Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ العاقل، أولاً حذف، ولكنه اكتسى من إضافته للمذكر العاقل وصفه، فأخبر عنه إخباره، كما يكتسي المذكر التأنيث من إضافته إلى المؤنث في نحو: كما شرقت صدر القناة من الدم أولاً حذف، ولكنه لما وضعت لفعل لا يكون إلا مقصوداً للعاقل وهو الخضوع، جمعت جمعه كما جاء: ﴿أتينا طائعين﴾(١). وقرأ عيسى، وابن أبي عبلة: خاضعة. وعن ابن عباس: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية، ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل أعناقهم بعد معاوية، ويلحقهم هوان بعد عز. ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث﴾: تقدم تفسيره في الأنبياء. ﴿إلا كانوا﴾: جملة حالية، أي إلا يكونوا عنها. وكان يدل ذلك أن ديدنهم. وعادتهم الإعراض عن ذكر الله. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد، وهو الإعراض؟ قلت: كان قبل حين أعرضوا عن الذكر، فقد كذبوا به ، وحين كذبوا به، فقد خف عليهم قدره وصار عرضة الاستهزاء بالسخرية، لأن من كان قابلاً للحق مقبلاً عليه، كان مصدقاً به لا محالة، ولم يظن به التكذيب. ومن كان مصدقاً به، کان موقراً له. انتھی. ﴿فسيأتيهم﴾: وعيد بعذاب الدنيا، كيوم بدر، وعذاب الآخرة. ولما كان إعراضهم عن النظر في صانع الوجود، وتكذيب ما جاءتهم به رسله من أعظم الكفر، وكانوا يجعلون الأصنام آلهة، نبه تعالى على قدرته، وأنه الخالق المنشىء الذي يستحق العبادة بقوله: ﴿أو لم يروا إلى الأرض﴾؟ والزوج: النوع. وقيل: الشيء وشكله. وقيل: أبيض وأسود وأحمر وأصفر وحلو وحامض. وقال الفراء: الزوج: اللون. والكريم: الحسن، قاله مجاهد وقتادة. وقيل: ما يأكله الناس والبهائم. وقيل: الكثير المنفعة. وقيل: الكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد. وجه كريم: مرضي في حسنه وجماله؛ وكتاب كريم: مرضي في معانيه وفوائده. وقال: حتى يشق الصفوف من كرمه، أي من كونه مرضياً في شجاعته وبأسه، ويراد الأشياء التي بها قوام الأمور، والأغذية والنباتات، ويدخل في ذلك الحيوان لأنه عن اثنين. قال تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾(٢). قال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن صار إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فبضد ذلك. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل؟ ولو قيل: ﴿أنيتتا فيها من (١) سورة فصلت: آية ٤١ /١١. (٢) سورة نوح: آية ٩٧/٧١. ١٤٢ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ كل زوج كريم﴾ قلت: دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع، وبه نبه على كمال قدرته. انتهى. وأفرد ﴿لآية﴾، وإن كان قد سبق ما دل على الكثرة في الأزواج، وهو كم، وعلى الإحاطة بالعموم في الأزواج، لأن المشار إليه واحد، وهو الإنبات، وإن اختلفت متعلقاته، أو أريد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية. ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين): تسجيل على أكثرهم بالكفر. ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم): أي الغالب القاهر. ولما كان الموضع موضع بيان القدرة، قدم صفة العزة على صفة الرحمة. فالرحمة إذا كانت عن قدرة، كانت أعظم وقعاً، والمعنى: أنه عز في نقمته من الكفار ورحم مؤمني كل أمة. ولما ذكر تكذيب قريش بما جاءهم من الحق وإعراضهم عنه، ذكر قصة موسى عليه السلام، وما قاسى مع فرعون وقومه، ليكون ذلك مسلاة لما كان يلقاه عليه الصلاة والسلام من كفار قريش. إذ، كانت قريش قد اتخذت آلهة من دون الله، وكان قوم فرعون قد اتخذوه إلهاً، وكان أتباع ملة موسى عليه السلام هم المجاورون من آمن بالرسول صلو، بدأ بقصة موسى، ثم ذكر بعد ذلك ما يأتي ذكره من القصص. والعامل في إذ، قال الزجاج، اتل مضمرة، أي اتل هذه القصة فيما يتلو إذ نادى، ودليل ذلك ﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم﴾(١) إذ. وقيل: العامل اذكر، وهو مثل واتل، ومعنى نادى: دعا. وقيل: أمْر. وأن: يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون تفسيرية، وسجل عليهم بالظلم، لظلم أنفسهم بالكفر، وظلم بني إسرائيل بالاستعباد، وذبح الأولاد، و﴿قوم فرعون﴾، وقيل: بدل من ﴿القوم الظالمين﴾، والأجود أن يكون عطف بيان لأنهما عبارتان يعتقبان على مدلول واحد، إذ كل واحد عطف البيان، وسوغه مستقل بالإسناد. ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك، أتى عطف البيان بإزالته، إذ هو أشهر. وقرأ الجمهور: ألا يتقون، بالياء على الغيبة. وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وشقيق بن سلمة، وحماد بن سلمة، وأبو قلابة: بتاء الخطاب، على طريقة الالتفات إليهم إنكاراً وغضباً عليهم، وإن لم يكونوا حاضرين، لأنه مبلغهم ذلك ومكافحهم. قال ابن عطية: معناه قل لهم، فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ألا يتقون﴾؟ قلت: هو كلام مستأنف (١) سورة الشعراء: آية ٢٦ /٦٩. ١٤٣ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ اتبعه عز وجل إرساله إليهم للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم تعجيباً لموسى عليه السلام من حالهم التي سعت في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله. ويحتمل أن يكون ألا يتقون حالاً من الضمير في الظالمين، أي يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال. انتهى. وهذا الاحتمال الذي أورده خطأ فاحش لأنه جعله حالاً من الضمير في الظالمين، وقد أعرب هو ﴿قوم فرعون﴾ عطف بيان، فصار فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي بينهما، لأن قوم فرعون معمول لقوله: ﴿ائت﴾ والذي زعم أنه حال معمول لقوله الظالمين، وذلك لا يجوز أيضاً لو لم يفصل بينهما بقوله: قوم فرعون. لم يجز أن تكون الجملة حالاً، لأن ما بعد الهمزة يمتنع أن يكون معمولاً لما قبلها. وقولك: جئت أمسرعاً؟ على أن يكون أمسرعاً حالاً من الضمير في جئت لا يجوز، فلو أضمرت عاملاً بعد الهمزة جاز. وقرىء: بفتح النون وكسرها، التقدير: أفلا يتقونني؟ فحذفت نون الرفع لالتقاء الساكنين، وياء المتكلم اكتفاء بالكسرة. وقال الزمخشري: في ألا يتقون بالياء وكسر النون وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ألا يا ناس اتقون، كقوله: ﴿ألا يسجدوا﴾(١). انتهى. يعني: وحذف ألف يا خطاً ونطقاً لالتقاء الساكنين، وهذا تخريج بعيد. والظاهر أن ألا للعرض المضمن الحض على التقوى، وقول من قال إنها للتنبيه لا يصح، وكذلك قول الزمخشري: إنها للنفي دخلت عليها همزة الإنكار. ولما كان فرعون عظيم النخوة حتى ادعى الإلهية، كثير المهابة، قد أشربت القلوب الخوف منه خصوصاً من كان من بني إسرائيل، قال موسى عليه السلام: ﴿إني أخاف أن يكذبون﴾. وقرأ الجمهور: ﴿ويضيق﴾ ﴿ولا ينطلق﴾، بالرفع فيهما عطفاً على أخاف. فالمعنى: إنه يفيد ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان. وقرأ الأعرج، وطلحة، وعيسى، وزيد بن عليّ، وأبو حيوة، وزائدة، عن الأعمش، ويعقوب: بالنصب فيهما عطفاً على يكذبون، فيكون التكذيب وما بعده يتعلق بالخوف. وحكى أبو عمرو الداني، عن الأعرج: أنه قرأ بنصب: ويضيق، ورفع: ولا ينطلق، وعدم انطلاق اللسان هو بما يحصل من الخوف وضيق الصدر، لأن اللسان إذ ذاك يتلجلج ولا يكاد يبين عن مقصود الإنسان. وقال ابن عطية: وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق الصدر، لم ينطلق اللسان. (١) سورة النمل: ٢٥/٢٧. ١٤٤ - سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ ﴿فأرسل إلى هارون﴾: معناه يعينني ويؤازرني، وكان هارون عليه السلام فصيحاً واسع الصدر، فحذف بعض المراد من القول، إذ باقية دال عليه. انتهى. وقال الزمخشري: ومعنى ﴿فأرسل إلى هارون﴾: أرسل إليه جبريل عليه السلام، واجعله نبياً، وأزرني به، واشدد به عضدي؛ وهذا كلام مختصر، وقد أحسن في الاختصار حيث قال: ﴿فأرسل إلى هارون﴾، فجاء بما يتضمن معنى الاستثناء. وقوله: ﴿إني أخاف﴾ إلى آخره، بعد أن أمره الله بأن يأتي القوم الظالمين، ليس توقفاً فيما أمره الله تعالى به، ولكنه طلب من الله أن يعضده بأخيه، حتى يتعاونا على إنفاذ أمره تعالى، وتبليغ رسالته، مهد قبل طلب ذلك عذره ثم طلب. وطلب العون دليل على القبول لا على التوقف والتعلل، ومفعول أرسل محذوف. فقيل جبريل، كما تقدم ذكره، وفي الخبر أن الله أرسل موسى إلى هارون، وكان هارون بمصر حين بعث الله موسى نبياً بالشام. قال السدي: سار بأهله إلى مصر، فالتقى بهارون وهو لا يعرف. فقال: أنا موسى، فتعارفا؛ وأمرهما أن ينطلقا إلى فرعون لأداء الرسالة، فصاحت أمهما لخوفها عليهما، فذهبا إليه. ﴿ولهم عليّ ذنب﴾: أي قبلي قود ذنب، أو عقوبة، وهو قتله القبطي الكافر خباز فرعون بالوكزة التي وكزها، أو سمى تبعة الذنب ذنباً، كما سمى جزاء السيئة سيئة. وليس قول موسى ذلك تلكأ في أداء الرسالة، بل قال ذلك استدفاعاً لما يتوقعه منهم من القتل، وخاف أن يقتل قبل أداء الرسالة، ويدل على ذلك قوله: ﴿كلا﴾، وهي كلمة الردع، ثم وعده تعالى بالكلاءة والدفع. وكلا رد لقوله: ﴿إني أخاف﴾، أي لا تخف ذلك، فإني قضيت بنصرك وظهورك. وقوله: ﴿فاذهبا﴾، أمر لهما بخطاب لموسى فقط، لأن هارون ليس بمكلم بإجماع، ولكنه قال لموسى: ﴿اذهب أنت وأخوك﴾(١). قال الزمخشري: جمع الله له الاستجابتین معاً في قوله: ﴿كلا فاذهبا﴾، لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس الموازرة بأخيه، فأجابه بقوله: اذهب، أي اذهب أنت والذي طلبته هارون. فإن قلت: علام عطف قوله اذهبا؟ قلت: على الفعل الذي يدل عليه كلا، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت وهارون بآياتنا، يعم جميع ما بعثهما الله به، وأعظم ذلك العصا، وبها وقع العجز. قال ابن عطية: ولا خلاف أن موسى هو الذي حمله الله أمر النبوة وكلفها، وأن هارون كان نبياً رسولاً معيناً له ووزيراً. انتهى. ومعكم، قيل: من وضع الجمع موضع المثنى، أي معكما. وقيل: هو على ظاهره من الجمع، والمراد (١) سورة طه: ٤٢/٢٠. ١٤٥ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ موسى وهارون ومن أرسلا إليه. وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع المثنى، والخطاب لموسى وهارون فقط، قال: لأن لفظة مع تباين من يكون كافراً، فإنه لا يقال الله معه. وعلى أنه أريد بالجمع التثنية، حمله سيبويه رحمه الله وكأنهما لشرفهما عند الله، عاملهما في الخطاب معاملة الجمع، إذ كان ذلك جائزاً أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته . قال ابن عطية: ﴿مستمعون﴾ اهتبالاً، ليس في صيغة سامعون، وإلا فليس يوصف الله تعالى بطلب الاستماع، وإنما القصد إظهار التهمم ليعظم أنس موسى، أو يكون الملائكة بأمر الله إياها تستمع. وقال الزمخشري: ﴿معكم مستمعون﴾ من مجاز الكلام، يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه، فأظهركما وغلبكما وكسر شوكته عنكما ونكسه. انتهى. ويجوز أن يكون معه متعلقاً بمستمعون، وأن يكون خبراً، ومستمعون خبر ثان. والمعية هنا مجاز، وكذلك الاستماع، لأنه بمعنى الإصغاء، ولا يلزم من الاستماع السماع، تقول: أسمع إليه، فما سمع واستمع إليه، فسمع كما قال: ﴿استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا﴾(١)، وأفرد رسول هنا ولم يثن، كما في قوله: ﴿إنا رسولا ربك﴾(٢)، إما لأنه مصدر بمعنى الرسالة، فجاز أن يقع مفرداً خبر المفرد فما فوقه، وإما لكونهما ذوي شريعة واحدة؛ فكأنهما رسول واحد. وأريد بقوله: أنا أو كل واحد منا رسول. ﴿ورسول رب العالمين﴾ فيه رد عليه، وأنه مربوب الله تعالى، بادهه بنقض ما كان أبرمه من ادعاء الألوهية، ولذلك أنكر فقال: وما رب العالمين والمعنى إليك، ﴿وأن أرسل﴾: يجوز أن تكون تفسيرية لما في رسول من معنى القول، وأن تكون مصدرية، وأرسل بمعنى أطلق وسرح، كما تقول: أرسلت الحجر من يدي، وأرسلت الصقر. وكان موسى مبعوثاً إلى فرعون في أمرين: إرسال بني إسرائيل ليزول عنهم العبودية، والإيمان بالله وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل وإرسالهم معهما كان إلى فلسطين، وكانت مسکن موسى وهارون. ﴿قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين، قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين، ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي (١) سورة الجن: ١/٧٢. (٢) سورة طه: ٤٧/٢٠. تفسير البحر المحيط ج٨ م١٠ ١٤٦ - سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ ربي حكماً وجعلني من المرسلين، وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبدت بني إسرائيل، قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آبائكم الأولين، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون، قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلك من المسجونين، قال أو لو جئتك بشيء مبين، قال فأت به إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾. ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون، ولم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال له: ائذن له لعلنا نضحك منه. فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له: ﴿ألم نربك فينا وليداً؟﴾ وفي الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره: فأتيا فرعون، فقالا له ذلك. ولما بادهه موسى بأنه رسول رب العالمين، وأمره بإرسال بني إسرائيل معه، أخذ يستحقره ويضرب عن المرسل وعما جاء به من عنده، ويذكره بحالة الصغر والمنّ عليه بالتربية. والوليد الصبي، وهو فعيل بمعنى مفعول، أطلق ذلك عليه لقربه من الولادة. وقرأ أبو عمرو في رواية: من عمرك، بإسكان الميم، وتقدم ذكر الخلاف في كمية هذه السنين في طه. وقرأ الجمهور: فعلتك، بفتح الفاء، إذ كانت وكزة واحدة، والشعبي: بكسر الفاء، يريد الهيئة، لأن الوكزة نوع من القتل. عدد عليه نعمة التربية ومبلغه عنده مبلغ الرجال، حيث كان يقتل نظراءه من بني إسرائيل، وذكره ما جرى على يده من قتل القبطي، وعظم ذلك بقوله: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت﴾، لأن هذا الإبهام، بكونه لم يصرح أنها القتل، تهويل للواقعة وتعظيم شأن. ﴿وأنت من الكافرين﴾: يجوز أن يكون حالاً، أي قتلته وأنت إذ ذاك من الكافرين، فافترى فرعون بنسبة هذه الحال إليه إذ ذاك، والأنبياء عليهم السلام معصومون. ويجوز أن يكون إخباراً مستأنفاً من فرعون، حكم عليه بأنه من الكافرين بالنعمة التي لي عليك من التربية والإحسان، قاله ابن زيد؛ أو من الكافرين بي في أنني إلهك، قاله الحسن؛ أو من الكافرين بالله لأنك كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه الآن، قاله السدي. ﴿قال فعلتها إذاً﴾: إجابة موسى عن كلامه الأخير المتضمن للقتل، إذ كان الاعتذار فيه أهم من الجواب في ذكر النعمة بالتربية، لأنه فيه إزهاق النفس. قال ابن عطية: إذن صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ. انتهى. وليس بصلة، بل هي حرف معنى. وقوله وكأنها بمعنى حينئذ، ينبغي أن يجعل قوله تفسير معنى، إذ لا يذهب أحد إلى أن إذن ١٤٧ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ ترادف من حيث الإعراب حينئذ. وقال الزمخشري: فإن قلت: إذاً جواب وجزاء معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون: ﴿وفعلت فعلتك﴾ فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت؛ فقال له موسى: نعم فعلتها، مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. انتهى. وهذا الذي ذكره من أن إذاً جواب وجزاء معاً، هو قول سيبويه، لكن الشراح فهموا أنها قد تكون جواباً وجزاء معاً، وقد تكون جواباً فقط دون جزاء. فالمعنى اللازم لها هو الجواب، وقد يكون مع ذلك جزاء. وحملوا قوله: ﴿فعلتها إذاً﴾ من المواضع التي جاءت فيها جواباً لآخر، على أن بعض أئمتنا تكلف هنا كونها جزاء وجواباً، وهذا كله محرر فيما كتبناه في إذن في شرح التسهيل، وإنما أردنا أن نذكر أن ما قاله الزمخشري ليس هو الصحيح، ولا قول الأكثرین. ﴿وأنا من الضالين﴾، قال ابن زيد: معناه من الجاهلين، بأن وكزتي إياه تأتي على نفسه. وقال أبو عبيدة: من الناسين، ونزع لقوله: ﴿أن تضل إحداهما﴾(١). وفي قراءة عبد الله، وابن عباس: وأنا من الجاهلين، ويظهر أنه تفسير للضالين، لا قراءة مروية عن الرسول و لر. وقال الزمخشري: من الفاعلين فعل أولي الجهل، كما قال يوسف لإخوته: ﴿إذا أنتم جاهلون﴾(٢) أو المخلصين، كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل، أو الذاهبين عن تلك الصفة. انتهى. وقيل: من الضالين، يعني عن النبوة، ولم يأتني عن الله فيه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. ومن غريب ما شرح به أن معنى ﴿وأنا من الضالين﴾، أي من المحبين الله، وما قتلت القبطي إلا غيرة لله. قيل: والضلال يطلق ويراد به المحبة، كما في قوله: ﴿إِنك لفي ضلالك القديم﴾(٣)، أي في محبتك القديمة. وجمع ضمير الخطاب في منكم وخفتكم بأن كان قد أفرد في: تمنها وعبدت، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، وإنما منه ومن ملئه المذكورين قبل ﴿أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون﴾، وهم كانوا قوماً يأتمرون لقتله. ألا ترى إلى قوله: ﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج﴾(٤). وقرأ الجمهور: لما حرف وجوب لوجوب، على قول سيبويه، وظرفاً بمعنى حين، على مذهب الفارسي. وقرأ حمزة في رواية: لما بكسر اللام وتخفيف الميم، أي يخوفكم. وقرأ عيسى: حكماً بضم الكاف؛ والجمهور: بالإسكان. والحكم: النبوة. (١) سورة البقرة؛ ٢٨٢/٢. (٢) سورة يوسف: ٨٩/١٢. (٣) سورة يوسف: ١٢ /٩٥. (٤) سورة يوسف: ٨٩/١٢. ١٤٨ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ ﴿وجعلني من المرسلين﴾: درجة ثانية للنبوة، فرب نبي ليس برسول. وقيل: الحكم: العلم والفهم. ﴿وتلك نعمة تمنها عليّ﴾: وتلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله: ﴿ألم نر بك فينا وليداً﴾؛ وذكر بهذا آخراً على ما بدأ به فرعون في قوله: ﴿ألم نربك﴾. والظاهر أن هذا الكلام إقرار من موسى عليه السلام بالنعمة، كأنه يقول: وتربيتك لي نعمة عليّ من حيث عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولداً، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي. وإلى هذا التأويل ذهب السدّي والطبري. وقال قتادة: هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة، كأنه يقول: أو يصح لك أن تعتد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم؟ أي ليست بنعمة، لأن الواجب كان أن لا تقتلني ولا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك. وقرأ الضحاك: وتلك نعمة ما لك أن تمنها، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وهذا التأويل فيه مخالفة لفرعون ونقض كلامه كله. والقول الأول فيه إنصاف واعتراف. وقال الأخفش: والفراء: قبل الواو همزة استفهام يراد به الإنكار، وحذفت لدلالة المعنى عليها، ورده النحاس بأنها لا تحذف، لأنها حرف يحدث معها معنى، إلا إن كان في الكلام أم لا خلاف في ذلك إلا شيئاً، قاله الفراء من أنه يجوز حذفها مع أفعال الشك، وحكى: ترى زيداً منطلقاً، بمعنى: ألا ترى؟ وكان الأخفش الأصغر يقول: أخذه من ألفاظ العامة. وقال الضحاك: الكلام إذا خرج مخرج التبكيت يكون باستفهام وبغير استفهام، والمعنى: لو لم يقتل بني إسرائيل لرباني أبواي، فأي نعمة لك علي فأنت تمنّ علي بما لا يجب أن تمنّ به. وقيل: اتخاذك بني إسرائيل عبيداً أحبط نعمتك التي تمنّ بها. وقال الزمخشري: وأبي، يعني موسى عليه السلام، أن يسمي نعمته أن لا نعمة، حيث بين أن حقيقة إنعامه تعبد بني إسرائيل، لأن تعبدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت. وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيداً، يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبداً، قال الشاعر: فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان علام يعبدني قومي وقد كثرت فإن قلت: وتلك إشارة إلى ماذا؟ وأن عبدت ما محلها من الإعراب؟ قلت: تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها؛ ومحل أن عبدت الرفع، عطف بيان لتلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع ١٤٩ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ مصبحين﴾(١)، والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ. وقال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع نصب، المعنى أنها صارت نعمة عليّ، لأن عبدت بني إسرائيل، أي لو لم تفعل لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم. انتهى. وقال الحوفي: ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ في موضع نصب مفعول من أجله. وقال أبو البقاء: بدل، ولما أخبر موسى فرعون بأنه رسول رب العالمين، لم يسأل إذ ذاك فيقول: ﴿وما رب العالمين﴾؟ بل أخذ في المداهاة وتذكار التربية والتقبيح لما فعله من قتل القبطي. فلما أجابه عن ذلك انقطعت حجته في التربية والقتل، وكان في قوله: ﴿رسول رب العالمين﴾ دعاء إلى الإقرار بربوبية الله، وإلى طاعة رب العالم، فأخذ فرعون يستفهم عن الذي ذكر موسى أنه رسول من عنده. والظاهر أن سؤاله إنما كان على سبيل المباهتة والمكابرة والمرادّة، وكان عالماً بالله. ويدل عليه: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر﴾(٢)، ولكنه تعامى عن ذلك طلباً للرياسة ودعوى الإلهية، واستفهم بما استفهاماً عن مجهول من الأشياء. قال مكي: كما يستفهم عن الأجناس، وقد ورد له استفهام بمن في موضع آخر، ويشبه أنها مواطن. انتهى. والموضع الآخر قوله: ﴿فمن ربكما يا موسى﴾؟(٣) ولما سأله فرعون، وكان السؤال بما التي هي سؤال عن الماهية، ولم يمكن الجواب بالماهية، أجاب بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها، وهي ربوبية السموات والأرض وما بينهما. وقال الزمخشري: وهذا السؤال لا يخلو أن يريد به أي شيء من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها، فأجاب بما يستدل عليه من أفعاله الخاصة، ليعرفه أنه ليس مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء، ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٤). وأما أن يريد أنه شيء على الإطلاق تفتيشاً عن حقيقة الخاصة ما هي، فأجاب بأن الذي سألت عنه ليس إليه سبيل، وهو الكافي في معرفته معرفة بيانه بصفاته استدلالاً بأفعاله الخاصة على ذلك؛ وأما التفتيش عن حقيقة الخاصة التي هي فوق فطر العقول، فتفتيش عما لا سبيل إليه، والسائل عنه متعنت غير طالب للحق. والذي يليق بحال فرعون، ويدل عليه الكلام، أن كون سؤاله إنكاراً لأن يكون للعالمين رب سواه، ألا ترى أنه يعلم حدوثه بعد العدم؟ وأنه محل للحوادث؟ وأنه لم يدعّ الإلهية إلا في محل ملكه مصر؟ وأنه لم يكن ملك الأرض؟ بل كان فيها ملوك غيره، وأنبياء في ذلك الزمان يدعون إلى الله كشعيب عليه (١) سورة الحجر: ٦٦/١٥. (٢) سورة الإسراء: ١٧ /١٠١. (٣) سورة طه: ٤٩/٢٠. ١٥٠ - سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ السلام؟ وأنه كان مقراً بالله تعالى في باطن أمره؟ وجاء قوله: ﴿وما بينهما﴾ على التثنية، والعائد عليه الضمير مجموع اعتباراً للجنسين: جنس السماء، وجنس الأرض؛ كما ثنى المظهر في قوله : بین رماحي مالك ونهشل اعتباراً للجنسين: وقال أبو عبد الله الرازي يحتمل أن يقال: كان عالماً بالله ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة. وقد ذكر تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله، وهو قوله: ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء﴾ الآية. ويحتمل أنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث بالفاعل المختار، ثم اعتقد أنه بمنزلة إله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك زمام أمرهم. ويحتمل أن يقال: كان على مذهب الحلولية القائلين: بأن ذات الإله تقرر بجسد إنسان معين حتى يكون الإله سبحانه بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهاً. انتهى. ومعنى: ﴿إن كنتم موقنين﴾: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي إلى النظر الصحيح، نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفعكم؛ أو إن كنتم موقنين بشيء قط، فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وإنارة دليله. وهذه المحاورة من فرعون تدل على أن موسى عليه السلام دعاه إلى التوحید. ﴿قال لمن حوله﴾: هم أشراف قومه. قيل: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور، وكانت للملوك خاصة. ﴿ألا تستمعون): أي ألا تصغون إلى هذه المقالة إغراء به وتعجباً، إذ كانت عقيدتهم أن فرعون ربهم ومعبودهم. قال ابن عطية: والفراعنة قبله كذلك، وهذه ضلالة منها في مصر وديارنا إلى اليوم بقية. انتهى. يشير إلى ما أدركه في عصره من ملوك العبيديين الذين كان أتباعهم تدعى فيهم الإلهية، وأقاموا ملوكاً بمصر، من زمان المعز إلى زمان العاضد، إلى أن محى الله دولتهم بظهور الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاري رضي الله عنه، فلقد كانت له مآثر في الإسلام منها: فتح بيت المقدس وبلاد كثيرة من سواحل الشام، كان النصارى مستولين عليها، فاستنقذها منهم. ﴿قال ربكم ورب آبائكم الأولين﴾: نبههم على منشئهم ومنشىء آبائهم، وجاء في قوله: الأولين، دلالة على إماتتهم بعد إيجادهم. وانتقل من الاستدلال بالعام إلى ما يخصهم، ليكون أوضح لهم في بيان بطل دعوى فرعون الإلهية، إذ كان آباؤهم الأولون تقدموا فرعون في الوجود، فمحال أن يكون وهو في العدم إلهاً لهم. ١٥١ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١,٤ ﴿قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾. قال أبو عبد الله الرازي: التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه، إذ كان لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وفي آبائه كونهم واجبي الوجود لذواتهم، لأن المشاهدة دلت على وجودهم بعد عدمهم، وعدمهم بعد وجودهم، فعند ذلك قال فرعون: ما قال يعني أن المقصود من سؤال ما طلبت الماهية وخصوصية الحقيقة. والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا تفيد تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى عليه السلام: ﴿رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون): فعدل إلى طريق أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد بالمشرق: طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد بالمغرب: غروب الشمس وزوال النهار. وهذا التقدير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره موسی عليه السلام هنا بقوله: ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾، فأجابه نمروذ بقوله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾، فقال: ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾(١) وهو الذي ذكره موسى عليه السلام هنا بقوله: ﴿رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾: أي إن كنتم من العقلاء، عرفتم أن لا جواب عن السؤال إلا ما ذكرت. انتهى، وفيه بعض تلخيص. وقال ابن عطية: زاده موسى عليه السلام في بيان الصفات التي تظهر نقص فرعون، وتبين أنه في غاية البعد عن القدرة عليها، وهي ربوبية المشرق والمغرب، ولم يكن لفرعون إلا ملك مصر من البحر إلى أسوان وأرض الإسكندرية. وقرأ مجاهد، وحميد، والأعرج: أرسل إليكم، على بناء الفاعل، أي أرسله ربه إليكم. وقرأ عبد الله، وأصحابه، والأعمش: رب المشارق والمغارب، على الجمع فيهما. ولما انقطع فرعون في باب الاحتجاج، رجع إلى الاستعلاء والغلب، وهذا أبين علامات الانقطاع، فتوعد موسى بالسجن حين أعياه خطابه: ﴿قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلتك من المسجونين﴾. وقال الزمخشري: لما أجاب موسى بما أجاب، عجب قومه من جوابه، حیث نسب الربوبية إلى غيره، فلما ثنی بتقرير قوله، جننه إلى قومه وظنن به، حیث سماه رسولهم، فلما ثلث احتد واحتدم، وقال: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري﴾. فإن قلت: كيف قال: أولاً: ﴿إن كنتم موقنين﴾، وآخراً: ﴿إن كنتم تعقلون﴾؟ (١) سورة البقرة: ٢٥٨/٢. ١٥٢. سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ قلت: لأين أولاً، فلما رأى شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج، خاشن وعارض إن رسولكم لمجنون بقوله: ﴿إن كنتم تعقلون﴾. فإن قلت: ألم يكن لأسجننك أخصر من ﴿لأجعلك من المسجونين﴾ ومؤدّياً مؤدّاه؟ قلت: أما أخصر فنعم، وأما مؤدّياً مؤدّاه فلا، لأن معناه: لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوّة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً، لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أشد من القتل. انتهى. ولما كان عند موسى عليه السلام من أمر فرعون ما لا يروعه معه توعد فرعون، قال له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: ﴿أو لو جئتك بشيء مبين﴾، أي يوضح لك صدقي، أفكنت تسجنني؟ قال الزمخشري: أو لو جئتك، واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، معناه: أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ انتهى. وتقدّم لنا الكلام على هذه الواو، والداخلة على لو في مثل هذا السياق في قوله: ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾(١)، فأغنى عن إعادته. وقال الحوفي: واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير، والمعنى: أتسجنني حتى في هذه الحالة التي لا تناسب أن أسجن وأنا متلبس بها؟. ولما سمع فرعون هذا من موسى طمع أن يجده موضع معارضة فقال له: ﴿فأت به إن كنت من الصادقين﴾، إن لك رباً بعثك رسولاً إلينا. قال الزمخشري: وفي قوله: ﴿إِن كنت من الصادقين﴾ دليل على أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله المدعي النبوة، والحكيم لا يصدق الكاذب. ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه مثل هذا، وخفي على ناس من أهل القبلة، حيث جوزوا القبيح على الله حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات. انتهى. وتقديره: إن كنت من الصادقين فأت به، حذف الجزاء، لأن الأمر بالإتيان يدل عليه. وقدره الزمخشري: إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به. جعل الجواب المحذوف فعلاً ماضياً، ولا يقدر إلا من جنس الدليل بقولهم : أنت ظالم إن فعلت، تقديره: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم. وقال الحوفي: إن حرف شرط يجوز أن يكون ما تقدم جوابه، وجاز تقديم الجواب، لأن حذف الشرط لم يعمل في اللفظ شيئاً. ويجوز أن يكون الجواب محذوفاً تقديره فأت به. وقول الزمخشري: حتى لزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات، إشارة إلى إنكار الكرامات التي ذهب أهل السنة إلى إثباتها. والمعجز عندهم هو ما كان خارقاً للعادة، ولا يكون إلا لنبي أو (١) سورة البقرة: ٢ /١٧٠. ١٥٣ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ في زمان نبي، إن جرى على يد غيره فتكون معجزة لذلك النبي، أو على سبيل الإرهاص لنبي . ﴿فألقى عصاه﴾: أي رماها من يده، وتقدم الكلام على عصا موسى عليه السلام. والثعبان: أعظم ما يكون من الحيات. ومعنى ﴿مبين﴾: ظاهر الثعبانية، ليست من الأشياء التي تزوّر بالشعبذة والسحر. ﴿ونزع يده﴾ من جيبه، ﴿فإذا هي﴾ تلألأ كأنها قطعة من الشمس. ومعنى ﴿للناظرين﴾: أي بياضها يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضاً نورانياً. روي أنه لما أبصر أمر العصا قال: فهل غيرها؟ فأخرج يده، فقال: ما هذه؟ قال: يدك، فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. ﴿قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون، قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم، فجمع السحرة لميقات يوم معلوم، وقيل للناس هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين، فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أثن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين، قال نعم وإنكم إذاً لمن المقربين، قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون، فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فألقى السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين، قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾ . قال ابن عطية: وانتصب حوله على الظرف، وهو في موضع الحال، أي كائنين حوله، فالعامل فيه محذوف، والعامل فيه هو الحال حقيقة والناصب له، قال: لأنه هو العامل في ذي الحال بواسطة لام الجر، نحو: مررت بهند ضاحكة. والكوفيون يجعلون الملأ موصولاً، فكأنه قيل: قال للذي حوله، فلا موضع للعامل في الظرف، لأنه وقع صلة. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما العامل في حوله؟ قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، وذلك استقروا حوله، وهذا يقدر في جميع الظروف، والعامل في النصب المحلي، وهو النصب على الحال. انتهى. وهو تكثير وشقشقة كلام في أمر واضح من أوائل علم العربية. ١٥٤. سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ ولما رأى فرعون أمر العصا واليد، وما ظهر فيهما من الآيات، هاله ذلك ولم يكن له فيه مدفع فزع إلى رميه بالسحر. وطمع لغلبة علم السحر في ذلك الزمان أن يكون ثَمّ من يقاومه، أو كان علم صحة المعجزة. وعمى تلك الحجة على قومه، برميه بالسحر، وبأنه ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره﴾، ليقوي تنفيرهم عنه، وابتغاؤهم الغوائل له، وأن لا يقبلوا قوله؛ إذ من أصعب الأشياء على النفوس مفارقة الوطن الذي نشأوا فيه، ثم استأمرهم فيما يفعل معه، وذلك لما حل به من التحير والدهش وانحطاطه عن مرتبة ألوهيته إلى أن صار يستشيرهم في أمره، فيأمرونه بما يظهر لهم فيه، فصار مأموراً بعد أن كان آمراً. وتقدم الكلام في ﴿ماذا تأمرون﴾ وفي الألفاظ التي وافقت ما في سورة الأعراف، فأغنى عن إعادته. ولما قال: ﴿إِن هذا لساحر عليم﴾، عارضوا بقوله: ﴿بكل سحار﴾، فجاءوا بكلمة الاستغراق والبناء الذي للمبالغة، لينفسوا عنه بعض ما لحقه من الكرب. وقرأ الأعمش، وعاصم في رواية: بكل ساحر. واليوم المعلوم: يوم الزينة، وتقدم الكلام عليه في سورة طه. وقوله: ﴿هل أنتم مجتمعون﴾، استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم، كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت منطلق؟ إذا أراد أن يحرك منه ويحثه على الانطلاق، كما يخيل إليه أن الناس قد انطلقوا وهو واقف، ومنه قول تأبط شراً: أو عند رب أخا عون بن مخراق هل أنت باعث ديناراً لحاجتنا يريد: ابعثه إلينا سريعاً ولا تبطىء به. وترجوا اتباع السحرة، أي في دينهم، إن غلبوا موسى عليه السلام، ولا يتبعون موسى في دينه. وساقوا الكلام سياق الكناية، لأنهم إذا اتبعوهم لم يتعبوا موسى عليه السلام. ودخلت إذا هنا بين اسم إن وخبرها، وهي جواب وجزاء. ﴿وبعزة فرعون): الظاهر أن الباء للقسم، والذي تتعلق به الباء محذوف، وعدلوا عن الخطاب إلى اسم الغيبة تعظيماً، كما يقال للملوك: أمروا رضي الله عنهم بكذا، فيخبر عنه إخبار الغائب، وهذا من نوع إيمان الجاهلية. وقد سلك كثير من المسلمين في الإيمان ما هو أشنع من إيمان الجاهلية، لا يرضون بالقسم بالله، ولا يعتدون به حتى يحلف أحدهم بنعمة السلطان ويرأس المحلف، فحينئذ يستوثق منه. وقال ابن عطية: بعد أن ذكر أنه قسم قال: والأجر أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه، إذ كانوا يعبدونه؛ كما تقول إذا ابتدأت بعمل شيء: بسم الله، وعلى بركة الله، ونحو هذا. وبين قوله: ﴿قال لهم موسى﴾، وقوله: ﴿لمن المقربين﴾، كلام محذوف، وهو ما ثبت في الأعراف من تخييرهم إياه في البداءة من يلقى. قال الزمخشري: فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرح به؟ ١٥٥ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ قلت: هو الله عز وجل، بما خوّلهم من التوفيق وإيمانهم، أو بما عاينوا من المعجزة الباهرة، ولك أن لا تقدر فاعلاً، لأن ألقوا بمعنى خروا وسقطوا. انتهى. وهذا القول الآخر ليس بشيء. لا يمكن أن يبني الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله إلا وقد حذف الفاعل فناب ذلك عنه، أما أنه لا يقدر فاعل، فقول ذاهب عن الصواب. وقال ابن عطية: قرأ البزي، وابن فليح، عن ابن كثير: بشد التاء وفتح اللام وشد القاف، ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يحذف همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. انتهى. كأنه يخيل أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، وليس ذلك بلازم كثيراً ما يكون الوصل مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تمرن في القرآآت عرف ذلك. ﴿قالوا: لا ضير﴾: أي لا ضرر علينا في وقوع ما وعدتنا به من قطع الأيدي والأرجل والتصليب، بل لنا فيه المنفعة التامة بالصبر عليه. يقال: ضاره يضيره ضيراً، وضاره يضوره ضوراً. ﴿إنا إلى ربنا﴾: أي إلى عظيم ثوابه، أو: لا ضير علينا، إذ انقلابنا إلى الله بسبب من أسباب الموت والقتل أهون أسبابه. وقال أبو عبد الله الرازي: لما آمنوا بأجمعهم، لم يأمن فرعون أن يقول قومه لم تؤمن السحرة على كثرتهم إلا عن معرفة بصحة أمر موسى فيؤمنون، فبالغ في التنفير من جهة قوله: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم﴾ موهماً أن مسارعتهم للإيمان دليل على ميلهم إليه قبل. وبقوله: ﴿إنه لكبيركم﴾، صرح بما رمزه أولاً من مواطأتهم وتقصيرهم ليظهر أمر كبيرهم، وبقوله: ﴿فلسوف تعلمون﴾، حيث أوعدهم وعيداً مطلقاً، وبتصريحه بما هددهم به من العذاب، فأجابوا بأن ذلك إن وقع، لن يضير، وفي قولهم: ﴿إنا إلى ربك منقلبون﴾، نكتة شريفة، وهو أنهم آمنوا لا رغبة ولا رهبة، إنما قصدوا محض الوصول إلى مرضات الله والاستغراق في أنوار معرفته. انتهى ملخصاً. ويدفع هذا الأخير قولهم: ﴿إنا نطمع﴾ إلى آخره، ولا يكون ذلك إلا من خوف تبعات الخطايا. والظاهر بقاء الطمع على بابه كقوله: ﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾(١). وقيل: يحتمل اليقين. قيل: كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿والذي أطمع﴾(١). وقرأ الجمهور: ﴿أن كنا﴾، بفتح الهمزة، وفيه الجزم بإيمانهم. وقرأ أبان بن تغلب، وأبو معاذ: إن كنا، بكسر الهمزة. قال صاحب اللوامح على الشرط: وجاز حذف (١) سورة المائدة: ٨٤/٥. (٢) سورة الشعراء: ٨٢/٢٦. ١٥٦ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ الفاء من الجواب، لأنه متقدم، وتقديره: ﴿إن كنا أول المؤمنين﴾ فإنا نطمع، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا ما لهم عند الله من قبول الإيمان. انتهى. وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد، حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقال الزمخشري: هو من الشرط الذي يجيء به المدلول بأمره المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين. ونظيره قول العامل لمن يؤخر. جعله إن كنت عملت فوفني حقي، ومنه قوله تعالى: ﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾(١)، مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. وقال ابن عطية بمعنى: أن طمعهم إنما هو بهذا الشرط. انتهى. ويحتمل أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وجاز حذف اللام الفارقة لدلالة الكلام على أنهم مؤمنون، فلا يحتمل النفي، والتقدير: إن كنا لأول المؤمنين. وجاء في الحديث: ((إن كان رسول الله وَل ﴿ يحب العسل))، أي ليحب. وقال الشاعر: وإن مالك كانت كرام المعادن ونحن أباة الضيم من آل مالك أي: وإن مالك لكانت كرام المعادن، وأول يعني أول المؤمنين من القبط، أو أول المؤمنين من حاضري ذلك المجمع. وقال الزمخشري : وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، وهذا لا يصح لأن بني إسرائيل كانوا مؤمنين قبل إيمان السحرة. ﴿وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون، فأخرجناهم من جنات وعيون، وکنوز ومقام کریم، كذلك وأورثناها بني إسرائيل، فأتبعوهم مشرقين، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين، ثم أغرقنا الآخرين، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم). تقدم الخلاف في وأسر﴾، وأنه قرىء بوصل الهمزة وبقطعها في سورة هود. وقرأ اليماني: أن سر، أمر من سار يسير. أمر الله موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر إلى تجاه البحر، وأخبره أنهم سيتبعون. فخرج سحراً، جاعلاً طريق الشام على يساره، وتوجه نحو (١) سورة الممتحنة: ١/٦٠. ١٥٧ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ البحر، فيقال له في ترك الطريق، فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح، علم فرعون بسري موسى ببني إسرائيل، فخرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر ليحلقه العساكر. وذكروا أعداداً في أتباع فرعون وفي بني إسرائيل، الله أعلم بصحة ذلك. ﴿إن هؤلاء لشرذمة﴾: أي قال إن هؤلاء وصفهم بالقلة، ثم جمع القليل فجعل كل حزب قليلاً، جمع السلامة الذي هو للقلة، وقد يجمع القليل على أقلة وقلل، والظاهر تقليل العدد. قال الزمخشري : ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة والقماءة، ولا يريد قلة العدد، والمعنى: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا تتوقع غفلتهم، ولكنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم يساره، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه. انتهى . قال أبو حاتم: وقرأ من لا يؤخذ عنه: ﴿لشرذمة قليلون﴾، وليست هذه موقوفة. انتهى. يعني أن هذه القراءة ليست موقوفة على أحد رواها عن رسول الله صلطهر. وقيل: ﴿الغائظون﴾: أي بخلافهم وأخذهم الأموال حين استعاروها ولم يردوها، وخرجوا هاربين. وقرأ الكوفيون، وابن ذكوان، وزيد بن علي: ﴿حاذرون﴾، بالألف، وهو الذي قد أخذ يحذر ويجدد حذره، وحذر متعد. قال تعالى: ﴿يحذر الآخرة﴾(١). وقال العباس بن مرداس: إلى أوصال ذيال صنيع وإني حاذر أنمي سلاحي وقرأ باقي السبعة: بغير ألف وهو المتيقظ. وقال الزجاج: مؤدون، أي ذوو أدوات وسلاح، أي متسلحين. وقيل: حذرون في الحال، وحاذرون في المآل. وقال الفراء: الحاذر: الخائف ما يرى، والحذر: المخلوق حذراً. وقال أبو عبيدة: رجل حذر وحذر وحاذر بمعنى واحد. وذهب سيبويه إلى أن حذراً يكون للمبالغة، وأنه يعمل كما يعمل حاذر، فينصب المفعول به، وأنشد: ما ليس منجيه من الأقدار حذر أموراً لا تضير وآمن وقد نوزع في ذلك بما هو مذكور في كتب النحو. وعن الفراء أيضاً، والكسائي: رجل حذر، إذا كان الحذر في خلقته، فهو متيقظ منتبه. وقرأ سميط بن عجلان، وابن أبي (١) سورة الزمر: ٩/٣٩. ١٥٨ - سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ عمار، وابن السميفع: حادرون، بالدال المهملة من قولهم: عين حدرة، أي عظيمة، والحادر: المتورم. قال ابن عطية: فالمعنى ممتلئون غيظاً وأنفة. وقال ابن خالويه: الحادر: السمين القوي الشديد، يقال غلام حدر بدر. وقال صاحب اللوامح: حدر الرجل: قوي بأسه، يقال: منه رجل حدر بدر، إذا كان شديد البأس في الحرب، ويقال: رجل حدر، بضم الدال للمبالغة، مثل يقظ. وقال الشاعر: أحب الصبي السوء من أجل أمّه وأبغضه من بغضها وهو حادر أي سمين قوي. وقيل: مدجّجون في السلام. ﴿فأخرجناهم﴾: الضمير عائد على القبط. ﴿من جنات وعيون﴾: بحافتي النيل من أسوان إلى رشيد، قاله ابن عمر وغيره، والجمهور: على أنها عيون الماء. وقال ابن جبير: المراد عيون الذهب. ﴿وكنوز): هي الأموال التي خربوها. قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنه لم ينفق في طاعة الله قط. وقال الضحاك: الكنوز: الأنهار. قال صاحب التحبير: وهذا فيه نظر، لأن العيون تشملهما. وقيل: هي كنوز المقطم ومطالبه. قال ابن عطية: هي باقية إلى اليوم. انتهى. وأهل مصر في زماننا في غاية الطلب لهذه الكنوز التي زعموا أنها مدفونة في المقطم، فينفقون على حفر هذه المواضع في المقطم الأموال الجزيلة، ويبلغون في العمق إلى أقصى غاية، ولا يظهر لهم إلا التراب أو حجر الكذان الذي المقطم مخلوق منه، وأي مغربي يرد عليهم سألوه عن علم المطالب. فكثير منهم يضع في ذلك أوراقاً ليأكلوا أموال المصريين بالباطل، ولا يزال الرجل منهم يذهب ماله في ذلك حتى يفتقر، وهو لا يزداد إلا طلباً لذلك حتى يموت. وقد أقمت بين ظهرانيهم إلى حين كتابة هذه الأسطر، نحواً من خمسة وأربعين عاماً، فلم أعلم أن أحداً منهم حصل على شيء غير الفقر؛ وكذلك رأيهم في تغوير الماء. يزعمون أن ثم آباراً، وأنه يكتب أسماء في شقفة، فتلقى في البئر، فيغور الماء وينزل إلى باب في البئر، يدخل منه إلى قاعة مملوءة ذهباً وفضة وجوهراً وياقوتاً. فهم دائماً يسألون من يرد من المغاربة عمن يحفظ تلك الأسماء التي تكتب في الشقفة، فيأخذ شياطين المغاربة منهم مالاً جزيلاً، ويستأكلونهم، ولا يحصلون على شيء غير ذهاب أموالهم، ولهم أشياء من نحو هذه الخرافات، يركنون إليها ويقولون بها، وإنما أطلت في هذا على سبيل التحذير لمن يعقل. وقوله تعالى: ﴿ومقام كريم﴾. قال ابن لهيعة: هو الفيوم. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: هو المنابر للخطباء. وقيل: الأسرة في الكلل. وقيل: مجالس الأمراء ١٥٩ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ والأشراف والحكام. وقال النقاش: المساكن الحسان. وقيل: مرابط الخيل، حكاه الماوردي. وقرأ قتادة، والأعرج: ومقام، بضم الميم من أقام كذلك. قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، والجر على أنه وصف لمقام، أي ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. انتهى. فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني، لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، ولا يشبه الشيء بنفسه . والظاهر أن قوله: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾، أنهم ملکوا ديار مصر بعد غرق فرعون وقومه، لأنه اعتقب قوله: ﴿وأورثناها﴾: قوله: ﴿وأخرجناهم﴾، وقاله الحسن؛ قال: كما عبروا النهر، رجعوا وورثوا ديارهم وأموالهم. وقيل: ذهبوا إلى الشام وملكوا مصر زمن سليمان. وقرأ الجمهور: ﴿فاتبعوهم﴾: أي فلحقوهم. وقرأ الحسن، والذماري: فاتبعوهم، بوصل الألف وشد التاء. ﴿مشرقين﴾: داخلين في وقت الشروق، من شرقت الشمس شروقاً، إذا طلعت، كأصبح: دخل في وقت الصباح، وأمسى: دخل في وقت المساء. وقال أبو عبيدة: فاتبعوهم نحو الشرق، كأنجد: إذا قصد نحو نجد. والظاهر أن مشرقين حال من الفاعل. وقيل: مشرقين: أي في ضياء، وكان فرعون وقومه في ضباب وظلمة، تحيروا فيها حتى جاوز بنو إسرائيل البحر، فعلى هذا يكون مشرقين حالاً من المفعول. ﴿فلما تراءى الجمعان﴾: أي رأى أحدهما الآخر، ﴿قال أصحاب موسی إنا لمدركون﴾: أي ملحقون، قالوا ذلك حين رأوا العدوّ القوي وراءهم والبحر أمامهم، وساءت ظنونهم. وقرأ الأعمش: وابن وثاب: تراي الجمعان، بغير همز، على مذهب التخفيف بين بين، ولا يصح القلب لوقوع الهمزة بين ألفين، إحداهما ألف تفاعل الزائدة بعد الفاء، والثانية اللام المعتلة من الفعل. فلو خففت بالقلب لاجتمع ثلاث ألفات متسقة، وذلك مما لا يكون أبداً، قاله أبو الفضل الرازي. وقال ابن عطية: وقرأ حمزة: تريء، بكسر الراء ويمد ثم يهمز؛ وروى مثله عن عاصم، وروي عنه أيضاً مفتوحاً ممدود، أو الجمهور يقرؤونه مثل تراعى، وهذا هو الصواب، لأنه تفاعل. وقال أبو حاتم: وقراءة حمزة هذا الحرف محال، وحمل عليه، قال: وما روي عن ابن وثاب والأعمش خطأ. انتهى. وقال الأستاذ أبو جعفر أحمد ابن الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن خلف الأنصاري، ١٦٠ سورة الشعراء / الآيات: ١ - ١٠٤ هو ابن الباذش، في كتاب الإقناع من تأليفه: تراءى الجمعان في الشعراء. إذا وقف عليها حمزة والكسائي، أما لا الألف المنقلبة عن لام الفعل، وحمزة يميل ألف تفاعل وصلاً ووقفاً لإمالة الألف المنقلبة؛ ففي قراءته إمالة الإمالة. وفي هذا الفعل، وفي راءى، إذا استقبله ألف وصل لمن أمال للإمالة، حذف السبب وإبقاء المسبب، كما قالوا: صعقى في النسب إلى الصعق. وقرأ الجمهور: لمدركون، بإسكان الدال؛ والأعرج، وعبيد بن عمیر: بفتح الدال مشددة وكسر الراء، على وزن مفتعلون، وهو لازم، بمعنى الفناء والاضمحلال. يقال: منه ادّرك الشيء بنفسه، إذا فنى تتابعاً، ولذلك كسرت الراء على هذه القراءة، نص على كسرها أبو الفضل الرازي في (كتاب اللوامح)، والزمخشري في (كشافه) وغيرهما. وقال أبو الفضل الرازي: وقد يكون ادّرك على افتعل بمعنى أفعل متعدياً، فلو كانت القراءة من ذلك، لوجب فتح الراء، ولم يبلغني ذلك عنهما، يعني عن الأعرج وعبيد بن عمير. قال الزمخشري: المعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد، ومنه بيت الحماسة: أبعد بني أمي الذين تتابعوا أرجى الحياة أم من الموت أجزع ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾: زجرهم وردعهم بحرف الردع وهو كلا، والمعنى: لن يدركوكم لأن الله وعدكم بالنصر والخلاص منهم، إن معي ربي سيهدين عن قريب إلى طريق النجاة ويعرفنيه. وقيل: سيكفيني أمرهم. ولما انتهى موسى إلى البحر، قال له مؤمن آل فرعون، وكان بين يدي موسى: أين أمرت، وهذا البحر أمامك وقد غشيتك آل فرعون؟ قال: أمرت بالبحر، ولا يدري موسى ما يصنع. ورويت هذه المقالة عن يوشع، قالها لموسى عليه السلام، فأوحى الله إليه ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾، فخاض يوشع الماء. وضرب موسى بعصاه، فصار فيه اثنا عشر طريقاً، لكل سبط طريق. أراد تعالى أن يجعل هذه الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل فعله، ولكنه بقدرة الله إذ ضرب البحر بالعصا لا يوجب انفلاق البحر بذاته، ولو شاء تعالى لفلقه دون ضربه بالعصا، وتقدّم الخلاف في مكان هذا البحر. ﴿فانفلق﴾: ثم محذوف تقديره: فضرب فانفلق. وزعم ابن عصفور في مثل هذا التركيب أن المحذوف هو ضرب، وفاء انفلق. والفاء في انفلق هي فاء ضرب، فأبقى من كل ما يدل على المحذوف، أبقيت الفاء من فضرب واتصلت بانفلق، ليدل على ضرب المحذوفة، وأبقى انفلق ليدل على الفاء المحذوفة منه. وهذا قول شبيه بقول صاحب