Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سورة مريم / الآيات: ٤١ - ٩٨
سور المدينة والجبال الخشع
لما أتى خبر الزبير تواضعت
وقال آخر:
على ابن لبني الحارث بن هشام
ألم تر صدعاً في السماء مبيناً
وقال الآخر:
كأن الأرض ليس بها هشام
فأصبح بطن مكة مقشعرّاً
وقال آخر:
بكى حارث الجولان من فقد ربه
حارث الجولان: موضع .
وحوران منه خاشع متضائل
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور
الجبال، ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان أحدهما أن الله يقول:
كدت أفعل هذه بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه
بها لولا حلمي ووقاري، وإني لا أعجل بالعقوبة كما قال ﴿إن الله يمسك السموات
والأرض﴾(١) الآية.
والثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وتصويراً لأثرها في الدين
وهدمها لأركانه. وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات أن يصيب هذه الأجرام
العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخر انتهى .
وقال ابن عباس إن هذا الكلام فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق
إلّ الثقلين وكدن أن يزلن منه تعظيماً لله تعالى. وقيل: المعنى كادت القيامة أن تقوم فإن
هذه الأشياء تكون حقيقة يوم القيامة. وقيل: ﴿تكاد السموات يتفطرن﴾ أي تسقط عليهم
﴿وتنشق الأرض﴾ أي تخسف بهم ﴿وتخر الجبال هدّاً﴾ أي تنطبق عليهم. وقال أبو
مسلم: تكاد تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول، وانتصب ﴿هدّأ﴾ عند النحاس
على المصدر قال: لأن معنى ﴿تخرّ﴾ تنهد انتهى. وهذا على أن يكون ﴿هدأ﴾ مصدراً
لهد الحائط يهد بالكسر هديداً وهداً وهو فعل لازم. وقيل ﴿هدأ﴾ مصدر في موضع الحال
أي مهدودة، وهذا على أن يكون ﴿هدا﴾ مصدر هد الحائط إذا هدمه وهو فعل متعد،
(١) سورة فاطر: ٤١/٣٥ .

٣٠٢
سورة مريم / الآيات: ٤١ - ٩٨
وأجاز الزمخشري أن يكون مفعولاً له أي لأنها تهد، وأجاز الزمخشري في ﴿أن دعوا﴾
ثلاثة أوجه. قال أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه كقوله:
على حالة لو أن في القوم حاتماً على جوده لضن بالماء حاتم
وهذا فيه بعد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه لجملتين، قال: ومنصوباً بتقدير سقوط
اللام وإفضاء الفعل أي ﴿هدا﴾ لأن دعوا علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن،
وهذا فيه بعد لأن الظاهر أن ﴿هدأ﴾ لا يكون مفعولاً بل مصدر من معنى ﴿وتخر﴾ أو في
موضع الحال، قال: ومرفوعاً بأنه فاعل ﴿هدأ﴾ أي هدها دعاء الولد للرحمن، وهذا فيه
بعد لأن ظاهر ﴿هدا﴾ أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل ولو فرضناه
غير توكيد لم يعمل بقياس إلّ إن كان أمراً أو مستفهماً عنه، نحو ضربا زيداً، واضربا زيداً
على خلاف فيه. وأما إن كان خبراً كما قدره الزمخشري أي هدها دعاء الرحمن فلا ينقاس
بل ما جاء من ذلك هو نادر كقوله:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم
أي وقف صحبي .
وقال الحوفي وأبو البقاء ﴿أن دعوا﴾ في موضع نصب مفعول له، ولم يبينا العامل
فيه. وقال أبو البقاء أيضاً: هو في موضع جر على تقدير اللام، قال: وفي موضع رفع أي
الموجب لذلك دعاؤهم، ومعنى ﴿دعوا﴾ سموا وهي تتعدّى إلى اثنين حذف الأول منهما،
والتقدير سموا معبودهم ولداً للرحمن أي بولد لأن دعا هذه تتعدى لاثنين، ويجوز دخول
الباء على الثاني تقول: دعوت ولدي بزيد، أو دعوت ولدي زيداً. وقال الشاعر:
أخاها ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن
وقال آخر:
تجده بغيب منك غير نصيح
ألا رب من يدعي نصيحاً وإن یغب
وقال الزمخشري: اقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعا له
ولداً، قال أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله عليه السلام: ((من ادّعى إلى
غير مواليه)). وقول الشاعر:
إنّا بني نهشل لا ندعي لأب

٣٠٣
سورة مريم / الآيات: ٤١ - ٩٨
أي لا ننتسب إليه انتهى. وكون ﴿دعوا﴾ هنا بمعنى سموا هو قول الأكثرين. وقيل:
﴿دعوا﴾ بمعنى جعلوا. و﴿ينبغي﴾ مطاوع لبغي بمعنى طلب، أي وما يتأتى له إتخاذ الولد
لأن التوالد مستحيل والتبني لا يكون إلّ فيما هو من جنس المتبنى، وليس له تعالى جنس
و﴿ينبغي﴾ ليس من الأفعال التي لا تتصرف بل سمع لها الماضي قالوا: أنبغى وقد عدّها
ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وهو غلط و﴿من﴾ موصولة بمعنى الذي
أي ما كل الذي في السموات وكل تدخل على الذي لأنها تأتي للجنس كقوله تعالى
﴿والذي جاء بالصدق﴾(١) ونحو:
وكل الذي حملتّ أتحمل
وقال الزمخشري: ﴿من﴾ موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد رب في
قوله :
٠
رب من أنضجت غيظاً صدره
انتهى. والأولى جعلها موصولة لأن كونها موصوفة بالنسبة إلى الموصولة قليل. وقرأ
عبد الله وابن الزبير وأبو حيوة وطلحة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ويعقوب إلّ آتٍ بالتنوين
﴿الرحمن﴾ بالنصب والجمهور بالإضافة و﴿آتي﴾ خبر ﴿كل﴾ وانتصب ﴿عبداً﴾ على
الحال. وتكرر لفظ ﴿الرحمن﴾ تنبيهاً على أنه لا يستحق هذا الاسم غيره، إذ أصول النعم
وفروعها منه ومن في السموات والأرض يشمل من اتخذوه معبوداً من الملائكة وعيسى
وعزيراً بحكم ادعائهم صحة التوالد أو بحكم زعمهم ذلك فأشركوهم في العبادة إذ خدمة
الأبناء خدمة الآباء، فأخبر تعالى أنه ما من معبود لهم في السموات أو في الأرض إلّ يأتي
الرحمن عبداً منقاداً لا يدعيّ لنفسه شيئاً مما نسبوه إليه.
ثم ذكر تعالى أنه ﴿أحصاهم﴾ وأحاط بهم وحصرهم بالعدد، فلم يفته أحد منهم
* وانتصب ﴿فرداً﴾ على الحال أي منفرداً ليس معه أحد ممن جعلوه شريكاً، وخبر ﴿كلهم
آتيه﴾ ﴿فرداً﴾ وكلّ إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها نحو كلهم وكل الناس فالمنقول أنه
يجوز أن يعود الضمير مفرداً على لفظ كل، فتقول: كلكم ذاهب، ويجوز أن يعود جمعاً
· مراعاة للمعنى فتقول: كلكم ذاهبون. وحكى إبراهيم بن أصبغ في كتاب رؤوس المسائل
الإتفاق على جواز الوجهين، وعلى الجمع جاء لفظ الزمخشري في تفسير هذه الآية في
(١) سورة الزمر: ٣٣/٣٩.

٣٠٤
سورة مريم / الآيات: ٤١ - ٩٨
الكشاف ﴿وكلهم﴾ متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره، وقد خدش في ذلك أبو زيد
السهيلي فقال: كل إذا ابتدأت وكانت مضافة لفظاً يعني إلى معرفة فلا يحسن إلّ إفراد
الخبر حملاً على المعنى، تقول: كلكم ذاهب أي كل واحد منكم ذاهب، هكذا هذه
المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح فإن قلت: في قوله ﴿وكلهم آتيه﴾ إنما هو
حمل على اللفظ لأنه اسم مفرد قلنا: بل هو اسم للجمع واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد،
تقول: القوم ذاهبون، ولا تقول: القوم ذاهب وإن كان لفظ القوم كلفظ المفرد، وإنما
حسن كلكم ذاهب لأنهم يقولون كل واحد منكم ذاهب فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى
انتهى. ويحتاج في إثبات كلكم ذاهبون بالجمع ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب، أما إن
حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان.
والسين في ﴿سيجعل﴾ للاستقبال فاحتمل أن يكون هذا الجعل في الدنيا، وجيء
بأداة الاستقبال لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه السورة، وكانوا ممقوتين من
الكفرة، فوعدهم الله بذلك إذا ظهر الإسلام وفشا. واحتمل أن يكون ذلك في الدنيا على
الإطلاق كما في الترمذي. قال: ((إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني قد أحببت فلاناً
فأحبه، قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض)) قال الله عز وجل: ﴿إن
الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً﴾ إلى آخر الحديث وقال: هذا
حديث صحيح. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى أي إن
الله تعالى لما أخبر عن إتيان كل من في السموات والأرض في حال العبودية والانفراد، أنس
المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم ﴿وداً﴾ وهو ما يظهر عليهم من كرامته لأن محبة
الله للعبد إنما هي ما يظهر عليه من نعمه وأمارات غفرانه انتهى.
وقال الزمخشري: وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من
حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم. وقال أيضاً: والمعنى سيحدث لهم في القلوب مودّة
ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب بها الناس مودات
القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع مبرة أو غير ذلك، وإنما هو اختراع منه ابتداء
اختصاصاً منه لأوليائه بكرامة خاصة، كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاماً لهم
وإجلالاً لمكانهم انتهى. وقيل: في الكلام حذف والتقدير سيدخلهم دار كرامته ويجعل
لهم ﴿وداً﴾ بسبب نزع الغل من صدورهم بخلاف الكفار، فإنهم يوم القيامة يكفر بعضهم
ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، وفي النار أيضاً يتبرأ بعضهم من بعض.

٣٠٥
سورة مريم / الآيات : ٤١ - ٩٨
وقرأ الجمهور ﴿وداً﴾ بضم الواو. وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتحها. وقرأ جناح بن
حبيش ﴿وداً﴾ بكسر الواو. قيل: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن عوف كان اليهود
والنصارى والمنافقون يحبونه، وكان لما هاجر من مكة استوحش بالمدينة فشكا ذلك إلى
رسول الله* فنزلت. وقيل: نزلت في المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب
ألقى الله لهم وداً في قلب النجاشي، وذكر النقاش أنها نزلت في عليّ بن أبي طالب. وقال
محمد بن الحنفية: لا تجد مؤمناً إلّ وهو يحب علياً وأهل بيته انتهى. ومن غريب هذا ما
أنشدنا الإمام اللغوي رضي الدين أبو عبد الله محمد بن عليّ بن يوسف الأنصاري الشاطبي
رحمه الله تعالى لزبينا بن إسحاق النصراني الرسغي :
بسوء ولكني محب لهاشم
عدّي وتيم لا أحاول ذكرهم
إذا ذكروا في الله لومة لائم
وما تعتريني في عليّ ورهطه
وأهل النهي من أعرب وأعاجم
يقولون ما بال النصارى تحبهم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم
فقلت لهم إني لأحسب حبهم
وذكر أبو محمد بن حزم أن بغض عليّ من الكبائر. والضمير في ﴿يسرناه﴾ عائد على
القرآن، أي أنزلناه عليكِ ميسراً سهلاً ﴿بلسانك﴾ أي بلغتك وهو اللسان العربي المبين.
﴿لتبشر به المتقين﴾ أي تخبرهم بما يسرهم وبما يكون لهم من الثواب على تقواهم واللد
جمع. وقال ابن عباس: ﴿لدأ﴾ ظلمة، ومجاهد فجاراً، والحسن صماً، وأبو صالح عوجاً
عن الحق، وقتادة ذوي جدل بالباطل آخذين في كل لديد بالمراء أي في كل جانب لفرط
لجاجهم يريد أهل مكة .
﴿وكم أهلكنا﴾ تخويف لهم وإنذار بالإهلاك بالعذاب والضمير في قوله ﴿قبلهم)
عائد على ﴿قوماً لداً﴾ و﴿هل تحس﴾ استفهام معناه النفي أي لا تحس. وقرأ الجمهور:
﴿هل تحس﴾ مضارع أحس. وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة وأبو جعفر المدني
﴿تحس﴾ بفتح التاء وضم الحاء. وقرىء ﴿تحس﴾ من حسه إذا شعر به ومنه الحواس
والمحسوسات. وقرأ حنظلة ﴿أو تسمع﴾ مضارع أسمعت مبنياً للمفعول. وقال ابن
عباس: الركز الصوت الخفي. قال ابن زيد الحس. وقال الحسن: لما أتاهم عذابنا لم يبق
منهم شخص يرى ولا صوت يسمع. وقيل: المعنى ماتوا ونسي ذكرهم فلا يخبر عنهم
مخبر.
تفسير البحر المحيط ج٧ م٢٠

٣٠٦.
سورة طه / الآيات: ١ - ٤٩
آياتها
١٣٥
سُورَةُ طبة
ـريد:
٢٠
3
طه ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى: ﴿إِلَّا نَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى أَ تَنزِيلًا
مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى اللَّهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَإِن تَّجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ الْسِرَ
وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثََّى فـ
وَهَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ مُوسَى
٨
وَأَخْفَى ﴿ اللَّهُلَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىَ (
إِذْرَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ آَمْكُتُواْإِّ ءَانَسْتُ نَارَالَّعَلَّ انِيَكُمْ مِنْهَ بِقَبَسٍ أَوْأَجِدُ عَلَى
٩
النَّارِ هُدَّى ﴿﴿فَلَمَّآ أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ ﴿﴿ إِنَّ أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكٌ إِنَّكَ بِالْوَادِ
اُلْمُقَدَّسِ طُوَّى ﴿٣] وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىّ ◌َ إِنَِّى أَنَا ◌َللَّهُ لَآ إِلَهَإِلََّ أَنَاْفَاَ عْبُدْنِىِ
حَ إِنَّالسَّاعَةَ ◌َائِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّنَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
١٤
وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ
١٥
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَبَعَ هَوَنِهُ فَتَرْدَى ﴿وَ مَاتِلْكَ بِيَمِينِكَ
يَمُوسَى ® قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَ كَُّأْ عَلَيْهَا وَأَهُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِ فِهَا مَثَارِبُ
قَالَ خُذْهَا وَلَا
٢٠
فَأَلْقَدْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى
أُخْرَى ◌ِّ قَالَ أَلْفِهَا يَمُوسَى ®
تَخَفْ سَنُعِيدُ هَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى ﴾ وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ
قَالَ
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَ
٢٣
◌َ لِتُرِيَكَ مِنْءَايَتِنَا الْكُبْرَى
سُوءٍ ءَايَةً أُخْرَى
يَفْقَهُواْ قَوْلِي ◌َّ
رَبِّ أَشْرَحْ لِ صَدْرِى ﴿ّا وَيَسِّرْلِ أَمْرِى وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن ◌ِّسَانِ ◌ّ

٣٠٧
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى
وَأَشْرِكُهُ فِى أَمْرِى لَا كَىْ
٣
)آشددیە=أزْرِی
٣٠
أَهَرُونَ أَخِى
٢٩
نُسَيِّحَكَ كَثِيرًا (٣٦) وَنَذْكُرَ كَثِيرًا (١٦) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٢٥ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
أَنِأُقْذِفِیهِفِ
(٣٨
إِذْ أَ وَحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى
٣٧
﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىّ
الثَّابُوتِ فَاقْذِفِهِ فِ الْيَمِ فَيُلْقِهِ الْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌلَّةً، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً
إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ.
مِّنِى وَلِنُصْنَعَ عَلَىعَيْنِىّ
٣٩
فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَتْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسَا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمْ وَفَنَتَّكَ فُونًاً
فَلَبِئْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّجِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى: ﴿ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى
٤١
الثرى: التراب الندي ويثنّى ثريان، ويقال ثريت التربة بللتها، وثريت الأرض تثرى
ثري فهي تربة ابتل ترابها بعد الجدوبة، وأثرت فهي مثریة کثر ترابها، وأرض ثرى ذات
ثرى. وقال ابن الأعرابي: يقال فلان قريب الثرى بعيد النبط للذي يعد ولا يفي، ويقال:
إني لأرى ثرى الغضب في وجه فلان أي أثره، ويقال الثرى بيني وبين فلان إذا انقطع ما
بینکما. وقال جریر:
فإن الذي بيني وبينكم مثري
فلا تنبشوا بيني وبينكم الثرى
آنس: وجد، تقول العرب: هل آنست فلان أي وجدته. وقيل: أحس وهو قريب من وجد.
قال الحارث بن حلزة:
عصراً وقد دنا الإمساء
آنست نبأة وروعها القناص
القبس جذوة من النار تكون على رأس عود أو قصبة أو نحوه فعل بمعنى مفعول كالقبض
والنفض، ويقال: قبست منه ناراً أقبس فأقبسني أعطاني منه قبساً، ومنه المقبسة لما يقتبس
فيه من شقفة وغيرها، واقتبست منه ناراً. وعلماً أي استفدته. وقال المبرد: أقبست الرجل
علم وقبسته ناراً. وقال الكسائي: أقبسته ناراً وعلماً وقبسته أيضاً فيهما. الخلع والنعل
معروفان وهو إزالتها من الرجل. وقيل: النعل ما هو وقاية للرجل من الأرض كان من جلد أو
حديد أو خشب أو غيره. طوى: اسم موضع. السعي المشي بسرعة، وقد يطلق على
العمل. ردى يردى ردى هلك، وأرداه أهلكه. قال دريد بن الصمة :

٣٠٨٠
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
فقلت أعيذ الله ذلكم الردى
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً
توكأ على الشيء تحامل عليه في المشي والوقوف، ومنه الاتكاء. توكأت واتكأت بمعنى.
وتقدمت هذه المادة في سورة يوسف في قوله ﴿متكأ﴾(١) وشرحت هنا لاختلاف الوزنين
وإن كان الأصل واحداً. هش على الغنم يهش بضم الهاء خبط أوراق الشجر لتسقط،
وهش إلى الرجل يهش بالكسر قاله ثعلب إذا بش وأظهر الفرح به، والأصل في هذه المادة
الرخاوة يقال: رجل هش. الغنم معروف وهو اسم جنس مؤنث. المأربة بضم الراء وفتحها
وكسرها الحاجة وتجمع على مآرب، والإربة أيضاً الحاجة. الحية الحنش ينطلق على
الذكر والأنثى والصغير والكبير، وتقدمت مادته وكررت هنا لخصوصية المدلول. وقولهم
حواء للذي يصيد الحيات من باب قوة فالمادتان مختلفتان كسبط وسبطر. الأزر: الظهر قاله
الخليل، وأبو عبيد وآزره قواه، والأزر أيضاً القوة. وقال الشاعر:
بمحنية قد آزر الضال نبتها
مجر جيوش غانمين وخيب
القذفَ الرمي والإلقاء. الساحل شاطىء البحر وهو جانبه الخالي من الماء، سمي بذلك
لأن الماء يسحله أي يقشره فهو فاعل بمعنى مفعول. وقال أبو تمام:
هو" البحر من أي النواحي أتيته.
فلجته المعروف والجود ساحله
﴿بسم الله الرحمن الرحيم طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلّ تذكرة لمن يخشى
تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلي الرحمن على العرش استوى له ما في السموات
وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله
إلّ هو له الأسماء الحسنى﴾.
هذه السورة مكية بلا خلاف، كان عليه السلام يراوح بين قدميه يقوم على رجل
فنزلت قاله عليّ. وقال الضحاك: صلّى عليه السلام هو وأصحابه فأطال القيام لما أنزل
عليه القرآن، فقالت قريش: ما أنزل عليه إلّ ليشقى. وقال مقاتل: قال أبو جهل والنضر
والمطعم: إنك لتشقى بترك ديننا فنزلت. ومناسبة هذه السورة لآخر ما قبلها أنه تعالى لما
ذكر تيسير القرآن بلسان الرسول و لر أي بلغته وكان فيما علل به قوله ﴿لتبشر به المتقين
وتنذر به قوماً لدآ﴾ (٢) أكد ذلك بقوله ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلّ تذكرة لمن
(١) سورة يوسف: ٣١/١٢.
(٢) سورة مريم: ١٩ /٩٧.

٣٠٩
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
يخشى﴾ والتذكرة هي البشارة والنذارة، وإن ما ادعاه المشركون من إنزاله للشقاء ليس
كذلك بل إنما نزل تذكرة، والظاهر أن طه من الحروف المقطعة نحو: يس وألر وما
أشبههما، وتقدم الكلام على ذلك في أول البقرة. وعن ابن عباس والحسن وابن جبير
ومجاهد وعطاء وعكرمة: معنى ﴿طه﴾ يا رجل. فقيل بالنبطية. وقيل بالحبشية. وقيل
بالعبرانية. وقيل لغة يمنية في عك. وقيل في عكل. وقال الكلبي: لو قلت في عك يا رجل
لم يجب حتى تقول ﴿طه﴾. وقال السدّي معنى ﴿طه﴾ يا فلان. وأنشد الطبري في معنى
يا رجل في لغة عك قول شاعرهم:
فخفت عليه أن يكون موائلاً
دعوت بطه في القتال فلم يجب
وقول الآخر:
لا بارك الله في القوم الملاعين
إن السفاهة طه من خلائقكم
وقيل هو اسم من أسماء الرسول. وقيل: من أسماء الله. وقال الزمخشري: ولعل عكاً
تصرفوا في يا هذا كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء فقالوا في يا طأ واختصروا هذا فاقتصروا
على ها، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
لا قدس الله أخلاق الملاعين
إن السفاهة طه في خلائقكم
انتهى. وكان قد قدم أنه يقال إن طاها في لغة عك في معنى يا رجل، ثم تخرص
وحزر على عك بما لا يقوله نحوي هو أنهم قلبوا الياء طاء وهذا لا يوجد في لسان العرب
قلب يا التي للنداء طاء، وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرارها التي للتنبيه. وقيل:
طا فعل أمر وأصله طأ، فخففت الهمزة بإبدالها ألفاً وها مفعول وهو ضمير الأرض، أي طأ
الأرض بقدميك ولا تراوح إذ كان يراوح حتى تورمت قدماه. وقرأت فرقة منهم الحسن
وعكرمة وأبو حنيفة وورش في اختياره ﴿طه﴾. قيل: وأصله طأ فحذفت الهمزة بناء على
قلبها في يطأ على حد لا هناك المرتع بُني الأمر عليه وأدخلت هاء السكت وأجري الوصل
مجرى الوقف، أو أصله طأ وأبدلت همزته هاء فقيل ﴿طه﴾. وقرأ الضحاك وعمروبن
فائد: طاوي .
وقرأ طلحة ما نزل عليك بنون مضمومة وزاي مكسورة مشددة مبنياً للمفعول
﴿القرآن﴾ بالرفع. وقرأ الجمهور ﴿ما أنزلنا عليك القرآن﴾ ومعنى ﴿لتشقى) لتتعب بفرط

٣١٠.
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله ﴿لعلك باخع نفسك﴾(١)
والشقاء يجيء في معنى التعب ومنه المثل: أتعب من رائض مهر. وأشقى من رائض مهر.
قال الزمخشري: أي ما عليك إلّ أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن
لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة انتهى. وقيل: أريد رد ما قاله أبو جهل وغيره
مما تقدم ذكره في سبب النزول. و﴿لتشقى﴾ و﴿تذكرة﴾ علة لقوله ﴿ما أنزلنا﴾ وتعدى في
﴿نتشقى﴾ باللام لاختلاف الفاعل إذ ضمير ﴿ما أنزلنا﴾ هو الله، وضمير ﴿لتشقى﴾
للرسول وهو، ولما اتحد الفاعل في ﴿أنزلنا﴾ و﴿تذكرة﴾ إذ هو مصدر ذكر، والمذكر هو الله
وهو المنزل تعدى إليه الفعل فنصب على أن في اشتراط اتحاد الفاعل خلافاً والجمهور
يشترطونه .
وقال الزمخشري: فإن قلت: أما يجوز أن تقول: ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى
كقوله ﴿أن تحبط أعمالكم﴾(٢) قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في ﴿واختار موسى
قومه﴾(٣) وأما النصبة في ﴿تذكرة﴾ فهي كالتي في ضربت زيد لأنه أحد المفاعيل الخمسة
التي هي أصول وقوانين لغيرها انتهى. وليس كون أن تشقى إذا حذف الجار منصوباً متفقاً
عليه بل في ذلك خلاف. أهو منصوب تعدى إليه الفعل بعد إسقاط الحرف أو مجرور
بإسقاط الجار وإبقاء عمله؟
وقال ابن عطية: ﴿إلا تذكرة﴾ يصح أن ينصب على البدل من موضع ﴿لتشقى﴾
ويصح أن ينصب بإضمار فعل تقديره لكن أنزلناه تذكرة انتهى. وقد ردّ الزمخشري تخريج
ابن عطية الأول فقال: فإن قلت: هل يجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ بدلاً من محل ﴿لتشقى﴾؟
قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلّ فيه بمعنى لكن
انتهى. ويعني باختلاف الجنسين أن نصب ﴿تذكرة﴾ نصبة صحيحة ليست بعارضة والنصبة
التي تكون في ﴿لتشقى﴾ بعد نزع الخافض نصبة عارضة والذي نقول أنه ليس له محل البتة
فیتوهم البدل منه.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى ﴿إنا أنزلنا﴾ إليك ﴿القرآن﴾ لتحمل
متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق
وتكاليف النبوة و﴿ما أنزلنا عليك﴾ هذا المتعب الشاق ﴿إلّ﴾ ليكون ﴿تذكرة﴾ وعلى هذا
(١) سورة الكهف: ٦/١٨.
(٢) سورة الحجرات: ٢/٤٩.
(٣) سورة الأعراف: ١٥٥/٧.

٣١١
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
الوجه يجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ حالاً ومفعولاً له ﴿لمن يخشى﴾ لمن يؤول أمره إلى الخشية
انتهى. وهذا معنى متكلف بعيد من اللفظ وكون ﴿إلّ تذكرة﴾ بدل من محل ﴿لتشقى﴾ هو
قول الزجاج. وقال النحاس: هذا وجه بعيد وأنكره أبو عليّ من قبل أن التذكرة ليست
بشقاء. وقال الحوفي: ويجوز أن يكون ﴿تذكرة﴾ بدلاً من ﴿القرآن﴾ ويكون ﴿القرآن﴾
هو ﴿التذكرة﴾ وأجاز هو وأبو البقاء أن يكون مصدراً أي لكن ذكرنا به ﴿تذكرة﴾. قال أبو
البقاء ولا يجوز أن يكون مفعولاً له لأنزلنا المذكور لأنه قد تعدى إلى مفعول وهو ﴿لتشقى﴾
ولا يتعدى إلى آخر من جنسه انتهى. والخشية باعثة على الإيمان والعمل الصالح.
وانتصب ﴿تنزيلاً﴾ على أنه مصدر لفعل محذوف أي نزل ﴿تنزيلاً ممن خلق﴾.
وقال الزمخشري: في نصب ﴿تنزيلاً﴾ وجوه أن يكون بدلاً من ﴿تذكرة﴾ إذا جعل حالاً لا
إذا كان مفعولاً له، لأن الشيء لا يعلل بنفسه، وأن ينصب بنزل مضمراً، وأن ينصب بأنزلنا
لأن معنى ﴿ما أنزلنا﴾ ﴿إلّ تذكرة﴾ أنزلناه تذكرة، وأن ينصب على المدح والاختصاص،
وأن ينصب بيخشى مفعولاً به أي أنزله الله ﴿تذكرة لمن يخشى﴾ تنزيل الله وهو معنى حسن
وإعراب بين انتهى. والأحسن ما قدمناه أولاً من أنه منصوب بنزل مضمرة. وما ذكره
الزمخشري من نصبه على غير ذلك متكلف أما الأول ففيه جعل ﴿تذكرة﴾ و﴿تنزيلاً﴾
حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس، وأيضاً فمدلول ﴿تذكرة﴾ ليس
مدلول ﴿تنزيلاً﴾ ولا ﴿تنزيلاً﴾ بعض ﴿تذكرة﴾ فإن كان بدلاً فیکون بدل اشتمال على
مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول لأن التنزيل مشتمل على التذكرة وغيرها. وأما
قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلّ تذكرة أنزلناه تذكرة فليس كذلك لأن معنى الحصر يفوت في
قوله أنزلناه تذكرة، وأما نصبه على المدح فبعيد، وأما نصبه بمن يخشى ففي غاية البعد لأن
يخشى رأس آية وفاصل فلا يناسب أن يكون تنزيل مفعولاً بيخشى وقوله فيه وهو معنى
حسن وإعراب بين عجمة وبعد عن إدراك الفصاحة.
وقرأ ابن أبي عبلة تنزيل رفعاً على إضمار هو، وهذه القراءة تدل على عدم تعلق
يخشى بتنزيل وأنه منقطع مما قبله فنصبه على إضمار نزل كما ذكرناه، ومن الظاهر أنها
متعلقة بتنزيل ويجوز أن يكون في موضع الصفة فيتعلق بمحذوف. وفي قوله ﴿ممن خلق﴾
تفخيم وتعظيم لشأن القرآن إذ هو منسوب تنزيله إلى من هذه أفعاله وصفاته، وتحقير
لمعبوداتهم وتعريض للنفوس على الفكر والنظر وكأن في قوله ﴿ممن خلق﴾ التفات إذ فيها
الخروج من ضمير التكلم وهو في ما أنزلناه إلى الغيبة وفيه عادة التفنن في الكلام وهو مما

٣١٢
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
يحسن إذ لا يبقى على نظام واحد وجريان هذه الصفات على لفظ الغيبة والتفخيم بإسناد
الإنزال إلى ضمير الواحد المعظم نفسه، ثم إسناده إلى من اختص بصفات العظمة التي لم
يشركه فيها أحد فحصل التعظيم من الوجهين.
وقال الزمخشري ويجوز أن يكون ﴿أنزلنا﴾ حكاية لكلام جبريل عليه السلام
والملائكة النازلين معه انتهى. وهذا تجويز بعيد بل الظاهر أنه إخبار من الله تعالى عن
نفسه. و﴿العلى﴾ جمع العليا ووصف ﴿السموات﴾ بالعُلَى دليل على عظم قدرة من
اخترعها إذ لا يمكن وجود مثلها في علوها من غيره تعالى، والظاهر رفع ﴿الرحمن﴾ على
خبر مبتدأ محذوف تقديره هو ﴿الرحمن﴾. وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون بدلاً من
الضمير المستتر في ﴿خلق﴾ انتهى. وأرى أن مثل هذا لا يجوز لأن البدل يحل محل
المبدل منه، و﴿الرحمن﴾ لا يمكن أن يحل محل الضمير لأن الضمير عائد على من
الموصولة و﴿خلق﴾ صلة، والرابط هو الضمير فلا يحل محله الظاهر لعدم الرابط. وأجاز
الزمخشري أن يكون رفع ﴿الرحمن﴾ على الابتداء قال يكون مبتدأ مشاراً بلامه إلى من
خلق. وروى جناح بن حبيش عن بعضهم أنه قرأ الرحمن بالكسر. قال الزمخشري: صفة
لمن خلق يعني لمن الموصولة ومذهب الكوفيين أن الاسماء النواقص التي لا تتم إلّ
بصلاتها نحو من وما لا يجوز نعتها إلّ الذي والتي فيجوز نعتهما، فعلى مذهبهم لا يجوز
أن يكون ﴿الرحمن﴾ صفة لمن فالأحسن أن يكون ﴿الرحمن﴾ بدلاً من من، وقد جرى
﴿الرحمن﴾ في القرآن مجرى العلم في ولايته العوامل. وعلى قراءة الجريكون التقدير هو
﴿على العرش استوى﴾ وعلى قراءة الرفع إن كان بدلاً كما ذهب إليه ابن عطية فكذلك أو
مبتدأ كما ذكره الزمخشري ففي موضع الخبر أو خبر مبتدأ كما هو الظاهر، فيكون
﴿الرحمن﴾ والجملة خبرين عن هو المضمر. وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة في
الأعراف.
وما روي عن ابن عباس من الوقف على قوله ﴿على العرش﴾ ثم يقرأ ﴿استوى له ما
في السموات﴾ على أن يكون فاعلاً لاستوى لا يصح إن شاء الله.
ولما ذكر تعالى أنه اخترع السموات والأرض وأنه استوى على العرش ذكر أنه تعالى
﴿له﴾ ملك جميع ﴿ما﴾ حوت ﴿السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ أي تحت
الأرض السابعة قاله ابن عباس ومحمد بن كعب. وعن السدّي: هو الصخرة التي تحت
الأرض السابعة. وقيل: ﴿ما تحت الثرى﴾ ما هو في باطن الأرض فيكون ذلك توكيداً لقوله

٣١٣
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
﴿وما في الأرض﴾ إلّ إن كان المراد بفي الأرض ما هو عليها فلا يكون توكيداً. وقيل:
المعنى أن علمه تعالى محيط بجميع ذلك لأنه منشئه فعلى هذا يكون التقدير ﴿له﴾ علم
﴿ما في السموات﴾.
ولما ذكر تعالى أولاً إنشاء السموات والأرض وذكر أن جميع ذلك وما فيهما ملكه ذكر
تعالى صفة العلم وأن علمه لا يغيب عنه شيء والخطاب بقوله: ﴿وإن تجهر بالقول﴾
للرسول ظاهر أو المراد أمته، ولما كان خطاب الناس لا يتأتى إلّ بالجهر بالكلام جاء الشرط
بالجهر وعلق على الجهر علمه بالسر لأن علمه بالسر يتضمن علمه بالجهز، أي إذا كان
يعلم السر فأحرى أن يعلم الجهر والسر مقابل للجهر كما قال ﴿يعلم سركم وجهركم﴾(١)
والظاهر أن ﴿أخفى﴾ أفعل تفضيل أي ﴿وأخفى﴾ من السر.
قال ابن عباس: ﴿السر﴾ ما تسره إلى غيرك، والأخفى ما تخفيه في نفسك وقاله
الفراء. وعن ابن عباس أيضاً ﴿السر﴾ ما أسره في نفسه، والأخفى ما خفي عنه مما هو
فاعله وهو لا يعلمه. وعن قتادة: قريب من هذا. وقال مجاهد: ﴿السر﴾ ما تخفيه من
الناس ﴿وأخفى﴾ منه الوسوسة. وقال ابن زيد ﴿السر﴾ سر الخلائق ﴿وأخفى﴾ منه سره
تعالى وأنكر ذلك الطبري. وقيل: ﴿السر﴾ العزيمة ﴿وأخفى﴾ منه ما لم يخطر على
القلب، وذهب بعض السلف إلى أن قوله ﴿وأخفى﴾ هو فعل ماض لا أفعل تفضيل أي
﴿يعلم﴾ أسرار العباد ﴿وأخفى﴾ عنهم ما يعلمه هو كقوله ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم
ولا يحيطون بشيء من علمه﴾(٢) وقوله ﴿ولا يحيطون به علماً﴾(٣). قال ابن عطية: وهو
ضعيف .
وقال الزمخشري: وليس بذلك قال: فإن قلت: كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت:
معناه إن تجهر بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك فإما أن يكون نهياً عن
الجهر كقوله ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول﴾ (٤) وإما تعليماً
للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر انتهى.
والجلالة مبتدأ و﴿لا إله إلّ هو﴾ الخبر و﴿له الأسماء الحسنى﴾ خبر ثان، ويجوز أن
يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قيل من ذا الذي يعلم السر وأخفى؟ فقيل: هو ﴿الله﴾
(١) سورة الأنعام: ٣/٦.
(٢) سورة البقرة: ٢٥٥/٢.
(٣) سورة طه: ٢٠ /١١٠.
(٤) سورة الأعراف: ٢٠٥/٧ .
:

٣١٤
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
و﴿الحسنى﴾ تأنيث الأحسن وصفة المؤنثة المفردة تجري على جمع التكسير، وحسن ذلك
كونها وقعت فاصلة والأحسنية كونها تضمنت المعاني التي هي في غاية الحسن من
التقديس والتعظيم والربوبية، والأفعال التي لا يمكن صدورها إلّ منه، وذكروا أن هذه
﴿الأسماء﴾ هي التي قال فيها رسول الله ويلشير: ((إن الله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها
دخل الجنة)). وذكرها الترمذي مسندة.
﴿وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلى آتيكم
منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك
بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلّ أنا فاعبدني وأقم
الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من
لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش
بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال
خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء
آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ .
٠
ولما ذكر تعالى تعظيم كتابه وتضمن تعظيم رسوله أتبعه بقصة موسی لیتأسی به في
تحمل أعباء النبوة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، كما قال تعالى ﴿وكلا
نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾(١) فقال تعالى: ﴿وهل أتاك حديث
موسى﴾ . هذا استفهام تقرير يحث على الإصغاء لما يلقى إليه وعلى التأسي. وقيل:
﴿هل﴾ بمعنى قد أي قد ﴿أتاك﴾، والظاهر خلاف هذا لأن السورة مكية. والظاهر أنه لم
يكن أطلعه على قصة موسى قبل هذا. وقيل: إنه استفهام معناه النفي أي ما أخبرناك قبل
هذه السورة بقصة موسى، ونحن الآن قاصّون قصته لتتسلى وتتأسى وكان من حديثه أنه
عليه السلام لما قضى أكمل الأجلين استأذن شعيباً في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة
والدته وأخته فأذن له، وقد طالت مدة جنايته بمصر ورجا خفاء أمره، فخرج بأهله وماله
وكان في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته حامل فلا يدري
أليلاً تضع أم نهاراً، فسار في البرية لا يعرف طرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور
الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فلم يور.
قيل: كان رجلاً غيوراً يصحب الرفقة ليلاً ويفارقهم نهاراً لئلا ترى امرأته، فأضل الطريق.
(١) سورة هود: ١٢٠/١١.
٠

٣١٥
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
قال وهب: ولد له ابن في الطريق ولما صلد زنده ﴿رأى ناراً﴾. والظاهر أن ﴿إذ﴾.
ظرف للحديث لأنه حدث. وأجاز الزمخشري أن تكون ظرفاً لمضمر أي ﴿ناراً﴾ كان كيت
وكيت، وأن تكون مفعولاً لأذكر ﴿امكثوا﴾ أي أقيموا في مكانكم، وخاطب امرأته وولديه
والخادم. وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة ونافع في رواية ﴿لأهله امكثوا﴾ بضم الهاء وكذا في
القصص والجمهور بكسرها ﴿إني آنست﴾ أي أحسست، والنار على بعد لا تحس إلّ
بالبصر فلذلك فسره بعضهم برأيت، والإيناس أعم من الرؤية لأنك تقول ﴿آنست﴾ من
فلان خيراً. وقال الزمخشري: الإيناس الإبصار البينّ الذي لا شبهة فيه، ومنه إنسان العين
لأنه يتبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم. وقيل: هو إبصار ما يؤنس
به لما وجد منه الإيناس فكان مقطوعاً متيقناً حققه لهم بكلمة إن ليوطن أنفسهم. ولما كان
الإتيان بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع، وقال:
لعل ولم يقطع فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما ليس يستيقن الوفاء به انتهى. والظاهر أنه رأى
نوراً حقيقة.
وقال الماوردي: كانت عند موسى ﴿ناراً﴾ وكانت عند الله نوراً. قيل: وخيِّل له أنه
نار. قيل: ولا يجوز هذا لأن الإخبار بغير المطابق لا يجوز على الانبياء عليهم الصلاة
والسلام. ولفظة على ههنا على بابها من الاستعلاء، ومعناه أن أهل النار يستغلون المكان
القريب منها، أو لأن المصطلين بها والمستمتعين إذا تكنفوها قياماً وقعوداً كانوا مشرفين
عليها ومنه قول الأعشى:
ويأت على النار الندى والمحلق
وقال ابن الأنباري: على بمعنى عند وبمعنى مع وبمعنى الباء، وذكر الزجّاج أنه ضل
عن الماء فترجى أن يلقى من يهديه الطريق أو يدله على الماء، وانتصب ﴿هدى﴾ على أنه
مفعول به على تقدير محذوف أي ذا ﴿هدى﴾ أو على تقدير حذف لأنه إذا وجد الهادي فقد
وجد الهدى هدى الطريق. وقيل: ﴿هدى﴾ في الدين قاله مجاهد وقتادة وهو بعيد، وهو
وإن كان طلب من يهديه الطريق فقد وجد الهدى على الإطلاق.
والضمير في ﴿أتاها﴾ عائد على النار أتاها فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة
عناب قاله ابن عباس. وقيل: سمرة قاله عبد الله. وقيل: عوسج قاله وهب. وقيل: عليقة
عن قتادة ومقاتل والكلبي وكان كلما قرب منها تباعدت فإذا أدبر اتبعته، فأيقن أن هذا أمر

٣١٦
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
من أمور الله الخارقة للعادة، ووقف متحيراً وسمع من السماء تسبيح الملائكة وألقيت عليه
السكينة و﴿نودي﴾ وهو تكليم الله إياه. وقرأ الجمهور: ﴿إِني﴾ بكسر الهمزة على إضمار
القول عند البصريين، وعلى معاملة النداء معاملة القول لأنه ضرب منه على مذهب
الكوفيين. و﴿أنا﴾ مبتدأ أو فصل أو توكيد لضمير النصب، وفي هذه الأعاريب حصل
التركيب لتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: وأني بفتح الهمزة والظاهر
أن التقدير بأني ﴿أنا ربك﴾. وقال ابن عطية: على معنى لأجل ﴿إني أنا ربك فاخلع
نعليك﴾ و﴿نودي) قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو عليّ:
إن المنوه باسمه الموثوق
ناديت باسم ربيعة بن مكدم
انتهى. وعلمه بأن الذي ناداه هو الله تعالى حصل له بالضرورة خلقاً منه تعالى فيه أو
بالاستدلال بالمعجزة، وعند المعتزلة لا يكون ذلك إلّ بالمعجز فمنهم من عينه ومنهم من
قال: لا يلزم أن يعرف ما ذلك المعجز قالوا: ولا يجوز أن يكون ذلك بالعلم الضروري لأنه
ينافي التكليف، والظاهر أن أمره تعالى إياه بخلع النعلين لعظم الحال التي حصل فيها
كما يخلع عند الملوك غاية في التواضع. وقيل: كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرحهما
لنجاستهما. وفي الترمذي عن النبيّ ◌َّ قال: ((كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف
وجبّة صوف وكمة صوف وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت)). قال: هذا
حديث غريب، والكمة القلنسوة الصغيرة وكونهما من جلد حمار ميت غير مدبوغ قول
عكرمة وقتادة والسدّي ومقاتل والكلبي والضحاك. وقيل: كانتا من جلد بقرة ذكي لكن أمر
بخلعهما لبيان بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه تربته وروى أنه خلق نعليه وألقاهما من
وراء الوادي. و﴿المقدس﴾ المطهر و﴿طوى) اسم علم عليه فيكون بدلاً أو عطف بيان.
وقرأ الحسن والأعمش وأبو حيوة وابن أبي إسحاق وأبو السمال وابن محيصن بكسر
الطاء منوناً. وقرأ الكوفيون وابن عامر بضمها منوناً. وقرأ الحرميان وأبو عمرو بضمها غير
منون. وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسرها غير منون. وقرأ عيسى بن عمر والضحاك طاوى
أذهب فمن نون فعلى تأويل المكان، ومن لم ينون وضم الطاء فيحتمل أن يكون معدولاً
عن فعل نحو زفر وقثم، أو أعجمياً أو على معنى البقعة، ومن كسر ولم ينون فمنع الصرف
باعتبار البقعة. وقال الحسن: ﴿طوى) بكسر الطاء والتنوين مصدر ثنيت فيه البركة
والتقديس مرتين فهو بوزن الثناء وبمعناه وذلك لأن الثنا بالكسر والقصر الشيء الذي تكرره،
فكذلك الطوى على هذه القراءة. وقال قطرب ﴿طوى﴾ من الليل أي ساعة أي قدس لك
٠
١

٣١٧
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
في ساعة من الليل لأنه نودي بالليل، فلحق الوادي تقديس محدد أي ﴿إنك بالوادي
المقدس﴾ ليلاً. قرأ طلحة والأعمش وابن أبي ليلى وحمزة وخلف في اختياره وأما بفتح
الهمزة وشد النون اخترناك بنون العظمة .
وقرأ السلمي وابن هرمز والأعمش في رواية ﴿وأنا﴾ بكسر الهمزة والألف بغير النون
بلفظ الجمع دون معناه لأنه من خطاب الملوك اخترناك بالنون والألف عطفاً على ﴿إني أنا
ربك﴾ لأنهم كسروا ذلك أيضاً، والجمهور ﴿وأنا اخترتك﴾ بضمير المتكلم المفرد غير
المعظم نفسه. وقرأ أبيّ وأني بفتح الهمزة وياء المتكلم ﴿اخترتك﴾ بتاء عطفاً على ﴿إني أنا
ربك﴾ ومفعول ﴿اخترتك﴾ الثاني المتعدي إليه بمن محذوف تقديره من قومك. والظاهر أن
﴿لما يوحى﴾ من صلة استمع وما بمعنى الذي.
وقال الزمخشري وغيره: ﴿لما يوحي﴾ للذي يوحى أو للوحي، فعلق اللام باستمع أو
باخترتك انتهى. ولا يجوز التعليق باخترتك لأنه من باب الأعمال فيجب أو يختار إعادة
الضمير مع الثاني، فكان يكون فاستمع له لما يوحى فدل على أنه إعمال الثاني .
وقال أبو الفضل الجوهري: لما قيل لموسى صلوات الله على نبينا وعليه استمع لما
يوحى وقف على حجر واستند إلى حجر ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره،
ووقف ليستمع وكان كل لباسه صوفاً. وقال وهب: أدب الاستماع سكون الجوارح وغض
البصر والإصغاء بالسمع وحضور العقل والعزم على العمل، وذلك هو الاستماع لما يحب
الله وحذف الفاعل في ﴿يوحى) للعلم به ويحسنه كونه فاصلة، فلو كان مبنياً للفاعل لم
يكن فاصلة والموحى قوله ﴿إني أنا الله﴾ إلى آخره معناه وحّدني كقوله تعالى ﴿وما خلقت
الجن والإنس إلّ ليعبدون﴾(١) إلى آخر الجمل جاء ذلك تبييناً وتفسيراً للإبهام في قوله
﴿لما يوحى﴾. وقال المفسرون ﴿فاعبدني﴾ هنا وحدني كقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن
والإنس إلّ ليعبدون﴾ معناه ليوحدون، والأولى أن يكون ﴿فاعبدني﴾ لفظ يتناول ما كلفه به
من العبادة، ثم عطف عليه ما هو قد يدخل تحت ذلك المطلق فبدأ بالصلاة إذ هي أفضل
الأعمال وأنفعها في الآخرة، والذكر مصدر يحتمل أن يضاف إلى الفاعل أي ليذكرني فإن
ذكري أن اعبدو يصلي لي أو ليذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار أو لأني ذكرتها في
الكتب وأمرت بها، ويحتمل أن تضاف إلى المفعول أي لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل
لك لسان صدق، أو لأن تذكرني خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو خلاص ذكري وطلب
(١) سورة الذاريات: ٥٦/٥١.
..

٣١٨
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضاً آخر، أو لتكون لي ذاكراً غير ناسٍ فعل المخلصين
في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم وأفكارهم به كما قال ﴿لا تلهيهم تجارة
ولا بيع عن ذكر الله﴾(١) أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة لقوله ﴿إن الصلاة كانت
على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾(٢) واللام على هذا القول مثلها في قوله ﴿أقم الصلاة لدلوك
الشمس﴾(٣) وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من
نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)).
قال الزمخشري: وكان حق العبادة أن يقال لذكرها كما قال رسول الله ويلقوله: ((إذا
ذكرها)). ومن يتمحل له يقول: إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله، أو بتقدير حذف المضاف أي
لذكر صلاتي أو لأن الذكر والنسيان من الله عز وجل في الحقيقة انتهى. وفي الحديث بعد
قوله: ((فليصلها إذا ذكرها)) قوله ((إذ لا كفارة لها إلّ ذلك)) ثم قرأ ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾.
وقرأ السلمي والنخعي وأبو رجاء: للذكرى بلام التعريف وألف التأنيث، فالذكرى بمعنى
التذكرة أي لتذكيري إياك إذا ذكرتك بعد نسيانك فأقمها. وقرأت فرقة لِذِكْرَى بألف التأنيث
بغير لام التعريف. وقرأت فرقة: للذكر.
ولما ذكر تعالى الأمر بالعبادة وإقامة الصلاة ذكر الحامل على ذلك وهو البعث والمعاد
للجزاء فقال ﴿إن الساعة آتية﴾ وهي التي يظهر عندها ما عمله الإنسان وجزاء ذلك إما ثواباً
وإما عقاباً. وقرأ أبو الدرداء وابن جبير والحسن ومجاهد وحميد أخفيها بفتح الهمزة ورويت
عن ابن كثير وعاصم بمعنى أظهرها أي إنها من صحة وقوعها وتيقن كونها تكاد تظهر، ولکن
تأخرت إلى الأجل المعلوم وتقول العرب: خفيت الشيء أي أظهرته. وقال الشاعر:
خفاهن ودق من عشي مجلب
خفاهن من إيقانهن كأنما
وقال آخر:
وإن توقدوا الحرب لا نقعد
فإن تدفنوا الداء لا نخفه
٠
:
ولام ﴿لتجزَى﴾ على هذه القراءة متعلقة بأخفيها أي أظهرها ﴿لتجزَى﴾ كل نفس. وقرأ
الجمهور ﴿أَخْفِيها﴾ بضم الهمزة وهو مضارع أخفي بمعنى ستر، والهمزة هنا للإزالة أي
أزلت الخفاء وهو الظهور، وإذا أزلت الظهور صار للستر كقولك: أعجمت الكتاب أزلت
(١) سورة النور: ٣٧/٢٤.
(٢) سورة النساء: ١٠٣/٤.
(٣) سورة الإسراء: ١٧ /٧٨.

٣١٩
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
عنه العجمة. وقال أبو علي: هذا من باب السلب ومعناه، أزيل عنها خفاءها وهو سترها،
واللام على قراءة الجمهور. قال صاحب اللوامح متعلقة بآتية كأنه قال ﴿إن الساعة آتية﴾
لنجزي انتهى، ولا يتم ذلك إلّ إذا قدرنا ﴿أكاد أخفيها﴾ جملة اعتراضية، فإن جعلتها في
موضع الصفة لآتية فلا يجوز ذلك على رأي البصريين لأن أسم الفاعل لا يعمل إذا وصف
قبل أخذ معموله. وقيل: ﴿أخفيها) بضم الهمزة بمعنى أظهرها فتتحد القراءتان، وأخفى
من الأضداد بمعنى الإظهار وبمعنى الستر. قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد
وقد حكاه أبو الخطاب وهو رئيس من رؤساء اللغة لا شك في صدقه و﴿أكاد﴾ من أفعال
المقاربة لكنها مجاز هنا، ولما كانت الآية عبارة عن شدة إخفاء أمر القيامة ووقتها وكان
القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ في إبهام وقتها فقال ﴿أكاد أخفيها﴾
حتى لا تظهر ألبتة، ولكن لا بد من ظهورها. وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ بمعنى أريد، فالمعنى
أريد إخفاءها وقاله الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم. قال أبو مسلم: ومن أمثالهم لا أفعل
ذلك: ولا أكاد أي لا أريد أن أفعله. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف تقديره ﴿أكاد﴾ أتى بها
لقربها وصحة وقوعها كما حذف في قول صابىء البرجمي :
تركت على عثمان تبكي حلائله
هممت ولم أفعل وكدت وليتني
أي وكدت أفعل. وتم الكلام ثم استأنف الإخبار بأنه يخفيها واختاره النحاس. وقالت
فرقة: معناه ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي إشارة إلى شدة غموضها عن المخلوقين وهو مروي
عن ابن عباس.
ولما رأى بعضهم قلق هذا القول قال معنى من نفسي: من تلقائي ومن عندي.
وقالت فرقة ﴿أكاد﴾ زائدة لا دخول لها في المعنى بل الإخبار أن الساعة آتية وأن الله يخفي
وقت إتيانها، وروي هذا المعنى عن ابن جبير، واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى ﴿لم
يكد يراها﴾(١) وبقول الشاعر وهو زيد الخيل:
فما إن يكاد قرنه يتنفس
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه
وبقول الآخر:
وأن لا أكاد بالذي نلت أنجح
وأن لا ألوم النفس مما أصابني
ولا حجة في شيء من هذا. وقال الزمخشري: ﴿أكاد أخفيها﴾ فلا أقول هي آتية لفرط
(١) سورة النور: ٤٠/٢٤.
٠٠٠

٣٢٠
سورة طه / الآيات: ١ - ٤١
إرادتي إخفاءها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به.
وقيل: معناه ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف
لا دليل عليه مطرح. والذي غزهم منه أن في مصحف أبي ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي وفي
بعض المصاحف ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي فكيف أظهركم عليها انتهى. ورويت هذه
الزيادة أيضاً عن أَبيّ ذكر ذلك ابن خالويه. وفي مصحف عبد الله ﴿أكاد أخفيها﴾ من نفسي
فكيف يعلمها مخلوق. وفي بعض القراءات وكيف أظهرها لكم وهذا محمول على ما جرت
به عادة العرب من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي، والله
تعالى لا يخفى عليه شيء قال معناه قطرب وغيره. وقال الشاعر:
أيام تصحبني هند وأخبرها ماكدت أكتمه عني من الخبر
وكيف يكتم من نفسه ومن نحو هذا من المبالغة، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى
لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، والضمير في ﴿أخفيها﴾ عائد على ﴿الساعة﴾ و﴿الساعة﴾
يوم القيامة بلا خلاف، والسعي هنا العمل. والظاهر أن الضمير في ﴿عنها﴾ و﴿بها﴾ عائد
على الساعة. وقيل: على الصلاة. وقيل ﴿عنها﴾ عن الصلاة و﴿بها﴾ أي بالساعة، وأبعد
جداً من ذهب إلى أن الضمير في ﴿عنها﴾ يعود على ما تقدم من كلمة ﴿لا إله إلّ أنا
فاعبدني﴾ .
والظاهر أن الخطاب في ﴿فلا يصدنك﴾ لموسى عليه السلام، ولا يلزم من النهي
عن الشيء إمكان وقوعه ممن سبقت له العصمة، فينبغي أن يكون لفظاً وللسامع غيره ممن
يمكن وقوع ذلك منه، وأبعد من ذهب إلى أنه خطاب للنبيّ ◌َّ لفظاً ولأمته معنى.
وقال الزمخشري: فإن قلت: العبارة أنهى من لا يؤمن عن صدّ موسى، والمقصود
نهي موسى عن التكذيب بالبعث أو أمره بالتصديق؟ قلت: فيه وجهان .
أحدهما: أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب، فذكر السبب ليدل على
المسبب.
والثاني: أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته، فذكر
المسبب ليدل على السبب كقولهم لا أرينك هاهنا. المراد نهيه عن مشاهدته والكون
بحضرته وذلك سبب رؤيته إياه، فكان ذكر المسبب دليلاً على السبب كأنه قيل: فكن شديد
الشكيمة صلب المعجم حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت