Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
أو كانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه، أو قالوا ذلك على وجه الاستهانة به
كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول. أو جعلوا كلامه هذياناً
وتخليطاً لا يتفهم كثير منه، وكيف لا يتفهم كلامه وهو خطيب الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام. ثم الذي جاورهم به من الكلام وخاطبهم به هو من أفصح الكلام وأجله وأدله
على معانيه بحيث يفقهه من كان بعيد الفهم، فضلاً عن الأذكياء العقلاء، ولكن الله تعالى
أراد خذلانهم. ومعنى ضعيفاً: لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن
أردناك بمكروه، وعن الحسن: ضعيفاً مهيناً. وقيل: كان ناحل البدن زمنه لا يقع في القلب
منه هيبة ولا في العين منه امتلاء، والعرب تعظم بكبر الأجسام، وتذم بدمامتها. وقال
الباقر: مهجوراً لا تجالس ولا تعاشر. وقال مقاتل: ضعيفاً أي لم يؤمن بك رهطك. وقال
السدي: وحيداً في مذهبك واعتقادك. وقال ابن جبير وشريك القاضي: ضعيفاً ضرير
البصر أعمى. وحكى الزهراوي والزمخشري: أنّ حمير تسمي الأعمى ضعيفاً، ويبعده
تفسيره هنا بأعمى أو بناحل البدن أو بضعيف البصر كما قاله الثوري. وزعم أبو روق: أن الله
لم يبعث نبياً أعمى، ولا نبياً به زمانة، بل الظاهر أنه ضعيف الانتصار والقدرة. ولولا رهطك
احترموه لرهطه إذ كانوا كفاراً مثلهم، أو كان في عزة ومنعة منهم لرجمناك. ظاهره القتل
بالحجارة، وهي من شر القتلات، وبه قال ابن زيد. وقال الطبري: رجمناك بالسب، وهذا
أيضاً تستعمله العرب ومنه: ﴿الأرجمنك واهجرني ملياً﴾(١) وقيل: لأبعدناك وأخرجناك من
أرضنا. وما أنت علينا بعزيز أي: لا تعز ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن
الرجم. وإنما يعز علينا رهطك لأنهم من أهل ديننا لم يحتاجوك علينا. وقيل: بعزيز بذي
منعة، وعزة منزلة في نفوسنا. وقيل: بذي غلبة. وقيل: بملك، وكانوا يسمون الملك
عزيزاً. قال الزمخشري: وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في
الفاعل، لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك
قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله؟ ولو قيل: وما عززت علينا لم يصح هذا
الجواب. (فإن قلت): فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح
قوله: أرهطي أعز عليكم من الله؟ (قلت): تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله فحين عز
عليهم رهطه دونه، كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿من يطع
الرسول فقد أطاع الله﴾(٢) انتهى. والظاهر في قوله: واتخذتموه، أن الضمير عائد على الله
(١) سورة مريم: ٤٦/١٩.
(٢) سورة النساء: ٤ /٨٠.

٢٠٢
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
تعالى أي: ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. والظهري بكسر الظاء
منسوب إلى الظهر من تغييرات النسب، ونظيره قولهم في النسب إلى الأمس إمسى بكسر
الهمزة، ولما خاطبوه خطاب الإهانة والجفاء جرياً على عادة الكفار مع أنبيائهم، خاطبهم
خطاب الاستعطاف والتلطف جرياً على عادته في إلانة القول لهم، والمعنى: أعز عليكم
من الله حتى جعلتم مراعاتي من أجلهم ولم تسندوها إلى الله، وأنا أولى وأحق أن أراعى من
أجله. فالمراعاة لأجل الخالق أعظم من المراعاة لأجل المخلوق، والظهري المنسي
المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر. وقيل: الضمير في واتخذتموه به عائد على الشرع
الذي جاء شعيب عليه السلام. وقيل: الظهري العون وما يتقوى به. قال المبرد: فالمعنى
واتخذتم العصيان عنده لدفعي انتهى. فيكون على حذف مضاف أي: واتخذتموه أي
عصيانه. قال ابن عطية: وقالت فرقة: واتخذتموه أي وأنتم متخذون الله سند ظهوركم
وعماد آمالكم. فقول الجمهور: على أن كفر قوم شعيب كان جحداً بالله وجهلاً به، وهذا
القول الثاني على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل، ومن
اللفظة الاستظهار بالبينة. وقال ابن زيد: الظهري الفضل، مثل الحمال يخرج معه بابل
ظهارية يعدها إن احتاج إليها، وإلا فهي فضلة. محيط أحاط بأعمالكم فلا يخفى عليه
شيء منها، وفي ضمنه توعد وتهديد، وتقدم تفسير نظير قوله: ﴿ويا قوم اعملوا على
مكانتكم﴾(١) وخلاف القراء في مكانتكم. وجوز الفراء، والزمخشري: في من يأتيه أن
تكون موصولة مفعولة بقوله: تعلمون أي: تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي
هو كاذب، واستفهامية في موضع رفع على الابتداء، وتعلمون معلق كأنه قيل: أينا يأتيه
عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب. قال ابن عطية: والأول أحسن، يعني كونها مفعولة قال:
لأنها موصولة، ولا يوصل في الاستفهام، ويقضي بصلتها إن المعطوفة عليها موصولة
لا محالة انتهى. وقوله: ويقضي بصلتها الخ لا يقضي بصلتها، إذ لا يتعين أن تكون
موصولة لا محالة كما قال، بل تكون استفهامية إذا قدرتها معطوفة على من الاستفهامية،
کما قدّرناه وأینا هو كاذب.
قال الزمخشري: (فإن قلت): أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في سوف تعلمون؟
(قلت): إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري
(١) سورة الأنعام: ١٣٥/٦.

٢٠٣
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
بالاستئناف الذي هو جواب السؤال مقدر كأنهم قالوا: فماذا يكون إذا عملنا نحن على
مكانتنا، وعملت أنت؟ فقال: سوف تعلمون، يوصل تارة بالفاء، وتارة بالاستئناف، كما هو
عادة البلغاء من العرب. وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم
البيان تتكاثر محاسنه. قال الزمخشري: (فإن قلت): قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله
على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، فكان القياس أن يقول من يأتيه عذاب
يخزيه، ومن هو صادق حتى ينصرف من يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق
إلى النبي المبعوث إليهم. (قلت): القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يعدونه كاذباً قال:
ومن هو كاذب يعني في زعمكم ودعواكم تجهيلاً لهم انتهى. وفي ألفاظ هذا الرجل سوء
أدب، والذي قاله ليس بقياس، لأن التهديد الذي وقع ليس بالنسبة إليه، ولا هو داخل في
التهديد المراد بقوله: سوف تعلمون، إذ لم يأت التركيب اعملوا على مكانتكم، وأعمل
على مكانتي، ولا سوف تعلمون. واعلم أن التهديد مختص بهم. واستسلف الزمخشري
قوله: قد ذكر عملهم على مكانتهم، وعمله على مكانته، فبنى على ذلك سؤالاً فاسداً، لأن
المترتب على ما ليس مذكوراً لا يصح البتة، وجميع الآية والتي قبلها إنما هي بالنسبة إليهم
على سبيل التهديد، ونظيره في سورة تنزيل: ﴿فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه
ويحل عليه عذاب مقيم﴾(١) فهذا جاء بالنسبة للمخاطبين في قوله: قل يا قوم اعملوا على
مكانتكم كما جاء هنا، وارتقبوا: انتظروا العاقبة، وما أقول لكم. والرقيب بمعنى الراقب
فعيل للمبالغة، أو بمعنى المراقب كالعشير والجليس، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع
بمعنى المفتقر والمرتفع، ويحسن هذا مقابلة فارتقبوا.
وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما بال ساقتي قصة عاد وقصة مدين جاءتا بالواو
والساقتان الوسطيان بالفاء؟ (قلت): قد وقعت الوسطيان بعد ذكر الوعد وذلك قوله: ﴿إن
موعدهم الصبح﴾(٢) ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾(٣) فجيء بالفاء التي للتسبب كما تقول:
وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة، وإنما وقعتا
مبتدأتين، فكان حقهما أن يعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما، كما تعطف قصة على قصة
انتهى. وتقدم تفسير مثل ولما جاء أمرنا إلى قوله كان لم يغنوا فيها. وقرأ السلمي وأبو
(١) سورة هود: ٣٩/١١.
(٢) سورة هود: ٨١/١١.
(٣) سورة هود: ١١ /٦٥.

٢٠٤
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
حيوة: كما بعدت بضم العين من البعد الذي هو ضد القرب، والجمهور بكسرها، أرادت
العرب التفرقة بين البعد من جهة الهلاك، وبين غيره، فغيروا البناء وقراءة السلمي جاءت
على الأصل اعتبار المعنى البعد من غير تخصيص كما يقال: ذهب فلان، ومضى في معنى
القرب. وقيل: معناه بعد الهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها. وقال ابن قتيبة: بعد
يبعد إذا كان بعده هلكة، وبعد يبعد إذا أتاني . وقال النحاس: المعروف في اللغة بعد يبعد
بعداً وبعداً إذا هلك. وقال المهدوي: بعد يستعمل في الخير والشر، وبعد في الشر
خاصة. وقال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب،
فيقول فيهما بعد يبعد، وبعد يبعد. وقال مالك بن الريب: في بعد بمعنى هلك:
وأين مكان البعد إلا مكانيا
يقولون لا تبعدوهم يدفنونني
وبعد الفلان دعاء عليه، ولا يدعى به إلا على مبغض كقولك: سحقاً للكافرين.
وقال أهل علم البيان: لم يرد في القرآن استطراد إلا هذا الموضع، والاستطراد قالوا: هو
أن تمدح شيئاً أو تذمه، ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله. قال حسان:
فنجوت منجى الحرث بن هشام
إن كنت كاذبة الذي حدثتني
ونجا برأس طمرة ولجام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم
﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما
أمر فرعون برشيد. يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود. وأتبعوا في
هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾: الآيات المعجزات التسع: العصا، واليد،
والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات،
ومنهم من أبدل النقص بإظلال الجبل. وقيل: الآيات التوراة، وهذا ليس بسديد، لأنه قال
إلى فرعون وملائه، والتوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون وملائه. والسلطان المبين هو
الحجج الواضحة، ويحتمل أن يريد بقوله: وسلطان مبين فيها أي في الآيات، وهي دالة
على صدق موسى عليه السلام. ويحتمل أن يريد بها العصا لأنها أبهر تلك الآيات، فنص
عليها كما نص على جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة على سبيل التشريف بالذكر.
والظاهر أن يراد بقوله: أمر فرعون أمره إياهم بالكفر وجحد معجزات موسى، ويحتمل أن
يريد الطريق والشان. وما أمر فرعون برشيد: نفى عنه الرشد، وذلك تجهيل لمتبعيه حيث
شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه

٢٠٥
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم. عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام،
وعلموا أن معه الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في اتباعه رشد.
ویحتمل أن یکون رشید بمعنی راشد، ویکون رشید بمعنی مرشد أي بمرشد إلى خير.
وكان فرعون دهرياً نافياً للصانع والمعاد، وكان يقول: لا إلّه للعالم، وإنما يجب على أهل
كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم، فلذلك كان أمره خالياً عن الرشد بالكلية. والرشد
يستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، والغي ضده. ويقال: قدم زيد القوم يقدم قدماً،
وقدوماً تقدمهم والمعنى: أنه يقدم قومه المغرقين إلى النار، وكما كان قدوة في الضلال
متبعاً كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه. ويحتمل أن يكون قوله: برشيد بحميد،
العاقبة، ويكون قوله: يقدم قومه، تفسيراً لذلك وإيضاحاً أي: كيف يرشد أمر من هذه
عاقبته؟ وعدل عن فيوردهم إلى فأوردهم لتحقق وقوعه لا محالة، فكأنه قد وقع، ولما في
ذلك من الإرهاب والتخويف. أو هو ماض حقيقة أي: فأوردهم في الدنيا النار أي: موجبه
وهو الكفر. ويبعد هذا التأويل الفاء والورود في هذه الآية. ورود الخلود وليس بورود
الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾(١) ويحتمل أن تكون النار
تصيبه على إعمال الثاني لأنه تنازعه يقدم أي: إلى النار و فأوردهم، فأعمل الثاني وحذف
معمول الأول. والهمزة في فأوردهم للتعدية، ورد يتعدى إلى واحد، فلما أدخلت الهمزة
تعدى إلى اثنين، فتضمن وارداً وموروداً. ويطلق الورد على الوارد، فالورد لا يكون
المورود، فاحتيج إلى حذف ليطابق فاعل بئس المخصوص بالذم، فالتقدير: وبئس مكان
الورد المورود ويعني به النار. فالورد فاعل ببئس، والمخصوص بالذم المورود وهي النار.
ويجوز في إعراب المورود ما يجوز في زيد من قولك: بئس الرجل زيد، وجوز ابن عطية
وأبو البقاء أن يكون المورود صفة للورد أي: بئس مكان الورد المورود النار، ويكون
المخصوص محذوفاً لفهم المعنى، كما حذف في قوله: ﴿فبئس المهاد﴾(٢) وهذا التخريج
يبتنى على جواز وصف فاعل نعم وبئس، وفيه خلاف. ذهب ابن السراج والفارسي إلى أن
ذلك لا يجوز، وقال الزمخشري: والورد المورود الذي وردوه شبهه بالفارط الذي يتقدم
الواردة إلى الماء، وشبه اتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار، لأن الورد
إنما يورد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده انتهى. وقوله: والورد المورود إطلاق
(١) سورة القصص: ٢٣/٢٨.
(٢) سورة ص: ٥٦/٣٨.

٢٠٦
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
الورد على المورود مجاز، إذ نقلوا أنه يكون صدراً بمعنى الورود، أو بمعنى الواردة من
الإبل وتقديره: بئس الورد الذي يردونه النار، يدل على أنّ المورود صفة للورد، وأن
المخصوص بالذم محذوف، ولذلك قدّره النار. وقد ذكرنا أن ذلك يبتنى على جواز وصف
فاعل بئس ونعم. وقيل: التقدير بئس القوم المورود بهم هم، فيكون الورد عنى به الجمع
الوارد، والمورود صفة لهم، والمخصوص بالذم الضمير المحذوف وهو هم، فيكون ذلك
ذماً للواردين، لا ذماً لموضع الورود. والإشارة بقوله: في هذه إلى الدنيا وقد جاء مصرحاً
بها في قصة هود، ودل عليها قوله: ويوم القيامة، لأنه الآخرة. فيوم معطوف على موضع في
هذه، والمعنى: أنهم ألحقوا لعنة في الدنيا وفي الآخرة. قال الكلبي: في هذه لعنة من
المؤمنين أو بالغرق، ويوم القيامة من الملائكة أو بالنار. وقال مجاهد: فلهم لعنتان، وذهب
قومٍ إلى أنّ التقسيم هو أنّ لهم في الدنيا لعنة، ويوم القيامة يرفدون به فهي لعنة واحدة
أولاً، وقبح ارفاداً آخراً انتهى. وهذا لا يصح لأنّ هذا التأويل يدل على أنّ يوم القيامة معمول
لبئس، وبئس لا يتصرف، فلا يتقدم معمولها عليها، فلو تأخر يوم القيامة صح كما قال
الشاعر:
دعيت نزال ولج في الذعر
ولنعم حشو الدرع أنت إذا
وقال الزمخشري: بئس الرفد المرفود رفدهم، أي: بئس العون المعان، وذلك أنّ اللعنة
في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى
انتهى. ويظهر من كلامه أنّ المرفود صفة للرفد، وأنّ المخصوص بالذم محذوف تقديره:
رفدهم، وما ذكر من تفسيره أي بئس العون المعان هو قول أبي عبيدة، وسمى العذاب رفداً
على نحو قولهم تحية بينهم ضرب وجيع. وقال الكلبي : الرفد الرفادة أي بئس ما يرفدون
به بعد الغرق النار.
﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد. وما ظلمناهم ولكن ظلموا
أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما
زادوهم غير تتبيب﴾: الإشارة بذلك إلى ما تقدم من ذكر الأنبياء وقومهم، وما حل بهم من
العقوبات أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى. ويحتمل أن يعني بالقرى قرى أولئك
المهلكين المتقدم ذكرهم، وأن يعني القرى عموماً أي: هذا النبأ المقصوص عليك هو
ديدن المدن إذ كفرت، فدخل المدن المعاصرة. والضمير في منها عائد على القرى. قال

٢٠٧
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
ابن عباس: قائم وحصيد عامر كزغر وداثر، وهذا على تأويل عموم القرى. وقال قتادة وابن
جريج: قائم الجدران ومنهدم، وهذا على تأويل خصوص القرى، وأنها قرى أولئك الأمم
المهلكين، وقال الزمخشري: بعضها باق وبعضها عافى الأثر كالزرع القائم على ساقه،
والذي حصد انتهى. وهذا معنى قول قتادة، قال قتادة: قائم الأثر ودارسه، جعل حصد
الزرع كناية عن الفناء قال الشاعر:
كالزرع منه قائم وحصيد
والناس في قسم المنية بينهم
وقال الضحاك: قائم لم يخسف، وحصيد قد خسف. وقال ابن إسحاق: قائم لم يهلك
بعد، وحصيد قد أهلك. وقيل: قائم أي باق نسله، وحصيد أي منقطع نسله. وهذا يتمشى
على أن يكون التقدير ذلك من أنباء أهل القرى. وقد قيل: هو على حذف مضاف أي: من
أنباء أهل القرى، ويؤيده قوله: وما ظلمناهم، فعاد الضمير على ذلك المحذوف. وقال
الأخفش: حصيد أي محصود، وجمعه حصدى وحصاد، مثل: مرضى ومراض، وباب
فعلى جمعاً لفعيل بمعن مفعول، أن يكون فيمن يعقل نحو: قتيل وقتلى. وقال
الزمخشري: (فإن قلت): ما محل هذه الجملة؟ قلت: هي مستأنفة لا محل لها انتهى.
وقال أبو البقاء: منها قائم ابتداء، وخبر في موضع الحال من الهاء في نقصه، وحصيد مبتدأ.
خبره محذوف أي: ومنها حصيد انتهى. وما ذكره تجوز أي: نقصه عليك وحال القرى.
ذلك، والحال أبلغ في التخويف وضرب المثل للحاضرين أي: نقص عليك بعض أنباء
القرى وهي على هذه الحال يشاهدون فعل الله بها. وما ظلمناهم أي: بإهلاكنا إياههم، بل
وضعنا عليهم من العذاب ما يستحقونه، ولكن ظلموا أنفسهم بوضع الكفر موضع الإیمان،
وارتكاب ما به أهلكوا. والظاهر أنّ قوله: فما أغنت، نفي أي، لم ترد عنهم من بأس الله
شيئاً ولا أجدت. يدعون حكاية حال أي: التي كانوا يدعون، أي يعبدون، أو يدعونها
اللات والعزى وهبل. قال الزمخشري: ولما منصوب بما أغنت انتهى. وهذا بناء على أنّ
لما ظرف، وهو خلاف مذهب سيبويه، لأنّ مذهبه أنها حرف وجوب لوجوب. وأمر ربك هو
عذابه ونقمته. وما زادوهم عومل معاملة العقلاء في الإسناد إلى واو الضمير الذي هو لمن
يعقل، لأنهم نزلوهم منزلة العقلاء في اعتقادهم أنها تنفع، وعبادتهم إياهم. والتبيب
التخسير. قال ابن زيد: الشر، وقال قتادة: الخسران والهلاك، وقال مجاهد: التخسير،
وقيل: التدمير. وهذه كلها أقوال متقاربة. قال ابن عطية: وصورة زيادة الأصنام التتبيب،
إنما هو يتصور بأنّ تأميلها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم عن النظر في الشرع

٢٠٨
سورة هود / الآيات : ٨٤ - ١٠٨
وعاقبته، فلحق من ذلك عقاب وخسران. وأما بأن عذابهم على الكفر يزاد به عذاب على
مجرد عبادة الأوثان .
﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. إن في ذلك
لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا
لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾: أي ومثل ذلك الأخذ
أخذ الله الأمم السابقة أخذ ربك. والقرى عام في القرى الظالمة، والظلم يشمل ظلم الكفر
وغيره. وقد يمهل الله تعالى بعض الكفرة. وأما الظلمة في الغالب فمعاجلون، وفي
الحديث: ((إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذاً.
وقرأ أبو رجاء والجحدري: وكذلك أخذ ربك، إذ أخذ على أنّ أخذ ربك فعل وفاعل، وإذ
ظرف لما مضى، وهو إخبار عما جرت به عادة الله في إهلاك من تقدم من الأمم. وقرأ
طلحة بن مصرف: وكذلك أحذ ربك إذا أخذ. قال ابن عطية: وهي قراءة متمكنة المعنى،
ولكن قراءة الجماعة تعطي الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وضع المستقبل
موضع الماضي، والقرى مفعول بأخذ على الاعمال إذ تنازعه المصدر وهو: أخذ ربك،
وأخذ، فاعمل الثاني وهي ظالمة جملة حالية إن أخذه أليم موجع صعب على المأخوذ.
والأخذ هنا أخذ الإهلاك.
إنّ في ذلك أي: فيما قص الله من أخبار الأمم الماضية وإهلاكهم لآية لعلامة لمن
خاف عذاب الآخرة، أي: إنهم إذا عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله،
وهي دار العمل فلأن يعذبوا على ذلك في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى، وذلك أنّ
الأنبياء أخبروا باستئصال من كذبهم، وأشركوا بالله. ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم، فدل
على أنّ ما أخبروا به من البعث والجزاء صدق لا شك فيه. قال الزمخشري: لآية لمن
خاف لعبرة له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وما هو إلا أنموذج مما أعد
لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمته وشدته اعتبر به من عظيم العذاب الموعود فيكون له عظة
وعبرة ولطفاً في زيادة التقوى والخشية من الله ونحوه: ﴿إنّ في ذلك لعبرة لمن يخشى﴾(١)
ذلك إشارة إلى يوم القيامة الدال عليه قوله: عذاب الآخرة، والناس مفعول لم يسم فاعله
رافعه مجموع، وأجاز ابن عطية أن يكون الناس مبتدأ، ومجموع خبر مقدم، وهو بعيد
(١) سورة النازعات: ٢٦/٧٩.

٢٠٩
--
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨.
الضمير في مجموع، وقياسه على إعرابه مجموعون، ومجموع له الناس عبارة عن الحشر،
ومشهود عام يشهده الأولون والآخرون من الإنس والجن والملائكة والحيوان في قول
الجمهور.
وقال الزمخشري: (فإن قلت): أي فائدة في أن أوثر اسم المفعول على فعله؟
(قلت): لما في اسم المفعول من دلالته على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه لا بد أن يكون
ميعاداً مضروباً لجمع الناس له، وأنه هو الموصوف بذلك صفة لازمة، وهو أثبت أيضاً
الإسناد الجمع إلى الناس وأنهم لا ينفكون منه، وفيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في
الفعل. ومعنى مشهود، مشهود فيه، فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير
إجراء له مجرى المفعول به على السعة لقوله :
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
والمعنى: يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد، ومنه قولهم لفلان: مجلس
مشهود، وطعام محضور. وإنما لم يجعل اليوم مشهوداً في نفسه كما قال: ﴿فمن شهد
منكم الشهر﴾(١) لأن الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وغيره من بين الأيام، وكونه
مشهوداً في نفسه لا يميزه، إذ هو موافق لسائر الأيام في كونها مشهودة. وما نؤخره أي: ذلك
اليوم. وقيل: يعود على الجزاء قاله الحوفي، إلا لأجل معدود أي لقضاء سابق قد نفذ فيه
بأجل محدود لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه. وقرأ الأعمش: وما يؤخره بالياء، وقرأ النحويان
ونافع: يأتي بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً، وابن كثير بإثباتها وصلاً ووقفاً، وهي ثابتة
في مصحف أبيّ. وقرأ باقي السبعة بحذفها وصلاً ووقفاً، وسقطت في مصحف الإمام
عثمان. وقرأ الأعمش يأتون، وكذا في مصحف عبد الله، وإثباتها وصلاً ووقفاً هو الوجه،
ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، وقفاً ووصلا التخفيف كما قالوا: لا أدرٍ ولا
أبالٍ. وذكر الزمخشري أنّ الاجتزاء بالكسرة عن الياء كثير في لغة هذيل، وأنشد الطبري:
جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما
كفاك كف ما يليق درهماً
والظاهر أنّ الفاعل بيأتي ضمير يعود على ما عاد عليه الضمير في نؤخره وهو قوله:
ذلك يوم، والناصب له لا تكلم، والمعنى: لا تكلم نفس يوم يأتي ذلك اليوم إلا بإذن الله،
وذلك من عظم المهابة والهول في ذلك اليوم. وهو نظير: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له
(١) سورة البقرة: ١٨٥/٢
تفسير البحر المحيط ج٦ م١٤

٢١٠
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
الرحمن﴾(١) هو ناصب كقوله: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفاً﴾(٢) والمراد بإتيان اليوم
إتیان أهواله وشدائده، إذ اليوم لا يكون وقتاً لإتیان اليوم.
وأجاز الزمخشري أن يكون فاعل يأتي ضميراً عائداً على الله قال: كقوله: ﴿هل
ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾(٣) ﴿أو يأتي أمر ربك﴾(٤) وجاء ربك، ويعضده قراءة وما يؤخره
بالياء، وقوله: ﴿بإذنه﴾(٥) وأجاز أيضاً أن ينتصب يوم يأتي باذكر أو بالانتهاء المحذوف في
قوله: إلا لأجل معدود، أي ينتهي الأجل يوم يأتي. وأجاز الحوفي أن يكون لا تكلم حالاً
من ضمير اليوم المتقدم في مشهود، أو نعتاً لأنه نكرة، والتقدير: لا تكلم نفس فيه يوم يأتي
إلا بإذنه. وقال ابن عطية: لا تكلم نفس، يصح أن يكون جملة في موضع الحال من
الضمير الذي في يأتي، وهو العائد على قوله ذلك يوم، ويكون على هذا عائد محذوف
تقديره: لا تكلم نفس فيه إلا بإذنه. ويصح أن يكون قوله: لا تكلم نفس، صفة لقوله: يوم
يأتي، أو يوم يأتي يراد به الحين والوقت لا النهار بعينه. وما ورد في القرآن من ذكر كلام
أهل الموقف في التلازم والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن الله، وإما أن يكون هذه
مختصة هنا في تكلم شفاعة أو إقامة حجة انتهى. وكلامه في إعراب لا تكلم كأنه منقول
من كلام الحوفي. وقيل: يوم القيامة يوم طويل له مواقف، ففي بعضها يجادلون عن
أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم فيتكلمون،
وفي بعضها يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم، والضمير في منهم عائد
على الناس في قوله: مجموع له الناس. وقال الزمخشري: الضمير لأهل الموقف، ولم
يذكروا إلا أن ذلك معلوم، ولأنّ قوله: لا تكلم نفس، يدل عليه، وقد مرّ ذكر الناس في
قوله: مجموع له الناس. وقال ابن عطية: فمنهم عائد على الجميع الذي تضمنه قوله:
نفس، إذ هو اسم جنس يراد به الجميع انتهى. قال ابن عباس: الشقي من كتبت عليه
الشقاوة، والسعيد الذي كتبت له السعادة. وقيل: معذب ومنعم، وقيل: محروم ومرزوق،
وقيل: الضمير في منهم عائد على أمة محمد وَّر، ذكره ابن الأنباري.
﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات
(١) سورة النبأ: ٣٨/٧٨.
(٢) سورة النبأ: ٣٨/٧٨.
(٣) سورة البقرة: ٢١٠/٢.
(٤) سورة النحل: ٣٣/١٦.
(٥) سورة البقرة: ٢٥٥/٢.
:

٢١١
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨ -.
والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها
ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ قال الضحاك ومقاتل
والفراء: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره، وروي عن ابن عباس، وقال أبو العالية
والربيع بن أنس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن السائب: الزفير زفير الحمار، والشهيق شهيق البغال. وانتصاب خالدين على أنها
حال مقدرة، وما مصدرية ظرفية أي: مدة دوام السموات والأرض، والمراد بهذا التوقيت
التأبيد كقول العرب: ما أقام ثبير وما لاح كوكب، وضعت العرب ذلك للتأبيد من غير نظر
لفناء ثبير أو الكوكب، أو عدم فنائهما. وقيل: سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة لا بد،
يدل على ذلك ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾(١) وقوله: ﴿وأورثنا الأرض نتبوّأ
من الجنة حيث نشاء﴾(٢) ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلمهم، إما سماء يخلقها
الله، أو يظلهم العرش وكلما أظلك فهو سماء. وعن ابن عباس: إن السموات والأرض في
الآخرة يردان إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان أبداً في نور العرش. والظاهر أنّ
قوله: إلا ما شاء ربك استثناء من الزمان الدال عليه قوله: خالدين فيها ما دامت السموات
والأرض. والمعنى: إلا الزمان الذي شاءه الله تعالى، فلا يكون في النار، ولا في الجنة،
ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي يفصل الله بين الخلق يوم القيامة،
إذا كان الاستثناء من الكون في النار والجنة، لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من دخول
النار أو الجنة. وأما إن كان الاستثناء من الخلود فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار، ويكون
الزمان المستثنى هو الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين الذين يخرجون من
النار ويدخلون الجنة، فليسوا خالدين في النار إذ قد أخرجوا منها وصاروا في الجنة، وهذا
روى معناه عن قتادة والضحاك وغيرهما، ويكون الذين شقوا شاملاً للكفار وعصاة
المسلمين. وأما بالنسبة إلى أهل الجنة فلا يتأتى منهم ما تأتى في أهل النار، إذ ليس منهم
من يدخل الجنة ثم لا يخلد فيها، لكن يمكن ذلك باعتبار أن يكون أريد الزمان الذي فات
أهل النار العصاة من المؤمنين، أو الذي فات أصحاب الأعراف، فإنهم بفوات تلك المدة
التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخلدوا فيها صدق على العصاة المؤمنين وأصحاب الأعراف
أنهم ما خلدوا في الجنة تخليد من دخلها لأول وهلة، ويجوز أن يكون استثناء من الضمير
المستكن في الجار والمجرور، أو في خالدين، وتكون ما واقعة على نوع من يعقل، كما
(١) سورة ابراهيم: ٤٨/١٤.
(٢) سورة المزمر: ٧٤/٣٩

٢١٢
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
وقعت في قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾(١) أو تكون واقعة على من يعقل على
مذهب من يرى وقوعها على من يعقل مطلقاً، ويكون المستثنى في قصة النار عصاة
المؤمنين، وفي قصة الجنة هم، أو أصحاب الأعراف لأنهم لم يدخلوا الجنة لأول وهلة،
ولا خلدوا فيها خلود من دخلها أول وهلة.
وقال الزمخشري: (فإن قلت): ما معنى الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، وقد
ثبت خلود أهل الجنة والنار في الآية من غير استثناء؟ (قلت): هو استثناء من الخلود في
عذاب النار، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، وذلك أنّ أهل النار لا يخلدون في عذاب
النار وحده، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب يساوي عذاب النار، وبما هو أغلظ
منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم. وهكذا أهل الجنة لهم مع تبوّء
الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعاً منهم، وهو رضوان الله تعالى. كما قال: ﴿وعد الله﴾
الآية إلى قوله: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾(٢) ولهم ما يتفضل به عليهم سوى ثواب الجنة ما
لا يعرف كنهه إلا هو، فهو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: عطاء غير مجذوذ. ومعنى
قوله في مقابلته: إن ربك فعال لما يريد، أنه يفعل بأهل النار، ما يريد من العذاب، كما
يعطي أهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له، فتأمله فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ولا
يخدعنك عنه قول المجبرة: المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، فإن
الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله وراء
ظهورهم لما روي لهم بعض الثوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ليأتين على جهنم
يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك عندما يلبثون فيها أحقاباً. وقد بلغني أن من
الضلال من اعتبر هذا الحديث، فاعتقد أنّ الكفار لا يخلدون في النار، وهذا ونحوه والعياذ
بالله من الخذلان المبين زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيهاً عن أن نغفل عنه.
ولئن صح هذا عن أبي العاص فمعناه يخرجون من النار إلى برد الزمهرير، فذلك خلو جهنم
وصفق أبوابها انتهى. وهو على طريق الاعتزال في تخليد أهل الكبائر غير التائبين من
المؤمنين في النار، وأما ما ذكره من الاستثناء في أهل النار من كونهم لا يخلدون في عذاب
النار، إذ ينتقلون إلى الزمهرير فلا يصدق عليهم أنهم خالدون في عذاب النار، فقد يتمشى.
وأما ما ذكره من الاستثناء في أهل الجنة من قوله: خالدين، فلا يتمشى لأنهم مع ما أعطاهم
(١) سورة النساء: ٣/٤.
(٢) سورة التوبة: ٧٢/٩.

٢١٣
سورة هود / الآيات: ٨٤ - ١٠٨
الله من رضوانه، وما نفضل عليهم به من سوى ثواب الجنة، لا يخرجهم ذلك عن كونهم
خالدين في الجنة، فلا يصح الاستثناء على هذا، بخلاف أهل النار فإنه لخروجهم من
عذابها إلى الزمهرير يصح الاستثناء.
وقال ابن عطية: وأما قوله إلا ما شاء ربك، فقيل فيه: إن ذلك على طريق الاستثناء
الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على نحو قوله: ﴿لتدخلن المسجد
الحرام إن شاء الله آمنين﴾(١) استثناء في واجب، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط كأنه
قال: إن شاء الله، فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منقطع. وقيل: هو استثناء من طول
المدة، وذلك على ما روي أن جهنم تخرب ويعدم أهلها، وتخفق أبوابها، فهم على هذا
يخدلون حتى يصير أمرهم إلى هذاه وهذا قول محيل. والذي روى ونقل عن ابن مسعود
وغيره: أنها تخلو من النار إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي
يسمى جهنم، وسمى الكل به تجوزاً. وقيل: إلا بمعنى الواو، فمعنى الآية: وما شاء الله
زائداً على ذلك. وقيل: إلا في هذه الآية بمعنى سوى، والاستثناء منقطع كما تقول: لي عندك
ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك، بمعنى سوى تلك الألف. فكأنه قال: خالدين فيها
ما دامت السموات والأرض، سوى ما شاء الله زائداً على ذلك، ويؤيد هذا التأويل قوله
تعالى بعد هذا: عطاء غير مجذوذ، وهذا قول الفرّاء. وقيل: سوى ما أعد لهم من أنواع
العذاب مما لا يعرف كالزمهرير. وقيل: استثناء من مدة السموات والأرض التي فرطت لهم
في الحياة الدنيا. وقيل: في البرزخ بين الدنيا والآخرة. وقيل: في المسافات التي بينهم
في دخول النار إذ دخولهم إنما هو زمراً بعد زمر. وقيل: الاستثناء من قوله: ففي النار، كأنه.
قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نصرة عن جابر، أو عن
أبي سعيد الخدري، ثم أخبر منبهاً على قدرة الله تعالى فقال: إن ربك فعال لما يريد
انتهى. وقال أبو مجلز: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه بعذاب يكون جزاؤه الخلود في
النار، فلا يدخله النار. وقيل: معنى إلا ما شاء ربك كما شاء ربك، قيل: كقوله: ﴿ولا
تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾(٢) أي كما قد سلف. وقرأ الحسن:
شقوا بضم الشين، والجمهور بفتحها. وقرأ ابن مسعود، وطلحة بن مصرّف، وابن وثاب،
والأعمش، وحمزة، والكسائي، وحفص سعدوا بضم السين، وباقي السبعة والجمهور
(١) سورة الفتح: ٢٧/٤٨.
(٢) سورة النساء: ٢٢/٤.

٢١٤
سورة هود / الآيات: ١٠٩ - ١١٦
بفتحها. وكان علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي سعدوا مع علمه بالعربية، ولا
يتعجب من ذلك إذ هي قراءة منقولة عن ابن مسعود ومن ذكرنا معه. وقد احتج الكسائي
بقولهم: مسعود، قيل: ولا حجة فيه لأنه يقال: مكان مسعود فيه، ثم حذف فيه وسمی به،
وقال المهدوي: من قرأ سعدوا فهو محمول على مسعود، وهو شاذ قليل لأنه لا يقال سعده
الله، إنما يقال: أسعده الله. وقال الثعلبي: سعد وأسعد بمعنى واحد، وانتصب عطاء على
المصدر أي: أعطوا عطاء بمعنى إعطاء كقوله: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾(١) أي
إنباتاً. ومعنى غير مجذوذ: غير مقطوع، بل هو ممتد إلى غير نهاية.
فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُءَابَاؤُهُمْ مِن قَبْلُ وَإِنَّا
! وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأُخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلًا
لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (
//د/وة
وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا
١١٠
كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقَضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى سَكٍمِّنْهُ مُرِيبٍ
فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ
لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (هـ
ج
مَعَكَ وَلَا تَطْفَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (*) وَلَا تَرَّكَنُوْإِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ
وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
النَّارُ وَمَالَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ
طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِنَ الَلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّحَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ
(١١٤
أَفَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ
وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فَّ
بِقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إِلَّا قَلِلاً مِّمَنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمُ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ مَآ أَتْرِ فُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ
(١١٦)
الزلفة قال الليث: طائفة من أول الليل، والجمع الزلف. وقال ثعلب: الزلف أول
ساعات الليل، واحدها زلفة. وقال أبو عبيدة، والأخفش، وابن قتيبة، الزلف ساعات الليل
وآناؤه، وكل ساعة زلفة. وقال العجاج:
(١) سورة نوح: ١٧/٧١.

٢١٥
سورة هود / الآيات: ١٠٩ - ١٩٦
ناح طواه الأين مما وجَفًا طيَّ الليالي زلفاً فزلفا
سماؤه الهلال حتى احقوفا
وأصل الكلمة من الزلفى وهي القربة، ويقال: أزلفه فازدلف أي قربه فاقترب، وأزلفني
أدناني. الترف: النعمة، صبي مترف منعم البدن، ومترف أبطرته النعمة وسعة العيش.
وقال الفراء: أترف عود الترفة وهي النعمة.
﴿فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا
لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾: لما ذكر تعالى قصص عبدة الأوثان من الأمم السالفة،
واتبع ذلك بذكر أحوال الأشقياء والسعداء، شرح للرسول وير أحوال الكفار من قومه،
وأنهم متبعو آبائهم كحال من تقدم من الأمم في اتباع آبائهم في الضلال. وهؤلاء إشارة إلى
مشركي العرب باتفاق، وأنَّ ديدنهم كديدن الأمم الماضية في التقليد والعمى عن النظر في
الدلائل والحجج. وهذه تسلية للرسول وَّر، وعده بالانتقام منهم، إذ حالهم في ذلك حال
الأمم السالفة، والأمم السالفة قد قصصنا عليك ما جرى لهم من سوء العاقبة. والتشبيه في
قوله: كما يعبد، معناه أنّ حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت، وقد بلغك ما .
نزل بأسلافهم، فسينزل بهم مثله. وما يعبد استئناف جرى مجرى التعليل للنهي عن
المرية، وما في مما وفي كما يحتمل أن تكون مصدرية وبمعنى الذي. وقرأ الجمهور:
لموفوهم مشدداً من وفى، وابن محيصن مخففاً من أوفى، والنصيب هنا قال ابن عباس: ما
قدر لهم من خير ومن شر. وقال أبو العالية: من الرزق. وقال ابن زيد: من العذاب، وكذا
قال الزمخشري قال: كما وفينا آباءهم أنصباءهم، وغير منقوص حال من نصيبهم، وهو
عندي حال مؤكدة، لأنّ التوفية تقتضي التكميل.
وقال الزمخشري: (فإن قلت): كيف نصب غير منقوص حالاً من النصيب الموفى؟
(قلت): يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى وهو كامل. ألا تراك تقول: وفيته شطر حقه،
وثلث حقه، وحقه كاملاً وناقصاً؟ انتهى وهذه مغلطة إذا قال: وفيته شطر حقه، فالتوفية
وقعت في الشطر، وكذا ثلث حقه، والمعنى أعطيته الشطر أو الثلث كاملاً لم أنقصه منه
شيئاً. وأما قوله: وحقه كاملاً وناقصاً، أما كاملاً فصحيح، وهي حال مؤكدة لأن التوفية
تقتضي الإكمال، وأما وناقصاً فلا يقال لمنافاته التوفية. والخطاب في فلا تك متوجه إلى من
داخله الشك، لا إلى الرسول وَّر، والمعنى: والله أعلم قل يا محمد لكل من شك لا تك
١

٢١٦
سورة هود / الآيات: ١٠٩ - ١١٦
في مرية مما يعبد هؤلاء، فإنّ اللّه لم يأمرهم بذلك، وإنما اتبعوا في ذلك آباءهم تقليداً لهم
وإعراضاً عن حجج العقول.
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم
وإنهم لفي شك منه مريب﴾: لما بين تعالى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد ونبوّة الرسول
والقرآن الذي أتى به، بيّن أنّ الكفار من الأمم السابقة كانوا على هذه السيرة الفاجرة مع
أنبيائهم، فليس ذلك ببدع مِن مَن عاصر الرسول وَلّر، وضرب لذلك مثلاً وهو: إنزال
التوراة على موسى فاختلفوا فيها. والكتاب هنا التوراة، فقبله بعض، وأنكره بعض، كما
اختلف هؤلاء في القرآن. والظاهر عود الضمير فيه على الكتاب لقربه، ويجوز أن يعود
على موسى عليه السلام. ويلزم من الاختلاف في أحدهما الاختلاف في الآخر. وجوز أن
تكون في بمعنى على، أي: فاختلف عليه، وكان بنو إسرائيل أشدّ تعنتاً على موسى وأكثر
اختلافاً عليه. وقد تقدم شرح: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم﴾(١) والظاهر عود
الضمير في بينهم على قوم موسى عليه السلام، إذ هم المختلفون فيه، أو في الكتاب.
وقيل: يعود على المختلفين في الرسول من معاصريه. قال ابن عطية: وأن يعمهم اللفظ
أحسن عندي، وهذه الجملة من جملة تسليته أيضاً.
﴿وإن كلَّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير﴾: الظاهر عموم كل
وشموله للمؤمن والكافر. وقال الزمخشري: التنوين عوض من المضاف إليه يعني: وإن
كلهم، وإن جميع المختلفين فيه. وقال مقاتل: يعني به كفار هذه الأمة. وقرأ الحرميان وأبو
بكر: وإن كلا بتخفيف النون ساكنة. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: لما بالتشديد هنا
وفي ﴿يسَ﴾ و﴿الطارق﴾ وأجمعت السبعة على نصب كلا، فتصور في قراءتهم أربع
قراآت: إحداها: تخفيف إن ولما، وهي قراءة الحرميين. والثانية: تشديدهما، وهي قراءة
ابن عامر وحمزة وحفص. والثالثة: تخفيف إنْ وتشديد لما وهي قراءة أبي بكر. والرابعة :
تشديد أنْ وتخفيف لمّا، وهي قراءة الكسائي وأبي عمرو. وقرأ أبيّ والحسن بخلاف عنه،
وأبان بن ثعلب وإنْ بالتخفيف كل بالرفع لمّا مشدداً. وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: وإن
كلا لمّا بتشديد الميم وتنوينها، ولم يتعرضوا لتخفيف إنْ ولا تشديدها. وقال أبو حاتم:
الذي في مصحف أبيّ وإن من كل إلا ليوفينهم. وقرأ الأعمش: وإن كل إلا، وهو حرف
(١) سورة يونس: ١٩/١٠.

٢١٧
سورة هود / الآيات: ١٠٩ - ١١٦
ابن مسعود، فهذه أربعة وجوه في الشاذ. فأما القراءة الأولى فأعمال إنْ مخففة كإعمالها
مشددة، وهذه المسألة فيها خلاف: ذهب الكوفيون إلى أنّ تخفيف إن يبطل عملها،
ولا يجوز أن تعمل. وذهب البصريون إلى أنّ إعمالها جائز، لكنه قليل إلا مع المضمر، فلا
يجوز إلا إن ورد في شعر، وهذا هو الصحيح لثبوت ذلك في لسان العرب. حكى سيبويه
أن الثقة أخبره أنه سمع بعض العرب أنّ عمر المنطلق، ولثبوت هذه القراءة المتواترة وقد
تأولها الكوفيون. وأما لما فقال الفراء: فاللام فيها هي اللام الداخلة على خبر إنّ، وما
موصولة بمعنى الذي كما جاء: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾(١) والجملة من القسم المحذوف
وجوابه الذي هو ليوفينهم صلة، لما نحو قوله تعالى: ﴿وان منكم لمن ليبطئن﴾(٢) وهذا وجه
حسن، ومن إيقاع ما على من يعقل قولهم: لا سيما زيد بالرفع، أي لاسي الذي هو زيد.
وقيل: ما نكرة موصوفة وهي لمن يعقل، والجملة القسمية وجوابها قامت مقام الصفة، لأن
المعنى: وإنْ كلا لخلق موفى عمله، ورجح الطبري هذا القول واختاره. وقال أبو عليّ :
العرف أن تدخل لام الابتداء على الخبر، والخبر هنا هو القسم وفيه لام تدخل على جوابه،
فلما اجتمع اللامان والقسم محذوف، واتفقا في اللفظ، وفي تلقي القسم فصل بينهما بما
كما فصلوا بين أن واللام انتهى. ويظهر من كلامه أنّ اللام في لما هي اللام التي تدخل في
الخبر، ونص الحوفي على أنها لام إنْ، إلا أنّ المنقول عن أبي علي أنّ الخبر هو
ليوفينهم، وتحريره ما ذكرنا وهو القسم وجوابه. وقيل: اللام في لما موطئة للقسم، وما
مزيدة، والخبر الجملة القسمية وجوابها، وإلى هذا القول في التحقيق يؤول قول أبي علي.
وأما القراءة الثانية فتشديد إنّ وإعمالها في كل واضح. وأما تشديد لمّا فقال المبرد: هذا
لحن، لا تقول العرب إنّ زيداً لما خارج، وهذه جسارة من المبرد على عادته. وكيف تكون
قراءة متواترة لحناً وليس تركيب الآية كتركيب المثال الذي قال: وهو أنّ زيداً لما خارج هذا
المثال لحن، وأما في الآية فليس لحناً، ولو سكت وقال كما قال الكسائي: ما أدري ما وجه
هذه القراءة لكان قد وفق، وأما غير هذين من النحويين فاختلفوا في تخريجها. فقال أبو
عبيد: أصله لما منونا وقد قرىء كذلك، ثم بني منه فعلى، فصار كتتري نون إذ جعلت ألفه
للإلحاق كارطي، ومنع الصرف إذ جعلت ألف تأنيث، وهو مأخوذ من لممته أي جمعته،
والتقدير: وإنْ كلّا جميعاً ليوفينهم، ويكون جميعاً فيه معنى التوكيد ككل، ولا يقال لما هذه
هي لما المنونة وقف عليها بالألف، لأنها بدل من التنوين، وأجرى الأصل مجرى الوقف،
(١) سورة النساء: ٣/٤.
(٢) سورة النساء: ٧٢/٤

٢١٨
سورة هود / الآيات: ١٠٩ - ١١٦
لأنّ ذلك إنما يكون في الشعر. وما قاله أبو عبيد بعيد، إذ لا يعرف بناء فعلى من اللم، ولما
يلزم لمن أمال فعلى أن يميلها ولم يملها أحد بالإجماع، ومن كتابتها بالياء ولم تكتب
بها، وقيل: لما المشدّدة هي لما المخففة، وشدّدها في الوقف كقولك: رأيت فرّحًا يريد
فرحاً، وأجرى الوصل مجرى الوقف، وهذا بعيد جداً، وروي عن المازني. وقال ابن جني
وغيره: تقع إلا زائدة، فلا يبعد أن تقع لما بمعناها زائدة انتهى. وهذا وجه ضعيف مبني
على وجه ضعيف في إلا. وقال المازني: إنْ هي المخففة ثقلت، وهي نافية بمعنى ما،
كما خففت إنْ ومعناها المثقلة، ولما بمعنى إلا، وهذا باطل لأنه لم يعهد تثقيل إن النافية،
ولنصب كل وإن النافية لا تنصب. وقيل: لما بمعنى إلا كقولك: نشدتك بالله لما فعلت،
تريد إلا فعلت، وقاله الحوفي، وضعفه أبو علي قال: لأن لما هذه لا تفارق القسم انتهى.
وليس كما ذكر، قد تفارق القسم. وإنما يبطل هذا الوجه لأنه ليس موضع دخول إلا، لو
قلت: إنْ زيداً إلا ضربته لم يكن تركيباً عربياً. وقيل: لما أصلها لمن ما، ومن هي
الموصولة، وما بعدها زائدة، واللام في لما هي داخلة في خبر إن، والصلة الجملة
القسمية، فلما أدغمت ميم من في ما الزائدة اجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن وهي
المبدلة من النون، فاجتمع المثلان، فأدغمت ميم من في ميم ما، فصار لمّا وقاله
المهدوي. وقال الفراء، وتبعه جماعة منهم نصر الشيرازي: أصل لمّا لمن ما دخلت من
الجارة على ما، كما في قول الشاعر:
وإنا لمن ما يضرب الكبش ضربة على رأسه تلقى اللسان من الفم
فعمل بها ما عمل في الوجه الذي قبله. وهذان الوجهان ضعيفان جداً لم يعهد حذف نون
من، ولا حذف نون من إلا في الشعر، إذا لقيت لام التعريف أو شبهها غير المدغمة نحو
قولهم: ملمال یریدون من المال.
وهذه كلها تخريجات ضعيفة جداً ينزه القرآن عنها. وكنت قد ظهر لي فيها وجه جار
على قواعد العربية، وهو أنّ لما هذه هي لما الجازمة حذف فعلها المجزوم لدلالة المعنى
عليه، كما حذفوه في قولهم قاربت المدينة، ولما يريدون ولما أدخلها. وكذلك هنا التقدير
وإن كلا لما ينقص من جزاء عمله، ويدل عليه قوله تعالى: ليوفينهم ربك أعمالهم، لما
أخبر بانتفاء نقص جزاء أعمالهم أكده بالقسم فقال: ليوفينهم ربك أعمالهم، وكنت
اعتقدت أني سبقت إلى هذا التخريج السائغ العاري من التكلف وذكرت ذلك لبعض من

٢١٩
سورة هود / الآيات : ١٠٩ - ١١٦
يقرأ عليّ فقال: قد ذكر ذلك أبو عمرو وابن الحاجب، ولتركي النظر في كلام هذا الرجل
لم أقف عليه، ثم رأيت في كتاب التحرير نقل هذا التخريج عن ابن الحاجب قال: لما هذه
هي الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت
ولما سافرت، ولما ونحوه، وهو سائغ فصيح، فيكون التقدير: لما يتركوا، لما تقدم من
الدلالة عليه من تفصيل المجموعين في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾(١) ثم ذكر الأشقياء
والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ليوفينهم ربك أعمالهم، قال: وما أعرف وجهاً
أشبه من هذا، وإن كان النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن.
وأما القراءة الثالثة والرابعة فتخريجهما مفهوم من تخريج القراءتين قبلهما، وأما قراءة
أبي ومن ذكر معه فإنْ نافية، ولمّا بمعنى إلا، والتقدير: ما كل إلا والله ليوفينهم. وكل مبتدأ
الخبر الجملة القسمية وجوابها التي بعد لما كقراءة من قرأ ﴿وإن كل لما جميع﴾(٢) ﴿إن
كل نفس لما عليها حافظ﴾(٣) ولا التفات إلى قول أبي عبيد والفراء من إنكارهما أن لما
تكون بمعنى إلا. قال أبو عبيد: لم نجد هذا في كلام العرب، ومن قال هذا لزمه أن يقول:
رأيت القوم لما أخاك يريد إلا أخاك، وهذا غيره موجود. وقال الفراء: أما من جعل لما
بمعنى إلا، فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين بالله: لما قمت عنا، وإلا
قمت عنا، فأما في الاستثناء فلم ننقله في شعر. ألا ترى أنّ ذلك لو جاز لسمع في الكلام:
ذهب الناس لما زيدا؟ والقراءة المتواترة في قوله: وإنْ كل لما، وإن كل نفس لما، حجة
عليهما. وكون لما بمعنى إلا نقله الخليل وسيبويه والكسائي، وكون العرب خصصت
مجيئها ببعض التراكيب لا يقدح ولا يلزم اطرادها في باب الاستثناء، فكم من شيء خص
بتركيب دون ما أشبهه. وأما قراءة الزهري، وابن أرقم: لما بالتنوين والتشديد، فلما مصدر
من قولهم: لممت الشيء جمعته، وخرج نصبه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة
لكلا وصف بالمصدر وقدر كل مضافاً إلى نكرة حتى يصح الوصف بالنكرة، كما وصف به
في قوله: ﴿أكلاً لما﴾(٤) وهذا تخريج أبي علي. والوجه الثاني: أن يكون منصوباً بقوله:
ليوفينهم، على حد قولهم: قياماً لأقومن، وقعوداً لا قعدن، فالتقدير توفية جامعة لأعمالهم
ليوفينهم. وهذا تخريج ابن جني وخبر إنّ على هذين الوجهين هو جملة القسم وجوابه.
(١) سورة هود: ١٠٥/١١.
(٢) سورة يس: ٣٢/٣٦.
(٣) سورة الطارق: ٤/٨٦.
(٤) سورة الفجر: ١٩/٨٩.

٢٢٠
سورة هود / الآيات : ١٠٩ - ١١٦
وأما ما في مصحف أبي فإنْ نافية، ومن زائدة. وأما قراءة الأعمش فواضحة، والمعنى:
جميع ما لهم. قيل: وهذه الجملة تضمنت توكيدات بأن وبكل وباللام في الخبر وبالقسم،
وبما إذا كانت زائدة، وبنون التوكيد وباللام قبلها وذلك مبالغة في وعد الطائع ووعيد
العاصي، وأردف ذلك بالجملة المؤكدة وهي: إنه بما يعملون خبير. وهذا الوصف يقتضي
علم ما خفي. وقرأ ابن هرمز: بما تعملون على الخطاب.
﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير﴾: قال ابن
عيينة وجماعة: معناه استقم على القرآن، وقال الضحاك: استقم بالجهاد، وقال مقاتل:
امض على التوحيد، وقال جماعة: استقم على أمر ربك بالدعاء إليه، وقال جعفر الصادق:
استقم في الإخبار عن الله بصحة العزم، وقال الزمخشري: فاستقم استقامة مثل الاستقامة
التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل عنها. وقال ابن عطية: أمر بالاستقامة وهو عليها،
وهو أمر بالدوام والثبوت. والخطاب للرسول وأصحابه الذين تابوا من الكفر ولسائر الأمة،
فالمعنى: وأمرت مخاطبة تعظيم انتهى. وقيل: استفعل هنا للطلب أي: اطلب الإقامة
على الدين، كما تقول: استغفر أي اطلب الغفران. ومن تاب معطوف على الضمير
المستكن في فاستقم، وأغنى الفاصل عن التوكيد. ولا تطغوا قال ابن عباس: في القرآن
فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به. وقال ابن زيد: لا تعصوا ربكم. وقال مقاتل: لا تخلطوا
التوحيد بالشك. وقال الزمخشري: لا تخرجوا عن حدود الله. وقرأ الحسن والأعمش: بما
يعملون بالياء على الغيبة، ورويت عن عيسى الثقفي بصير مطلع على أعمالهم يراها
ویجازی علیھا .
﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم
لا تنصرون﴾: قال ابن عباس: معنى الركون الميل. وقال السدي، وابن زيد: لا تداهنوا
الظلمة. وقال قتادة: لا تلحقوا بهم. وقال سفيان: لا تدنوا إلى الذين ظلموا. وقال أبو
العالية: لا ترضوا أعمالهم، وقيل: لا تجالسوهم، وقال جعفر الصادق: إلى الذين ظلموا
إلى أنفسكم فإنها ظالمة، وهذا شبيه بتفسير الباطنية. وقيل: لا تتشبهوا بهم. وقرأ
الجمهور: تركنوا بفتح الكاف، والماضي ركن بكسرها، وهي لغة قريش. وقال الأزهري:
هي اللغة الفصحى. وعن أبي عمرو: بكسر التاء على لغة تميم في مضارع علم غير الياء.
وقرأ قتادة، وطلحة، والأشهب، ورويت عن أبي عمر: وتركنوا بضم الكاف ماضي ركن