Indexed OCR Text
Pages 581-600
سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ ٥٨١ المطلوب، والكتاب هنا التوراة وانتصب ﴿نوراً وهدى﴾ على الحال والعامل ﴿أنزل﴾ أو ﴿جاء﴾ . ﴿تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً﴾ التاء قراءة الجمهور في الثلاثة، وظاهره أنه لبني إسرائيل والمعنى: ﴿تجعلونه﴾ ذا ﴿قراطيس)، أي أوراقاً وبطائق، ﴿وتخفون كثيراً﴾ كإخفائهم الآيات الدالة على بعثة الرسول وغير ذلك من الآيات التي أخفوها، وأدرج تعالى تحت الإلزام توبيخهم وإن نعى عليهم سوء حملهم لكتابهم وتحريفهم وإبداء بعض وإخفاء بعض، فقيل: جاء به موسى وهو نور وهدى للناس فغيرتموه وجعلتموه قراطيس وورقات لتستمكنوا مما رمتم من الإبداء والإخفاء، وتتناسق قراءة التاء مع قوله: ﴿علمتم﴾ ومن قال: إن المنكرين العرب أو كفار قريش لم يمكن جعل الخطاب لهم، بل يكون قد اعترض بني إسرائيل فقال: خلال السؤال والجواب: تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس ومثل هذا يبعد وقوعه لأن فيه تفكيكاً لنظم الآية وتركيبها، حيث جعل الكلام أولاً خطاباً مع الكفار وآخراً خطاباً مع اليهود وقد أجيب بأن الجميع لما اشتركوا في إنكار نبوة الرسول، جاء بعض الكلام خطاباً للعرب وبعضه خطاباً لبني إسرائيل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الغيبة في الثلاثة. ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ ظاهره أنه خطاب لبني إسرائيل مقصود به الامتنان عليهم وعلى آبائهم، بأن علموا من دين الله وهداياته ما لم يكونوا عالمين به لأن آباءهم كانوا علموا أيضاً وعلم بعضهم وليس كذلك آباء العرب، أو مقصود به ذمهم حيث لم ينتفعوا به لإعراضهم وضلالهم، وقيل: الخطاب للعرب، قاله مجاهد ذكر الله منته عليهم أي علمتم يا معشر العرب من الهدايات والتوحيد والإرشاد إلى الحق ما لم تكونوا عالمين ﴿ولا آباؤكم﴾ وقيل: الخطاب لمن آمن من اليهود، وقيل: لمن آمن من قريش وتفسير ﴿ما لم تعلموا﴾ يتخرج على حسب المخاطبين التوراة أو دين الإسلام وشرائعه أو هما أو القرآن، قال الزمخشري: الخطاب لليهود أي علمتم على لسان محمد وصل مما أوحي إليه ﴿ما لم تعلموا أنتم﴾ وأنتم حملة التوراة ولم يعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش ﴿لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم﴾(١) انتهى. (١) سورة يس: ٦/٣٦. ٥٨٢ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ ﴿قل الله﴾ أمره بالمبادرة إلى الجواب أي قل الله أنزله فإنهم لا يقدرون أن يناكروك، لأن الكتاب الموصوف بالنور والهدى الآتي به من أيد بالمعجزات بلغت دلالته من الوضوح إلى حيث يجب أن يعترف بأن منزله هو الله سواء أقرُ الخصم بها أم لم يقر، ونظيره: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾(١). قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون المعنى فإن جهلوا أو تحيروا أو سألوا ونحو هذا فقل الله انتهى، ولا يحتاج إلى هذا التقدير لأن الكلام مستغن عنه . ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ أي في باطلهم الذي يخوضون فيه ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب و﴿يلعبون﴾ حال من مفعول ذرهم أو من ضمير ﴿خوضهم﴾ و﴿في خوضهم﴾ متعلق بهذرهم﴾ أو ب﴿يلعبون﴾ أو حال من ﴿يلعبون﴾ وظاهر الأمر أنه موادعة فيكون منسوخاً بآيات القتال وإن جعل تهديداً أو وعيداً خالياً من موادعة فلا نسخ . ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ أي وهذا القرآن لما ذكر وقرر أن إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً وحاجهم بما لا يقدرون على إنكاره أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على الرسول مبارك كثير النفع والفائدة، ولما كان الإنكار إنما وقع على الإنزال فقالوا: ﴿ما أنزل الله﴾، وقيل: ﴿قل من أنزل الكتاب﴾ كان تقديم وصفه بالإنزال آكد من وصفه بكونه مباركاً ولأن ما أنزل الله تعالى فهو مبارك قطعاً فصارت الصفة بكونه مباركاً، كأنها صفة مؤكدة إذ تضمنها ما قبلها، فأما قوله: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾(٢) فلم يرد في معرض إنكار أن ينزل الله شيئاً بل جاء عقب قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين﴾(٣) ذكر أن الذي آتاه الرسول هو ذكر مبارك ولما كان الإنزال يتجدد عبر بالوصف الذي هو فعل، ولما كان وصفه بالبركة وصفاً لا يفارق عبر بالاسم الدال على الثبوت . ﴿مصدق الذي بين يديه﴾ أي من كتب الله المنزلة، وقيل التوراة، وقيل البعث، قال ابن عطية: وهذا غير صحيح لأن القرآن هو بين يدي القيامة. (١) سورة الأنعام: ١٩/٦. (٢) سورة الأنبياء: ٥٠/٢١. (٣) سورة الأنبياء: ٤٨/٢١. ٥٨٣ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ ﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ ﴿أم القرى﴾ مكة وسميت بذلك لأنها منشأ الدين ودحو الأرض منها ولأنها وسط الأرض ولكونها قبلة وموضع الحج ومكان أول بيت وضع للناس، والمعنى: ﴿ولتنذر﴾ أهل (أم القرى ومن حولها﴾ وهم سائر أهل الأرض قاله ابنعباس، وقيل: العرب وقد استدل بقوله: ﴿أم القرى ومن حولها﴾ طائفة من اليهود زعموا أنه رسول إلى العرب فقط، قالوا: ﴿ومن حولها﴾ هي القرى المحيطة بها وهي جزيرة العرب، وأجيب بأن ﴿ومن حولها﴾ عام في جميع الأرض ولو فرضنا الخصوص لم يكن في ذكر جزيرة العرب دليل على انتفاء الحكم عن ما سواها إلا بالمفهوم وهو ضعيف، وحذف أهل الدلالة المعنى عليه لأن الأبنية لا تنذر كقوله: ﴿واسأل القرية﴾(١) لأن القرية لا تسأل ولم تحذف من فيعطف ﴿حولها﴾ على ﴿أم القرى) وإن كان من حيث المعنى كان يصح لأن حول ظرف لا يتصرف فلو عطف على أم القرى لزم أن يكون مفعولاً به لعطفه على المفعول به وذلك لا يجوز لأن في استعماله مفعولاً به خروجاً عن الظرفية وذلك لا يجوز فيه لأنه كما قلنا لم تستعمله العرب إلّ لازم الظرفية غير متصرف فيه بغيرها، وقرأ أبو بكر لينذر أي القرآن بمواعظه وأوامره، وقرأ الجمهور ﴿ولتنذر﴾ خطاباً للرسول والمعنى ﴿ولتنذر﴾ به أنزلناه فاللام تتعلق بمتأخر محذوف دل عليه ما قبله، وقال الزمخشري: ﴿ولتنذر﴾ معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب كأنه قيل: أنزلنا للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار. والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ الظاهر أن الضمير في ﴿به﴾ عائد على الكتاب أي الذين يصدقون بأن لهم حشراً ونشراً وجزاءً تؤمنون بهذا الكتاب لما انطوى عليه من ذكر الوعد والوعيد والتبشير والتهديد، إذ ليس فيه كتاب من الكتب الإلهية ولا في شريعة من الشرائع ما في هذا الكتاب ولا ما في هذه الشريعة من تقدير يوم القيامة والبعث، والمعنى : يؤمنون به الإيمان المعتضد بالحجة الصحيحة وإلا فأهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولا يؤمنون بالقرآن واكتفى بذكر الإيمان بالبعث وهو أحد الأركان الستة التي هي واجب الوجود والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر لأن الإيمان به يستلزم الإيمان بباقيها ولإسماع كفار العرب وغيرهم ممن لا يؤمن بالبعث، أن من آمن بالبعث آمن بهذا الكتاب وأصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن، وقيل: يعود الضمير على رسول الله رَالفور . (١) سورة يوسف: ٨٢/١٢. ٥٨٤ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ ﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ خص الصلاة لأنها عماد الدين ومن حافظ عليها كان محافظاً على أخواتها ومعنى المحافظة المواظبة على أدائها في أوقاتها على أحسن ما توقع عليه والصلاة أشرف العبادات بعد الإيمان بالله ولذلك لم يوقع اسم الإيمان على شيء من العبادات إلا عليها قال تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(١) أي صلاتكم ولم يقع الكفر على شيء من المعاصي إلا على تركها. روي: ((من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر))، وقرأ الجمهور ﴿على صلاتهم﴾ بالتوحيد والمراد به الجنس وروى خلف عن يحيى عن أبي بكر صلواتهم بالجمع ذكر ذلك أبو علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي في كتاب الروضة من تأليفه وقال تفرد بذلك عن جميع الناس. ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ ذكر الزهراوي والمهدوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث قيل: وفي المستهزئين معه لأنه عارض القرآن بقوله: والزارعات زرعاً والخابزات خبزاً والطابخات طبخاً والطاحنات طحناً واللاقمات لقماً إلى غير ذلك من السخافات، وقال قتادة وغيره: المراد بها مسيلمة الحنفي والأسود العنسي وذكروا رؤية الرسول وله للسوارين، وقال الزمخشري: وهو مسيلمة الحنفي أو كذاب صنعاء الأسود العنسي. وقال السدي: المراد بها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري أخو عثمان من الرضاعة كتب آية ﴿قد أفلح﴾ بين يدي الرسول ◌َّلير فلما أملى عليه ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ عجب من تفصيل خلق الإنسان فقال: ﴿فتبارك الله أحسن الخالين﴾(٢) فقال الرسول: ((اكتبها فهكذا أنزلت)) فتوهم عبد الله ولحق بمكة مرتداً وقال: أنا أنزل مثل ما أنزل الله، وقال عكرمة: أولها في مسيلمة وآخرها في ابن أبي سرح وروي عنه أنه كان إذا أملي عليه ﴿سميعاً عليماً﴾(٣) كتب هو عليماً حكيماً وإذا قال: عليماً حكيماً كتب هو غفوراً رحيماً، وقال شرحبيل بن سعد: نزلت في ابن أبي سرح ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ارتد ودخل الرسول ◌َلقر مكة عام الفتح فغيبه عثمان وكان أخاه من الرضاعة حتى اطمأن أهل مكة ثم أتى به الرسول فاستأمن له الرسول فأمّنه. انتهى، وقد ولاه عثمان بن عفان في أيامه وفتحت على يديه الأمصار ففتح إفريقية سنة إحدى وثلاثين وغزا الأساود من أرض النوبة وهو الذي (١) سورة البقرة: ١٤٣/٢. (٢) سورة المؤمنون: ١٤،١/٢٣. (٣) سورة النساء: ١٤٨/٤. ٥٨٥ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم وغزا الصواري من أرض الروم وكان قد حسن إسلامه ولم يظهر عليه شيء ينكر عليه وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش وفارس بني عامر بن لؤي وأقام بعسقلان، قيل: أو الرملة فاراً من الفتنة حين قتل عثمان ومات بها سنة ست، قيل: أو سبع وثلاثين ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فقبض آخر الصبح وقد سلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره وذلك قبل أن يجتمع الناس على معاوية. ولما ذكر القرآن وأنه كتاب منزل من عنده مبارك أعقبه بوعيد من ادعى النبوة والرسالة على سبيل الافتراء، وتقدم الكلام على ﴿ومن أظلم﴾ وفسروه بأنه استفهام معناه النفي أي لا أحد أظلم وبدأ أولاً بالعام وهو افتراء الكذب على الله وهو أعم من أن يكون ذلك الافتراء بادعاء وحي أو غيره ثم ثانياً بالخاص وهو افتراء منسوب إلى وحي من الله تعالى ﴿ولم يوح إليه شيء﴾ جملة حالية أو غير موحى إليه لأن من قال أوحي إليّ وهو موحى إليه هو صادق ثم ثانياً بأخص مما قبله، لأن الوحي قد يكون بإنزال قرآن وبغيره وقصة ابن أبي سرح هي دعواه أنه سينزل قرآناً مثل ما أنزل الله وقوله: ﴿مثل ما أنزل الله﴾ ليس معتقده أن الله أنزل شيئاً وإنما المعنى ﴿مثل ما أنزل الله﴾ على زعمكم وإعادة من تدل على تغاير مدلوله المدلول من المتقدمة فالذي قال ﴿سأنزل﴾ غير من افترى أو قال: أوحى وإن كان ينطلق عليه ما قبله انطلاق العام على الخاص وقوله: ﴿سأنزل﴾ وعد كاذب وتسميته إنزالاً مجاز وإنما المعنى سأنظم كلاماً يماثل ما ادعيتم أن الله أنزله، وقرأ أبو حيوة ما نزل بالتشديد وهذه الآية وإن كان سبب نزولها في مخصوصين فهي شاملة لكل من ادعى مثل دعواهم كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد الثقفي وسجاح وغيرهم، وقد ادعى النبوة عالم كثيرون كان ممن عاصرناه ابراهيم الغازازي الفقير ادعى ذلك بمدينة مالقة وقتله السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصر الخزرجي ملك الأندلس بغرناطة وصلبه، وبارقطاش بن قسيم النيلي الشاعر تنبأ بمدينة النيل من أرض العراق وله قرآن صنعه ولم يقتل، لأنه كان يضحك منه ويضعف في عقله. ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت﴾ الظالمون عام اندرج فيه اليهود والمتنبئة وغيرهم. وقيل: أل للعهد أي من اليهود ومن تنبأ وهم الذين تقدم ذكرهم. ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾ قال ابن عباس: بالضرب أي ملائكة قبض الروح يضربون وجوههم وأدبارهم عند قبضه وقاله الفراء وليس المراد مجرد بسط اليد لاشتراك ٥٨٦ -- ٠٠ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ المؤمنين والكافرين في ذلك وهذا أوائل العذاب وأمارته، وقال ابن عباس أيضاً يوم القيامة، وقال الحسن والضحاك: بالعذاب، وقال الحسن أيضاً: هذا يكون في النار. ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ قال الزمخشري: يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح الشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط ببسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له أخرج إليّ ما لي عليك الساعة وإلا أديم مكاني حتى أنزعه من أصدقائك ومن قال: إن بسط الأيدي هو في النار فالمعنى أخرجوا أنفسكم من هذه المصائب والمحن وخلصوها إن كان ما زعمتموه حقاً في الدنيا وفي ذلك توقيف وتوبيخ على سالف فعلهم القبيح، وقيل هو أمر على سبيل الإهانة والإرعاب وإنهم بمنزلة من تولى إزهاق نفسه. ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ أي الهوان، وقرأ عبد الله وعكرمة ﴿عذاب الهوان﴾ بالألف وفتح الهاء و﴿اليوم﴾ من قال: إن هذا في الدنيا كان عبارة عن وقت الإماتة والعذاب ما عذبوا به من شدة النزع أو الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ، ومن قال: إن هذا في القيامة كان عبارة عن يوم القيامة أو عن وقت خطابهم في النار، وأضاف العذاب إلى الهون لتمكنه فيه لأن التنكيل قد يكون على سبيل الزجر والتأديب، ولا هوان فیه وقد یکون على سبيل الهوان. ﴿بما كنتم تقولون على الله غير الحق﴾ القول على الله غير الحق يشمل كل نوع من الكفر ويدخل فيه دخولاً أولوياً من تقدم ذكره من المفترين على الله الكذب. ﴿وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ أي عن الإيمان بآياته وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمراً عظيماً ولرأيت عجباً وحذفه أبلغ من ذكره وترى بمعنى رأيت لعمله في الظرف الماضي وهو ﴿إِذ والملائكة باسطو﴾ جملة حالية و﴿أخرجوا﴾ معمول لحال محذوفة أي قائلين أخرجوا وما في بما مصدرية. ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾ قال عكرمة قال النضر بن الحارث: سوف تشفع في اللات والعزى فنزلت: ولما قال ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ وقفهم على أنهم يقدمون يوم القيامة منفردين لا ناظر لهم محتاجين إليه بعد أن كانوا ذوي خول وشفعاء في الدنيا ويظهر أن هذا الكلام هو من خطاب الملائكة الموكلين بعقابهم، وقيل: هو كلام ٥٨٧ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ الله لهم وهذا مبني على أن الله تعالى يكلم الكفار، وهو ظاهر من قوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾(١) ومن قوله: ﴿لنسألنهم أجمعين﴾(٢) و﴿جئتمونا﴾ من الماضي الذي أريد به المستقبل، وقيل: هو ماض على حقيقته محكي فيقال لهم حالة الوقوف بين يدي الله للجزاء والحساب، قال ابن عباس: ﴿فرادى﴾ من الأهل والمال والولد، وقال الحسن: كل واحد على حدته بلا أعوان ولا شفعاء، وقال مقاتل: لیس معکم شيء من الدنیا تفتخرون به، وقال الزّجاج: كل واحد مفرد عن شريكه وشفيعه، وقال ابن كيسان: ﴿فرادى﴾ من المعبود، وقيل: أعدناكم بلا معين ولا ناصر وهذه الأقوال متقاربة لما كانوا في الدنيا جهدوا في تحصيل الجاه والمال والشفعاء جاؤوا في الآخرة منفردين عن كل ما حصلوه في الدنيا، وقرىء فراد غير مصروف، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة فراداً بالتنوين وأبو عمرو ونافع في حكاية خارجة عنهما فردى مثل سكرى كقوله: ﴿وترى الناس سكارى﴾(٣) وأنث على معنى الجماعة والكاف في كما في موضع نصب، قيل: بدل من فرادى، وقيل: نعت لمصدر محذوف أي مجيئاً ﴿کما خلقناكم﴾ یرید کمجيئكم يوم خلقناكم وهو شبيه بالانفراد الأول وقت الخلقة فهو تقیید لحالة الانفراد تشبيه بحالة الخلق لأن الإنسان يخلق أقشر لا مال له ولا ولد ولا حشم، وقيل: عراة غرلاً ومن قال: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد يشمل هذين القولين وانتصب أول مرة على الظرف أي أول زمان ولا يتقدر أول خلق الله لأن أول خلق يستدعي خلقاً ثانياً ولا يخلق ثانياً إنما ذلك إعادة لا خلق. ﴿وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم﴾ أي ما تفضلنا به عليكم في الدنيا لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيراً ولا قدمتموه لأنفسكم وأشار بقوله: ﴿وراء ظهوركم﴾ إلى الدنيا لأنهم يتركون ما خولوه موجوداً . ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ وقفهم على الخطأ في عبادتهم الأصنام وتعظيمها وقال مقاتل: كانوا يعتقدون شفاعة الملائكة ويقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾(٤)، و﴿فيكم) متعلق بشركاء والمعنى في استعبادكم لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وفي استعبادهم، وقيل: جعلوهم شركاء لله باعتبار أنهم يشفعون فيهم عنده فهم شركاء بهذا الاعتبار ويمكن أن يكون المعنى (١) سورة الأعراف: ٦/٧. (٢) سورة الحجر: ٩٢/١٥. (٣) سورة الحج: ٢٢/ ٢. (٤) سورة الزمر: ٣/٣٩. ٥٨٨ سورة الأنعام / الآيات: ٧٤ - ٩٤ شركاء الله في تخليصكم من العذاب أن عبادتهم تنفعكم كما تنفعكم عبادته، وقيل: ﴿فيكم﴾ بمعنى عندكم، وقال ابن قتيبة إنهم لي في خلقكم شركاء، وقيل: متحملون عنكم نصيباً من العذاب. ﴿لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ قرأ جمهور السبعة ﴿بينكم) بالرفع على أنه اتسع في الظرف وأسند الفعل إليه فصار اسماً كما استعملوه اسماً في قوله: ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾(١) وكما حكى سيبويه هو أحمر بين العينين ورجحه الفارسي أو على أنه أريد بالبين الوصل أي لقد تقطع وصلكم قاله أبو الفتح والزهراوي والمهدوي وقطع فيه ابن عطية وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل وإنما انتزع ذلك من هذه الآية أو على أنه أريد بالبين الافتراق وذلك مجاز عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك بالبين، وقرأ نافع والكسائي وحفص ﴿بينكم) بفتح النون وخرجه الأخفش على أنه فاعل ولكنه مبني على الفتح حملاً على أكثر أحوال هذا الظرف وقد يقال لإضافته إلى مبني كقوله: ﴿ومنادون ذلك﴾(٢) وخرجه غيره على أنه منصوب على الظرف وفاعل ﴿تقطع﴾ التقطع، قال الزمخشري: وقع التقطع بينكم كما تقول: جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل انتھی. وظاهره لیس بجید وتحریره أنه أسند الفعل إلی ضمیر مصدره فأضمره فیه لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر، فهو محذوف فلا يجوز حذف الفاعل وهو مع هذا التقدير فليس بصحيح لأن شرط الإسناد مفقود فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه، ولذلك لا يجوز قام ولا جلس وأنت تريد قام هو أي القيام، وقيل: الفاعل مضمر يعود على الاتصال الدال عليه قوله: ﴿شركاء﴾ ولا يقدر الفاعل صريح المصدر كما قاله ابن عطية قال: ويكون الفعل مستنداً إلى شيء محذوف تقديره: لقد تقطع الاتصال والارتباط بينكم أو نحو هذا وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس مجاهد والسدّي وغيرهما انتهى، وقوله إلى شيء محذوف ليس بصحيح لأن الفاعل لا يحذف، وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿بينكم﴾ صفة لفاعل محذوف أي لقد تقطع شيء بينكم أو وصل وليس بصحيح أيضاً لأن الفاعل لا يحذف والذي يظهر لي أن المسألة من باب الإعمال تسلط على ﴿ما كنتم تزعمون﴾ تقطع وضل فأعمل الثاني وهو ضل وأضمر في ﴿تقطع﴾ ضمير ما وهم الأصنام فالمعنى ﴿لقد تقطع بينكم﴾ ﴿ما كنتم (١) سورة فصلت: ٥/٤١. (٢) سورة الجن: ١١/٧٢. ٥٨٩ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ تزعمون﴾ وضلوا عنكم كما قال تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾(١) أي لم يبق اتصال بينكم وبين ﴿ما كنتم تزعمون﴾ أنهم شركاء فعبدتموهم وهذا إعراب سهل لم يتنبه له أحد، وقرأ عبد الله ومجاهد والأعمش ﴿ما بينكم) والمعنى تلف وذهب ما ﴿بينكم) وبين ﴿ما كنتم تزعمون﴾ ومفعولا ﴿تزعمون﴾ محذوفان التقدير تزعمونهم شفعاء حذفاً للدلالة عليهما كما قال الشاعر: ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب أي وتحسبه عاراً، ولأبي عبد الله الرازي في هذه الآية كلام يشبه آراء الفلاسفة قال في آخره وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ والمعنى أن الوصلة الحاصلة بين النفس والجسد قد انقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى انتهى. وليس هذا مفهوماً من الآية . إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ اُلْحَبِّ وَالنَّوَىّ يُخْرِجُ الَّْ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ذَلِكُمُ اللهُ فَّى تُؤْفَكُونَ (هـ وَهُوَ اُلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَلِهْتَدُواْ بِهَا فِىِ حُسْبَانَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ◌ُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِقَّدْ فَصَلْنَا ◌ْلَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ وَهُوَ اُلَّذِىَ أَنشَأَكُمْ مِنْ نَّفْسِ وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ ٩٨ وَحِدَةٍ فَمُسْتَقَرَّوَمُسْتَوْدٌَ قَدْفَصَّلْنَا اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَاْيِهِ، نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تَخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَاكِبًا وَ مِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالزُّمَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَبٍِّ أَنْظُرُ واْ إِلَى ثَمَرِهٍِإِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِ ذَالِكُمْ لَ يَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَجَعَلُوْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمِّ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ بِسُبْحَانَهُ. أَبَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِّ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْتَكُنْ لَّهُ. ٠٠ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ! صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَبِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٣٦) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ خَكِقُ صِى (١) سورة البقرة: ١٦٦/٢. ٥٩٠ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿َلََّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُوَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (٣) قَدْ جَاءَ كُمْ بَصَابِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْأَيَتِ ١٠٤ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ انَبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن ◌َّيِّكَ لَآ (١٠٥ وَلِيَقُولُوْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَّمُونَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَسُبُّوْ اُلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ ١٠٧ حَفِيظًاً وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهم بوكِيلٍ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلِّمِ كَذَلِكَ زَّنَا لِكُلِ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّإِلَى رَبِهِم ◌َرْجِعُهُمْ فَيُلْبِّئُهُرِبِمَا وَأَقْسَمُوْبِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِن جَاءَ تُهُمْ ءَايَةٌ لّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا (١٠٨ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( اُلْأَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٩ وَتُقَلِبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ( ١١٠ فلق الشيء شقه. النواة معروفة والنوى اسم جنس بينه وبين مفرده تاء التأنيث. النجم معروف سمي بذلك لطلوعه يقال نجم النبت إذا طلع. الإنشاء الإيجاد لا يفيد الابتداء بل على وجه النمو كما يقال في النبات أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى وقت الانتهاء. مستودع مستفعل من الوديعة يكون مصدراً وزماناً ومكاناً، والوديعة معروفة. الخضر الغض وهو الرطب من البقول وغيرها، قال الزجاج الخضر بمعنى الأخضر اخضرّ فهو أخضر وخضر كاعورّ فهو أعور وعور، وقال غيره الخضر النضارة ولا مدخل للون فيه ومنه الدنيا خضرة حلوة والأخضر يغلب في اللون وهو في النضارة تجوز، وقال الليث الخضر في كتاب الله الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضرة. تراكب الشيء ركب بعضه بعضاً. الطلع أوّل ما يخرج من النخلة في أكمامه أطلعت النخلة أخرجت طلعها، قال أبو عبيد وطلعها كعراها قبل أن ينشق عن الإغريض والإغريض يسمى طلعاً ويقال طلع يطلع طلوعاً. القنو بكسر القاف وضمها العذق بكسر العين وهو الكباسة وهو عنقود النخلة، وقيل الجمار حكاه القرطبي وجمعه في القلة أقناء وفي الكثرة قنوان بكسر القاف في لغة الحجاز وضمها في : سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ ٥٩١ لغة قيس وبالياء بدل الواو في لغة ربيعة وتميم بكسر القاف وضمها ويجتمعون في المفرد على قنو، وقنو بالواو ولا يقولون فيه قنى ولا قنى. الزيتون شجر معروف ووزنه فيعول كقيصوم لقولهم أرض زتنة ولعدم فعلول أو قلته فمادّته مغايرة لمادّة الزيت. الرمّان فعال كالحماض والعناب وليس بفعلان لقولهم أرض رمنة الينع مصدر ينع بفتح الياء في لغة الحجاز وبضمها في لغة بعض نجد وكذا اليُّنُع بضم الياء والنون والينوع بواو بعد الضمتين يقال ينعت الثمرة إذا أدركت ونضجت وأينعت أيضاً ومنه قول الحجاج: أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها. قال الفراء ينع الثمر وأينع احمرّ ومنه في حديث الملاعنة إن ولدته أحمر مثل الينعة وهي خرزة حمراء يقال إنها العقيق أو نوع منه، وقيل الينع جمع يانع كتاجر وتجر وصاحب وصحب. خرق وخرّق اختلق وافترى. اللطيف قال ابن أعرابي هو الذي يوصل إليك أربك في رفق ومنه لطف الله بك، وقال الأزهريّ اللطيف من أسمائه تعالى الرفيق بعباده، وقيل اللطيف ضد الكثيف. السب الشتم. الفؤاد القلب. ﴿إن الله فالق الحب والنوى﴾ الظاهر أن المعنى أنه تعالى ﴿فالق الحب﴾ شاقه فمخرج منه ﴿النبات والنوى﴾ فمخرج منه الشجر، والحب والنوى عامان أي كل حبة وكل نواة وبه قال قتادة والضحاك والسدي وغيرهم قالوا: هذه إشارة إلى فعل الله في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه؛ وقال ابن عباس والضحاك أيضاً ﴿فالق﴾ بمعنى خالق؛ قيل ولا يعرف ذلك في اللغة، وقال تاج القراء: فطر وخلق وفلق بمعنى واحد، وقال مجاهد وأبو مالك: إشارة في الشق الذي في حبة البرّ ونواة التمر، وقال اسماعيل الضرير: المعنى فالق ما فيه الحب من السنبل وما فيه النوى من التمر وأما أشبهه، وقال الماتريدي وخصّهما بالذكر لأن جميع ما في الدنيا من الإبدال منهما فأضاف ذلك إلى نفسه كما أضاف خلق جميع البشر إلى نفس واحدة لأنهم منها في قوله﴿خلقكم من نفس واحدة﴾(١) فكأنه قال: خالق الابدال كلها انتهى، ولما كان قد تقدم ذكر البعث نبه على قدرته تعالى الباهرة في شق النواة مع صلابتها وإخراجه منها نبتاً أخضر ليناً إلى ما بعد ذلك مما فيه إشارة إلى القدرة التامة والبعث والنشر بعد الموت، وقرأ عبد الله ﴿فلق الحب﴾ جعله فعلاً ماضياً. ﴿يخرج الحيّ من الميت ومخرج الميت من الحيّ﴾ تقدم تفسير هذا في أوائل آل عمران وعطف قوله: ﴿ومخرج الميت﴾ على قوله: ﴿فالق الحب﴾ اسم فاعل على اسم (١) سورة النساء: ١/٤. ٥٩٢ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ فاعل ولم يعطفه على يخرج لأن قوله: ﴿فالق الحب والنوى﴾ من جنس إخراج الحيّ من الميت لأن النامي في حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله: ﴿يحيي الأرض بعد موتها﴾(١) فوقع قوله: ﴿يخرج الحيّ من الميت﴾ من قوله: ﴿فالق الحب والنوى﴾ موقع الجملة المبينة فلذلك عطف اسم الفاعل لا على الفعل ولما كان هذا مفقوداً في آل عمران وتقدم قبل ذلك جملتان فعليتان وهما ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ كان العطف بالفعل على أنه يجوز أن يكون معطوفاً وهو اسم فاعل على المضارع لأنه في معناه كما قال الشاعر: ـر يقصد في أسوقها وجائر بات يغشيها بعضب باتر ﴿ذلكم الله فأنى تؤفكون﴾ أي ذلكم المتصف بالقدرة الباهرة فأنى تصرفون عن عبادته وتوحيده والإيمان بالبعث إلى عبادة غيره واتخاذ شريك معه وإنكار البعث. ﴿فالق الإصباح﴾ مصدر سمي به الصبح، قال الشاعر: بصبح وما الإصباح منك بأمثل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي (فإن قلت): الظلمة هي التي تنغلق عن الصبح كما قال الشاعر: تفرّي لیل عن بیاض نهار. فالجواب من وجوه: أحدها: أن يكون ذلك على حذف مضاف أي فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش الذي يلي الصبح أو يكون على ظاهره ومعناه فالقه عن بياض النهار. وقالوا: انصدع الفجر وانشق عمود الفجر، قال الشاعر: عدو النحوص تخاف القانص اللحيا فانشق عنها عمود الصبح جافلة وسموا الفجر فلقاً بمعنى مفلوق أو يكون المعنى مظهر الإصباح إلا أنه لما كان الفلق مقتضياً لذلك الإظهار أطلق على الإظهار فلقاً والمراد المسبب وهو الإظهار، وقيل: ﴿فالق الإصباح﴾ خالق، وقال مجاهد: الإصباح إضاءة الفجر، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن ﴿الإصباح﴾ ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، وقال الليث والفراء والزجاج: الصبح والصباح والإصباح أول النهار قال: (١) سورة الروم: ٥٠/٣٠. ٥٩٣ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠. تناسخ الإمساء والإصباح أفنى رياحاً وبني رياح يريد المساء والصباح ويروى بفتح الهمزة جمع مسى وصبح، وقال ابن عباس أيضاً: معناه خالق النهار والليل، وقال الكرماني: شاق عمود الصبح عن الظلمة وكاشفه، وقرأ الحسن وعيسى وأبو رجاء الأصباح بفتح الهمزة جمع صبح وقرأت فرقة بنصب ﴿الإصباح﴾ وحذف تنوين ﴿فالق﴾ وسيبويه إنما يجوز هذا في الشعر نحو قوله: ولا ذاكر اللَّه إلا قليلاً حذف التنوين لالتقاء الساكنين والمبرد يجوّزه في الكلام، وقرأ النخعي وابن وثاب وأبو حيوة فلق الإصباح فعلاً ماضياً. ﴿وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً﴾ لما استدل على باهر حكمته وقدرته بدلالة أحوال النبات والحيوان وذلك من الأحوال الأرضية استدل أيضاً على ذلك بالأحوال الفلكية لأن قوله فلق الصبح أعظم من فلق الحب والنوى، لأن الأحوال الفلكية أعظم وقعاً في النفوس من الأحوال الأرضية، والسكن فعل بمعنى مفعول أي مسكون إليه وهو من تستأنس به وتطمئن إليه ومنه قيل للنار لأنه يستأنس بها ولذلك يسمونها المؤنسة، ومعنى أن الليل سكن لأن الإنسان يتعب نهاره ويسكن في الليل ولذلك قال تعالى: ﴿لتسكنوا فيه﴾(١). والحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان قاله الأخفش أو مصدر حسب الشيء والحساب الاسم قاله يعقوب، قال ابن عباس: يعني بها عدد الأيام والشهور والسنين، وقال قتادة : ﴿حسباناً﴾ ضياء انتهى . قيل: وتسمى النار حسباناً وفي صحيح البخاري. قال مجاهد: المراد حسبان كحسبان الرحى وهو الدولاب والعود الذي عليه دورانه، وقال تاج القرّاء: ﴿حسياناً﴾ أي بحساب قال تعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾(٢) والمعنى أنه جعل سيرهما بحساب ومقدار لأن الشمس تقطع البروج كلها في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وربع يوم وتعود إلى مكانها والقمر يقطعها في ثمانية وعشرين يوماً، وبدورانهما يعرف الناس حساب الأيام والشهور والأعوام، وقيل: يجريان بحساب وعدد لبلوغ نهاية آجالهما، وقال الزمخشري: جعلهما على حساب لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما، وقرأ الكوفيون ﴿وجعل الليل) فعلًا ماضياً لما كان ﴿فالق﴾ بمعنى المضي حسن عطف ﴿وجعل﴾ (١) سورة القصص: ٧٣/٢٨. (٢) سورة الرحمن: ٥/٥٥. تفسير البحر المحيط ج٣٨٢٤ ٥٩٤ ٠٠ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ عليه وانتصب ﴿والشمس والقمر حسباناً﴾ عطفاً على ﴿الليل سكناً﴾، وقرأ باقي السبعة ﴿وجاعل﴾ باسم الفاعل مضافاً إلى ﴿الليل) والظاهر أنه اسم فاعل ماض ولا يعمل عند البصريين فانتصاب ﴿سكناً﴾ على إضمار فعل أي يجعله سكناً لا باسم الفاعل هذا مذهب أبي علي فيما انتصب مفعولاً ثانياً بعد اسم فاعل ماض وذهب السيرافي إلى أنه ينتصب باسم الفاعل وإن كان ماضياً لأنه لما وجبت إضافته إلى الأول لم تكن أن يضاف إلى الثاني فعمل فيه النصب وإن كان ماضياً وهذه مسألة تذكر في علم النحو وأما من أجاز إعمال اسم الفاعل الماضي وهو الكسائي وهشام فسكناً منصوب به، وقرأ يعقوب ساكناً، قال الداني : ولا يصح عنه، وقرأ أبو حيوة بجر ﴿والشمس والقمر حسباناً﴾عطفاً على ﴿الليل سكناً﴾ وأما قراءة النصب وهي قراءة الجمهور فعلى قراءة ﴿جاعل الليل﴾ ينتصبان على إضمار فعل أي وجعل الشمس والقمر حسباناً، قال الزمخشري: أو يعطفان على محل الليل، (فإن قلت): كيف يكون لليل محل؟ والإضافة حقيقة لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضي ولا تقول زيد ضارب عمراً أمس (قلت): ما هو في معنى الماضي وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة انتهى، وملخصه أنه ليس اسم فاعل ماضياً فلا يلزم أن يكون عاملاً فيكون للمضاف إليه موضع من الإعراب، وهذا على مذهب البصريين أن اسم الفاعل الماضي لا يعمل وأما قوله إنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة يعني فيكون إذ ذاك عاملاً ويكون للمجرور بعده موضع من الإعراب فيعطف عليه ﴿والشمس والقمر﴾ وهذا ليس بصحيح إذا كان لا يتقيد بزمان خاص وإنما هو للاستمرار فلا يجوز له أن يعمل ولا لمجروره محل وقد نصوا على ذلك وأنشدوا: ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة فلیس الکاسب هنا مقیداً بزمان وإذا تقید بزمان فإما أن یکون ماضیاً دون أل فلا يعمل إذ ذاك عند البصريين أو بأل أو حالاً أو مستقبلاً فيجوز إعماله، والإضافة إليه على ما أحكم في علم النحو وفصل وعلى تسليم أن يكون حالاً على الاستمرار في الأزمنة وتعمل فلا يجوز العطف على محل مجروره بل لو كان حالاً أو مستقبلاً لم يجز ذلك على القول الصحيح وهو مذهب سيبويه، فلو قلت: زيد ضارب عمرو الآن أو غداً أو خالداً لم يجز أن تعطف وخالداً. على موضع عمرو على مذهب سيبويه بل تقدره وتضرب خالداً لأن شرط العطف على الموضع مفقود فيه وهو أن يكون الموضع محرزاً لا يتغير، وهذا موضح في ٥٩٥ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ علم النحو وقرىء شاذاً ﴿والشمس والقمر﴾ برفعهما على الابتداء والخبر محذوف تقديره مجعولان حسباناً أو محسوبان حسباناً . ﴿ذلك تقدير العزيز العليم﴾ أي ذلك الجعل أو ذلك الفلق والجعل أو ذلك إشارة إلى جميع الأخبار من قوله: ﴿فالق الحب﴾ إلى آخرها تقدير العزيز الغالب الذي كل شيء من هذه في تسخيره وقهره العليم الذي لا يعزب عنه شيء من هذه الأحوال ولا من غيرها وفي جعل ذلك كله بتقديره دلالة على أنه هو المختص الفاعل المختار لا أن ذلك فيها بالطبع ولا بالخاصية . ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ نبه على أعظم فوائد خلقها وهي الهداية للطرق والمسالك والجهات التي تقصد والقبلة إذ حركات الكواكب في الليل يستدل بها على القبلة كما يستدل بحركة الشمس في النهار عليها، والخطاب عام لكل الناس و﴿لتهتدوا﴾ متعلق بجعل مضمرة لأنها بدل من ﴿لكم﴾ أي جعل ذلك لاهتدائكم و﴿جعل﴾ معناها خلق فهي تتعدى إلى واحد، قال ابن عطية: وقد يمكن أن تكون بمعنى صير ويقدر المفعول الثاني من ﴿لتهتدوا﴾ أي جعل لكم النجوم هداية انتهى، وهو ضعيف لندور حذف أحد مفعولي باب ظن وأخواتها والظاهر أن الظلمات هنا على ظاهرها وأبعد من قال: يصح أن تكون الظلمات هنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدى فيها بها، وأضاف ﴿الظلمات﴾ إلى ﴿البر والبحر﴾ لملابستها لهما أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات وذكر تعالى النجوم في كتابه للزينة والرحم والهداية فما سوى ذلك اختلاق على الله وافتراء. ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون﴾ أي بينا وقسمنا وخص من يعلم لأنهم الذين ينتفعون بتفصيلها وأما غيرهم فمعرضون عن الآيات وعن الاستدلال بها. ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة﴾ وهي آدم عليه السلام. ﴿فمستقر ومستودع﴾ قرأ الجمهور بفتح القاف جعلوه مكاناً أي موضع استقرار وموضع استيداع أو مصدراً أي فاستقرار واستيداع ولا يكون مستقر اسم مفعول لأنه لا يتعدّى فعله فيبنى منه اسم مفعول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف اسم فاعل وعلى هذه القراءة يكون ﴿مستودع﴾ بفتح الدال اسم مفعول لما ذكر إنشاءهم ذكر انقسامهم إلى مستقر ﴿ومستودع﴾ أي فمنكم مستقر ﴿ومستودع﴾، وروى هارون الأعور عن أبي ٥٩٦ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ عمرو ﴿ومستودع﴾ بكسر الدال اسم فاعل، قال ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعطاء والنخعي والضحاك وقتادة والسّي وابن زيد: مستقر في الرّحم ﴿ومستودع﴾ في الصلب، وقال ابن بحر: عكسه قال والمعنى فذكّر وأنَّث عبر عن الذكر بالمستقر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه وعبر عن الأنثى بالمستودع لأن رحمها مستودع للنطفة، وقال ابن مسعود: إن المستقر في الرّحم والمستودع في القبر، وروي عن ابن عباس المستقر في الأرض والمستودع في الأصلاب وعنه كلاهما في الرّحم، وعنه المستقر حيث يأوي والمستودع حيث يموت وعنه المستقر من خلق والمستودع من لم يخلق، وقال مجاهد: المستقر في الدّنيا والمستودع عند الله، وقيل: كلاهما في الدّنيا، وقيل: المستقر الجنة والمستودع النار. وقيل: مستقر في الآخرة بعمله ﴿ومستودع﴾ في أصله ينتقل من حال إلى حال ومن وقت إلى وقت إلى انتهاء أجله انتهى، والذي يقتضيه النظر أن الاستقرار والاستيداع حالان يعتوران على الإنسان من الظهر إلى الرحم إلى الدنيا إلى القبر إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النار، وفي كل رتبة يحصل له استقرار واستيداع استقرار بالإضافة إلى ما قبلها واستيداع بالإضافة إلى ما بعدها ولفظ الوديعة يقتضي الانتقال. ﴿قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون﴾ لما كان الاهتداء بالنجوم واضحاً ختمه بقوله: ﴿يعلمون﴾ أي من له أدنى إدراك ينتفع بالنظر في النجوم وفائدتها، ولما كان الإنشاء من نفس واحدة والتصريف في أحوال كثيرة يحتاج إلى فكر وتدقيق نظر ختمه بقوله: ﴿يفقهون﴾ إذ الفقه هو استعمال فطنة ودقة نظر وفكر فناسب ختم كل جملة بما يناسب ما صدّر به الكلام. ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء﴾ لما ذكر إنعامه تعالى بخلقنا ذكر إنعامه علينا بما يقوم به أودنا ومصالحنا والسماء هنا السحاب، والظاهر أن المعنى بنبات كل شيء ما يسمى نباتاً في اللغة وهو ما ينمو من الحبوب والفواكه والبقول والحشائش والشجر ومعنى ﴿كل شيء﴾ مما ينبت وأشار إلى أن السبب واحد والمسببات كثيرة كما قال تعالى: ﴿تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾(١). وقال الطبري: ﴿نبات كل شيءٍ﴾ جميع ما ينمو من الحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك، لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء، وقال الفراء: معناه رزق كل شيء أي ما (١) سورة الرعد: ٤/١٣. ٥٩٧ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ يصلح غذاءً لكل شيء فيكون كل شيء مخصوصاً بالمتغذي ويكون إضافة النبات إليه إضافة بيانية بالكلية، وعلى الوجهين السابقين تكون الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة ما يشبه الصفة إلى الموصوف إذ يصير المعنى: فأخرجنا به كل شيء منبت وفي قوله: ﴿فأخرجنا﴾ التفات من غيبة إلى تكلم بنون العظمة. ﴿فأخرجنا منه خضراً﴾ أي من النبات غضاً ناضراً طرياً و﴿فأخرجنا﴾ معطوف على فأخرجنا﴾ وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً من ﴿فأخرجنا﴾. ﴿نخرج منه حباً متراكماً﴾ أي من الخضر كالقمح والشعير وسائر القطاني ومن الثمار كالرمان والصنوبر وغيرهما مما تراكب حبه وركب بعضه بعضاً و﴿نخرج﴾ جملة في موضع الصفة لخضر أو يجوز أن يكون استئناف إخبار، وقرأ الأعمش وابن محيصن يخرج منه حب متراكب على أنه مرفوع بيخرج ومتراكب صفة في نصبه ورفعه. ﴿ومن النخل من طلعها قنوان دانية﴾ أي قريبة من المتناول لقصرها ولصوق عروقها بالأرض قاله ابن عباس والبراء والضحاك وحسنه الزمخشري فقال: سهلة المجتنى معرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول ولأن النخلة. وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتي بالثمر، وقال الحسن: قريب بعضها من بعض، وقيل ﴿دانية﴾ مائلة، قيل: وذكر الدانية دون ذكر السحوق لأن النعمة بها أظهر أو حذف السحوق لدلالة الدانية عليها كقوله: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾(١) أي والبرد. وقرأ الجمهور ﴿قنوان) بكسر القاف وقرأ الأعمش والخفاف عن أبي عمر والأعرج في رواية بضمها ورواه السلمي عن علي بن أبي طالب، وقرأ الأعرج في رواية وهارون عن أبي عمرو ﴿قنوان﴾ بفتح القاف وخرجه أبو الفتح على أنه اسم جمع على فعلان لأن فعلاناً ليس من أبنية جمع التكسير، وفي كتاب ابن عطية روي عن الأعرج ضم القاف على أنه جمع قنو بضم القاف، وقال الفراء: وهي لغة قيس وأهل الحجاز والكسر أشهر في العرب وقنو على ﴿قنوان﴾ انتهى، وهو مخالف لما نقلناه في المفردات من أن لغة الحجاز ﴿قنوان﴾ بكسر القاف وهذه الجملة مبتدأ وخبر و﴿من طلعها﴾ بدل من ﴿ومن النخل﴾ والتقدير و﴿قنوان دانية﴾ كائنة من طلع ﴿النخل) وأفرد ذكر القنوان وجرد من قوله: ﴿نبات كل شيء﴾ نخرج منه خضراً لما في تجريدها من عظيم (١) سورة النحل: ١٦ /٨١. ٥٩٨ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ المنة والنعمة، إذ كانت أعظم أو من أعظم قوت العرب وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر ليدل على الثبوت والاستقرار وأن ذلك مفروغ منه، وقال ابن عطية: ﴿ومن النخل﴾ تقديره نخرج من النخل ومن طلعها ﴿قنوان﴾ ابتداء خبره مقدم والجملة في موضع المفعول بتخرج انتهى. وهذا خطأ لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق وكانت الجملة فيها مانع من أن يعمل في شيء من مفرداتها الفعل من الموانع المشروحة في علم النحو و﴿نخرج﴾ ليست مما يعلق وليس في الجملة ما يمنع من عمل الفعل في شيء من مفرداتها إذ لو كان الفعل هنا مقدّراً لتسلط على ما بعده ولكان التركيب والتقدير ونخرج ﴿من النخل من طلعها﴾ قنواناً دانية بالنصب، وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة ﴿أخرجنا﴾ عليه تقديره ومخرجة من طلع النخل قنوان انتهى. ولا حاجة إلى هذا التقدير إذ الجملة مستقلة في الاخبار بدونه، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿قنوان﴾ مبتدأ والخبر ﴿من طلعها﴾ وفي ﴿من النخل﴾ ضمير تقديره وينبت من النخل شيء أو ثمر فيكون ﴿من طلعها﴾ بدلاً منه، ويجوز أن يرتفع ﴿قنوان﴾ على أنه فاعل ﴿من طلعها﴾ فيكون في ﴿من النخل) ضمير يفسره ﴿قنوان﴾ وإن رفعت ﴿قنوان﴾ بقوله: ﴿من النخل﴾ على قول من أعمل أول الفعلين جاز وكان في ﴿من طلعها﴾ ضمير مرفوع انتهى، وهو إعراب فيه تخليط لا يسوغ في القرآن ومن قرأ ﴿يخرج منه حب متراكب﴾ جاز أن يكون قوله: ﴿من النخل من طلعها قنوان دانية﴾ معطوفاً عليه كما تقول يضرب في الدار زيد، وفي السوق عمرو وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه. ﴿وجنات من أعناب﴾ قراءة الجمهور بكسر التاء عطفاً على قوله نبات وهو من عطف الخاص على العام لشرفه ولما جرد النخل جردت ﴿جنات﴾ الأعناب لشرفهما، كما قال: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب﴾(١) وقرأ محمد بن أبي ليلى والأعمش وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم ﴿وجنات﴾ بالرفع وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة حتى قال أبو حاتم: هي محال لأن الجنات من الأعناب لا تكون من النخل ولا يسوغ إنكار هذه القراءة ولها التوجيه الجيد في العربية وجهت على أنه مبتدأ محذوف الخبر فقدره النحاس ولهم جنات وقدره ابن عطية، ولكم جنات وقدره أبو البقاء ومن الكرم جنات وقدره ومن الكرم لقوله: ﴿ومن النخل﴾ وقدره الزمخشري وثم جنات أي مع النخل ونظيره قراءة من (١) سورة البقرة: ٢٦٦/٢. ٥٩٩ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ قرأ ﴿وحور عين﴾ بالرفع بعد قوله: ﴿طاف عليهم بكاس من معين﴾(١) الآية وتقديره ولهم حور وأجاز مثل هذا سيبويه والكسائي والفراء ومثله كثير وقدر الخبر أيضاً مؤخراً تقديره ﴿وجنات من أعناب﴾ أخرجناها ودل على تقديره قوله قبل: ﴿فأخرجنا﴾ كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه التقدير وأخوه أكرمته فحذف أكرمته لدلالة أكرمت عليه، ووجهها الطبري على أن ﴿وجنات﴾ عطف على ﴿قنوان﴾، قال ابن عطية: وقوله ضعيف، وقال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿قنوان﴾ لأن العنب لا يخرج من النخل، وقال الزمخشري: وقد ذکر أن في رفعه وجهین أحدهما أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره وثم جنات وتقدّم ذكر هذا التقدير عنه، قال: والثاني أن يعطف على ﴿قنوان﴾ على معنى وحاصله أو ومخرجه من النخل قنوان ﴿وجنات من أعناب﴾ أي من نبات أعناب انتهى، وهذا العطف هو على أن لا يلاحظ فيه قيد من النخل فكأنه قال ﴿من النخل قنوان دانية﴾ ﴿جنات من أعناب﴾ حاصلة كما تقول من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان. ﴿والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه﴾ قرىء بالنصب إجماعاً. قال ابن عطية: عطفاً على ﴿حباً﴾. وقيل: عطفاً على ﴿نبات﴾، وقال الزمخشري: وقرىء ﴿وجنات﴾ بالنصب عطفاً على ﴿نبات كل شيء﴾ أي وأخرجنا به ﴿جنات من أعناب﴾ وكذلك قوله: ﴿والزيتون والرمان﴾. انتهى فظاهره أنه معطوف على نبات كما أن ﴿وجنات﴾ معطوف عليه، قال الزمخشري: والأحسن أن ينتصب على الاختصاص كقوله: ﴿والمقيمين الصلاة﴾(٢) لفضل هذين الصنفين انتهى، قال قتادة: يتشابه في الورق ويتباين في الثمر وتشابه الورق في الحجم وفي اشتماله على جميع الغصن، وقال ابن جريج: متشابهاً في النظر وغير متشابه في الطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، وقال الطبري: جائز أن يتشابه في الثمر يتباين في الطعم ويحتمل أن يريد تشابه الطعم وتباين النظر، وهذه الأحوال موجودة في الاعتبار في أنواع الثمرات، وقال الزمخشري : بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم وذلك دليل على أن التعمد دون الإهمال انتهى، وقرأ الجمهور: ﴿مشتبهاً ﴾ وقرىء شاذاً متشابهاً وهما بمعنى واحد كاختصم وتخاصم واشترك واستوى وتساوى ونحوها مما اشترك فيه باب الافتعال والتفاعل، وانتصب ﴿مشتبهاً﴾ على أنه حال من ﴿الرمان﴾ لقربه وحذفت الحال من الأول أو حال من الأول لسبقه فالتقدير ﴿والزيتون﴾ مشتبهاً وغير (١) سورة الصافات: ٤٥/٣٧. (٢) سورة النساء: ١٦٢/٤. ٦٠٠ سورة الأنعام / الآيات: ٩٥ - ١١٠ متشابه ﴿والرمان﴾ كذلك هكذا قدره الزمخشري وقال كقوله: كنت منه ووالدي بريئاً. انتھی . فعلى تقديره يكون تقدير البيت كنت منه بريئاً ووالدي كذلك أي بريئاً والبيت لا يتعين فيه ما ذكر لأن بريئاً على وزن فعيل كصديق ورفيق، فيصح أن يخبر به عن المفرد والمثنى والمجموع فيحتمل أن يكون بريئاً خبر كان على اشتراك الضمير، والظاهر المعطوف عليه فيه إذ يجوز أن يكون خبراً عنهما ولا يجوز أن يكون حالاً منهما وإن كان قد أجازه بعضهم إذ لو كان حالاً منهما لكان التركيب متشابهين وغيره متشابهين، وقال الزجاج: قرن الزيتون بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره، قال الشاعر: رك نضج الرمان والزيتون بورك الميت الغريب كما بو ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه﴾ النظر نظر رؤية العين ولذلك عداه بإلى لكن يترتب عليه الفكر والاعتبار والاستبصار والاستدلال على قدرة باهرة تنقله من حال إلى حال، ونبه على حالين الابتداء وهو وقت ابتداء الأثمار والانتهاء وهو وقت نضجه أي كيف يخرجه ضئيلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به وكيف يعود نضيجاً مشتملاً على منافع؟ ونبه على هاتين الحالتين وإن كان بينهما أحوال يقع بها الاعتبار والاستبصار لأنهما أغرب في الوقوع وأظهر في الاستدلال، وقرأ ابن وثاب ومجاهد وحمزة والكسائي ﴿إلى ثمره) بضم الثاء والميم. قال ابن وثاب: ومجاهد وهي أصناف الأموال يعني الأموال التي تتحصل منه، قال أبو علي: والأحسن أن يكون جمع ثمرة كخشبة وخشب وأكمّة وأكم ونظيره في المعتل لابة ولوب وناقة ونوق وساحة وسوح وقرأت فرقة بضم الثاء وإسكان الميم طلباً للخفة كما تقول في الكتب كتب، وقرأ باقي السبعة ﴿ثمره﴾ بفتح الثاء والميم وهو اسم جنس كشجرة وشجر والثمر حتى الشجر وما يطلع وإن سمى الشجر ثمراً فمجاز والعامل في ﴿إذا﴾ ﴿انظروا﴾ وقرأ الجمهور ﴿وينعه﴾ بفتح الياء وسكون النون، وقرأ قتادة والضحاك وابن محيصن بضم الياء وسكون النون، وقرأ ابن أبي عبلة واليماني ويانعة اسم فاعل من ينع ونسبها الزمخشري إلى ابن محيصن، وقال المروزي: ﴿إذا أثمر﴾ عند لا ظل له دائم فلا ينضج ولا شمس دائمة فتحرق أرسل على كل فاكهة ريحين مختلفين ريح تحرك الورق فيبدو الثمر فتقرعه الشمس وريح أخرى تحرك الورق وتظل الثمر فلا يحترق.