، قاله قطرب وقوم، وهذا هو الظاهر لقوله: ﴿إِنّا رادُوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. وأجمعوا على أنها لم تكن نبية، فإن كان الوحي بإرسال ملك، كما هو الظاهر، فهو كإرساله للأقرع والأبرص والأعمى، وكما روي من تكليم الملائكة للناس. والظاهر أن هذا الإيحاء هو بعد الولادة، فيكون ثم جملة محذوفة، أي ووضعت موسى أمه في زمن الذبح وخافت عليه. ﴿وأوحينا﴾، و﴿أن﴾ تفسيرية، أو مصدرية. وقيل: كان الوحي قبل الولادة. وقرأ عمرو بن عبد الواحد، وعمر بن عبد العزيز: أن ارضعيه، بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس، لأن القياس فيه نقل حركة الهمزة، وهي الفتحة، إلى النون، كقراءة ورش. ﴿فإذا خفت عليه﴾ من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأولاد، ﴿فألقيه في اليم﴾. قال الجنيد: إذا خفت حفظه بواسطة، فسلميه إلينا بإلقائه في البحر، واقطعي عنك شفقتك وتدبيرك. وزمان إرضاعه ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو ثمانية، أقوال. واليم هنا: نيل مصر. ﴿ولا تخافي﴾: أي من غرقه وضياعه، ومن التقاطه، فيقتل، ﴿ولا تحزني﴾ لمفارقتك إياه، ﴿إنّا رادوه إليك﴾، وعد صادق یسکن قلبها ویبشرها بحیاته وجعله رسولاً، وقد تقدم في سورة طه طرف من حديث التابوت ورميه في اليم وكيفية التقاطه، فأغنى عن إعادته. واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعراً فقالت: أبعد قوله تعالى ﴿وأوحينا إلى أم موسى) الآية، فصاحة؟ وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. فالتقطه آل فرعون﴾: في الكلام حذف تقديره: ففعلت ما أمرت به من إرضاعه ومن إلقائه في اليم. واللام في ﴿ليكون﴾ للتعليل المجازي، لما كان مآل التقاطه وتربيته إلى كونه عدواً لهم ﴿وحزناً﴾، وإن كانوا لم يلتقطوه إلا للتبني، وكونه يكون حبيباً لهم، : ويعبر عن هذه اللام بلام العاقبة وبلام الصيرورة. وقرأ الجمهور: وحزناً، بفتح الحاء والزاي، وهي لغة قريش. وقرأ ابن وثاب، وطلحة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وابن سعدان: بضم الحاء وإسكان الزاي. والخاطىء: المتعمد الخطأ، والمخطىء: الذي لا يتعمده. واحتمل أن يكون في الكلام حذف، وهو الظاهر، أي فكان لهم عدواً وحزناً، أي لأنهم كانوا خاطئين، لم يرجعوا إلى دينه، وتعمدوا الجرائم والكفر بالله. وقال المبرد: خاطئين على أنفسهم بالتقاطه. وقيل: بقتل أولاد بني إسرائيل. وقيل: في تربية عدوّهم. وأضیف الجند هنا وفیما قبل إلی فرعون وهامان، وإن کان هامان لا جنود له، لأن أمر الجنود لا يستقيم إلا بالملك والوزير، إذ بالوزير تحصل الأموال، وبالملك وقهره يتوصل ٢٨٨ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ إلى تحصيلها، ولا يكون قوام الجند إلا بالأموال. وقرىء: خاطيين، بغير همز، فاحتمل أن يكون أصلة الهمز. وحذفت، وهو الظاهر. وقيل: من خطا يخطو، أي خاطين الصواب. ولما التقطوه، هموا بقتله، وخافوا أن يكون المولود الذي يحذرون زوال ملكهم على يديه، فألقى الله محبته في قلب آسية امرأة فرعون، ونقلوا أنها رأت نوراً في التابوت، وتسهل عليها فتحه بعد تعسر فتحه على يدي غيرها، وأن بنت فرعون أحبته أيضاً لبرئها من دائها الذي كان بها، وهو البرص، بإخبار من أخبر أنه لا يبرئها إلا ريق إنسان يوجد في تابوت في البحر. وقرة: خبر مبتدأ محذوف، أي هو قرة، ويبعد أن يكون مبتدأ والخبر ﴿لا تقتلوه﴾؛ وتقدم شرح قرة في آخر الفرقان. وذكر أنها لما قالت لفرعون: ﴿قرة عين لي ولك﴾، قال: لك لا لي. وروي أنها قالت له: لعله من قوم آخرين ليس من بني إسرائيل، وأتبعت النهي عن قتله برجائها أن ينفعهم لظهور مخايل الخير فيه من النور الذي رأته، ومن برإ البرص، أو يتخذوه ولداً، فإنه أهل لذلك. ﴿وهم لا يشعرون﴾: جملة حالية، أي لا يشعرون أنه الذي يفسد ملكهم على يديه، قاله قتادة؛ أو أنه عدو لهم، قاله مجاهد؛ أو أني أفعل ما أريد لا ما يريدون، قاله محمد بن إسحاق. والظاهر أنه من كلام الله تعالى. وقيل: هو من كلام امرأة فرعون، أي قالت ذلك لفرعون، والذين أشاروا بقتله لا يشعرون بمقالتها له واستعطاف قلبه عليه، لئلا يغروه بقتله. وقال الزمخشري: تقدير الكلام: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾، و﴿قالت امرأة فرعون﴾ كذا، ﴿وهم لا يشعرون﴾ أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. وقوله: ﴿إِن فرعون﴾ الآية، جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم. انتهى. ومتى أمكن حمل الكلام على ظاهره من غیر فصل كان أحسن. ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين، وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون، وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بیت یکفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون، ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين﴾ . ٢٨٩ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨. ﴿وأصبح﴾: أي صار فارغاً من العقل، وذلك حين بلغها أنه وقع في يد فرعون، فدهمها أمر مثله لا يثبت معه العقل، لا سيما عقل امرأة خافت على ولدها حتى طرحته في اليم، رجاء نجاته من الذبح؛ هذا مع الوحي إليها أن الله يرده إليها ويجعله رسولاً، ومع ذلك فطاش لبها وغلب عليها ما يغلب على البشر عند مفاجأة الخطب العظيم، ثم استكانت بعد ذلك لموعود الله. وقرأ أحمد بن موسى، عن أبي عمرو فواد: بالواو. وقال ابن عباس: فارغاً من كل شيء إلا من ذكر موسى. وقال مالك: هو ذهاب العقل. وقالت فرقة: فارغاً من الصبر. وقال ابن زيد: فارغاً من وعد الله ووحيه إليها، تناسته من الهم. وقال أبو عبيدة: فارغاً من الحزن، إذ لم يغرق، وهذا فيه بعد، وتبعده القراءات الشواذ التي في اللفظة. وقرأ فضالة بن عبيد، والحسن، ويزيد بن قطيب، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير: فزعاً، بالزاي والعين المهملة، من الفزع، وهو الخوف والقلق؛ وابن عباس: قرعاً، بالقاف وكسر الراء وإسكانها، من قرع رأسه، إذا انحسر شعره، كأنه خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى. وقيل: قرعاً، بالسكون، مصدر، أي يقرع قرعاً من القارعة، وهي الهم العظيم. وقرأ بعض الصحابة: فزغاً، بالفاء مكسورة وسكون الزاي والغين المنقوطة، ومعناه: ذاهباً هدراً تالفاً من الهم والحزن. ومنه قول طليحة الأسدي في أخيه حبال: فلن تذهبوا فزغاً بقتل حبال فإن يك قتلي قد أصيبت نفوسهم أي: بقتل حبال فزغاً، أي هدراً لا يطلب له بثأر ولا يؤخذ. وقرأ الخليل بن أحمد: فرغاً، بضم الفاء والراء. ﴿إن كادت لتبدي به﴾: هي إن المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. وقيل: إن نافية، واللام بمعنى إلّ، وهذا قول كوفي، والإبداء: إظهار الشيء. والظاهر أن الضمير في به عائد على موسى عليه السلام، فقيل: الباء زائدة، أي: لتظهره. وقيل: مفعول تبدي محذوف، أي لتبدي القول به، أي بسببه وأنه ولدها. وقيل: الضمير في به للوحي، أي لتبدي بالوحي. وقال ابن عباس: كادت تصيح عند إلقائه في البحر وا ابناه. وقيل: عند رؤيتها تلاطم الأمواج به ﴿لولا أن ربطنا على قلبها﴾. قال قتادة: بالإيمان. وقال السدي: بالعصمة. وقال الصادق: باليقين. وقال ابن عطاء: بالوحي، و﴿لتكون من المؤمنين﴾. فعلنا ذلك، أي المصدقين بوعد الله، وأنه كائن لا محالة. والربط على القلب كناية عن قراره وإطمئنانه، شبه بما يربط مخافة الانفلات. وقال الزمخشري: ويجوز: وأصبح فؤادها فارغاً من الهم حين سمعت أن فرعون تفسير البحر المحيط ج٨ م١٩ ٢٩٠. سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ عطف عليه وتبناه. ﴿إن كادت لتبدي﴾ بأنه ولدها، لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت، لولا أنا ظلمنا قلبها وسكّنًا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح والابتهاج. ﴿لتكون من المؤمنين﴾ الواثقين بوعد الله، لا بتبني فرعون وتعطفه. انتهى. وما ذهب إليه الزمخشري من تجويز كونه فارغاً من الهم إلى آخره، خلاف ما فهمه المفسرون من الآية، وجواب لولا محذوف تقديره: لکادت تبدي به، ودل عليه قوله: ﴿إن كادت لتبدي به﴾، وهذا تشبيه بقوله: ﴿وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾(١). ﴿وقالت لأخته﴾، طمعاً منها في التعرف بحاله. ﴿قصيه): أي اتبعي أثره وتتبعي خبره. فروي أنها خرجت في سكك المدينة مختفية، فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون يتطلبون له امرأة ترضعه، حين لم يقبل المراضع، واسم أخته مريم، وقيل: كلثمة، وقيل: كلثوم، وفي الكلام حذف، أي فقصت أثره. ﴿فبصرت به﴾: أي أبصرته؛ ﴿عن جنب﴾، أي عن بعد؛ ﴿وهم لا يشعرون﴾ بتطلبها له ولا بإبصارها. وقيل: معنى ﴿عن جنب﴾: عن شوق إليه، حكاه أبو عمرو بن العلاء وقال: هي لغة جذام، يقولون: جنبت إليك: اشتقت. وقال الكرماني : جنب صفة لموصوف محذوف، أي عن مكان جنب، يريد بعيد. وقيل: عن جانب، لأنها كانت تمشي على الشط، وهم لا يشعرون أنها تقص. وقيل: لا يشعرون أنها أخته. وقيل: لا يشعرون أنه عدو لهم، قاله مجاهد. وقرأ الجمهور: عن جنب، بضمتين. وقرأ قتادة: فبصرت، بفتح الصاد؛ وعيسى: بكسرها. وقرأ قتادة، والحسن، والأعرج، وزيد بن علي: جنب، بفتح الجيم وسكون النون. وعن قتادة: بفتحهما أيضاً. وعن الحسن: بضم الجيم وإسكان النون. وقرأ النعمان بن سالم: عن جانب، والجنب والجانب والجنابة والجناب بمعنى واحد. وقال قتادة: معنى عن جنب: أنها تنظر إليه كأنها لا تريده. والتحريم هنا بمعنى المنع، أي منعناه أن يرضع ثدي امرأة؛ والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع؛ أو جمع مرضع، وهو موضع الرضاع، وهو الثدي، أو الإرضاع. ﴿من قبل﴾: أي من أول أمره. وقيل: من قبل قصها أثره وإتيانه على من هو عنده. ﴿فقالت هل أدلكم﴾: أي أرشدكم إلى ﴿أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾، لكونهم فيهم شفقة ورحمة لمن یکفلونه وحسن تربية. ودل قوله: ﴿وحرمنا (١) سورة يوسف: آية ٢٤ . ٢٩١ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ عليه المراضع﴾، أنه عرض عليه جملة من المرضعات، والظاهر أن الضمير في له عائد على موسى. قيل: ويحتمل أن يعود على الملك الذي كان الطفل في ظاهر أمْره من جملته. وقال ابن جريج: تأول القوم أن الضمير للطفل فقالوا لها: إنك قد عرفتيه، فأخبرینا من هو؟ فقالت: ما أردت، إلا أنهم ناصحون للملك، فتخلصت منهم بهذا التأويل. وفي الكلام حذف تقديره: فمرت بهم إلى أمه، فكلموها في إرضاعه؛ أو فجاءت بأمه إليهم، فكلموها في شأنه، فأرضعته، فالتقم ثديها. ويروى أن فرعون قال لها: ما سبب قبول هذا الطفل ثديك، وقد أبى كل ثدي؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها، وذهبت به إلى بيتها، وأجرى لها كل يوم ديناراً. وجاز لها أخذه لأنه مال حربي، فهو مباح، وليس ذلك أجرة رضاع. ﴿فرددناه إلى أمّه﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنّا رادوه إليك﴾، ودمع الفرح بارد، وعين المهموم حرى سخنة، وقال أبو تمام: وأما عيون الشامتين فقرت فأما عيون العاشقين فأسخنت لما أنجز تعالى وعده في الردّ، ثبت عندها أنه سيكون نبياً رسولاً. ﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾، فعلنا ذلك. ولا يعلمون، أي أن وعد الله حق، فهم مرتابون فيه؛ أو لا يعلمون أن الرد إنما کان لعلمها بصدق وعد الله. ولكن أكثر الناس لا يعلمون بأن الرد كان لذلك، وفي قوله: ﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾ دلالة على ضعف من ذهب إلى أن الإيحاء إليها كان إلهاماً أو مناماً، لأن ذلك يبعد أن يقال فيه وعد. وقوله: ولتعلم وقوع ذلك فهو علم مشاهدة، إذ كانت عالمة أن ذلك سيكون، وأكثرهم هم القبط، ولا يعلمون سرّ القضاء. وقال الضحاك: لا يعلمون مصالحهم وصلاح عواقبهم. وقال الضحاك أيضاً، ومقاتل: لا يعلمون أن الله وعدها رده إليها، وتقدم تفسير ﴿ولما بلغ أشده﴾ إلى ﴿المحسنين) في سورة يوسف عليه السلام. ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوکزه موسی فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدوّ مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، قال رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين، فأصبح في المدينة خائفاً يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين، فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوّ لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلّا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين، وجاء ٢٩٢ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين﴾. ﴿المدينة﴾، قال ابن عباس: هي منف. ركب فرعون يوماً وسار إليها، فعلم موسى عليه السلام بركوبه، فلحق بتلك المدينة في وقت القائلة، وعنه بين العشاء والعتمة. وقال ابن إسحاق: المدينة مصر بنفسها، وكان موسى قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون، فاختفى وخاف، فدخلها متنكراً حذراً متغفلاً للناس. وقال ابن زيد: كان فرعون قد أخرجه من المدينة، فغاب عنها سنين، فُنُسي، فجاء والناس في غفلة بنسيانهم له وبعد عهدهم به. وقيل: كان يوم عيد، وهم مشغولون بلهوهم. وقيل: خرج من قصر فرعون ودخل مصر. وقيل: المدينة عين شمس. وقيل: قرية على فرسخين من مصر يقال لها حابين. وقيل: الإسكندرية. وقرأ أبو طالب القارىء: ﴿على حين﴾، بنصب نون حين، ووجهه أنه أجرى المصدر مجرى الفعل، كأنه قال: على حين غفل أهلها، فبناه كما بناه حين أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض، كقوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا وهذا توجيه شذوذ. وقرأ نعيم بن ميسرة: يقتلان. بإدغام التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف. قيل: كانا يقتتلان في الدين، إذ أحدهما إسرائيلي مؤمن والآخر قبطي . وقيل: يقتتلان، في أن كلف القبطي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون على ظهر الإسرائيلي، ويقتتلان صفة لرجلين. وقال ابن عطية: يقتتلان في موضع الحال. انتهى. والحال من النكرة أجازه سيبويه من غير شرط. ﴿هذا من شيعته﴾: أي ممن شايعه على دينه، وهو الإسرائيلي. قيل: وهو السامري، وهذا من عدوه، أي من القبط. وقيل: اسمه فاتون، وهذا حكاية حال، وقد كانا حاضرين حالة وجد أن موسى لهما، أو لحكاية الحال، عبر عن غائب ماض باسم الإشارة الذي هو موضوع للحاضر. وقال المبرد: العرب تشير بهذا إلى الغائب. قال جرير: لو شئت ساقكم إليّ قطينا هذا ابن عمي في دمشق خليفة وقرأ الجمهور: ﴿فاستغاثه﴾، أي طلب غوثه ونصره على القبطي. وقرأ سيبويه، وابن مقسم، والزعفراني: بالعين المهملة والنون بدل الثاء، أي طلب منه الإعانة على القبطي. قال أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة: والاختيار قراءة ابن مقسم، لأن الإعانة أولى في ٢٩٣ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ هذا الباب. وقال ابن عطية: ذكرها الأخفش، وهي تصحيف لا قراءة. انتهى. وليست تصحيفاً، فقد نقلها ابن خالويه عن سيبويه، وابن جبارة عن ابن مقسم والزعفراني. وروي أنه لما اشتد التناكر بينهما قال القبطي لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، يعني الحطب، فاشتد غضب موسى، وكان قد أوتي قوة، ﴿فوكزه﴾، فمات. وقرأ عبد الله فلكزه، باللام، وعنه: فنكزه، بالنون. قال قتادة: وكزه بعصاه؛ وغيره قال: بجمع کفه، والظاهر أن فاعل ﴿فقضى﴾ ضمير عائد على موسى. وقيل: يعود على الله، أي فقضى الله عليه بالموت. ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من وكزه، أي فقضى الوكز عليه، وکان موسی لم يتعمد قتله، ولکن وافقت وکزته الأجل، فندم موسى. وروي أنه دفنه في الرمل وقال: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾، وهو ما لحقه من الغضب حتى أدى إلى الوكزة التي قضت على القبطي، وجعله من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه، لأنه أدى إلى قتل من لم يؤذن له في قتله. وعن ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر. وقال كعب: كان موسى إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قتله خطأ، فإن الوكزة في الغالب لا تقتل. وقال النقاش: كان هذا قبل النبوة، وقد انتهج موسى عليه السلام نهج آدم عليه السلام إذ قال: ﴿ظلمنا أنفسنا﴾(١). والباء في ﴿بما أنعمت﴾ للقسم، والتقدير: أقسم بما أنعمت به عليّ من المغفرة، والجواب محذوف، أي لأتوبن، ﴿فلن أكون﴾، أو متعلقة بمحذوف تقديره: اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، ﴿فلن أكون﴾ إن عصمتني ﴿ظهيراً للمجرمين﴾. وقيل: ﴿فلن أكون﴾ دعاء لا خبر، ولن بمعنى لا في الدعاء، والصحيح أن لن لا تكون في الدعاء، وقد استدل على أن لن تكون في الدعاء بهذه الآية، وبقول الشاعر: لن تزالوا كذاكم ثم مازلـت لهم خالداً خلود الجبال والمظاهرة، إما بصحبته لفرعون وانتظامه في جملته وتكثير سواده حیث کان یرکب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما أنه أدت المظاهرة إلى القتل الذي جرى على يده. وقيل: بما أنعمت عليّ من النبوّ، فلن أستعملها إلّ في مظاهرة أوليائك، ولا أدع قبطياً يغلب إسرائيلياً. واحتج أهل العلم بهذه الآية على منع معونة أهل الظلم وخدمتهم، نص على ذلك عطاء بن أبي رباح وغيره. وقال رجل لعطاء: إن أخي يضرب بعلمه ولا يعدو رزقه، قال: فمن الرأس، يعني من يكتب له؟ قال: خالد بن عبد الله (١) سورة الأعراف: ٢٣/٧ . ٠١١ ٢٩٤ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ القسري، قال: فأين قول موسى؟ وتلا الآية: ﴿فأصبح في المدينة خائفاً﴾ من قبل القبطي أن يؤخذ به، يترقب وقوع المكروه به، أو الإخبار هل وقفوا على ما كان منه؟ وقيل: خائفاً من أنه يترقب المغفرة. وقيل: خائفاً يترقب نصرة ربه، أو يترقب هداية قومه، أو ينتظر أن يسلمه قومه. ﴿فإذا الذي استنصره بالأمس﴾: أي الإسرائيلي الذي كان قتل القبطي بسببه. وإذا هنا للمفاجأة، وبالأمس يعني اليوم الذي قبل يوم الاستصراخ، وهو معرب، فحركة سينه حركة إعراب لأنه دخلته أل، بخلاف حاله إذا عري منها، فالحجاز تنبيه إذا كان معرفة، وتميم تمنعه الصرف حالة الرفع فقط، ومنهم من يمنعه الصرف مطلقاً، وقد يبنى مع أل على سبيل الندور. قال الشاعر: إلى الليل حتى كادت الشمس تغرب وإني حسبت اليوم والأمس قبله ﴿يستصرخه﴾: يصيح به مستغيثاً من قبطيّ آخر، ومنه قول الشاعر: كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الطنابيب قال له موسى: الظاهر أن الضمير في له عائد على الذي ﴿إنك لغوي مبين﴾ لكونك كنت سبباً في قتل القبطي بالأمس، قال له ذلك على سبيل العتاب والتأنيب. وقيل: الضمير في له، والخطاب للقبطي، ودل عليه قوله: يستصرخه، ولم يفهم الإسرائيلي أن الخطاب للقبطي. ﴿فلما أن أراد أن يبطش﴾: الظاهر أن الضمير في أراد ويبطش هو لموسى. ﴿بالذي هو عدو لهما﴾: أي للمستصرخ وموسى وهو القبطي يوهم الإسرائيلي أن قوله: ﴿إِنك لغوي مبين﴾ هو على سبيل إرادة السوء به، وظن أنه يسطو عليه. قال، أي الإسرائيلي: ﴿يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس﴾، دفعاً لما ظنه من سطو موسى عليه، وكان تعيين القائل القبطي قد خفي على الناس، فانتشر في المدينة أن قاتل القبطي هو موسى، ونمى ذلك إلى فرعون، فأمر بقتل موسى. وقيل: الضمير في أراد ويبطش للإسرائيلي عند ذلك من موسى، وخاطبه بما يقبح، وأن بعد لما يطرد زيادتها. وقيل: لو إذا سبق قسم کقوله: فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم وقرأ الجمهور: يبطش، بكسر الطاء؛ والحسن، وأبو جعفر: بضمها. ﴿إن تريد إلّ أن تكون جباراً في الأرض﴾: وشأن الجبار أن يقتل بغير حق. وقال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار، يعني بغير حق، ولما أثبت له الجبروتية نفى عنه الصلاح. ﴿وجاء رجل ٢٩٥ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨. من أقصى المدينة﴾، قيل: هو مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون. قال الكلبي: واسمه جبريل بن شمعون. وقال الضحاك: شمعون بن إسحاق. وقيل: هو غير مؤمن آل فرعون. ﴿يسعى﴾: يشتد في مشيه. ولما أمر فرعون بقتله، خرج الجلاوزة من الشارع الأعظم لطلبه، فسلك هذا الرجل طريقاً أقرب إلى موسى. ومن أقصى المدينة، ويسعى : صفتان، ويجوز أن يكون يسعى حالاً، ويجوز أن يتعلق من أقصى بجاء. قال الزمخشري : وإذا جعل، يعني، من أقصى حالاً، لجاء لم يجز في يسعى إلّ الوصف. انتهى. يعني: أن رجلاً یکون نکرة لم توصف، فلا يجوز منها الحال، وقد أجاز ذلك سيبويه في کتابه من غير وصف. قال: ﴿إن الملأ﴾، وهم وجوه أهل دولة فرعون، ﴿يأتمرون): يتشاورون، قال الشاعر، وهو النمر بن تولب: وفي كل حادثة يؤتمر أرى الناس قد أحدثوا شيمة وقال ابن قتيبة: يأمر بعضهم بعضاً بقوله، من قوله تعالى: ﴿وائتمروا بينكم بمعروف﴾(١). ﴿فاخرج إني لك من الناصحين﴾. ولك: متعلق إما بمحذوف، أي ناصح لك من الناصحين، أو بمحذوف على جهة البيان، أي لك أعني، أو بالناصحين، وإن كان في صلة أل، لأنه يتسامح في الظرف والمجرور ما لا يتسامح في غيرهما. وهي ثلاثة أقوال للنحويين فيما أشبه هذا، فامتثل موسى ما أمره به ذلك الرجل، وعلم صدقه ونصحه، وخرج وقد أفلت طالبيه فلم يجدوه. وكان موسى لا يعرف ذلك الطريق، ولم يصحب أحداً، فسلك مجهلاً، واثقاً بالله تعالى، داعياً راغباً إلى ربه في تنجيته من الظالمين. ﴿ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل، ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير. فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين، قال ذلك بيني وبينك (١) سورة الطلاق: ٦/٦٥. . ٢٩٦. سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ والله على ما نقول وكيل، فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون﴾. ﴿توجه﴾: رد وجهه. و﴿تلقاء﴾: تقدم الكلام عليه في يونس، أي ناحية وجهه. استعمل المصدر استعمال الظرف، وكان هناك ثلاث طرق، فأخذ موسى أوسطها، وأخذ طالبوه في الآخرين وقالوا: المريب لا يأخذ في أعظم الطرق ولا يسلك إلّ بنياتها. فبقي في الطريق ثماني ليال وهو حاف، لا يطعم إلا ورق الشجر. والظاهر من قوله: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾، أنه كان لا يعرف الطريق، فسأل ربه أن يهديه أقصد الطريق بحيث أنه لا يضل، إذ لو سلك ما لا يوصله إلى المقصود لتاه. وعن ابن عباس: قصد مدين وأخذ يمشي من غير معرفة، فأوصله الله إلى مدين. وقيل: هداه جبريل إلى مدين. وقيل: ملك غيره. وقيل: أخذ طريقاً يأمن فيه، فاتفق ذهابه إلى مدين. والظاهر أن سواء السبيل: وسط الطريق الذي يسلكه إلى مكان مأمنه. وقال مجاهد: سواء السبيل: طريق مدين. وقال الحسن: هو سبيل الهدى، فمشى موسى عليه السلام إلى أن وصل إلى مدين، ولم يكن في طاعة فرعون. ﴿ولما ورد ماء مدين﴾: أي وصل إليه، والورود بمعنى الوصول إلى الشيء، وبمعنى الدخول فيه. قيل: وكان هذا الماء بئراً. والأمة: الجمع الكثير، ومعنى عليه: أي على شفيره وحاشيته. ﴿يسقون): يعني مواشيهم. ﴿ووجد من دونهم): أي من الجهة التي وصل إليها قبل أن يصل إلى الأمة، فهما من دونهم بالإضافة إليه، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: في مكان أسفل من مكانهم. ﴿تذودان﴾، قال ابن عباس وغيره: تذودان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء. وقال قتادة: تذودان الناس عن غنمهما. قال الزجاج: وكأنهما تكرهان المزاحمة على الماء. وقيل: لئلا تختلط غنمهما بأغنامهم. وقيل: تذودان عن وجوههما نظر الناظر لتسترهما. وقال الفراء: تحبسانها عن أن تتفرق، واسم الصغرى عبرا، واسم الكبر صبورا. ولما رآهما موسى عليه السلام واقفتين لا تتقدمان للسقي، سألهما فقال: ﴿ما خطبكما﴾؟ قال ابن عطية: والسؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الأمر. قال الزمخشري: وحقيقته: ما مخطوبكما؟ أي ما مطلوبكما من الذياد؟ سمى المخطوب خطباً، كما سمى الشؤون شأناً في قولك: ٢٩٧ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ ما شأنك؟ يقال: شانت شأنه، أي قصدت قصده. انتهى. وفي سؤاله عليه الصلاة والسلام دليل على جواز مكالمة الأجنبية فيما يعنّ ولم يكن لأبيهما أجير، فكانتا تسوقان الغنم إلى الماء، ولم تكن لهما قوة الإستقاء، وكان الرعاة يستقون من البئر فيسقون مواشيهم، فإذا صدروا، فإن بقي في الحوض شيء سقتا. فوافى موسى عليه السلام ذلك اليوم وهما يمنعان غنمهما عن الماء، فرق عليهما وقال: ﴿ما خطبكما﴾؟ وقرأ شمر: بكسر الخاء، أي من زوجكما؟ ولم لا يسقي هو؟ وهذه قراءة شاذة نادرة. ﴿قالتا لا نسقي﴾. وقرأ ابن مصرف: لا نسقي، بضم النون. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والحسن، وقتادة، والعربيان: يصدر، بفتح الياء وضم الدال، أي يصدرون بأغنامهم؛ وباقي السبعة، والأعرج، وطلحة، والأعمش، وابن أبي إسحاق، وعيسى : بضم الياء وكسر الدال، أي يصدرون أغنامهم. وقرأ الجمهور: الرعاء، بكسر الراء: جمع تكسير. قال الزمخشري: وأما الرعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام. انتهى. وليس بقياس، لأنه جمع راع؛ وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعلة، كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا فليس بقياس. وقرىء: الرعاء، بضم الراء، وهو اسم جمع، كالرخال والثناء. قال أبو الفضل الرازي: وقرأ عياش، عن أبي عمرو: الرعاء، بفتح الراء، وهو مصدر أقيم مقام الصفة، فاستوى لفظ الواحد والجماعة فيه، وقد يجوز أنه حذف منه المضاف. ﴿وأبونا شيخ كبير﴾: اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخه وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما. ﴿فسقى لهما﴾: أي سقى غنمهما لأجلهما. وروي أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجراً لا يقله إلا عدد من الرجال، واضطرب النقل في العدد، فأقل ما قالوا سبعة، وأكثره مائة، فأقله وحده. وقيل: كانت لهم دلو لا ينزع بها إلا أربعون، فنزع بها وحده. وروي أنه زاحمهم على الماء حتى سقى لهما، كل ذلك رغبة في الثواب على ما كان به من نصب السفر وكثرة الجوع، حتى كانت تظهر الخضرة في بطنه من البقل. وقيل: إنه مشى حتى سقط أصله، وهو باطن القدم، ومع ذلك أغاثهما وكفاهما أمر السقي. وقد طابق جوابهما لسؤاله. سألهما عن سبب الذود، فأجابه: بأنا امرأتان ضعيفتان مستورتان، لا نقدر على مزاحمة الرجال، فنؤخر السقي إلى فراغهم. ومباشرتهما ذلك ليس بمحظور، وعادة العرب وأهل البدو في ذلك غير عادة أهل الحضر والأعاجم، لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة. ﴿ثم تولى إلى الظل﴾، قال ابن مسعود: ظل شجرة. قيل: كانت سمرة. وقيل: ٢٩٨ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ إلى ظل جدار لا سقف له. وقيل: جعل ظهره يلي ما كان يلي وجهه من الشمس. ﴿فقال رب إني لما أنزّلت إليّ من خير فقير﴾، قال المفسرون: تعرض لما يطعمه، لما ناله من الجوع، ولم يصرح بالسؤال؛ وأنزلت هنا بمعنى تنزل. وقال الزمخشري: وعدى باللام فقير، لأنه ضمن معنى سائل وطالب. ويحتمل أن يريد، أي فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين، لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة، قال ذلك رضا بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له. وقال الحسن: سأل الزيادة في العلم والحكمة .. ﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾: في الكلام حذف، والتقدير: فذهبتا إلى أبيهما من غير إبطاء في السقي، وقصتا عليه أمر الذي سقى لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له. ﴿فجاءته إحداهما﴾. قرأ ابن محيصن: فجاءته إحداهما، بحذف الهمزة، تخفيفاً على غير قياس، مثل: ويل امه في ويل أمه، ويابا فلان، والقياس أن يجعل بين بين، وإحداهما مبهم. فقيل: الكبرى، وقيل: كانتا توأمتين، ولدت الأولى قبل الأخرى بنصف " نهار. وعلى استحياء: في موضع الحال، أي مستحيية متحفزة. قال عمر بن الخطاب: قد سترت وجهها بكم درعها؛ والجمهور: على أن الداعي أباهما هو شعيب عليه السلام، وهما ابنتاه. وقال الحسن: هو ابن أخي شعيب، واسمه مروان. وقال أبو عبيدة: هارون. وقيل: هو رجل صالح ليس من شعيب ينسب. وقيل: كان عمهما صاحب الغنم، وهو المزوج، عبرت عنه بالأب، إذ كان بمثابته. ﴿ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾، في ذلك ما كان عليه شعيب من الإحسان والمكافأة لمن عمل له عملاً، وإن لم يقصد العالم المكافأة. ﴿فلما جاءه﴾: أي فذهب معهما إلى أبيهما، وفي هذا دليل على اعتماد أخبار المرأة، إذ ذهب معها موسى، كما يعتمد على أخبارها في باب الرواية. ﴿وقص عليه القصص﴾: أي ما جری له من خروجه من مصر، وسبب ذلك. ﴿قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين): أي قبل الله دعاءك في قولك: ﴿رب نجني من القوم الظالمين)، أو أخبره بنجاته منهم، فأنسه بقوله: ﴿لا تخف﴾، وقرب إليه طعاماً، فقال له موسى: إنا أهل بيت، لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً، فقال له شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قري الضيف وإطعام الطعام؛ فحينئذ أكل موسى عليه السلام. ﴿قالت إحداهما﴾: أبهم القائلة، وهي الذاهبة والقائلة والمتزوجة، ﴿يا أبت استأجره﴾: أي لرعي الغنم وسقيها. ووصفته بالقوة: لكونه رفع الصخرة عن البئر وحده، ٢٩٩ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨. وانتزع بتلك الدلو، وزاحمهم حتى غلبهم على الماء؛ وبالأمانة: لأنها حين قام يتبعها، هبت الريح فلفت ثيابها فوصفتها، فقال: ارجعي خلفي ودليني على الطريق. وقولها كلام حكيم جامع، لأنه إذا اجتمعت الكفاية والأمانة في القائم بأمرٍ، فقد تم المقصود، وهو كلام جرى مجرى المثل، وصار مطروقاً للناس، وكان ذلك تعليلاً للاستئجار، وكأنها قالت: استأجره لأمانته وقوته، وصار الوصفان منبهين عليه. ونظير هذا التركيب قول الشاعر: ألا إن خير الناس حياً وهالكاً أسير ثقيف عندهم في السلاسل جعل خير من استأجرت الاسم، اعتناء به. وحكمت عليه بالقوة والأمانة. ولما وصفته بهذين الوصفين قال لها أبوها: ومن أين عرفت هذا؟ فذكرت إقلاله الحجر وحده، وتحرجه من النظر إليها حين وصفتها الريح؛ وقاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم. وقيل: قال لها موسى ابتداء: كوني ورائي، فإني رجل لا أنظر إلى أدبار النساء، ودليني على الطريق يميناً أو يساراً. وقال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: بنت شعيب وصاحب يوسف في قوله: ﴿عسى أن ينفعنا﴾(١)، وأبو بكر في عمر. وفي قولها: ﴿استأجره﴾، دلیل على مشروعية الإجارة عندهم، وكذا كانت في كل ملة، وهي ضرورة الناس ومصلحة الخلطة، خلافاً لابن علية والأصم، حيث كانا لا يجيزانها؛ وهذا مما انعقد عليه الإجماع، وخلافهما خرق. ﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾: رغب شعيب في مصاهرته، لما وصفته به، ولما رأى فيه من عزوفه عن الدنيا وتعلقه بالله وفراره من الكفرة. وقرأ ورش، وأحمد بن موسى، عن أبي عمرو: أنكحك إحدى، بحذف الهمزة. وظاهر قوله: ﴿أن أنكحَك﴾، أن الإنكاح إلى الولي لا حق للمرأة فيه، خلافاً لأبي حنيفة في بعض صوره، بأن تكون بالغة عالمة بمصالح نفسها، فإنها تعقد على نفسها بمحضر من الشهود، وفيه دليل على عرض الولي وليته على الزوج، وقد فعل ذلك عمر، ودليل على تزويج ابنته البكر من غير استثمار، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا بلغت البكر، فلا تزوج إلا برضاها. قيل: وفيه دليل على قول من قال: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج، أو الإنكاح، وبه قال ربيعة، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. وإحدى ابنتي: مبهم، وهذا عرض لا عقد. ألا ترى إلى قوله: ﴿إني أريد﴾؟ وحين العقد يعين من شاء منهما، وكذلك لم (١) سورة يوسف: ٢١/١٢. ٣٠٠ سورة القصص / الآيات: ١ - ٨٨ يحدّ أول أمد الإجارة. والظاهر من الآية جواز النكاح بالإجارة، وبه قال الشافعي وأصحابه وابن حبيب. وقال الزمخشري: ﴿هاتين﴾، فيه دليل على أنه كانت له غيرهما. انتهى. ولا دليل في ذلك، لأنهما كانتا هما اللتين رآهما تذودان، وجاءته إحداهما، فأشار إليهما، والإشارة إليهما لا تدل على أن له غيرهما. ﴿على أن تأجرني ﴾ في موضع الحال من ضمير أنكحك، إما الفاعل، وإما المفعول. وتأجرني، من أجرته: كنت له أجيراً، كقولك: أبوته: كنت له أباً، ومفعول تأجرني الثاني محذوف تقديره نفسك. و﴿ثماني حجج﴾: ظرف، وقاله أبو البقاء. وقال الزمخشري: حجج: مفعول به، ومعناه: رعيه ثماني حجج. ﴿فإن أتممت عشراً فمن عندك﴾: أي هو تبرع وتفضل لا اشتراط. ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ بإلزام أيّم الأجلين، ولا في المعاشرة والمناقشة في مراعاة الأوقات، وتكليف الرعاة أشياء من الخدم خارجة عن الشرط. ﴿ستجدني إن شاء الله من الصالحين): وعد صادق مقرون بالمشيئة من الصالحين في حسن المعاملة ووطاءة الخلق، أو من الصالحين على العموم، فيدخل تحته حسن المعاملة. ولما فرغ شعيب مما حاور به موسى، قال موسى: ﴿ذلك بيني وبينك﴾، على جهة التقدير والتوثق في أن الشرط إنما وقع في ثماني حجج. وذلك مبتدأ أخبره بيني وبينك، إشارة إلى ما عاهده عليه، أي ذلك الذي عاهدتني وشارطتني قائم بيننا جميعاً لا نخرج عنه، ثم قال: ﴿أيما الأجلين﴾، أي الثماني أو العشر؟ ﴿فلا عدوان عليّ﴾: أي لا يعتدى عليّ في طلب الزيادة، وأي شرط، وما زائدة. وقرأ الحسن، والعباس، عن أبي عمرو: أيما، بحذف الياء الثانية، كما قال الشاعر: تنظرت نصراً والسماكين أيما علي من الغيث استهلت مواطره وقرأ عبد الله: أي الأجلين ما قضيت، بزيادة ما بين الأجلين وقضيت. قال الزمخشري فإن قلت: ما الفرق بين موقع ما المزيدة في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة الإبهام، أي زائدة في شياعها وفي الشاذ، تأكيداً للقضاء، كأنه قال: أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له؟ وقرأ أبو حيوة، وابن قطيب: فلا عدوان، بكسر العين. قال المبرد: قد علم أنه لا عدوان عليه في أتمهما، ولكن جمعهما، ليجعل الأول كالأتم في الوفاء. وقال الزمخشري: تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصر، وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر، كان عدواناً لا شك فيه، فكذلك إن طولبت في الزيادة على E.