Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ وقرأ باقي السبعة: لرؤوف، مهموزاً على وزن ندس، قال الشاعر: كحق الوالد الرؤوف الرحيم يرى للمسلمين عليه حقاً وقال الوليد بن عقبة : يقابل عمه الرؤوفُ الرحيمُ وشر الظالمين فلا تكنه وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: لروف، بغير همزٍ، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله، ساكنة كانت أو متحركة. ولما كان نفي الجملة السابقة مبالغاً فيها من حيث لام الجحود، ناسب إثبات الجملة الخاتمة مبالغاً فيها، فبولغ فيها بأن وباللام وبالوزن على فعول وفعيل، كل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وكثرة الرأفة. وتأخر الوصف بالرحمة لكونه فاصلة، وتقدّم المجرور اعتناء بالمرؤوف بهم. وقال القشيري: من نظر الأمر بعين التفرقة، كبر عليه أمر التحويل؛ ومن نظر بعين الحقيقة، ظهر لبصيرته وجه الصواب. ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾: أي من كان مع الله في جميع الأحوال على قلب واحد، فالمختلفات من الأحوال له واحدة، فسواء غير، أو قرّر، أو أثبت، أو بدل، أو حقق، أو حوّل، فهم به له في جميع الأحوال. قال قائلهم: حيثما دارت الزجاجة درنا يحسب الجاهلون أنا جننا ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾: تقدّم حديث البراء، وتقدّم ذكر الخلاف في هذه الآية. وقوله: ﴿سيقول السفهاء﴾: أيهما نزل قبل؟ ونرى هنا مضارع بمعنى الماضي، وقد ذكر بعض النحويين أن مما يصرف المضارع إلى الماضي قد، في بعض المواضع، ومنه: ﴿قد يعلم ما أنتم عليه﴾(١)، ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك﴾(٢)، ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم﴾(٣). وقال الشاعر: لعمري لقوم قد نرى أمس فيهم مرابط للأمهار والعكر الدثر قال الزمخشري: قد نرى: ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله: قد أترك القرن مصفراً أنامله (١) سورة النور: ٢٤/ ٦٤. (٢) سورة الحجر: ٩٧/١٥. (٣) سورة الأحزاب: ١٨/٣٣. ٢٢ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ انتهى. وشرحه هذا على التحقيق متضادّ، لأنه شرح قد نرى بربما نرى. ورب، على مذهب المحققين من النحويين، إنما تكون لتقليل الشيء في نفسه، أو لتقليل نظيره. ثم قال: ومعناه كثرة الرؤية، فهو مضادّ لمدلول رب على مذهب الجمهور. ثم هذا المعنى الذي ادّعاه، وهو كثرة الرؤية، لا يدل عليه اللفظ، لأنه لم يوضع لمعنى الكثرة. هذا التركيب، أعني تركيب قد مع المضارع المراد منه الماضي، ولا غير المضي، وإنما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية، وهو التقلب، لأن من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة، لا يقال فيه: قلب بصره في السماء، وإنما يقال: قلب إذا ردّد. فالتكثير، إنما فهم من التقلب الذي هو مطاوع التقليب، نحو: قطعته فتقطع، وكسرته فتكسر، وما طاوع التكثير ففيه التكثير. والوجه هنا قيل: أريد به مدلول ظاهره. قال قتادة والسدّي وغيرهما: كان رسول الله وَ لـ يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوله إلى قبلة مكة. وقيل: كان يقلب وجهه ليؤذن له في الدعاء. وقال الزمخشري: كان يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان، لأنها مفخرهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل. انتهى كلامه، وهو كلام الناس قبله. فالأول: قول ابن عباس، وهو ليصيب قبلة إبراهيم. والثاني: قول السدّي والربيع، وهو ليتألف العرب لمحبتها في الكعبة. والثالث: قول مجاهد، وهو قول اليهود: ما علم محمد دينه حتى اتبعنا، فأراد مخالفتهم. وقيل: كنى بالوجه عن البصر، لأنه أشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب. تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان. وقال: رجعت بما أبغي ووجهي بمائه وهو من الكناية بالكل عن الجزء، ولا يحسن أن يقال: إنه على حذف مضاف، ويكون التقدير بصر وجهك، لأن هذا لا يكاد يستعمل، إنما يقال: بصرك وعينك وأنفك؛ لا يكاد يقال: أنف وجهك، ولا خد وجهك. في السماء: متعلق بالمصدر، وهو تقلب، وهو يتعدى بفي، فهي على ظاهرها. قال تعالى: ﴿لا يغرّنك تقلب الذين كفروا في البلاد﴾(١)، أي في نواحي السماء، في هذه الجهة، وفي هذه الجهة. وقيل: في بمعنى إلى. وقيل: في السماء متعلق بنرى، وفي: بمعنى من، أي قد نرى من السماء تقلب وجهك، وإن كان الله تعالی یری من كل مكان، ولا تتحيز رؤيته بمكان دون مكان. وذكرت (١) سورة آل عمران: ١٩٦/٣. ٢٣ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ الرؤية من السماء لإعظام تقلب وجهه، لأن السماء مختصة بتعظيم ما أضيف إليها، ويكون كما جاء: بأن اللّه يسمع من فوق سبعة أرقعة، والظاهر الأول، وهو تعلق المجرور بالمصدر، وأن في على حقيقتها. واختص التقلب بالسماء، لأن السماء جهة تعود منها الرحمة، كالمطر والأنوار والوحي، فهم يجعلون رغبتهم حيث توالت النعم، ولأن السماء قبلة الدعاء، ولأنه كان ينتظر جبريل، وكان ينزل من السماء. ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾: هذا يدل على أن في الجملة السابقة حالاً محذوفة، التقدير: قد نرى تقلب وجهك في السماء طالباً قبلة غير التي أنت مستقبلها. وجاء هذا الوعد على إضمار قسم مبالغة في وقوعه، لأن القسم يؤكد مضمون الجملة المقسم عليها. وجاء الوعد قبل الأمر لفرح النفس بالإجابة، ثم بإنجاز الوعد، فيتوالى السرور مرتين، ولأن بلوغ المطلوب بعد الوعد به أنس في التوصل من مفاجأة وقوع المطلوب. ونكر القبلة، لأنه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودة، فتعرف بالألف واللام. وليس في اللفظ ما يدل على أنه كان يطلب باللفظ قبلة معينة، ووصفها بأنها مرضية له لتقربها من التعيين، لأن متعلق الرضا هو القلب، وهو كان يؤثر أن تكون الكعبة، وإن كان لا يصرّح بذلك. قالوا: ورضاه لها، إما لميل السجية، أو لاشتمالها على مصالح الدين. والمعنى: لنجعلتك تلي استقبال قبلة مرضية لك، ولنمكننك من ذلك. ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾: أي استقبل بوجهك في الصلاة نحو الكعبة. وبهذا الأمر نسخ التوجه إلى بيت المقدس. قالوا: وإنما لم يذكر في الصلاة، لأن الآية نزلت وهو في الصلاة، فأغنى التلبس بالصلاة عن ذكرها. ومن قال نزلت في غير الصلاة، فأغنى عن ذكر الصلاة أن المطلوب لم يكن إلا ذلك، أعني: التوجه في الصلاة. وأقول: في قوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾ ما يدل على أن المقصود هو في الصلاة، لأن القبلة هي التي يتوجه إليها في الصلاة. وأراد بالوجه: جملة البدن، لأن الواجب استقبالها بجملة البدن. وكنى بالوجه عن الجملة، لأنه أشرف الأعضاء، وبه يتميز بعض الناس عن بعض. وقد يطلق ويراد به نفس الشيء، ولأن المقابلة تقتضي ذلك، وهو أنه قابل قوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾ بقوله: ﴿فولٌ وجهك﴾. وتقدّم أن الشطر يطلق ويراد به النصف، ويطلق ويراد به النحو. وأكثر المفسرين على أن المراد بالشطر تلقاؤه وجانبه، وهو اختيار الشافعي. وقال الجبائي، وهو اختيار القاضي: المراد منه وسط المسجد ومنتصفه، لأن الشطر هو النصف، والكعبة بقعة في وسط المسجد. والواجب هو التوجه إلى الكعبة، وهي ٢٤ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ كانت في نصف المسجد، فحسن أن يقال: ﴿فولٌ وجهك شطر المسجد﴾، يعني النصف من كل جهة، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة. ويدل على صحة ما ذكرناه. أن المصلي خارج المسجد متوجهاً إلى المسجد، لا إلى منتصف المسجد الذي هو الكعبة، لم تصح صلاته. وأنه لو فسرنا الشطر بالجانب، لم یکن لذكره فائدة، ویکون لا يدل على وجوب التوجه إلى منتصفه الذي هو الكعبة. قال ابن عباس وغيره: وجه رسول اللّه ◌َله إلى البيت كله. وقال ابن عمر: إنما وجه هو وأمّته حيال ميزاب الكعبة، والميزاب هو قبلة المدينة والشام، وهناك قبلة أهل الأندلس بتقريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلة من كل أفق، وفي حرف عبد الله، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام. والقائلون بأن معنى الشطر: النحو، اختلفوا، فقال ابن عباس: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك. وقال آخرون: القبلة هي الكعبة، والظاهر أن المقصود بالشطر: النحو والجهة، لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً على من خرجْ لبعده عن مسامتتها. وفي ذكر المسجد الحرام، دون ذكر الكعبة، دلالة على أن الذي يجب هو مراعاة جهة الكعبة، لا مراعاة عينها. واستدل مالك من قوله: ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾، على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، خلافاً للثوري والشافعي والحسن بن حيّ، في أنه يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده، وخلافاً لشريك القاضي، في أنه ينظر القائم إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجره. قال الحافظ أبو بكر بن العربي : إنما قلنا ينظر أمامه، لأنه إن حنى رأسه ذهب ببعض القيام المعترض عليه في الرأس، وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾(١). ﴿وحيثما كنتم﴾: هذا عموم في الأماكن التي يحلها الإنسان، أي في أيّ موضع كنتم، وهو شرط وجزاء، والفاء جواب الشرط، وكنتم في موضع جزم. وحيث: هي ظرف مكان مضافة إلى الجملة، فهي مقتضية، الخفض بعدها، وما اقتضى الخفض لا يقتضي الجزم، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال، والإضافة موضحة لما أضيف، كما أن الصلة موضحة فينا في اسم الشرط، لأن الشرط مبهم. فإذا وصلت بما زال منها معنى الإضافة، (١) سورة الحج: ٧٨/٢٢. ٢٥ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ وضمنت معنى الشرط، وجوزي بها، وصارت إذ ذاك من عوامل الأفعال. وقد تقدم لنا ما شرط في المجازاة بها، وخلاف الفراء في ذلك. ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾: وهذا أمر لأمّة محمد رسول اللّه ◌َطير، لما تقدّم أمره بذلك، أراد أن يبين أن حكمه وحكم أمته في ذلك واحد، مع مزيد عموم في الأماكن، لئلا يتوهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة، فبين أنهم في أيما حصلوا من بقاع الأرض، وجب أن يستقبلوا شطر المسجد. ولما كان وَّر هو المتشوف لأمر التحويل، بدأ بأمره أولاً ثم أتبع أمر أمته ثانياً لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به بَّر. وفي حرف عبد الله: فولوا وجوهكم قبله. وقرأ ابن أبي عبلة: فولوا وجوهكم تلقاءه، وهذا كله يدل على أن المراد بالشطر: النحو .. ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب﴾: أي رؤساء اليهود والنصارى وأحبارهم. وقال السدّي: هم اليهود. ﴿ليعلمون أنه﴾: أي التوجه إلى المسجد الحرام، ﴿الحق): الذي فرضه الله على إبراهيم وذريته. وقال قتادة والضحاك: إن القبلة هي الكعبة. وقال الكسائي: الضمير يعود على الشطر، وهو قريب من القول الثاني، لأن الشطر هو الجهة. وقيل: يعود على محمد *، أي يعرفون صدقه ونبوّته، قاله قتادة أيضاً ومجاهد. ومفسر هذه الضمائر متقدم. فمفسر ضمير التحويل والتوجه قوله: ﴿فول وجهك﴾، فيعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿فولوا﴾، ومفسر ضمير القبلة قوله: ﴿قبلة ترضاها﴾، ومفسر ضمير الشطر قوله: ﴿شطر المسجد الحرام﴾، ومفسر ضمير الرسول ضمير خطابه وص له. فعلى هذا الوجه يكون التفاتان. والعلم هنا يحتمل أن يكون مما يتعدى إلى اثنين، ويحتمل أن يكون مما يتعدى إلى واحد، لأن معموله هو أن وصلتها، فيحتمل الوجهين، وعلمهم بذلك، إما لأن فى كتابهم التوجه إلى الكعبة، قاله أبو العالية، وإما لأن في كتابهم أن محمداً مَّقر نبي صادق، فلا يأمر إلا بالحق، وإما لجواز النسخ، وإما لأن في بشارة الأنبياء أن رسول الله ويليه يصلي إلى القبلتين. ﴿من ربهم): جار ومجرور في موضع الحال، أي ثابتاً من ربهم. وفي ذلك دليل على أن التحول من بيت المقدس إلى الكعبة لم يكن باجتهاد، إنما هو بأمر من الله تعالى. وفي إضافة الرب إليهم تنبيه على أنه يجب اتباع الحق الذي هو مستقر ممن هو معتن بإصلاحك، كما قال تعالى: ﴿الحق من ربك﴾. ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب. فيحتمل أن يراد به المؤمنون لقوله: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾، ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب، فتكون من باب الالتفات. ووجهه أن في خطابهم بأن الله لا يغفل عن أعمالهم، ٢٦ سورة البقرة / الآيات : ١٤٢ - ١٥٧ تحريكاً لهم بأن يعملوا بما علموا من الحق، لأن المواجهة بالشيء تقتضي شدة الإنكار وعظم الشيء الذي ينكر. ومن قرأ بالياء، فالظاهر أنه عائد على أهل الكتاب لمجيء ذلك في نسق واحد من الغيبة. وعلى كلتا القراءتين، فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد، ولا يغفل عنها، وهو متضمن الوعيد. ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ هذه تسلية للرسول عن متابعة أهل الكتاب له. أعلمه أولاً أنهم يعلمون أنه الحق، وهم يكتمونه، ولا يرتبون على العلم به مقتضاه. ثم سلاه عن قبولهم الحق، بأنهم قد انتهوا في العناد وإظهار المعاداة إلى رتبة، لو جئتهم فيها بجميع المعجزات التي كل معجزة منها تقتضي قبول الحق، ما تبعوك ولا سلكوا طريقك. وإذا كانوا لا يتبعونك، مع مجيئك لهم بجميع المعجزات، فأحرى أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزة واحدة. والمعنى: بكل آية يدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق. واللام في: ولئن، هي التي تؤذن بقسم محذوف متقدم. فقد اجتمع القسم المتقدّم المحذوف، والشرط متأخر عنه، فالجواب للقسم وهو قوله: ﴿ما تبعوا﴾، ولذلك لم تدخله الفاء. وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهو منفي بما ماضي الفعل مستقبل. المعنى: أي ما يتبعون قبلتك، لأن الشرط قيد في الجملة، والشرط مستقبل، فوجب أن يكون مضمون الجملة مستقبلاً، ضرورة أن المستقبل لا يكون شرطاً في الماضي. ونظير هذا التركيب في المثبت قوله تعالى: ﴿ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا من بعده يكفرون﴾(١)، التقدير: ليظلنّ أوقع الماضي المقرون باللام جواباً للقسم المحذوف، ولذلك دخلت عليه اللام موقع المستقبل، فهو ماضٍ من حيث اللفظ، مستقبل من حيث المعنى، لأن الشرط قيد فيه، كما ذكرنا. وجواب الشرط في الآيتين محذوف، سد مسده جواب القسم، ولذلك أتى فعل الشرط ماضياً في اللفظ، لأنه إذا كان الجواب محذوفً، وجب مضى فعل الشرط لفظاً، إلا في ضرورة الشعر، فقد يأتي مضارعاً. وذهب الفرّاء إلى أن إن هنا بمعنى لو، ولذلك كانت ما في الجواب، فجعل ما تبعوا جواباً لإن، لأن إن بمعنی لو، فكما أن لو تجاب بما، كذلك أجیبت إن التي بمعنی لو، وإن کان إن إذا لم يكن بمعنى لو، لم يكن جوابها مصدراً بما، بل لا بد من الفاء. تقول: إن تزرني فما أزورك، ولا يجوز: ما أزورك. وعلى هذا يكون جواب القسم محذوفاً لدلالة جواب إن عليه. وهذا الذي قاله الفرّاء هو بناء على مذهبه أن القسم إذا تقدّم على الشرط، جاز أن (١) سورة الروم: ٥١/٣٠. ٢٧ سورة البقرة / الآيات : ١٤٢ - ١٥٧ يكون الجواب للشرط دون القسم. وليس هذا مذهب البصريين، بل الجواب يكون للقسم بشرطه المذكور في النحو. واستعمال إن بمعنى لو قليل، فلا ينبغي أن يحمل على ذلك، إذا ساغ إقرارها على أصل وضعها. وقال ابن عطية: وجاء جواب لئن كجواب لوّ، وهي ضدها في أن لو تطلب المضي والوقوع، وإن تطلب الاستقبال، لأنهما جميعاً يترتب قبلهما القسم. فالجواب إنما هو للقسم، لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه. انتھی کلامه. وهذا الكلام فيه تثبيج وعدم نص على المراد، لأن أوله يقتضي أن الجواب لإن، وقوله بعد: فالجواب إنما هو للقسم، يدل على أن الجواب ليس لإن، والتعليل بعد بقوله، لأن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، لا يصلح أن يعلل به قوله: فالجواب إنما هو للقسم، بل يصلح أن يكون تعليلاً، لأن الجواب لإن، وأجريت في ذلك مجرى لو. وأما قوله: هذا قول سيبويه، فليس في كتاب سيبويه، إلا أن ما تبعوا جواب القسم، ووضع فيه الماضي موضع المستقبل. قال سيبويه: وقالوا لئن فعلت ما فعل، يريد معنى ما هو فاعل وما يفعل. وقال أيضاً: وقال تعالى: ﴿ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾(١): أي ما يمسكهما. وقال بعض الناس: كل واحدة من: لئن ولو، تقوم مقام الأخرى، ويجاب بما يجاب به، ومنه: ﴿ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً لظلوا﴾(٢)، لأن معناه: ولو أرسلنا ريحاً. وكذلك لو يجاب جواب لئن، كقولك: لو أحسنت إليّ أحسن إليك، هذا قول الأخفش والفرّاء والزّجاج. وقال سيبويه: لا يجاب إحداهما بجواب الأخرى، لأن معناهما مختلف، وقدر الفعل الماضي الذي وقع بعد لئن بمعنى الاستقبال، تقديره: لا يتبعون، ولیظلن. انتهى كلامه. وتلخص من هذا كله أن في قوله: ﴿ما تبعوا﴾ قولين: أحدهما: أنها جواب قسم محذوف، وهو قول سيبويه. والثاني: أن ذلك جواب إن لإجرائها مجرى لو، وهو قول الأخفش والفراء والزجاج. وظاهر قوله: ﴿أوتوا الكتاب﴾: العموم، وقد قال به هنا قوم. وقال الأصم: المراد علماؤهم المخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم الذين أوتوا الكتاب، وفي الآية المتأخرة. ويدل على خصوص ذلك خصوص ما تقدم، وخصوص ما تأخر، فكذلك المتوسط والإخبار بإصرارهم، وهو شأن المعاند، وأنه قد آمن به كثير من أهل (١) سورة فاطر: ٤١/٣٥. (٢) سورة الروم: ٥١/٣٠. ٢٨ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ الكتاب وتبعوا قبلته. واختلفوا في قوله: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾. قال الحسن والجبائي: أراد جميعهم، كأنه قال: لا يجتمعون على اتباع قبلتك، على نحو: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾(١)، ويكون إذ ذاك إخباراً عن المجموع، من حيث هو مجموع، لا حكم على الأفراد. وقال الأصم: بل المراد أن أحداً منهم لا يؤمن. وقد تقدم أن من قول الأصم: أنه أريد بأهل الكتاب الخصوص، فكأنه قال: كل فرد فرد من أولئك المختصين بالعناد، المستمرّين على جحود الحق، لا يؤمن ولا يتبع قبلتك. وقد احتج أبو مسلم بهذه الآية، على أن علم الله في عباده وفيما يفعلونه، ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، وأنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به، ويتركوا ضده الذي نهوا عنه. قيل: واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق، وهو أنه أخبر عنهم أنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته، لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً، وعلمه جهلاً، وهو محال، وما استلزم المحال فهو محال. وأضاف تعالى القبلة إليه، لأنه المتعبد بها والمقتدى به في التوجه إليها. أيأس الله نبيه من اتباعهم قبلته، لأنهم لم يتركوا اتباعه عن دليل لهم وضح، ولا عن شبهة عرضت، وإنما ذلك على سبيل العناد، ومن نازع عناداً فلا يرجى منه انتزاع. ﴿وما أنت بتابع قبلتهم): هذه جملة خبرية. قيل: ومعناها النهي، أي لا تتبع قبلتهم، ومعناها: الدوام على ما أنت عليه، وإلا فهو معصوم عن اتباع قبلتهم بعد ورود الأمر. وقيل: هي باقية على معنى الخبر، وهو أنه بين بهذا الإخبار أن هذه القبلة لا تصير منسوخة، فجاءت هذه الجملة رفعاً لتجويز النسخ، أو قطع بذلك رجاء أهل الكتاب، فإنهم قالوا: يا محمد، عد إلى قبلتنا، ونؤمن بك ونتبعك، مخادعة منهم، فأيأسهم الله من اتباعه قبلتهم، أو بين بذلك حصول عصمته، أو أخبر بذلك على سبيل التعذر لاختلاف قبلتيهم، أو جاء ذلك على سبيل المقابلة، أي ماهم بتاركي باطلهم، وما أنت بتارك حقك. وأفرد القبلة في قوله: قبلتهم، وإن كانت مثناة، إذ لليهود قبلة، وللنصارى قبلة مغايرة لتلك القبلة، لأنهما اشتركتا في كونهما باطلتين، فصار الإثنان واحداً من جهة البطلان، وحسن ذلك المقابلة في اللفظ، لأن قبله ﴿ما تبعوا قبلتك﴾. وهذه الجملة أبلغ في النفي من حيث كانت اسمية تكرر فيها الاسم مرتين، ومن حيث أكد النفي بالباء في قوله: ﴿بتابع﴾، وهي مستأنفة معطوفة على الكلام قبلها، لا على الجواب وحده، إذ لا يحل محله، لأن نفي تبعيتهم لقبلته مقيد بشرط لا يصح أن يكون قيداً في نفي تبعيته قبلتهم. (١) سورة الأنعام: ٣٥/٦. ٢٩ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ وقرأ بعض القراء: بتابع قبلتهم على الإضافة، وكلاهما فصيح، أعني إعمال اسم الفاعل هنا وإضافته، وقد تقدم في أيهما أقيس . ﴿وما بعضهم بتابع قبله بعض﴾: الضمير في بعضهم عائد على أهل الكتاب. والمعنى: أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود، وذلك إشارة إلى أن اليهود لا تتنصّر، وإلى أن النصارى لا تتهود، وذلك لما بينهما من إفراط العداوة والتباغض. وقد رأينا اليهود والنصارى كثيراً ما يدخلون في ملة الإسلام، ولم يشاهد يهودياً تنصر، ولا نصرانياً تهوّد. والمراد بالبعضين: من هو باق على دينه من أهل الكتاب، هذا قول السدي وابن زيد، وهو الظاهر. وقيل: أحد البعضين من آمن من أهل الكتاب، والبعض الثاني من كان على دينه منهم، لأن كلاً منهما يسفه حلم الآخر ويكفره، إذ تباينت طريقتهما. ألا ترى إلى مدح اليهود عبد الله بن سلام قبل أن يعلموا بإسلامه وبهتهم له بعد ذلك؟ وتضمنت هذه الجمل: أن أهل الكتاب، وإن اتفقوا على خلافك، فهم مختلفون في القبلة، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس. ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾، اللام أيضاً مؤذنة بقسم محذوف، ولذلك جاء الجواب بقوله: إنك، وتعليق وقوع الشيء على شرط لا يقتضي إمكان ذلك الشرط. يقول الرجل لامرأته: إن صعدت إلى السماء فأنت طالق، ومعلوم امتناع صعودها إلى السماء. وقال تعالى في الملائكة الذين أخبر عنهم: أنهم: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾(١)، قال: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾(٢)، وإذا اتضح ذلك سهل ما ورد من هذا النوع. وفهم من ذلك الاستحالة، لأن المعلق على المستحيل مستحيل. ويصير معنى هذه الجملة، التي ظاهرها الوقوع على تقدير امتناع الوقوع، ويصير المعنى: لا يعد ظالماً، ولا تكونه، لأنك لا تتبع أهواءهم، وكذلك لا يحبط عملك، لأن إشراكك ممتنع، وكذلك لا يجزي أحد من الملائكة جهنم، لأنه لا يدعي أنه إله. وقالوا: ما خوطب به من هو معصوم مما لا یمکن وقوعه منه، فهو محمول على إرادة أمته، ومن يمكن وقوع ذلك منه، وإنما جاء الخطاب له على سبيل التعظيم لذلك الأمر، والتفخيم لشأنه، حتى يحصل التباعد منه. ونظير ذلك قولهم: إياك أعني : واسمعي يا جارة. (١) سورة التحريم: ٦/٦٦. (٢) سورة الأنبياء: ٢٩/٢١. ٣٠ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ قال الزمخشري: قوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾، بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾، كلام وارد على سبيل الفرض، والتقدير بمعنى: ولئن اتبعتهم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر، إنك إذاً لمن المرتكبين الظلم الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع بحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وإلهاب للثبات على الحق. انتهى كلامه. وقال في المنتخب: اختلفوا في هذا الخطاب. قال بعضهم: هو للرسول، وقال بعضهم: هو للرسول وغيره. وقال بعضهم: هو لغير الرسول، لأنه علم تعالى أن الرسول لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب. أهواءهم: تقدّم أنه جمع هوى، ولا يجمع على أهوية، وأكثر استعمال الهوى فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخير، وأصله الميل والمحبة، وجمع، وإن كان أصله المصدر، لاختلاف أغراضهم ومتعلقاتها وتباينها . ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: أي من الدلائل والآيات التي تفيد لك العلم وتحصله، فأطلق اسم الأثر على المؤثر. سمى تلك الدلائل علماً، مبالغة وتعظيماً وتنبيهاً على أن العلم من أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة. ودلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم. وقد فسر العلم هنا بالحق، يعني أن ما جاءه من تحويل القبلة هو الحق. وقال مقاتل: العلم هنا: البيان، وجاء في هذا المكان: ﴿من بعد ما جاءك﴾، وقال قبل هذا: ﴿بعد الذي جاءك﴾(١)، وجاء في الرعد: ﴿بعد ما جاءك﴾(٢)، فاختص موضعاً بالذي، وموضعين بما، وهذا الموضع بمن. والذي نقوله في هذا: أنه من اتساع العبارة وذكر المترادف، لأن ما والذي موصولان، فأياً منهما ذكرت، كان فصيحاً حسناً. وأما المجيء بمن، فهو دلالة على ابتداء بعدية المجيء، وأما قوله: بعد، فهو على معنى من، والتبعدية مقيدة بها من حيث المعنى، وإن كان إطلاق بعد لا يقتضيها. وقال بعضهم: في الجواب عن ذلك دخول ما مكان الذي، لأن الذي أخص، وما أشد إبهاماً، فحيث خص بالذي أشير به إلى العلم بصحة الدين، الذي هو الإسلام، المانع من ملتي اليهود والنصارى، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه، لأنه علم بكل أصول الدين، وخص بلفظ ما، ما أشير به إلى العلم بركن من أركان الدين، أحدهما القبلة، والآخر الكتاب، لأنه أشار إلى قوله: ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾(٣)، قال: (١) سورة البقرة: ١٢٠/٢. (٢) سورة الرعد: ٣٧/١٣. (٣) سورة الرعد: ٣٦/١٣. ٣١ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ وأما دخول من، ففائدته ظاهرة، وهي بيان أول الوقت الذي وجب على النبي # أن يخالف أهل الكتاب في أمر القبلة، أي ذلك الوقت الذي أمرك الله فيه بالتوجه فيه إلى نحو القبلة، إن اتبعت أهواءهم، كنت ظالماً واضعاً الباطل في موضع الحق. انتهى كلامه. ﴿إنك إذاً لمن الظالمين): قد ذكرنا أن هذه الجملة هي جواب القسم المحذوف الذي أذنت بتقديره اللام في لئن، ودل على جواب الشرط، لا يقال: إنه يكون جواباً لهما، لامتناع ذلك لفظاً ومعنى. أما المعنى، فلأن الاقتضاء مختلف. فاقتضاء القسم على أنه لا عمل له فيه، لأن القسم إنما جيء به توكيداً للجملة المقسم عليها، وما جاء على سبيل التوكيد لا يناسب أن يكون عاملاً، واقتضاء الشرط على أنه عامل فيه، فتكون الجملة في موضع جزم، وعمل الشرط لقوة طلبه له. وأما اللفظ، فإن هذه الجملة إذا كانت جواب قسم، لم يحتج إلى مزيد رابط، وإذا كانت جواب شرط، احتاجت لمزيد رابط، وهو الفاء. ولا يجوز أن تكون خالية من الفاء موجودة فيها الفاء، فلذلك امتنع أن يقال إن الجملة جواب للقسم والشرط معاً. ودخلت إذاً بين اسم إن وخبرها لتقرير النسبة التي بينهما، وكان حدها أن تتقدم أو تتأخر. فلم تتقدّم، لأنه سبق قسم وشرط، والجواب هو للقسم. فلو تقدمت، لتوهم أنها لتقرير النسبة التي بين الشرط والجواب المحذوف، ولم يتأخر، لئلا تفوت مناسبة الفواصل وآخر الآي: فتوسطت والنية بها التأخير لتقرير النسبة. وتحرير معنى إذن صعب، وقد اضطرب الناس في معناها، وقد نص سيبويه على أن معناها الجواب والجزاء. واختلف النحويون في فهم كلام سيبويه، وقد أمعنا الكلام في ذلك في (كتاب التكميل) من تأليفنا، والذي تحصل فيها أنها لا تقع ابتداء كلام، بل لا بد أن يسبقها كلام لفظاً أو تقديراً، وما بعدها في اللفظ أو التقدير، وإن كان مسبباً عما قبلها، فهي في ذلك على وجهين: أحدهما: أن تدل على إنشاء الارتباط والشرط، بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها. مثال ذلك أزورك فتقول: إذاً أزورك، فإنما تريد الآن أن تجعل فعله شرطاً لفعلك. وإنشاء السببية في ثاني حال من ضرورته أن يكون في الجواب، وبالفعلية في زمان مستقبل، وفي هذا الوجه تكون عاملة، ولعملها مذكورة في النحو. الوجه الثاني: أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمتقدم، أو منبهة على مسبب شروط حصل في الحال، وهي في الحالين غير عاملة، لأن المؤكدات لا يعتمد عليها، والعامل يعتمد عليه، وذلك نحو: إن تأتني إذن آتك، ووالله إذن لأفعلن. فلو أسقطت إذن، لفهم الارتباط. ولما كانت في هذا ٤ الوجه غير معتمد عليها، جاز دخولها على الجملة الاسمية الصريحة نحو: أزورك فتقول: ٣٢ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ إذن أنا أكرمك، وجاز توسطها نحو: أنا إذاً أكرمك، وتأخرها. وإذا تقرر هذا، فجاءت إذاً في الآية مؤكدة للجواب المرتبط بما تقدم، وإنما قررت معناها هنا لأنها كثيرة الدور في القرآن، فتحمل في كل موضع على ما يناسب من هذا الذي قررناه. ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾: هم علماء اليهود والنصارى، أو من آمن برسول الله اصاله من اليهود، كابن سلام وغيره، أو من آمن به مطلقاً، أقوال. والكتاب: التوراة، أو الإنجيل، أو مجموعهما، أو القرآن. أقوال تنبني على من المراد بالذين آتيناهم، ولفظ آتيناهم أبلغ من أوتوا، لإسناد الإيتاء إلى الله تعالى، معبراً عنه بنون العظمة، وكذا ما يجيء من نحو هذا، مراداً به الإكرام نحو: هدينا، واجتبينا، واصطفينا. قيل: ولأن أوتوا قد يستعمل فيما لم يكن له قبول، وآتيناهم أكثر ما يستعمل فيما له قبول نحو: ﴿الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾(١)، وإذ أرید بالكتاب أكثر من واحد، فوحد، لأنه صرف إلى المكتوب المعبر عنه بالمصدر. ﴿يعرفونه﴾: جملة في موضع الخبر عن المبتدأ الذي هو الذين آتيناهم، وجوز أن يكون الذين مجروراً على أنه صفة للظالمين، أو على أنه بدل من الظالمين، أو على أنه بدل من ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ في الآية التي قبلها، ومرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، ومنصوباً على إضمار، أعني: وعلى هذه الأعاريب يكون قوله: ﴿يعرفونه﴾، جملة في موضع الحال، إما من المفعول الأول في آتيناهم، أو من الثاني الذي هو الكتاب، لأن في يعرفونه ضميرين يعودان عليهما. والظاهر هو الإعراب الأول، لاستقلال الكلام جملة منعقدة من مبتدأ وخبر، ولظاهر انتهاء الكلام عند قوله: ﴿إنك إذاً لمن الظالمين﴾. والضمير المنصوب في يعرفونه عائد على النبي وَلاير، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وروي عن ابن عباس، واختاره الزجاج، ورجحه التبريزي، وبدأ به الزمخشري فقال: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص. قال الزمخشري وغيره: واللفظ للزمخشري، وجاز الإضمار، وإن لم يسبق له ذكر، لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوم بغير إعلام. انتهى. وأقول: ليس كما قالوه من أنه إضمار قبل الذكر: بل هذا من باب الالتفات، لأنه قال تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة (١) سورة الأنعام: ٨٩/٦. ٣٣ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ ترضاها فولِّ وجهك﴾، ثم قال: ﴿ولئن أتيت الذين﴾ إلى آخر الآية، فهذه كلها ضمائر خطاب لرسول اللّه وَلقر، ثم التفت عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة. وحكمة هذا الالتفات أنه لما فرغ من الإقبال عليه بالخطاب، أقبل على الناس فقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ واخترناهم لتحمل العلم والوحي، يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه، لا يشكون في معرفته، ولا في صدق أخباره، بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة، لما في كتابهم من ذكره ونعته، والنص عليه يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. فقد اتضح بما ذكرناه أنه ليس من باب الإضمار قبل الذكر، وأنه من باب الالتفات، وتبينت حكمة الالتفات. ويؤيد كون الضمير لرسول الله وليه ما روي أن عمر سأل عبد الله بن سلام، رضي الله عنهما، وقال: إن الله قد أنزل على نبيه: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ الآية، فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر، لقد عرفته حين رأيته، كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمد ﴿ أشدّ من معرفتي بابني. فقال عمر: وكيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقاً، وقد نعته الله في كتابنا، ولا أدري ما يصنع النساء. فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت، وقد روي هذا الأثر مختصراً بما يرادف بعض ألفاظه ويقاربها، وفيه: فقبل عمر رأسه. وإذا كان الضمير للرسول، فقيل: المراد معرفة الوجه وتميزه، لا معرفة حقيقة النسب. وقيل: المعنى يعرفون صدقه ونبوّته. وقيل: الضمير عائد على الحق الذي هو التحوّل إلى الكعبة، قاله ابن عباس وقتادة أيضاً، وابن جريج والربيع. وقيل: عائد على القرآن. وقيل: على العلم. وقيل: على كون البيت الحرام قبلة إبراهيم ومن قبله من الأنبياء، وهذه المعرفة مختصة بالعلماء، لأنه قال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾، فإن تعلقت المعرفة بالنبي وسير، فيكون حصولها بالرؤية والوصف، أو بالقرآن، فحصلت من تصديق كتابهم للقرآن، وبنبوّة محمد مَّ وصفته، أو بالقبلة، أو التحويل، فحصلت بخبر القرآن وخبر الرسول المؤيد بالخوارق. ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾، الكاف: في موضع نصب، على أنها صفة لمصدر محذوف تقديره عرفاناً مثل عرفانهم. أبناءهم: أو في موضع نصب على الحال من ضمير المعرفة المحذوف، كان التقدير: يعرفونه معرفة مماثلة لمعرفة أبنائهم. وظاهر هذا التشبيه أن المعرفة أريد بها معرفة الوجه والصورة، وتشبيهها بمعرفة الأبناء يقوي ذلك، ويقوي أن الضمير عائد على الرسول ◌َّر، حتى تكون المعرفتان تتعلقان بالمحسوس المشاهد، وهو آكد في التشبيه من أن يكون التشبيه وقع بين معرفة متعلقها المعنى، ومعرفة متعلقها تفسير البحر المحيط ج٢ م٣ ٣٤ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ المحسوس. وظاهر الأبناء الاختصاص بالذكور، فيكونون قد خصوا بذلك، لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوب الآباء. ويحتمل أن يراد بالأبناء: الأولاد، فيكون ذلك من باب التغليب. وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس، لأن الإنسان قد يمر عليه برهة من الزمان لا يعرف فيها نفسه، بخلاف الأبناء، فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه. ﴿وإن فريفاً منهم ليكتمون الحق): أي من الذين آتيناهم الكتاب، وهم المصرّون على الكفر والعناد، من علماء اليهود والنصارى، على أحسن التفاسير في الذين آتيناهم الكتاب، وأبعد من ذهب إلى أنه أريد بهذا الفريق جهال اليهود والنصارى، الذين قيل فيهم: ﴿ومنهم أمّيون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ﴾(١)، للإخبار عن هذا الفريق أنهم يكتمون الحق وهم عالمون به، ولوصف الأمّيين هناك بأنهم لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ . والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله وَ ﴿، قاله قتادة ومجاهد، والتوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة، أو أعم من ذلك، فیندرج فيه کل حق. ﴿وهم يعلمون﴾: جملة حالية، أي عالمين بأنه حق. ويقرب أن يكون حالاً مؤكدة، لأن لفظ يكتمون الحق يدل على علمه به، لأن الكتم هو إخفاء لما يعلم. وقيل: متعلق العلم هو ما على الكاتم من العقاب، أي وهم يعلمون العقاب المرتب على كاتم الحق، فيكون إذ ذاك حالاً مبينة. ﴿الحق من ربك﴾: قرأ الجمهور: برفع الحق على أنه مبتدأ، والخبر هو من ربك، فيكون المجرور في موضع رفع. أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق من ربك، والضمير عائد على الحق المكتوم، أي ما كتموه هو الحق من ربك، ويكون المجرور في موضع الحال، أو خبراً بعد خبر. وأبعد من ذهب إلى أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: الحق من ربك يعرفونه. والألف واللام في الحق للعهد، وهو الحق الذي عليه الرسول، أو الحق الذي كتموه، أو للجنس على معنى: أن الحق هو من الله، لا من غيره، أي ما ثبت أنه حق فهو من الله، كالذي عليه الرسول، وما لم تثبت حقيقته، فليس من الله، كالباطل الذي عليه أهل الكتاب. وقرأ علي بن أبي طالب: الحق بالنصب، وأعرب بأن يكون بدلاً من الحق المكتوم، فيكون التقدير: يكتمون الحق من ربك، قاله الزمخشري؛ أو على أن (١) سورة البقرة: ٧٨/٢. ٣٥ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ يكون معمولاً ليعلمون، قاله ابن عطية، ويكون مما وقع فيه الظاهر موقع المضمر، أي وهم يعلمونه كائناً من ربك، وذلك سائغ حسن في أماكن التفخيم والتهويل، كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء أي يسبقه شيء. وجوّز ابن عطية أن يكون منصوباً بفعل محذوف تقديره: الزم الحق من ربك، ويدل عليه الخطاب بعده: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾. والمراد بهذا الخطاب في المعنى هو الأمّة. ودل الممترين على وجودهم، ونهى أن يكون منهم، والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل. فقولك: لا تكن ظالماً، أبلغ من قولك: لا تظلم، لأن لا تظلم نهي عن الالتباس بالظلم. وقولك: لا تكن ظالماً نهي عن الكون بهذه الصفة. والنهي عن الكون على صفة، أبلغ من النهي عن تلك الصفة، إذ النهي عن الكون على صفة يدل بالوضع على عموم الأكوان المستقبلة على تلك الصفة، ويلزم من ذلك عموم تلك الصفة. والنهي عن الصفة يدل بالوضع على عموم تلك الصفة. وفرق بين ما يدل على عموم، ويستلزم عموماً، وبين ما يدل على عموم فقط، فلذلك كان أبلغ، ولذلك كثر النهي عن الكون. قال تعالى: ﴿فلا تكوننّ من الجاهلين﴾، ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله﴾(١)، ﴿فلا تكن في مرية منه﴾(٢). والكينونة في الحقيقة ليست متعلق النهي. والمعنى: لا تظلم في كل أكوانك، أي في كل فرد فرد من أكوانك، فلا يمر بك وقت يوجد فيه منك ظلم، فتصير كأن فيه نصاً على سائر الأكوان، بخلاف لا تظلم، فإنه يستلزم الأكوان. وأكد النهي بنون التوكيد مبالغة في النهي، وكانت المشدّدة لأنها أبلغ في التأكيد من المخففة. والمعنى: فلا تكونن من الذين يشكون في الحق، لأن ما جاء من الله تعالى لا يمكن أن يقع فيه شك ولا جدال، إذ هو الحق المحض الذي لا یمکن أن یلحق فیه ریب ولا شك. ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، لما ذكر القبلة التي أمر المسلمون بالتوجه إليها، وهي الكعبة، وذكر من تصميم أهل الكتاب على عدم اتباعها، وأن كلا من طائفتي اليهود والنصارى مصممة على عدم اتباع صاحبها، أعلم أن ذلك هو بفعله، وأنه هو المقدر ذلك، وأنه هو موجه كل منهم إلى قبلته. ففي ذلك تنبيه على شكر الله، إذ وفق المسلمين إلى اتباع ما أمر به من التوجه واختارهم لذلك. وقرأ الجمهور: ولكل: منوناً، وجهة: مرفوعاً، (١) سورة يونس: ١٠ /٩٥. (٢) سورة هود: ١٧/١١ . ٠ ٠٠ ٣٦ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ هو موليها: بكسر اللام اسم فاعل. وقرأ ابن عامر: هو مولاها، بفتح اللام اسم مفعول وهي، قراءة ابن عباس. وقرأ قوم شاذاً: ولكل وجهة، بخفض اللام من كل من غير تنوين، وجهة: بالخفض منوناً على الإضافة، والتنوين في كل تنوين عوض من الإضافة، وذلك المضاف إليه كل المحذوف اختلف في تقديره. فقيل: المعنى: ولكل طائفة من أهل الأديان. وقيل: المعنى: ولكل أهل صقع من المسلمين وجهة من أهل سائر الآفاق، إلى جهة الكعبة، وراءها وقدّامها، ويمينها وشمالها، ليست جهة من جهاتها بأولى أن تكون قبلة من غيرها. وقيل: المعنى: ولكل نبي قبلة، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: ولكل ملك ورسول صاحب شريعة جهة قبلة، فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة، وقد اندرج في هذا الذي ذكرناه أن المراد بوجهة: قبلة، وهو قول ابن عباس، وهي قراءة أبيّ، قرأ: ولكل قبلة. وقرأ عبد الله: ولكل جعلنا قبلة. وقال الحسن: وجهة: طريقة، كما قال: ﴿لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾(١)، أي لكل نبي طريقة. وقال قتادة: وجهة: أي صلاة يصلونها، وهو من قوله: هو موليها عائد على كل على لفظه، لا على معناه، أي هو مستتقبلها وموجه إليها صلاته التي يتقرب بها، والمفعول الثاني لموليها محذوف لفهم . المعنى، أي هو موليها وجهه أو نفسه، قاله ابن عباس وعطاء والربيع، ويؤيد أن هو عائد علي كل قراءة من قرأ: هو مولاها. وقيل: هو عائد على الله تعالى، قاله الأخفش والزجاج، أي الله موليها إياه، اتبعها من اتبعها وتركها من تركها. فمعنى هو موليها على هذا التقدير: شارعها ومكلفهم بها. والجملة من الابتداء والخبر في موضع الصفة لوجهة. وأما قراءة من قرأ: ولكل وجهة على الإضافة، فقال محمد بن جرير: هي خطأ، ولا ينبغي أن يقدم على الحكم في ذلك بالخطأ، لا سيما وهي معزوّة إلى ابن عامر، أحد القراء السبعة، وقد وجهت هذه القراءة. قال الزمخشري: المعنى: ولكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدّم المفعول، كقولك: لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضاربه. انتهى كلامه، وهذا فاسد لأن العامل إذا تعدّى لضمير الاسم لم يتعدّ إلى ظاهره المجرور باللام. لا يجوز أن يقول: لزيد ضربته، ولا: لزيد أنا ضاربه. وعليه أن الفعل إذا تعدّى للضمير بغير واسطة. كان قوياً، واللام إنما تدخل على الظاهر إذا تقدّم ليقويه لضعف وصوله إليه متقدماً، ولا يمكن أن (١) سورة المائدة: ٤٨/٥. ٥ ٣٧ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ يكون العامل قوياً ضعيفاً في حالة واحدة، ولأنه يلزم من ذلك أن يكون المتعدي إلى واحد یتعدی إلی اثنين، ولذلك تأوّل النحویون قوله هذا: سراقة للقرآن يدرسه وليس نظير ما مثل به من قوله: لزيد ضربت، أي زيداً ضربت، لأن ضربت في هذا المثال لم يعمل في ضمير زيد، ولا يجوز أن يقدر عامل في لكل وجهة يفسره قوله موليها، كتقديرنا زيداً أنا ضاربه، أي اضرب زيداً أنا ضاربه، فتكون المسألة من باب الاشتغال، لأن المشتغل عنه لا يجوز أن يجر بحرف الجر. تقول: زيداً مررت به، أي لا بست زيداً، ولا يجوز: بزيد مررت به، فيكون التقدير: مررت بزيد مررت به، بل كل فعل يتعدى بحرف الجر، إذا تسلط على ضمير اسم سابق في باب الاشتغال، فلا يجوز في ذلك الاسم السابق أن يجر بحرف جر، ويقدر ذلك الفعل ليتعلق به حرف الجر، بل إذا أردت الاشتغال نصبته، هكذا جرى كلام العرب. قال تعالى: ﴿والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليماً﴾(١). وقال الشاعر: عدلت به طهية والخشابا أثعلبة الفوارس أم رباحا وأما تمثيله: لزيد أبوه ضاربه، فتركيب غير عربي. فإن قلت: لم لا تتوجه هذه القراءة على أن لكل وجهة في موضع المفعول الثاني لموليها، والمفعول الأول هو المضاف إليه اسم الفاعل الذي هو مولّ، وهو الهاء، وتكون عائدة على أهل القبلات والطوائف، وأنث على معنى الطوائف، وقد تقدم ذكرهم، ويكون التقدير: وكل وجهة الله مولّي الطوائف أصحاب القبلات؟ فالجواب: أنه منع من هذا التقدير نص النحويين على أن المتعدي إلى واحد هو الذي يجوز أن تدخل اللام على مفعوله، إذا تقدّم. أما ما يتعدى إلى اثنين، فلا يجوز أن يدخل على واحد منهما اللام إذا تقدم، ولا إذا تأخر. وكذلك ما يتعدى إلى ثلاثة. ومولّ هنا اسم فاعل من فعل يتعدى إلى اثنين، فلذلك لا يجوز هذا التقدير. وقال ابن عطية، في توجيه هذه القراءة: أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاكموها، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع. وقدم قوله: لكل وجهة على الأمر في قوله: فاستبقوا الخيرات، للاهتمام بالوجهة، كما تقدم المفعول. انتھی کلام ابن عطية، وهو توجیه لا بأس به. (١) سورة الإنسان: ٣١/٧٦. ٣٨ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ فاستبقوا الخيرات﴾: هذا أمر بالبدار إلى فعل الخير والعمل الصالح. وناسب هذا أن من جعل الله له شريعة، أو قبلة، أو صلاة، فينبغي الاهتمام بالمسارعة إليها. قال قتادة: الاستباق في أمر الكعبة رغماً لليهود بالمخالفة. وقال ابن زيد: معناه: سارعوا إلى الأعمال الصالحة من التوجه إلى القبلة وغيره. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات، وهي الجهات المسامتة للكعبة، وإن اختلفت. وذكرنا أن استبق بمعنى: تسابق، فهو يدل على الاشتراك. ﴿إنا ذهبنا نستبق﴾(١)، أي نتسابق، كما تقول. تضاربوا. واستبق لا يتعدى، لأن تسابق لا يتعدى، وذلك أن الفعل المتعدي، إذا بنيت من لفظ، معناه: تفاعل للاشتراك، صار لازماً، تقول: ضربت زيداً، ثم تقول: تضاربنا، فلذلك قيل: إن إلى هنا محذوفة، التقدير: فاستبقوا إلى الخيرات. قال الراعي : سواكم فإني مهتد غير مائل ثنائي عليكم آل حرب ومن يمل يريد ومن يمل إلى سواكم ﴿أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً﴾: هذه جملة تتضمن وعظاً وتحذيراً وإظهاراً لقدرته، ومعنى: ﴿يأت بكم الله جميعاً﴾: أي يبعثكم ويحشركم للثواب والعقاب، فأنتم لا تعجزونه، وافقتم أم خالفتم، ولذلك قال ابن عباس: يعني يوم القيامة . وقيل: المعنى: أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً، أي يجمعكم ويجعل صلاتكم كلها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام، قاله الزمخشري. ﴿إن الله على كل شيء قدير) تقدم شرح هذه الجملة، وسيقت بعد الجملة الشرطية المتضمنة للبعث والجزاء، أي لا يستبعد إتيان الله تعالى بالأشلاء المتمزقة في الجهات المتعددة المتفرقة، فإن قدرة الله تتعلق بالممكنات، وهذا منها. وقد تقدم لنا أن مثل هذه الجملة المصدرة بأن تجيء كالعلة لما قبلها، فكان المعنى : إتيان الله بكم جميعاً لقدرته على ذلك. ﴿ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾: لما ذكر تعالى أن لكل وجهة يتولاها، أمر نبيه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام من أي مكان خرج، لأن قوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك﴾ ظاهره أنه أمر له باستقبال الكعبة وهو مقيم بالمدينة. فبين بهذا الأمر الثاني تساوي الحالين إقامة وسفراً في أنه مأمور باستقبال البيت الحرام، ثم عطف عليه: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، ليبين مساواتهم له في ذلك، أي في (١) سورة يوسف: ١٢ /١٧. ٣٩ سورة البقرة / الآيات: ١٤٢ - ١٥٧ حالة السفر، والأولى في حالة الإقامة. وقرأ عبد الله بن عمير: ومن حيث بالفتح، فتح تخفيفاً. وقد تقدم القول في حيث في قوله: ﴿حيث شئتما﴾. ﴿وإنه للحق من ربك﴾: هذا إخبار من الله تعالى بأن استقبال هذه القبلة هو الحق، أي الثابت الذي لا يعرض له نسخ ولا تبديل. وفي الأول قال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعملون أنه الحق من ربهم﴾، حيث كان الكلام مع سفهائهم الذين اعترضوا في تحويل القبلة، فردّ عليهم بأشياء منها: أن علماءهم يعلمون أن تحويل القبلة حق من عند الله، وختم آخر هذه الآية بما ختم به آخر تلك من قوله: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ في امتثال هذا التكليف العظيم الذي هو التحويل من جهة إلى جهة، وذلك هو محض التعبد. فالجهات كلها بالنسبة إلى البارىء تعالى مستوية، فكونه خص باستقبال هذه زماناً، ونسخ ذلك باستقبال جهة أخرى متأبدة، لا يظهر في ذلك في بادي الرأي إلا أنه تعبد محض. فلم يبق في ذلك إلا امتثال ما أمر الله به، فأخبر تعالى أنه لا يغفل عن أعمالكم، بل هو المطلع عليها، المجازي بالثواب من امتثل أمره، وبالعقاب من خالفه. وجاء في قوله: ﴿الحق من ربك﴾ في المكانين، وفي قوله: ﴿وما الله﴾ في المكانين، فحيث نبه على استدلال حكمته بالنظر إلى أفعاله، ذكر الرب المقتضي للنعم، لننظر منها إلى المنعم، ونستدل بها عليه، ولما انتهى إلى ذكر الوعيد، ذكر لفظ الله المقتضي للعبادة التي من أخل بها استحق أليم العذاب. ﴿ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾: ظاهر هذه الجملة أنها كررت توكيداً لما قبلها في الآية التي تليها فقط، لا أن ذلك توكيد للآية الأولى، لأنا قد بينا أن الأولى في الإقامة، والثانية في السفر، وأما الثالثة فهي في السفر، فهي تأكيد للثانية. وحكمة هذا التأكيد تثبيت هذا الحكم، وتقرير نسخ استقبال بيت المقدس، لأن النسخ هو من مظان الفتنة والشبهة وتزيين الشيطان للطعن في تبديل قبلة بقبلة، إذ كان ذلك صعباً عليهم، فأكد بذلك أمر النسخ وثبت. وكان التأكيد على ما قررناه بتكرير هذه الجمل مرتين، لأن ذلك هو الأكثر المعهود في لسان العرب، وهو أن تعاد الجملة مرة واحدة. وقال المهدوي: كررت هذه الأوامر، لأنه لا يحفظ القرآن كل أحد، فكان يوجد عند بعض الناس ما ليس عند بعض لو لم يكرر. وهذا المعنى في التكرير يروى عن جعفر الصادق، ولهذا المعنى وقع التكرير في القصص. وقيل: لما كانت هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا، كررت للتأكيد والتقرير وإزالة ٤٠ سورة البقرة / الآيات : ١٤٢ - ١٥٧ الشبهة، وقد ذكر العلماء في هذه الآيات مخصصات تخرجها بذلك عن التأكيد. فقيل: الأولى من قوله: ﴿فول وجهك﴾، نسخ القبلة الأولى، والثانية لاستواء الحكم في جميع الأمكنة، والثالثة للدّوام في جميع الأزمان. وقيل: الأولى في المسجد الحرام، والثانية خارج المسجد، والثالثة خارج البلد. وقيل: الخروج الأول إلى مكان ترى فيه الكعبة، والثاني إلى مكان لا ترى فيه، فسوى بين الحالتين. وقيل: الخروج الأول متصل بذكر السبب، وهو: ﴿وإنه للحق من ربك﴾، والثاني متصل بانتفاء الحجة، وهو: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾. وقيل: الأول لجميع الأحوال، والثاني لجميع الأمكنة، والثالث لجميع الأزمنة. وقيل: الأول أن يكون الإنسان في المسجد الحرام، والثاني: أن يكون خارجاً عنه وهو في البلد، والثالث أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، فسوى بين هذه الأحوال، لئلا يتوهم أن للأقرب حرمة لا تثبت للأبعد. وقيل: التخصيص حصل في كل واحد من الثلاثة بأمر، فالأول بين فيه أن أهل الكتاب يعلمون أمر نبوة محمد بحيث وأمر هذه القبلة، حتى أنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، والثاني فيه شهادة اللّه بأن ذلك حق، والثالث بين فيه أنه فعل ذلك ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، فقطع بذلك قول المعاندين. وقيل: الأول مقرون بإكرامه تعالى إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها، وهي قبلة إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، بقوله: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، أي لكل صاحب دعوة قبلة يتوجه إليها، فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله أنها الحق، والثالث مقرون بقطع الله حجة من خاصمه من اليهود. وقيل: ربما خطر في بال . جاهل أنه تعالى فعل ذلك لرضا نبيه لقوله: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾، فأزال هذا الوهم بقوله: ﴿وإنه للحق من ربك﴾، أي ما حولناك لمجرد الرضا، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق، فليست كقبلة اليهود التي يتبعونها بمجرد الهوى، ثم أعاد ثالثاً، والمراد: دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة. وقيل: كرر ﴿وحيث ما كنتم﴾، فحث بإحداهما على التوجه إلى القبلة بالقلب والبدن، في أي مكان كان الإنسان، نائياً كان عنها، أو دانياً منها، وذلك في حال التمكن والاختيار، وحث بالأخرى على التوجه بالقلب نحوه عند اشتباه القبلة في حالة المسابقة، وفي النافلة في حالة السفر، وعلى الراحلة في السفر. ﴿لئلا يكون﴾: هذه لام كي، وأن بعدها لا النافية، وقد حجز بها بين أن ومعمولها الذي هو يكون، كما أنهم حجزوا بها بين الجازم والمجزوم في قولهم: أن لا تفعل أفعل. وكتبت في المصحف: لا ما بعدها ياء، بعدها لام ألف، فجعلوا صورة للهمزة الياء، وذلك ..