Indexed OCR Text

Pages 741-760

٧٤١
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
واحتمل أن يكون مبنياً للمفعول، فنهى أن يضارّهما أحد بأن يعنتا، ويشق عليهما في
ترك أشغالهما، ويطلب منهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة قال معناه أيضاً ابن عباس،
ومجاهد، وطاووس، والضحاك، والسدي.
ويقوي هذا الاحتمال قراءة عمر: ولا يضارر، بالفك وفتح الراء الأولى. رواها
الضحاك عن ابن مسعود، وابن كثير عن مجاهد، واختاره الطبري لأن الخطاب من أول
الآيات إنما هو للمكتوب له، وللمشهود له، وليس للشاهد والكاتب خطاب تقدّم، إنما رده
على أهل الكتابة والشهادة، فالنهي لهم أبين أن لا يضار الكاتب والشهيد فيشغلونهما عن
شغلهما، وهم يجدون غيرهما. ورجح هذا القول بأنه لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل:
وإن تفعلا فإنه فسوق بكما، وإذا كان خطاباً للمداينين فالمنهيون عن الضرارهم، وحكى
أبو عمرو عن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن أبي إسحاق: أن الراء الأولى مكسورة،
وحكى عنهم أيضاً فتحها، وفك الفعل. والفك لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم.
وقرأ ابن القعقاع، وعمروبن عبيد: ولا يضار، بجزم الراء، وهو ضعيف لأنه في
التقدير جمع بين ثلاث سواكن، لكن الألف لمدّها يجري مجرى المتحرك، فكأنه بقي
ساكنان، والوقف عليه ممكن. ثم أجريا الوصل مجرى الوقف.
وقرأ عكرمة: ولا يضارر، بكسر الراء الأولى والفك، كاتباً ولا شهيداً بالنصب أي:
لا يبدأهما صاحب الحق بضرر.
ووجوه المضارة لا تنحصر، وروى مقسم عن عكرمة أنه قرأ: ولا يضارّ، بالإدغام
وكسر الراء لالتقاء الساكنين.
وقرأ ابن محيصن: ولا يضارّ، برفع الراء المشدّدة، وهي نفي معناه النهي. وقد تقدّم
تحسين مجيء النهي بصورة النفي، وذلك أن النهي إنما يكون عن ما يمكن وقوعه، فإذا
برز في صورة النفي كان أبلغ، لأنه صار مما لا يقع، ولا ينبغي أن يقع.
﴿وإن تفعلوا فأنه فسوق بكم﴾ ظاهره أن مفعول: تفعلوا، المحذوف راجع إلى
المصدر المفهوم من قوله: ولا يضار، وإن تفعلوا لمضارة أو الضرار فإنه، أي الضرار،
فسوق بكم أي: ملتبس بكم، أو تكون الباء ظرفية، أي: فيكم، وهذا أبلغ، إذ جعلوا
محلا للفسق.
والخطاب في: تفعلوا، عائد على الكاتب والشاهد، إذ كان قوله: ولا يضار، قد قدر

٧٤٢
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
مبنياً للفاعل، وأما إذا قدر مبنياً للمفعول فالخطاب للمشهود لهم. وقيل: هو راجع إلى ما وقع
النهي عنه، والمعنى وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه، أو تتركوا شيئاً مما أمرتكم به، فهو عام
في جميع التكاليف، فإنه فسوق بكم، أي: خروج عن أمر الله وطاعته.
﴿واتقوا الله﴾ أي: في ترك الضرار، أو: في جميع أوامره ونواهيه. ولما كان قوله
﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾ خطاباً على سبيل الوعيد، أمر بتقوى الله حتى لا يقع في
الفسق.
﴿ويعلمكم الله﴾ هذه جملة تذكر بنعم الله التي أشرفها: التعليم للعلوم، وهي جملة
مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع نصب على الحال من الفاعل
في: واتقوا، تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التعليم والهداية. وقال أبو البقاء: ويجوز أن
يكون حالاً مقدرة. انتهى. وهذا القول، أعني: الحال، ضعيف جداً، لأن المضارع الواقع
حالاً، لا يدخل عليه واو الحال إلَّ فيما شذ من نحو: قمت وأصك عينه. ولا ينبغي أن
يحمل القرآن على الشذوذ.
﴿والله بكل شيء عليم﴾ إشارة إلى احاطته تعالى بالمعلومات، فلا يشذ عنه منها
شيء. وفيها إشعار بالمجازاة للفاسق والمتقي، وأعيد لفظ الله في هذه الجمل الثلاث على
طريق تعظيم الأمر، جعلت كل جملة منها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى ربط بالضمير، بل
اكتفي فيها بربط حرف العطف، وليست في معنى واحد، فالأولى: حث على التقوى،
والثانية: تذكر بالنعم، والثالثة: تتضمن الوعد والوعيد. وقيل: معنى الآية الوعد، فإن من
اتقى علمه الله، وكثيراً ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الصوفية الذين يتجافون عن
الاشتغال بعلوم الشريعة، من الفقه وغيره، إذا ذكر له العلم، والاشتغال به، قالوا: قال
الله: واتقوا الله ويعلمكم الله، ومن أين تعرف التقوى؟ وهل تعرف إلاّ بالعلم؟.
﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهن مقبوضة﴾. مفهوم الشرط يقتضي
امتناع الاستيثاق بالرهن، وأخذه في الحضر، وعند وجدان الكاتب، لأنه تعالى علق جواز
ذلك على وجود السفر وفقدان الكاتب، وقد ذهب مجاهد، والضحاك: إلى أن الرهن
والائتمان إنما هو في السفر، وأما في الحضر فلا ينبغي شيء من ذلك، ونقل عنهما أنهما
لا يجوِّزان الارتهان إلاّ في حال السفر، وجمهور العلماء على جواز الرهن في الحضر، ومع
وجود الكاتب، وأن الله تعالى ذكر السفر على سبيل التمثيل للإعذار، لأنه مظنة فقدان

٧٤٣
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
الكاتب، وإعواز الإشهاد، فأقام التوثق بالرهن مقام الكتابة والشهادة، ونبه بالسفر على كل
عذر، وقد يتعذر الكاتب في الحضر؛ كأوقات الاشتغال والليل وقد صح أن رسول الله وآله
رهن درعه في الحضر، فدل ذلك على أن الشرط لا يراد مفهومه .
وقرأ الجمهور: كاتباً، على الإفراد. وقرأ أبي، ومجاهد، وأبو العالية: كتاباً على أنه
مصدر، أو جمع كاتب. كصاحب وصحاب. ونفي الكاتب يقتضي نفي الكتابة، ونفي
الكتابة يقتضي أيضاً نفي الكتب.
وقرأ ابن عباس والضحاك: كتاباً، على الجمع اعتباراً بأن كل نازلة لها كاتب،
وروي عن أبي العالية: كتباً جمع كتاب، وجمع اعتباراً بالنوازل أيضاً.
وقرأ الجمهور: فرهان، جمع رهن نحو: كعب وكعاب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو:
فرهن، بضم الراء والهاء. وروي عنهما تسكين الهاء. وقرأ بكل واحدة منهما جماعة
غيرهما، فقيل: هو جمع رهان، ورهان جمع رهن، قاله الكسائي، والفراء. وجمع الجمع
لا يطرد عند سيبويه، وقيل: هو جمع رهن، كسقف، ومن قرأ بسكون الهاء فهو تخفيف من
رهن، وهي لغة في هذا الباب، نحو: كتب في كتب، واختاره أبو عمرو بن العلاء وغيره،
وقال أبو عمروبن العلاء: لا أعرف الرهان إلّ في الخيل لا غير، وقال يونس: الرهن
والرهان عربيان، والرهن في الرهن أكثر، والرهان في الخيل أكثر. انتهى. وجمع فعل على
فعل قليل، ومما جاء فيه: رهن، قول الأعشى :
آليت لا يعطيه من أبنائنا رهناً فيفسدهم كرهن أفسدا
وقال بكسر: رهن، على أقل العدد لم أعلمه جاء، وقياسه: أفعل، فكأنهم استغنوا بالكثير
عن القليل. انتهى.
والظاهر من قوله: مقبوضة، اشتراط القبض. وأجمع الناس على صحة قبض
المرتهن، وقبض وكيله، وأما قبض عدل يوضع الرهن على يديه، فقال الجمهور به . وقال
عطاء، وقتادة، والحكم، وابن أبي ليلى: ليس بقبض، فإن وقع الرهن بالإيجاب والقبول،
ولم يقع القبض، فالظاهر من الآية أنه لا يصح إلّ بالقبض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة،
وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن،
فالقبض عند مالك شرط في كمال فائدته، وعند أبي حنيفة والشافعي شرط في صحته،
وأجمعوا على أنه لا يتم إلّ بالقبض.

٧٤٤
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
واختلفوا في استمراره، فقال مالك: إذا ردّه بعارية أو غيرها بطل. وقال أبو حنيفة: إن
ردّه بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: يبطل برجوعه إلى يد الراهن مطلقاً.
والظاهر من اشتراط القبض أن يكون المرهون ذاتاً متقومّة يصح بيعها وشراؤها،
ويتهيأ فيها القبض أو التخلية. فقال الجمهور: لا يجوز رهن ما في الذمّة. وقالت المالكية:
يجوز، وقال الجمهور: لا يصح رهن الغرر، مثل: العبد الآبق، والبعير الشارد، والأجنة
في بطون أمّهاتها، والسمك في الماء، والثمرة قبل بدو صلاحها. وقال مالك: لا بأس
بذلك.
واختلفوا في رهن المشاع، فقال مالك، والشافعي: يصح فيما يقسم وفيما لا يقسم.
وقال أبو حنيفة: لا يصح مطلقاً. وقال الحسن بن صالح: يجوز فيما لا يقسم، ولا يجوز
فیما يقسم.
ومعنى: على سفر، أي: مسافرين، وقد تقدّم الكلام على مثله في آية الصيام.
ويحتمل قوله: ولم تجدوا، أن يكون معطوفاً على فعل الشرط، فتكون الجملة في
موضع جزم، ويحتمل أن تكون الواو للحال، فتكون الجملة في موضع نصب. ويحتمل أن
يكون معطوفاً على خبر كان، فتكون الجملة في موضع نصب، لأن المعطوف على الخبر
خبر، وارتفاع: فرهان، على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالوثيقة رهان مقبوضة.
﴿فان أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته﴾ أي: إن وثق رب الدين بأمانة
الغريم، فدفع إليه ماله بغير كتاب ولا إشهاد ولا رهن، فليؤدّ الغريم أمانته، أي ما ائتمنه
عليه رب المال. وقرأ أبيّ: فإن أومن، رباعيا مبنياً للمفعول، أي: آمنه الناس، هكذا نقل
هذه القراءة عن أبيّ الزمخشري، وقال السجاوندي: وقرأ أبيّ: فإن ائتمن، افتعل من
الأمن، أي: وثق بلا وثيقة صك، ولا رهن.
والضمير في: أمانته، يحتمل أن يعود إلى رب الدين، ويحتمل أن يعود إلى الذي
اؤتمن. والأمانة: هو مصدر أطلق على الشيء الذي في الذمّة، ويحتمل أن يراد به نفس
المصدر، ويكون على حذف مضاف، أي: فليؤدّ دين أمانته. واللام في: فليؤدّ، للأمر،
وهو للوجوب. وأجمعوا على وجوب أداء الديون، وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء
عليه، ويجوز إبدال همزة: فليؤدّ، واواً نحو: يوجل ويوخر ويواخذ، لضمة ما قبلها.
وروى أبو بكر عن عاصم: الذي اؤتمن، برفع الألف، ويشير بالضمة إلى الهمزة.

٧٤٥
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
قال ابن مجاهد: وهذه الترجمة غلط. وروى سليم عن حمزة إشمام الهمزة الضم، وفي
الإشارة والإشمام المذكورين نظر.
وقرأ ابن محيصن، وورش بإبدال الهمزة ياء، كما أبدلت في بئر وذئب، وأصل هذا
الفعل: أؤتمن، بهمزتين: الأولى همزة الوصل، وهي مضمومة. والثاني: فاء الكلمة، وهي
ساكنة، فتبدل هذه واواً لضمة ما قبلها، ولاستثقال اجتماع الهمزتين، فإذا اتصلت الكلمة
بما قبلها رجعت الواو إلى أصلها من الهمزة، لزوال ما أوجب إبدالها. وهي همزة الوصل،
فإذا كان قبلها كسرة جاز إبدالها ياءً لذلك.
وقرأ عاصم في شاذه: اللذتمن، بإدغام التاء المبدلة من الهمزة قياساً على: اتسر،
في الافتعال من اليسر. قال الزمخشري: وليس بصحيح، لأن التاء منقلبة عن الهمزة في
حكم الهمزة، واتزر عامّي، وكذلك ريًا في رؤيا. انتهى كلامه.
وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح، وأن اترز عامي يعني: أنه من إحداث
العامّة، لا أصل له في اللغة، قد ذكره غيره، أن بعضهم أبدل وأدغم، فقال: اتمن واتزر،
وذكر أن ذلك لغة رديئة. وأما قوله: وكذلك ريّا في رؤيا، فهذا التشبيه إما أن يعود إلى
قوله: واترز عامي، فيكون إدغام ريّاً عامياً. وإما أن يعود إلى قوله: فليس بصحيح، أي:
وكذلك إدغام: ريا، ليس بصحيح. وقد حكى الإدغام في ريا الكسائي.
﴿وليتق الله ربه﴾ أي عذاب الله في أداء ما ائتمنه رب المال، وجمع بين قوله: الله
ربه، تأكيداً لأمر التقوى في أداء الذين كما جمعهما في قوله: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾
فأمر بالتقوى حين الإقرار بالحق، وحين أداء ما لزمه من الدين، فاكتنفه الأمر بالتقوى حين
الأخذ وحين الوفاء.
﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ هذا نهي تحريم، ألا ترى إلى الوعيد لمن كتمها؟ وموضع
النهي حيث يخاف الشاهد ضياع الحق. وقال ابن عباس: على الشاهد أن يشهد حیث ما
استشهد، ويخبر حيث ما استخبر. ولا تقل: أخبر بها عن الأمير، بل أخبره بها لعله يرجع
ويرعوي .
وقرأ السلمي: ولا يكتموا، بالياء على الغيبة.
﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ كتم الشهادة هو إخفاؤها بالامتناع من أدائها، والكتم

٧٤٦.
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
من معاصي القلب، لأن الشهادة علم قام بالقلب، فلذلك علق الإثم به. وهو من التعبير
بالبعض عن الكل: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد
الجسد كله ألا وهي القلب). وإسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ وآكد، ألا ترى
أنك تقول: أبصرته عيني؟ وسمعته أذني؟ ووعاه قلبي؟ فأسند الإثم إلى القلب إذ هو متعلق
الإثم، ومكان اقترافه، وعنه يترجم اللسان. ولئلا يظنّ أن الكتمان من الآثام المتعلقة
باللسان فقط، وأفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي
تتشعب منها، لو خشع قلبه لخشعت جوارحه. وقراءة الجمهور: آثم، اسم فاعل من: أثم
قلبه، و: قلبه، مرفوع به على الفاعلية، و: آثم، خبر: إن، وجوّز الزمخشري أن يكون:
آثم، خبراً مقدّماً، و: قلبه، مبتدأ. والجملة في موضع خبر: إن، وهذا الوجه لا يجيزه
الکوفیون .
وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون يعني: آثم ابتداء وقلبه فاعل يسدّ مسدّ الخبر،
والجملة خبر إن. انتهى. وهذا لا يصح على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، لأن اسم
الفاعل لم يعتمد على أداة نفي ولا أداة استفهام، نحو: أقائم الزيدان؟ وأقائم الزيدون؟ وما
قائم الزيدان؟ لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن، إذ يجيز: قائم الزيدان؟ فيرفع الزيدان
باسم الفاعل دون اعتماد على أداة نفي ولا استفهام. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون:
قلبه، بدلاً على بدل بعض من كل، يعنى: أن يكون بدلاً من الضمير المرفوع المستكن
في : آثم، والإعراب الأول هو الوجه.
وقرأ قوم: قلبَه، بالنصب، ونسبها ابن عطية إلى ابن أبي عبلة. وقال: قال مكي: هو
على التفسير يعنى التمييز، ثم ضعف من أجل أنه معرفة. والكوفيون يجيزون مجيء التمييز
معرفة. وقد خرجه بعضهم على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به، نحو قولهم: مررت
برجل حسن وجهه، ومثله ما أنشد الكسائي رحمه الله تعالی :
مدارة الأخفاف مجمراتها
أنعتها إني من نعاتها
كوم الذرى وادقة سراتها
غلب الدفار وعفريناتها
وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين جائز، وعلى مذهب المبرد ممنوع، وعلى مذهب
سيبويه جائز في الشعر لا في الكلام، ويجوز أن ينتصب على البدل من اسم إن بدل بعض
من كل، ولا مبالاة بالفصل بين البدل والمبدل منه بالخبر، لأن ذلك جائز. وقد فصلوا

٧٤٧
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
بالخبر بين الصفة والموصوف، نحو: زيد منطلق العاقل، نص عليه سيبويه، مع أن العامل
في النعت والمنعوت واحد، فأحرى في البدل، لأن الأصح أن العامل فيه هو غير العامل في
المبدل منه .
ونقل الزمخشري وغيره: أن ابن أبي عبلة قرأ: أثم قلبه، بفتح الهمزة والثاء والميم
وتشديد الثاء، جعله فعلاً ماضياً. وقلبه بفتح الباء نصباً على المفعول بأثم، أي: جعله
آثماً .
﴿والله بما تعملون عليم) بما تعملون عام في جميع الأعمال، فيدخل فيها كتمان
الشهادة وأداؤها على وجهها. وفي الجملة توعد شديد لكاتم الشهادة، لأن علمه بها يترتب
عليه المجازاة، وإن كان لفظ العلم يعم الوعد والوعيد.
وقرأ السلمي: بما يعملون، بالياء جرياً على قراءته، و: لا يكتموا، بالياء على
الغيبة .
وقد تضمنت هذه الآية من ضروب الفصاحة.
التجنيس المغاير في قوله: إذا تداينتم بدين، وفي قوله: وليكتب بينكم كاتب. وفي
قوله: ولا يأب كاتب أن يكتب. وفي قوله: ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم. وفي قوله
واستشهدوا شهيدين من رجالكم. وفي قوله: أؤتمن أمانته.
والتجنيس المماثل في قوله: ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها.
والتأكيد في قوله: تداينتم بدين، وفي قوله: وليكتب بينكم كاتب، إذ يفهم من قوله:
تداينتم، قوله: بدين، ومن قوله: فليكتب، قوله: كاتب.
والطباق في قوله: أن تضل إحداهما فتذكر، لأن الضلال هنا بمعنى النسيان. وفي
قوله: صغيراً أو كبيراً.
والتشبيه في قوله: أن يكتب كما علمه الله.
والاختصاص في قوله: كاتب بالعدل. وفي قوله: فليملل وليه بالعدل، وفي قوله:
أقسط عند الله وأقوم للشهادة. وفي قوله: تجارة حاضرة تديرونها بينكم.
والتكرار في قوله: فاکتبوه ولیکتب، وأن یکتب کما علمه الله، فلیکتب، ولا یأب
كاتب، وفي قوله: فليملل الذي عليه الحق، فإن كان الذي عليه الحق. كرر الحق للدّعاء

٧٤٨
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
إلى اتباعه، وأتى بلفظة على للإعلام أن لصاحب الحق مقالاً واستعلاء، وفي قوله: أن
تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. وفي قوله: واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله.
والحذف في قوله: يا أيها الذين آمنوا، حذف متعلق الإيمان. وفي قوله: مسمى،
أي بينكم فليكتب الكاتب، أن يكتب الكتاب كما علمه الله الكتابة والخط، فليكتب كتاب
الذي عليه الحق ما عليه من الدين، وليتق الله ربه في املائه سفيهاً في الرأي أو ضعيفاً في
البيئة، أو لا يستطيع أن يمل هو لخرس أو بكم فليملل الدين وليه على الكاتب، واستشهدوا
إذا تعاملتم من رجالكم المعينين للشهادة المرضيين، فرجل مرضي وامرأتان مرضيتان من
الشهداء المرضيين فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة، ولا يأب الشهداء من تحمل الشهادة أو
من أدائها عند الحاكم إذا ما دعوا أي دعائهم صاحب الحق للتحمل، أو للأداء إلى أجله
المضروب بينكم، ذلكم الكتاب أقسط وأقوم للشهادة المرضية أن لا ترتابوا في الشهادة
تديرونها بينكم، ولا تحتاجون إلى الكتب والإشهاد فيها، وأشهدوا إذا تبايعتم شاهدين، أو
رجلًا وامرأتين، ولا يضارّ كاتب ولا شهيد أي صاحب الحق، أو: لا يضار صاحب الحق
كاتباً ولا شهيداً، ثم حذف وبنى للمفعول، وأن تفعلوا الضرر، واتقوا عذاب الله،
ويعلمكم الله الصواب، وإن كنتم على سبيل سفر ولم تجدوا كاتباً يتوثق بكتابته، فالوثيقة
رهن أمن بعضكم بعضاً، فأعطاه مالاً بلا إشهاد ولا رهن أمانته من غير حيف ولا مطل،
وليتق عذاب الله، ولا تكتموا الشهادة عن طالبها.
وتلوين الخطاب، وهو الانتقال من الحضور إلى الغيبة، في قوله: فاكتبوه، وليكتب،
ومن الغيبة إلى الحضور في قوله: ولا يأب كاتب، وأشهدوا. ثم انتقل إلى الغيبة بقوله:
ولا يضار، ثم إلى الحضور بقوله: ولا تكمتوا الشهادة، ثم إلى الغيبة بقوله: ومن يكتمها،
ثم إلى الحضور بقوله: بما تعملون.
والعدول من فاعل إلى فعيل، في قوله: شهيدين، ولا يضار كاتب ولا شهيد.
والتقديم والتأخير في قوله: فليكتب، وليملل، أو الإملال، بتقديم الكتابة قبل، ومن
ذلك: ممن ترضون من الشهداء، التقدير واستشهدوا ممن ترضون، ومنه وأشهدوا إذا
تبايعتم .
انتهى ما لخصناه مما ذكر في هذه الآية من أنواع الفصاحة. وفيها من التأكيد في
حفظ الأموال في المعاملات ما لا يخفى: من الأمر بالكتابة للمتداينين، ومن الأمر للكاتب

٧٤٩
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
بالكتابة بالعدل، ومن النهي عن الامتناع من الكتابة، ومن أمره ثانياً بالكتابة، ومن الأمر
لمن عليه الحق بالإملال إن أمكن، أو لوليه إن لم يمكنه، ومن الأمر بالاستشهاد، ومن
الاحتياط في من يشهد وفي وصفه، ومن النهي للشهود عن الامتناع من الشهادة إذا ما دعوا
إليها، ومن النهي عن الملل في كتابة الدين وإن كان حقيراً، ومن الثناء على الضبط
بالكتابة، ومن الأمر بالإشهاد عند التبايع، ومن النهي للكاتب والشاهد عن ضرار من يشهد
له ويكتب، ومن التنبيه على أن الضرار في مثل هذا هو فسوق، ومن الأمر بالتقوى، ومن
الإذكار بنعمة التعلم، ومن التهديد بعد ذلك، ومن الاستيثاق في السفر وعدم الكاتب
بالرهن المقبوض، ومن الأمر بأداء أمانة من لم يستوثق بكاتب وشاهد ورهن، ومن الأمر
لمن استوثق بتقوى الله المانعة من الإحلال بالأمانة، ومن النهي عن كتم الشهادة، ومن
التنبيه على أن كاتمها مرتكب الإثم، ومن التهديد آخرها بقوله: ﴿والله بما تعملون عليم)
فانظر إلى هذه المبالغة والتأكيد في حفظ الأموال وصيانتها عن الضياع، وقد قرنها
رسول الله وَ ل﴿ بالنفوس والدماء، فقال: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)). وقال: ((إن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم)). ولصيانتها والمنع من إضاعتها، ومن التبذير فيها كان
حجر الإفلاس، وحجر الجنون، وحجر الصغر، وحجر الرق، وحجر المرض، وحجر
الإرتداد.
﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ قال الشعبي، وعكرمة: نزلت في كتمان
الشهادة وإقامتها، ورواه مجاهد ومقسم عن ابن عباس، قال مقاتل، والواقدي: نزلت فيمن
يتولى الكافرين من المؤمنين.
ومناسبتها ظاهرة، لأنه لما ذكر أن من كتم الشهادة فإن قلبه آثم، ذكر ما انطوى عليه
الضمير، فكتمه أو أبداه، فإن الله يحاسبه به، ففيه وعيد وتهديد لمن كتم الشهادة، ولما
علق الإثم بالقلب ذكر هنا الأنفس، فقال: ﴿وأن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه﴾ وناسب
ذكر هذه الآية خاتمة لهذه السورة لأنه تعالى ضمنها أكثر علم الأصول والفروع من: دلائل
التوحيد، والنبوّة، والمعاد، والصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد،
والحيض، والطلاق، والعدّة، والخلع، والإيلاء، والرضاعة، والربا، والبيع، وكيفية
المداينة. فناسب تكليفه إيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السموات وما في
الأرض، فهو يلزم من شاء من مملوكاته بما شاء من تعبداته وتكليفاته.
ولما كانت هذه التكاليف محل اعتقادها إنما هو الأنفس، وما تنطوي عليه من

٧٥٠.
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
النيات، وثواب ملتزمها وعقاب تاركها إنما يظهر في الدار الآخرة، نبه على صفة العلم التي
بها تقع المحاسبة في الدار الآخرة بقوله: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم
به الله﴾ فصفة الملك تدل على القدرة الباهرة، وذكر المحاسبة يدل على العلم المحيط
بالجليل والحقير، فحصل بذكر هذين الوصفين غاية الوعد للمطيعين، وغاية الوعيد
للعاصین.
والظاهر في: اللام، أنها للملك، وكان ملكاً له لأنه تعالى هو المنشىء له، الخالق.
وقيل: المعنى لله تدبير ما في السموات وما في الأرض، وخص السموات والأرض لأنها
أعظم ما يرى من المخلوقات، وقدم السموات لعظمها، وجاء بلفظ: ما، تغليباً لما لا يعقل
على من يعقل، لأن الغالب فيما حوته إنما هو جماد وحيوان، لا يعقل، وأجناس ذلك
كثيرة. وأما العاقل فأجناسه قليلة إذ هي ثلاثة: إنس وجنّ وملائكة.
﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ ظاهر: ما، العموم،
والمعنى: أن الحالتين من الإخفاء والإبداء بالنسبة إليه تعالى سواء، وإنما يتصف بكونه
إبداء وإخفاء بالنسبة إلى المخلوقين لا إليه تعالى، لأن علمه ليس ناشئاً عن وجود الأشياء،
بل هو سابق بعلم الأشياء قبل الإيجاد، وبعد الإيجاد، وبعد الإعدام. بخلاف علم
المخلوق، فإنه لا يعلم الشيء إلّ بعد إيجاده، فعلمه محدث. وقد خصص هذا العموم
فقال ابن عباس، وعكرمة، والشعبي، واختاره ابن جرير: هو في معنى الشهادة، أعلم في
هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب، وقيل: من الاحتيال للربا، وقال
مجاهد: من الشك واليقين، ومما يدل على أن الله تعالى يؤاخذ بما تجن القلوب، قوله:
﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾(١).
وبعد فإن المحبة والإرادة والعلم والجهل أفعال القلب وهي من أعظم أفعال العباد.
وقال القاضي عبد الجبار: بين أن أفعال القلوب كأفعال الجوارح في أن الوعيد يتناولها،
ويعني ما يلزم إظهاره إذا خفي، وما يلزم كتماته إذا ظهر مما يتعلق به الحقوق، ولم يرد
بذلك ما يخطر بالقلب مما قد رفع فيه المأثم. انتهى كلامه. وإلى ما يهجس في النفس
أشار، والله أعلم، رسول الله وَّ بقوله: ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ولم
تعمل به وتكلم)) وقال: ((إن تظهروا العمل أو تسروه)).
(١) سورة البقرة: ٢٣٥/٢ .

٧٥١
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
وقال أبو علي: يحاسب عباده على ما يخفون من أعمالهم وعلى ما يبدونه، فيغفر
للمستحق ويعذب المستحق. ودلت على أن الثواب والعقاب يستحقان بالعزم وسائر أفعال
القلوب إذا كانت طاعة أو معصية.
وقال الزمخشري: من السوء وهذا حسن لأنه جاء بعد ذلك ذكر الغفران والتعذيب،
لكن ذيل ذلك الزمخشري بقوله: فيغفر لمن يشاء، لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر
منه، أو أضمر. ويعذب من يشاء من استوجب العقوبة بالإصرار. انتهى. وهذه نزعة
إعتزالية، وأهل السنة يقولون: إن الغفران قد يكون من الله تعالى لمن مات مصرّاً على
المعصية ولم يتب، فهو في المشيئة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ﴿إن الله لا يغفر أن
يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (١).
ثم قال الزمخشري: ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان الوسواس، وحديث النفس، لأن
ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد الله بن عمر، أنه
تلاها فقال: لئن أخذنا الله بهذا لنهلکن، ثم بکی حتی سمع نشجه، فذکر لابن عباس
فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد، فنزل: ﴿لا يكلف
الله نفساً إلا وسعها﴾ انتھی کلامه.
وقال ابن عطية: في أنفسكم، يقتضي قوّة اللفظ أنه ما تقرر في النفس واعتقد
واستصحب الفكر فيه، وأما الخواطر التي لا يمكن دفعها فليست في النفس إلّ على تجوز.
انتھی .
وقال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ وينبغي
أن يجعل هذا تخصيصاً إذا قلنا: إن الوسوسة والهواجس مندرجة تحت: ما، في قوله: ﴿ما
في أنفسكم﴾ والأصح أنها محكمة، وأنه تعالى يحاسبهم على ما عملوا وما لم يعملوا مما
ثبت في نفوسهم ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، وقيل:
العذاب الذي يكون جزاء للخواطر هو مصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها . وروي هذا
المعنى عن عائشة.
ولما كان اللفظ مما يمكن أن يدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، فبين الله ما أراد
(١) سورة النساء: ٤٨/٢ و١١٦.

٧٥٢
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
بها وخصصها، ونص على حكمه أنه لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، والخواطر ليس دفعها في
الوسع، وكان في هذا فرجهم وكشف كربهم.
والآية خبر، والنسخ لا يدخل الأخبار، وانجزم: يحاسبكم، على أنه جواب الشرط،
وقيل: عبر عن العلم بالمحاسبة إذ من جملة تفاسير الحسيب: العالم، فالمعنى: أنه يعلم
ما في السرائر والضمائر، وقيل: الجزاء مشروط بالمشيئة أو بعدم المحاسبة، ويكون
التقدير: يحاسبكم إن شاء أو يحاسبكم إن لم يسمح.
وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويزيد، ويعقوب، وسهل: فيغفر لمن يشاء ويعذب، بالرفع
فيهما على القطع، ويجوز على وجهين: أحدهما: أن يجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف.
والآخر: أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدّم. وقرأ باقي السبعة بالجزم عطفاً على
الجواب. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو حيوة بالنصب فيهما على إضمار: أن، فينسبك
منها مع ما بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم من الحساب، تقديره: يكن
محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه قد جاءت في قول الشاعر:
ربيع الناس والشهر الحرام
فان يهلك أبو قابوس يهلك
أجب الظهر ليس له سنام
ونأخذ بعده بذناب عيش
يروى بجزم: ونأخذ، ورفعه ونصبه. وقرأ الجعفي، وخلاد، وطلحة بن مصرف: يغفر لمن
يشاء، ويروى أنها كذلك في مصحف عبد الله. قال ابن جني: هي على البدل من:
يحاسبكم، فهي تفسير للمحاسبة. انتهى. وليس بتفسير، بل هما مترتبان على المحاسبة،
ومثال الجزم على البدل من الجزاء قوله ﴿ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له
العذاب﴾(١).
وقال الزمخشري: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأن التفصيل أوضح
من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل، أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت
زيداً رأسه. وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة
القبيلين إلى البيان. انتهى كلامه. وفيه بعض مناقشة.
أولاً: فلقوله: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، وليس الغفران والعذاب
(١) سورة الفرقان: ٦٨/٢٥.

٧٥٣
سورة البقرة / الآيات : ٢٨٢ - ٢٨٦
تفصيلاً لجملة الحساب، لأن الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها، بحيث
لا يشذ شيء منها، والغفران والعذاب مترتبان على المحاسبة، فليست المحاسبة تفصل
الغفران والعذاب.
وأما ثانياً: فلقوله بعد ان ذكر بدل البعض والكل، وبدل الاشتمال: هذا البدل وقوعه
في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. أما بدل الاشتمال فهو يمكن، وقد جاء لأن الفعل
بما هو يدل على الجنس يكون تحته أنواع يشتمل عليها، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت
جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل، إذ الفعل
لا يقبل التجزيء، فلا يقال في الفعل: له كل وبعض إلّ بمجاز بعيد، فليس كالاسم في
ذلك، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل بالنسبة لله تعالى، إذ الباري تعالى واحد
فلا ينقسم ولا یتبعض.
قال الزمخشري، وقد ذكر قراءة الجزم: فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟.
قلت: يظهر الراء ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لا حن مخطىء خطأً فاحشاً،
وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية .. يؤذن
بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة
الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. انتهى كلامه. وذلك على عادته في الطعن
على القراء.
وأما ما ذكر أن مدغم الراء في اللام لا حن مخطىء خطأً فاحشاً إلى آخره، فهذه
مسألة اختلف فيها النحويون، فذهب الخليل، وسيبويه وأصحابه: إلى أنه لا يجوز إدغام
الراء في اللام من أجل التكرير الذي فيها، ولا في النون. قال أبو سعيد. ولا نعلم أحداً
خالفه إلاّ يعقوب الحضرمي، وإلاّ ما روي عن أبي عمرو، وأنه كان يدغم الراء في اللام
متحركة متحركاً ما قبلها، نحو: ﴿يغفر لمن﴾(١) ﴿العمر لكيلا﴾(٢) ﴿واستغفر لهم
الرسول﴾(٣) فإن سكن ما قبل الراء أدغمها في اللام في موضع الضم والكسر، نحو
﴿الانهار لهم﴾(٤) و﴿النار ليجزي﴾(٥) فإن انفتحت وكان ما قبلها حرف مد ولين أو غيره لم
(١) سورة البقرة: ٢٨٤/٢، وآل عمران: ١٢٩/٣ والمائدة: ١٨/٤ و٤٠. والفتح: ١٤/٤٨.
(٤) سورة النحل: ٣١/١٦.
(٢) سورة الحج: ٥/٢٢.
(٣) سورة النساء: ٤ /٦٤.
(٥) سورة إبراهيم: ٥٠/١٤ و ٥١.
تفسير البحر المحيط ج٢ ٤٨٢

٧٥٤.
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
يدغم نحو ﴿من مصر لامرأته﴾(١) ﴿والأبرار لفي نعيم﴾(٢) ﴿ولن تبور ليوفيهم﴾(٣) ﴿والحمير
لتركبوها﴾ (٤) فإن سكنت الراء أدغمها في اللام بلا خلاف عنه إلّ ما روى أحمد بن جبير
بلا خلاف عنه، عن اليزيدي، عنه: أنه أظهرها، وذلك إذا قرأ بإظهار المثلين، والمتقاربين
المتحركين لا غير، على أن المعمول في مذهبه بالوجهين جميعاً على الإدغام نحو ﴿ويغفر
لكم﴾ انتهى. وأجاز ذلك الكسائي والفراء وحكياه سماعاً، ووافقهما على سماعه رواية
وإجازة أبو جعفر الرواسي، وهو إمام من أئمة اللغة والعربية من الكوفيين، وقد وافقهم أبو
عمرو على الإدغام رواية وإجازة، كما ذكرناه، وتابعه يعقوب كما ذكرناه، وذلك من رواية
الوليد بن حسان. والإدغام وجه من القياس، ذكرناه في كتاب (التكميل لشرح التسهيل) من
تأليفنا، وقد اعتمد بعض أصحابنا على أن ما روي عن القراء من الإدغام الذي منعه
البصريون يكون ذلك إخفاءً لا إدغاماً، وذلك لا يجوز أن يعتقد في القراء أنهم غلطوا، وما
ضبطوا، ولا فرقوا بين الإخفاء والإدغام، وعقد هذا الرجل باباً قال: هذا باب يذكر فيه ما
أدغمت القراء مما ذكر أنه لا يجوز إدغامه، وهذا لا ينبغي، فإن لسان العرب ليس محصوراً
فيما نقله البصريون فقط، والقرآآت لا تجيء على ما علمه البصريون ونقلوه، بل القراء من
الكوفيين يكادون يكونون مثل قراء البصرة، وقد اتفق على نقل إدغام الراء في اللام كبير
البصريين ورأسهم: أبو عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي. وكبراء أهل الكوفة:
الرواسي، والكسائي، والفراء، وأجازوه ورووه عن العرب، فوجب قبوله والرجوع فيه إلى
علمهم ونقلهم، إذ من علم حجة على من لم يعلم.
وأما قول الزمخشري: إن راوي ذلك عن أبي عمرو مخطىء مرتين، فقد تبين أنه
ذلك صواب، والذي روى ذلك عنه الرواة، ومنهم: أبو محمد اليزيدي وهو إمام في النحو
إمام في القرآآت إمام في اللغات.
قال النقاش: يغفر لمن ينزع عنه، ويعذب من يشاء إن أقام عليه.
وقال الثوري: يغفر لمن يشاء العظيم، ويعذب من يشاء على الصغير.
وقد تعلق قوم بهذه الآية في جواز تكليف ما لا يطاق، وقالوا: كلفوا أمر الخواطر،
وذلك مما لا يطاق.
(١) سورة يوسف: ١٢ /٢١.
(٢) سورة الإنفطار: ١٣/٨٢، والمطففين: ٢٢/٨٣.
(٣) سورة فاطر: ٢٩/٣٥ و٣٠.
(٤) سورة النحل: ٨/١٦.

٧٥٥
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
قال ابن عطية: وهذا غير بين، وإنما كان من الخواطر تأويلاً تأوله أصحاب
النبي ◌َّر، ولم يثبت تكليفاً.
﴿والله على كل شيء قدير﴾. لما ذكر المغفرة والتعذيب لمن يشاء، عقب ذلك بذكر
القدرة، إذ ما ذكر جزء من متعلقات القدرة.
﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ سبب نزولها أنه لما نزل: ﴿وإن
تبدوا ما في أنفسكم) الآية أشفقوا منها، ثم تقرر الأمر على أن ﴿قالوا سمعنا وأطعنا﴾(١)
فرجعوا إلى التضرع والاستكانة، فمدحهم الله وأثنى عليهم، وقدّم ذلك بين يدي رفقه
بهم، وكشفه لذلك الكرب الذي أوجبه تأولهم، فجمع لهم تعالى التشريف بالمدح والثناء
ورفع المشقة في أمر الخواطر، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، كما جرى لبني
اسرائيل ضد ذلك من: ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والجلاء، إذ ﴿قالوا:
سمعنا وعصينا﴾(٢) وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله، أعاذنا الله تعالى من نقمه. انتهى
هذا، وهو كلام ابن عطية.
وظهر بسبب النزول مناسبة هذه الآية لما قبلها، ولما كان مفتتح هذه السورة بذكر
الكتاب المنزل، وأنه هدى للمتقين الموصوفين بما وصفوا به من الإيمان بالغيب، وبما
أنزل إلى الرسول وإلى من قبله، كان مختتمها أيضاً موافقاً لمفتتحها.
وقد تتبعت أوائل السور المطولة فوجدتها يناسبها أواخرها، بحيث لا يكاد ينخرم منها
شيء، وسأبين ذلك إن شاء الله في آخر كل سورة سورة، وذلك من أبدع الفصاحة، حيث
يتلاقى آخر الكلام المفرط في الطول بأوله، وهي عادة للعرب في كثير من نظمهم، يكون
أحدهم آخذاً في شيء، ثم يستطرد منه إلى شيء آخر، ثم إلى آخر، هكذا طويلاً، ثم
يعود إلى ما كان آخذاً فيه أولاً. ومن أمعن النظر في ذلك سهل عليه مناسبة ما يظهر ببادىء
النظم أنه لا مناسبة له، فبين تعالى في آخر هذه السورة أن أولئك المؤمنين هم أمة
محمد عَ لد .
قال المروزي: ﴿آمن الرسول﴾ قال الحسن، ومجاهد، وابن سیرین، وابن عباس
في رواية: أن هاتين الآيتين لم ينزل بهما جبريل، وسمعهما وَّ ليلة المعراج بلا واسطة،
والبقرة مدنية إلاّ هاتين الآيتين.
(١) سورة البقرة: ٢٨٥/٢ والنساء: ٤٦/٤.
(٢) سورة البقرة: ٩٣/٢.

٧٥٦
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
وقال ابن عباس في رواية أخرى، وابن جبير، والضحاك، وعطاء: إن جبريل نزل
عليه بهما بالمدينة، وهي ردّ على من يقول: إن شاء الله في إيمانه، لأن الله تعالى شهد
بإيمان المؤمنين، فالشك فيه شك في علم الله تعالى. انتهى كلامه.
والألف واللام في: الرسول، هي للعهد، وهو رسولنا محمد بَّه، وقد كثر في القرآن
تسميته من الله بهذا الاسم الشريف، وما أنزل إليه من ربه شامل لجميع ما أنزل إليه من الله
تعالى: من العقائد، وأنواع الشرائع، وأقسام الأحكام في القرآن، وفي غيره. آمن بأن ذلك
وحي من الله وصل إليه، وقدّم الرسول لأن إيمانه هو المتقدّم وإيمان المؤمنين متأخر عن
إيمانه، إذ هو المتبوع وهم التابعون فى ذلك.
وروي أن رسول الله صل9، لما نزلت عليه، قال: ((يحق له أن يؤمن)).
والظاهر أن يكون قوله: والمؤمنون، معطوفاً على قوله: الرسول، ويؤيده قراءة علي،
وعبد الله: وآمن المؤمنون، فأظهر الفعل الذي أضمره غيره من القراء، فعلى هذا يكون:
كل، لشمول الرسول والمؤمنين، وجوزوا أن يكون الوقف تم عند قوله: من ربه، ويكون:
المؤمنون، مبتدأ، و: كل، مبتدأ ثان لشمول المؤمنين خاصة. و: آمن بالله، جملة في
موضع خبر: كل، والجملة، من: كل وخبره، في موضع خبر المؤمنين، والرابط لهذه
الجملة بالمبتدأ الأوّل محذوف، وهو ضمير مجرور تقديره: كل منهم آمن، كقولهم:
السمن منوان بدرهم، يريدون: منه بدرهم، والإيمان بالله هو: التصديق به، وبصفاته،
ورفض الأصنام، وكل معبود سواه. والإيمان بملائكته هو اعتقاد وجودهم، وأنهم عباد الله،
ورفض معتقدات الجاهلية فيهم، والإيمان بكتبه هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء
الذين تضمنهم كتاب الله، وما أخبر به رسول الله وَّ ر من ذلك، والإيمان برسله هو التصديق
بأن الله أرسلهم لعباده.
وهذا الترتيب في غاية الفصاحة، لأن الإيمان بالله هو المرتبة الأولى، وهي التي
يستبد بها العقل إذ وجود الصانع يقربه كل عاقل، والإيمان بملائكته هي المرتبة الثانية،
لأنهم كالوسائط بين الله وعباده، والإيمان بالكتب هو الوحي الذي يتلقنه الملك من الله،
يوصله إلى البشر، هي المرتبة الثالثة، والإيمان بالرسل الذين يقتبسون أنوار الوحي فهم
متأخرون في الدرجة عن الكتب، هي المرتبة الرابعة وقد تقدّم الكلام على شيء من هذا

٧٥٧
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
الترتيب في قوله: ﴿من كان عدواً الله وملائكته ورسله﴾(١) وقيل: الكلام في عرفان الحق
لذاته، وعرفان الخير للعمل به واستكمال القوة النظرية بالعلم، والقوة العملية بفعل
الخيرات، والأولى أشرف، فبدىء بها، وهو: الإيمان المذكور، والثانية هي المشار إليها
بقوله ﴿سمعنا وأطعنا﴾ وقيل: للإنسان مبدأ وحال ومعاد، فالإيمان إشارة إلى المبدأ،
و: سمعنا وأطعنا إشارة إلى الحال، و: غفرانك، وما بعده إشارة إلى المعاد.
وقرأ حمزة، والكسائي: وكتابه، على التوحيد، وباقي السبعة: وكتبه، على الجمع.
فمن وحد أراد كل مكتوب، سمي المفعول بالمصدر، كقولهم: نسج اليمن أي: منسوجه.
قال أبو علي: معناه أن هذا الإفراد ليس كإفراد المصادر، وإن أريد بها الكثير، كقوله
﴿وادعوا ثبوراً كثيراً﴾(٢) ولكنه، كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة، نحو: كثر الدينار
والدرهم، ومجيئها بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة، ومن الإضافة ﴿وإن تعدوا نعمة
الله لا تحصوها﴾ (٣) وفي الحديث: ((منعت العراق درهمها وقفيزها)). يراد به: الكثير، كما
يراد بما فيه لام التعريف. انتهى ملخصاً. ومعناه إن المفرد المحلى بالألف واللام يعم أكثر
من المفرد المضاف.
وقال الزمخشري: وقرأ ابن عباس: وكتابه، يريد القرآن. أو الجنس، وعنه: الكتاب
أكثر من الكتب. فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟.
قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس، والجنسية، قائمة في وحدان الجنس كلها، لم
يخرج منه شيء، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلاّ ما فيه الجنسية من الجموع. انتهى كلامه.
وليس كما ذكر، لأن الجمع إذا أضيف أو دخلته الألف واللام الجنسية صار عاماً، ودلالة
العام دلالة على كل فرد فرد، فلو قال: أعتقت عبيدي، يشمل ذلك كل عبد عبد، ودلالة
الجمع أظهر في العموم من الواحد، سواء كانت فيه الألف واللام أم الإضافة، بل لا يذهب
إلى العموم في الواحد إلّ بقرينة لفظية، كأن يستثني منه، أو يوصف بالجمع ، نحو: ﴿إن
الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا﴾ (٤) و: أهلك الناسَ الدينارُ الصفرُ والدرهمُ البيضُ، أو
قرينة معنوية نحو: نية المؤمن أبلغ من عمله، وأقصى حاله أن يكون مثل الجمع العام إذا
(١) سورة البقرة: ٢٨٥/٢، والنساء: ٤ /٤٦.
(٢) سورة الفرقان: ١٤/٢٥.
(٣) سورة إبراهيم: ٣٤/١٤.
(٤) سورة العصر: ٢/١٠٣ و٣.

٧٥٨
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
أربد به العموم، وحمل على اللفظ في قوله: آمن، فأفرد كقوله ﴿قل كل يعمل على
شاكلته﴾(١).
وقرأ يحيي بن يعمر: وكتبه ورسله، بإسكان التاء والسين، وروي ذلك عن نافع. وقرأ
الحسن: ورسله، بإسكان السين، وهي رواية عن أبي عمرو وقرأ عبد الله: وكتابه ولقائه
ورسله.
﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ قرأ الجمهور بالنون، وقدره: يقولون لا نفرق، ويجوز
أن يكون التقدير: يقول لا نفرق، لأنه يخبر عن نفسه. وعن غيره، فيكون: يقول، على
اللفظ، و: يقولون، على المعنى بعد الحمل على اللفظ، وعلى كلا التقديرين فموضع
هذا المقدر نصب على الحال، وجوّز الحوفي وغيره أن يكون خبراً بعد خبر لكل.
وقرأ ابن جبير، وابن يعمر، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب، ونص رواة أبي
عمرو: لا يفرق، بالياء على لفظ: كل.
قال هارون: وهي في مصحف أبيّ، وابن مسعود: لا يفرقون، حمل على معنى:
كل بعد الحمل على اللفظ، والمعنى: أنهم ليسوا كاليهود والنصارى يؤمنون ببعض
ویکفرون ببعض .
والمقصود من هذا الكلام إثبات النبوّة، وهو ظهور المعجزة على وفق الدعوى
فاختصاص بعض دون بعض متناقض، لا ما ادعاه بعضهم من أن المقصود هو عدم
التفضيل بينهم، و: أحد، هنا هي المختصة بالنفي، وما أشبهه؟ فهي للعموم، فلذلك
دخلت: من، عليها كقوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾(٢) والمعنى بين
آحادهم. قال الشاعر:
إذا أمور الناس ديكت دوكا لا يرهبون أحداً رأوكا
قال بعضهم: وأحد، قيل: إنه بمعنى جميع، والتقدير: بين جميع رسله، ويبعد عندي هذا
التقدير، لأنه لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل. والمقصود بالنفي هو هذا، لأن اليهود
والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل، بل البعض، وهو محمد وَّر، فثبت أن التأويل
الذي ذكره باطل، بل معنى الآية: لا يفرق أحد من رسله وبين غيره في النبوّة. انتهى. وفيه
(١) سورة الإسراء: ١٧ /٨٤.
(٢) سورة الحاقة: ٦٩ /٤٧.

٧٥٩
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
بعض تلخيص. ولا يعني من فسرها: بجميع، أو قال: هي في معنى الجميع، إلا أنه يريد
بها العموم نحو: ما قام أحد، أي: ما قام فرد فرد من الرجال، مثلاً، ولا فرد فرد من
النساء، لا أنه نفى القيام عن الجميع، فیثبت لبعض، ويحتمل عندي أن يكون مما حذف
فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد، فيكون
أحد هنا بمعنى واحد، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي. ومن حذف المعطوف:
سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. وقول الشاعر:
أبو حجر إلا ليال قلائل
فما كان بين الخير لو جاء سالماً
أي: بين الخير وبيني، فحذف، وبيني، لدلالة المعنى عليه.
﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك، ولا يراد مجرد السماع، بل
القبول والإجابة. وقدم: سمعنا، على: وأطعنا، لأن التكليف طريقه السمع، والطاعة
بعده، وينبغي للمؤمن أن يكون قائلاً هذا دهره.
﴿غفرانك ربنا﴾ أي: من التقصير في حقك، أو لأن عبادتنا، وإن كانت في نهاية
الكمال، فهي بالنسبة إلى جلالك تقصير.
﴿وإليك المصير) إقرار بالمعاد. أي: وإلى جزائك المرجع، وانتصاب: غفرانك،
على المصدر، وهو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً، التقدير عند سيبويه: إغفر
لنا غفرانك، قال السجاوندي: ونسبه ابن عطية للزجاج، وقال الزمخشري: غفرانك
منصوب بإضمار فعله، يقال: غفرانك لاكفرانك، أي: نستغفرك ولانكفرك. فعلى التقدير
الأول: الجملة طلبية، وعلى الثاني : خبرية.
واضطرب قول ابن عصفور فيه، فمرة قال: هو منصوب بفعل يجوز إظهاره، ومرة
قال: هو منصوب يلتزم إضماره. وعدّه مع: سبحان الله، واخواتها. وأجاز بعضهم انتصابه
على المفعول به، أي: نطلب، أو: نسأل غفرانك. وجوّز بعضهم الرفع فيه على أن يكون
مبتدأ، أي: غفرانك بغيتنا.
والمصير: اسم مصدر من صار يصير، وهو مبني على: مفعل، بكسر العين، وقد
اختلف النحويون في بناء المفعل مما عينه ياء نحو: يبيت، ويعيش، ويحيض، ويقيل،
ويصير، فذهب بعضهم إلى أنه كالصحيح، نحو: يضرب، يكون للمصدر بالفتح، يكون

٧٦٠
سورة البقرة / الآيات: ٢٨٢ - ٢٨٦
للمصدر بالفتح، وللمكان والزمان نحو: ﴿وجعلنا النهار معاشاً﴾(١) أي: عيشا، فيكون:
المحيض بمعنى الحيض، والمصير بمعنى الصيرورة، على هذا شاذاً. وذهب بعضهم إلى
التخيير في المصدر بين أن تبنيه على مفعِل بكسر العين، أو: مفعَل بفتحها، وأما الزمان
والمكان فبالكسر. ذهب إلى ذلك الزجاج، ورده عليه أبو عليّ، وذهب بعضهم إلى
الاقتصار على السماع، فحيث بنت العرب المصدر على مفعِل أو مفعَل اتبعناه، وهذا
المذهب أحوط.
﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ ظاهره أنه استئناف، خبر من الله تعالى أخبر به أنه
لا يكلف العباد من أفعال القلوب والجوارح إلاّ ما هو في وسع المكلف، ومقتضى إدراكه
وبنيته، وانجلى بهذا أمر الخواطر الذي تأوله المسلمون في قوله: ﴿إن تبدوا﴾ الآية، وظهر
تأويل من يقول: إنه لا يصح تكليف ما لا يطاق، وهذه الآية نظير. ﴿يريد الله بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر﴾(٢) ﴿وما جعل عليكم في الدّين من حرج﴾(٣) ﴿فاتقوا الله ما
استطعتم﴾(٤).
وقال الزمخشري: أي ما يكلفها إلاّ ما يتسع فيه طوقها، ويتيسر عليها دون مدى
الطاقة والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته، لقوله ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
العسر﴾(٢) لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من
الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقيل: هذا من كلام الرسول والمؤمنين، أي: وقالوا
﴿لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها﴾ والمعنى: أنهمٍ لما قالوا ﴿سمعنا وأطعنا﴾ قالوا: كيف
لا نسمع ذلك، ولا نطيع؟ وهو تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا؟ والوسع دون المجهود في
المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان.
وانتصابه على أنه مفعول ثان ليكلف. وقال ابن عطية: يكلف، يتعدّى إلى مفعولين.
أحدهما محذوف تقديره: عبادة أو شيئاً. انتهى. فإن عنى أن أصله كذا، فهو صحيح، لأن
قوله: إلّ وسعها، استثناء مفرغ من المفعول الثاني، وإن عنى أنه محذوف في الصناعة،
فليس كذلك. بل الثاني هو وسعها، نحو: ما أعطيت زيداً إلَّ درهماً، ونحو: ما ضربت إلاّ
(١) سورة النبأ: ١١/٧٨.
(٢) سورة البقرة: ١٨٥/٢.
(٣) سورة الحج: ٧٨/٢٢.
(٤) سورة التغابن: ١٦/٦٤.