Indexed OCR Text

Pages 201-220

المبحث الرابع
العجن عند الفقهاء
لم أرَ القول في هذه الهيئة في شيء من زبر الأولين، من كتب
الخلاف العالي، ولا في عمد المذاهب الفقهية، سوى الشافعية منها في
مبحث الهيئات من باب أفعال الصلاة وكيفيتها. ومن التتبع، وهو الذي
تدل عليه أيضاً كلمة النووي في المجموع ٣/ ٤٤٢ أن أول من أدخلها في
هيئات الصلاة المسنونة: الغزاليُّ الشافعيُّ، م سنة ٥٠٥هـ. في كتابيه:
الوسيط، ثم الوجيز.
فقال في: الوسيط ٢/ ٦٢٩ :
(ثم كان رسول الله وَ ﴿ إذا قام في صلاته: وضع يديه على الأرض
کما يضع العاجن) اهـ.
وقال في مختصره: الوجيز - مع شرحه: فتح العزيز، بهامش
المجموع - ٤٨٣/٣ :
(ثم يسجد سجدة أخرى مثلها، ثم يجلس جلسة خفيفة للاستراحة،
ثم يقوم مكبراً واضعاً يديه على الأرض كما يضع العاجن) اهـ.
٢٠١

ومنهما انتشر في جملة من كتب الشافعية بعده، والتي اعتمدت
كتابي الغزالي أو أحدهما، منها: فتح العزيز بشرح الوجيز الرافعي، م سنة
٦٢٣هـ، فلما ذكر عبارة الغزالي في: الوجيز، قال مستدلاً له ٤٩١/٣ :
(وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ◌ّطاهر: كان إذا قام في
صلاته وضع يديه على الأرض كما يضع العاجن. قال صاحب المجمل :
هو الذي إذا نهض اعتمد على يديه كِبَرَاً، كأنه يعجن: أي الخمير.
ويجوز أن يكون معنى الخبر: كما يضع عاجن الخمير، وهما
متقاربان) اهـ.
ثم الإِمام ابن الصلاح م سنة ٦٤٣هـ رحمه الله تعالى في: شرحه
على الوسيط، وهو مخطوط.
ثم النووي رحمه الله تعالى في: المجموع على المهذب ٤٤٢/٣
قال :
(وإذا اعتمد بيديه؛ جعل بطن راحتيه، وبطون أصابعه: على
الأرض، بلا خلاف. وأما الحديث المذكور في الوسيط وغيره عن ابن
عباس أن النبي : (كان إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما
يضع العاجن) فهو حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له، وهو بالنون،
ولو صح كان معناه: قائم معتمد ببطن يديه، كما يعتمد العاجز، وهو
الشیخ الکبیر، وليس المراد عاجن العجين) اهـ.
ثم البيضاوي الشافعي، م سنة ٦٨٥هـ رحمه الله تعالى في: الغاية
القصوى ٣٠٣/١ - ٣٠٤ قال في تعداد هيئات الصلاة:
٢٠٢

(وجلسةُ الاستراحة، ووضع اليد كالعاجن: إذا أراد القيام) اهـ.
وبهذا يتضح أن قول البدر العيني في: عمدة القاري ٩٩/٦ في
شرح حديث مالك بن الحويرث: (قال الفقهاء: يعتمد كما يعتمد
العاجن للخمير) ليس على عمومه، وأن المراد: مَنْ ذكر العجن منهم،
وهم: الغزالي ومن ذكر معه. والله أعلم.
وفي: المبسوط، للسرخسي أحمد بن سهل، م سنة ٤٨٣ هـ.
وقيل غيرها قال في ٢٣/١: (وفي قوله: نهض على صدور قدميه،
إشارة إلى أنه لا يعتمد بيديه على الأرض عند قيامه، كما لا يعتمد
على جالس بين يديه، والمعني أنه اعتماد من غير حاجة فكان
مكروهاً، والذي روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ولقد كان
يقوم في صلاته شبه العاجز، تأويله: أنه كان عند العذر بسبب
الکبر) اهـ.
ثم إن السرخسي رحمه الله تعالى ذكر الحديث من رواية ابن عباس
رضي الله عنهما - للنقض على من قال به .
فمن هذه النقول أن أول من ذكره منهم - الغزالي في الوسيط - من
فعل النبي ◌َّ ولم يذكر صحابي هذا الحديث، ولا من خرّجه. ثم
في: الوجيز، ذكر مشروعية هذه الهيئة فحسب.
ثم إن الرافعي الشافعي في: شرح الوجيز ذكر الحديث من رواية
ابن عباس رضي الله عنهما، وسكت فلم يتكلم عليه بشيء، ولم نرَ من
عزاه إلى ابن عباس قبله من الشافعية .
٢٠٣

ثم إن ابن الصلاح في: شرحه على الوسيط، حكم بعدم صحة
هذا الحديث، وأنه لا يجوز الاحتجاج به .
ثم قفاه الإِمام النووي في: المجموع، منكراً هذا الحديث.
ثم إن البيضاوي في: الغاية القصوى، وهي مختصرة للوسيط،
جاء بعبارة الوسيط، وما زاد.
والمتخلص من هذا: أن العجن ليس من منصوص الشافعي ولا
عند متقدمي مذهبه، وأن هذه من تفريعات الغزالي في المذهب، لقول
إمام المذهب رحمه الله تعالى: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) لكنها
عند محققي المذهب كابن الصلاح، والنووي، محل إنكار؛ لعدم صحة
الحدیث عندهم.
إذن فالمذاهب الأربعة لم تقل بهذه الهيئة ((العجن))، وما ذكره
الغزالي محل إنكار من محققي المذهب الجامعين بين الفقه والحديث؛
كابن الصلاح والنووي. وأن الرافعي من الشافعية: أول من ذكره منهم
من حديث ابن عباس، ومن قبل: السرخسي الحنفي، المتوفى سنة
٤٨٣ هـ، في المبسوط، وعبارته تدل على تقدم من نسبه إلى حديث ابن
عباس، وهذا ما لم نقف عليه بعد، وإنما هو من حديث ابن عمر ولا
يصح كما تقدم، وقد علم من مباحث أهل العلم أن تركَ العملِ بالحديث
مدى القرون علةٌ قادحةٌ عند النقاد؟؟ .
٢٠٤

المبحث الخامس
في معناه على سَنن لغة العرب
من مباني تحقيق المناط في الأحكام الفقهية الشرعية: فقهُ لغةٍ
العربِ، والدأبُ في ذلك كلَّ الدأبِ، ومنه: معرفةُ فصح كلامها، من
كنايتها وتعريضها، وهكذا في سَنن لغتها ومرامي كلمها، ومَنْ حُرِمَ ذلك
المنحى؛ حُرِمَ المعنى، وأغربَ في الاستدلال، وغربَ عن المعنى
المراد .
ولذا عقد ابن فارس رحمه الله تعالى في ((الصاحبي)): (ص ٥٠ -
٥٦) باباً باسم: (باب القول في حاجة أهل الفقه والفتيا إلى معرفة اللغة
العربية)، في كلام نفيس، قَرَّرَ فيه الوجوب، ثم قال: (فلذلك قلنا: إن
علم اللغة كالواجب على أهل العلم؛ لئلا يحيدوا في تأليفهم أو فتياهم
عن سنن الاستواء) انتهى.
وقد وقعت أغاليط كثيرة لعدد من أهل العلم، على مر
الأعصار، ومنهم أئمة يشار إليهم بالبنان، فالكمال لله تعالى، والعصمة
لرسوله وَق، كيف وقد صرح بعضهم برجوعهم، كما نجد ذلك
في تضاعيف شروح السنة، وإصلاح غلط المحدثين.
٢٠٥

ومنها ما ذكره الخطابي رحمه الله تعالى في: معالم السنن ١٣/٢
في شرح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَلهم
نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه
شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. رواه أصحاب السنن
الأربعة. قال الخطابي :
(الحِلَق: جماعة الحلقة، مكسورة الحاء مفتوحة اللام، وكان
بعض مشايخنا يرويه أنه: نهى عن (الحَلْق) بسكون اللام، وأخبرني أنه
بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة، فقلت له: إنما
هو (الحِلَق) جمع الحلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم
والمذاكرة، وأمر أن يشتغل بالصلاة، وينصت للخطبة والذكر، فإذا فرغ
منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك، فقال: قد فرَّجت عني. وجزَّاني
خيراً، وكان من الصالحين، رحمه الله تعالى) اهـ.
ومنها ما أدرجه الذهبي في: تاريخ الإِسلام في كلام لابن العطار
عن الإِمام النووي رحمه الله تعالى أنه قال: بقيت أكثر من شهرين أو أقل
لما قرأت في التنبيه: (يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج، أعتقد
أن ذلك قرقرة البطن، فكنت أستحم بالماء البارد كلما قرقر بطني) اهـ.
بواسطة ترجمة السخاوي له ص ٥ - ٦.
ومنها ما قاله أبو عثمان بكر بن محمد المازني النحوي، م سنة
٢٤٨ هـ وقيل غيرها، فيما حدّث به المبرد عنه، قال: سمعت المازني
يقول: معنى قولهم: إذا لم تَسْتَح فاصنع ما شئت، أي: إذا صنعت ما
٢٠٦

لا يُسْتَحیی من مثله، فاصنع منه ما شئت، وليس على ما يذهب العوام
إليه، قلت - أي: قال ياقوت -: وهذا تأويل حسن جداً) اهـ. من
معجم الأدباء ١٢٥/٧ لياقوت. وبسطه في: جامع العلوم والحكم لابن
رجب .
ومنها ما ذكره الزبيدي في: تاج العروس ٤٩٩/١ - ٥٠٠ في مادة
«و کأ»:
وقد نهيت هذه الأمة عن ذلك - الاتكاء حال الأكل - ومن ذلك
قوله وَلجر: ((آكل كما يأكل العبد))، وفي حديث آخر: ((أما أنا فلا آكل
متكئاً) أي جالساً على هيئة المتمكن المتربع، ونحوها من الهيئات
المستدعية لكثرة الأكل؛ لأن المتكىءَ في العربية: كُلُّ من استوى قاعداً
على وِطاءٍ متمكناً، بل معنى الحديث كما قال ابن الأثير: كان جلوسه
للأكل مقعياً مستوفزاً للقيام غير متربع ولا متمكن، كمن يريد الاستكثار
منه. وليس المراد منه أي في الحديث: الميل إلى شق معتمداً عليه كما
يظنه عوام الطلبة، ومن حمل الاتكاء على الميل إلى أحد الشقين، تأوَّلَهُ
على مذهب الطب، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سَهْلاً، ولا يسيغه
هنيئاً، وربما تأذی به) اهـ.
والكلام على الاتكاء وأنواعه تجده محرراً في: زاد المعاد
٣٨/١، ١٣٦/٣ .
ومنها ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية النميري رحمه الله تعالى في
حديث أم معقل بن سنان، أن النبي ول# قال: ((عمرة في رمضان تعدل
٢٠٧

حجة معي)). رواه مسلم وغيره، ففي الفتاوى أن هذا خصوصية
لأم معقل، ومن قال: إن عمرة الواحد منا تعدل حجة مع النبي ◌َّ فهو
مخطىء، وشنّع عليه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وانظر: فيض القدير للمناوي ٢٣/٤ رقم ٤٤٢٣ ففيه ما يفيد في
هذا.
وهذه المسألة بحاجة إلى تحرير وبيان. وقد أبدى ابن القيم توقفاً
في المفاضلة بين العمرة في رمضان وأشهر الحج. وذكرها بحثاً ابن
قدامة في ((المغني)) والسفاريني في ((شرح الثلاثيات)).
وكما يكون هذا في نصوص السنة المشرفة تجد له مثلاً في تفسير
آيات من كتاب الله تعالى.
كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾
وقوله تعالى: ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾.
على ما أوضحه ابن قيِّم الجوزية رحمه الله تعالى في مواضع من
کتبه، والله أعلم.
ومن وراء هذه القاعدة في تفسير النصوص قاعدة أخرى، وهي:
أن مجرد فعل النبي * لا يدل على السنية، إلاّ إذا علم أنه إنما فعل
ليكون سنة يقتدى به فيها، كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في:
زاد المعاد ١/ ٦١ إذ قال:
(وسائر من وصف صلاته 8 لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذكرت
٢٠٨

في حديث أبي حميد، ومالك بن الحويرث، ولو كان هديه ◌َّلة فعلها
دائماً؛ لذكرها كل واصف لصلاته ◌َّلية، ومجرد فعله ملف لها لا يدل على
أنها من سنن الصلاة إلاّ إذا علم أنه فعلها سنة يقتدى به فيها، وأما إذا
قدر أنه فعلها للحاجة؛ لم يدل على كونها سنة من سنن الصلاة؛ فهذا
من تحقيق المناط في هذه المسألة) اهـ.
ولا يعهد من مدارك الشرع تشريع أحوال الاضطرار للقادرين؛ بل
الجاري خلافه، كما في إظهار حال القوة في الطواف؛ إغاظة للمشركين.
ومن الشواهد لما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الفعل المجرد
ما رواه ابن خزيمة في: صحيحه، عن الوليد بن مسلم، عن زيد بن
أسلم، والبيهقي في: سننه، عن زهير بن محمد، عن زيد، قال:
(رأيت ابن عمر يصلي محلولةً أزراره، فسألته عن ذلك فقال:
رأيت رسول الله آل﴾ يفعله) اهـ.
وعن معاوية بن قرة عن أبيه، قال: أتيت رسول الله وَله في رهط
من مزينة، فبايعناه، وأنه لمطلق الأزرار، فأدخلت يدي في جيب
قميصه، فمسست الخاتم. قال عروة: فما رأيت معاوية ولا ابنه قط في
شتاء ولا صيف إلَّ مطلقي الأزرار. رواه ابن ماجه، وابن حبان في:
صحيحه، واللفظ له، وقال ابن ماجه: إلاّ مطلقة أزرارهما اهـ.
هكذا في: الترغيب والترهيب للمنذري في: الترغيب في اتباع
الكتاب والسنة. وعنه الألباني في: صحيح الترغيب والترهيب ٢٢/١ -
٢٠٩

٢٣. وقد فاته حفظه الله أن أثر ابن عمر هذا معلول، أشار إلى علته
الذهبي في: الميزان ٨٤/٢ في ترجمة: زهير هذا، وعزاه للترمذي.
أي في: العلل الکبری ٧٣/٨ وهذا نصه:
(قال أبو عيسى: سألت محمداً عن حديث زهير بن محمد، عن
زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: رأيت النبي ◌ّله محلولة أزراره؟ قال
محمد: أنا أتقي هذا الشيخ، كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي
زهير بن محمد، وكان أحمد بن حنبل يُضَعِّفُ هذا الشيخ، ينبغي أن
يكون قلب اسمه، أهل الشام يروون عن زهير بن محمد هذا
مناکیر) اهـ.
ولو ثبت هذا فهو من تشديدات ابن عمر رضي الله عنهما، ولهذا:
فإن العلامة الألباني في فهرس كتابه هذا قال: (آثار عن ابن عمر في
مبالغته في الاتباع).
فذكر منها هذا، وما رواه أحمد والبزار عن مجاهد، قال: كنا مع
ابن عمر رحمه الله في سفر، فمرَّ بمكان، فحاد عنه، فسئل: لم فعلت
ذلك؟ قال: رأيت رسول الله وَّل﴿ فعل هذا، ففعلت) اهـ.
ومنها: قيلولته تحت شجرة بن مكة والمدينة؛ للاقتداء.
ومنها: أن النبي ◌َلل في إفاضته من عرفة إلى المزدلفة قضى.
حاجته في الشعب، فتابعه ابن عمر رضي الله عنهما على ذلك، إذا
أفاض.
٢١٠

لكن أنى لهذا الحديث الثبوت، وهو معلول، كما ذكره الترمذي
عن البخاري؟ ولو ثبت؛ فالشأن في فقهه كما قعده ابن القيم رحمه الله
تعالى فيبقى من التشديد في الاقتداء عند من أخذ به، رضي الله عنهم.
على أنه قد ثبت في السنة من قوله ◌َير: الأمر بزر القميص في
الصلاة، كما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:
قلت: يا رسول الله، إني أكون في الصيد وليس علي إلاّ قميص،
أفأصلي فیه؟
قال: ((زُرَّهُ ولو لم تجد إلاَّ شوكة)).
أخرجه الشافعي في مسنده (٦٣/١ - ٦٤ رقم ١٨٧). والإِمام
أحمد في المسند (٤٩/٤ مرتين و٥٤)، واللفظ له. وأبو داود في سننه
(٤١٦/١ رقم ٦٣٢). والنسائي (٢/ ٧٠). وابن خزيمة (٣٨١/١ رقم
٧٧٧ و٧٧٨). والطبراني في الكبير (٣٢/٧ رقم ٦٢٧٩). والحاكم في
مستدركه (١/ ٢٥٠). والبيهقي في سننه (٢/ ٢٤٠).
جميعهم من طريق موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عبد الله بن أبي ربيعة، عن سلمة، به.
قال الحاكم: (هذا حديث مديني صحيح، فإن موسى هذا هو:
ابن إبراهيم بن عبد الله المخزومي).
وفي التلخيص: (موسى أخو محمد بن إبراهيم التيمي، والحديث
صحيح).
٢١١

وفي حاشية صحيح ابن خزيمة قال: (إسناده صحيح).
وفي صحيح الجامع الصغير (١٩٢/٣ رقم ٣٥٦٣) قال:
(حسن).
وقال البيهقي في الموضع السابق:
(وروى عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، قال: حُدِّثت عن
يحيى بن أبي كثير، أن النبي و ﴿ نهى أن يصلي الرجل في قميص
محلولة أزراره، مخافة أن یری فرجه إذا رکع، حتی یزره).
قال یحیی : إذا لم یکن علیه إزار.
قال البيهقي: (وهذا وإن كان منقطعاً فهو موافق للموصول قبله)
يعني حديث سلمة هذا.
قال في عون المعبود (٣٣٦/٢): قال الطيبي: (هذا إذا كان
جيب القميص واسعاً يظهر منه عورته فعليه أن يزره؛ لئلا يكشف
عورته).
فهذا المبنى إذن - على هيئة العاجن - ما موقعه من لغة العرب في
مواضعاتها اللغوية؛ فمن يوصف به أولاً، وما هي صفته ثانياً؟
أما الأول: وهو من يوصف به، فإن هذا المبنى من مليح الكنى
عند العرب العرباء، المنتشر في كلامها، المسطر في دواوين لغتها من
منظومها ومنثورها، كما في مادتي ((عجن)) و(كنت) من كتب اللغة
وغريب الحديث، بما حاصله: أن من الكنايات الجارية في سنن لغة
العرب: التعبير عن الشيخ المسن بالعاجز؛ لأنه إذا قام اعتمد على
٢١٢

الأرض بكفيه على هيئة العاجن. وفي لسان العرب لابن منظور
٩/ ٧١، ٧٢ قال :
(عجن: عَجَنَ الشيءَ يَعْجِنُه عَجْناً، فهو مَعْجُونٌ وعَجين،
واعْتَجَنه: اعتمد عليه بجُمْعه يَغْمِزُه؛ أنشد ثعلب:
يَكْفيك من سَوْداءَ واعْتِجانِها،
وكَرِّكَ الطَّرْفَ إلى بَنانِها،
ناتِةُ الجَبْهةِ في مَكانِها،
صَلِعَاءُ لو يُطْرَحُ في مِيزانِها
رِطْلُ حديدٍ، شالَ من رُجْحانها
والعاجنُ من الرجال: المُعْتَمِدْ على الأرض بجُمْعه، إذا أَراد
النُّهوضَ من کِبرِ أَو بُدْنِ؛ قال كثير:
رأَتْنِي كأَشْلاء اللِّجامِ، ويَعْلُها
من المَلِءِ أَبْزَى عاجنٌ مُتَبَاطِنُ
ورواه أبو عبيد :
من القومِ أَبْزَى مُنْحَنٍ مُتَبَاطِنُ
وعَجَنتِ الناقةُ، وناقةٌ عاجِنٌ: تضْرِبُ بيديها إلى الأرض في
سيرها. ابن الأعرابي: العُجُنُ: أهل الرخاوة من الرجال والنساء. يقال
للرجل: عَجِينةٍ وعَجِينٌ، وللمرأة عَجِينة لا غير، وهو الضعيف في بدنه
وعقله. والعُجُنُ: جمع عاجِنٍ، وهو الذي أَسَنَّ، فإذا قام عَجَنَ بيديه.
٢١٣

يقال: خَبَزَ وعَجَنَ وثَنَى وَثَلّثَ ووَرّصَ، كله من نعت الكبير. وعَجَنَ
وأَعْجَنَ: إذا أَسَنَّ فلم يَقُمْ إلَّ عاجِناً؛ قال الشاعر:
فَأَصْبَحْتُ كُنْتياً، وهَيّجتُ عاجِناً
وشَرُّ خِصَالِ المرءِ كُنْتٌ وعاجِنُ
وفي حديث ابن عمر: إنه كان يَعْجِنَ في الصلاة فقيل له: ما هذا؟
فقال: رأيت رسول الله ﴾﴾ يَعْجِنُ في الصلاة، أي یعتمد علی یدیه إذا
قام كما يفعل الذي يَعْجِنُ العَجِينَ. ونحوه في: تاج العروس ٣٦٨/١٨،
٣٦٩، كلاهما في مادة عجن. ثم أعاده الزبيدي في شرحه للإِحياء
٧٣/٣ - ٧٤. وزاد في التاج كلاماً عزى نقله إلى الزمخشري في
(الفائق)) وهذه المادة غير موجودة في النسخة المطبوعة، فينظر. والله
أعلم.
وكم رأينا في عوام المسلمين من شيوخ ركع يعجنون في صلواتهم
عند القيام وعند الهوي إلى السجود، اضطراراً لا تسننا، ولهذا ترى في:
براجم أيديهم أو بطونها، تثفناً، أعظم الله أجرهم وأجزل مثوبتهم، ومن
طالت به حياة فليعجنن ولو بعد حين، ولا سيما من جاوز العقد السابع،
وكل شيء إلى الله راجع
ومن هذا: لو صح خبر الأزرق بن قيس عن ابن عمر رضي الله
عنهما فإن الأزرق توفي بعد عام ١٢٠ هـ، وابن عمر رضي الله عنهما ولد
بعد البعثة النبوية وتوفي عام ٧٣هـ. أو في العام الذي يليه، فمعنى هذا
أن الأزرق إنما أدرك ابن عمر شيخاً عاجناً، وابن عمر أيضاً قد ضربته
٢١٤

یهود قَبَّحَهُمُ الله، حتى فدغت قدميه، كما في صحيح البخاري في باب
إذا اشترط المزارعة، من كتاب الشروط ٣٢٧/٥ مع الفتح.
ولهذا كان في جلوسه في الصلاة يتربّعُ، فلمّا قيل له، قال: (إن
رجلاي لا تحملاني). رواه البخاري في صحيحه ٣٠٥/٢ مع الفتح.
وقد رآه ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر يفعل ذلك، ففعل مثله؛ فنهاه
والده ابن عمر عن ذلك، وقال: (إنها ليست سنة الصلاة، وإنما أفعل
هذا من أجل أني أشتكي) اهـ. من الموطأ. وهذا مما لم يقل أحد
بسنيته، فإنه من أحوال الاضطرار.
وفي ص ١٣٦ من كتاب: المنتخب من كنايات الأدباء وإرشادات
البلغاء، لأبي العباس أحمد بن محمد الجرجاني الثقفي، م سنة
٢٨٢ هـ. قال :
(ومن الكنايات عن الشيخ: العاجن؛ لأنه إذا قام اعتمد على
جميع كفيه كالعاجن. قال الشاعر:
فأصبحت کنتیاً وأصبحت عاجنا
وشر خصال المرء كنت وعاجن
قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد، الزاهد، اللغوي، في
مجالساته: يقال: رجل كنتي؛ إذا أكثر من قوله: كنت أفعل، كنت
أقاتل، ورجل كنتي: إذا قال: كان لي من المال كذا، والخيل كذا، ولا
یکون إلاّ عند الهرم والفقر) اهـ.
ولهذا؛ فإن الفقيه اللغوي ابن فارس رحمه الله تعالى؛ أدخلها في
٢١٥

كتابه المليح: ((فتيا فقيه العرب)» طبع بدمشق عام ١٣٧٧هـ الذي شحنه
بجملة وافرة من الألغاز الفقهية المبنية على المعاني اللغوية، فقال
ص ٣٦ :
(قيل له: هل للشيخ - إذا عجن - أن يصلي قاعداً؟.
قال: لا، ما قدر على القيام.
العاجن: الذي إذا نهض عجن الأرض بيديه مِنْ كِبَرٍ.
قال الشاعر :
فأصبحت کنتیاً وأصبحت عاجنا
وشر خصال المرء كنت وعاجن)
أهـ.
وفي: ((نشوار المحاضرة)) للتنوخي (٥٤/٣)، قال: (وحدثني
- يعني عبد الله بن أحمد بن بكر بن داسة البصري - قال: قال لي بعض
شيوخنا: إن الشيخ إذا أَسَنَّ صارت فيه ثلاث خصال مذمومة: إذا قام
عجن وإذا مشى زَفَن، وإذا سَعَلَ قَرَنَ) انتهى.
فالحاصل من هذا أن العرب تنعت الشيخ العاجز لكبر أو مرض
بالعاجن؛ لأن قيامه معتمداً على يديه كهيئة العاجن، فهي تتلطف في
كلامها، فتصف قيامه بذلك، ولا تنعته بالعاجز أو العليل مثلاً.
وهذا من لطيف أساليبها، كما تكني عن الشيخ بالراكع، قال لبيد:
أدب كأني كلما قمت راكع
٢١٦

وكما تقول في حق من تزوج عجوزاً مسنةً: فلان تزوج بامرأةٍ
جمعت الثياب، أي: امرأة كبيرة تلبس القناع، والخمار، والإِزار،
وليست بصبية تكتفي بثوب واحد.
وكما يقولون: فلان يسود وجه النذير، إذا كان يخضب شعره؛
لقوله تعالى: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرٌ﴾ أي: الشيب.
وهكذا مما تجد له مثلاً في دواوين اللغة، ومن أجمعها ما في:
المنتخب للجرجاني، والكناية والتعريض للثعالبي.
وأما صفة العجن: فالمتحصل من كتب اللغة والغريب أن للعجن
صفتين :
■ الأولى: أن هيئة العاجن: المعتمد على الأرض بجمعه: أي
بظهور أصابعه كما يفعله الذي يعجن العجين، كما في: اللسان، والتاج
وغيرهما .
■ الثانية: أن هيئة العاجن: المعتمد على الأرض ببطن یدیه، كما
يعتمد العاجز وهو الشيخ الكبير - وليس المراد عاجن العجين، كما
في: التاج، والبدر المنير، وغيرهما، واختاره النووي في المجموع،
وابن الصلاح في شرح الوجيز.
ومما تقدم يُعلم أن العاجن كناية عن المسن، وأن صفة العجن
بجمع الكف أو بسطه، وبهذا يُعلم أن إنكارَ ابنِ الصلاحِ فِعْلَهُ من
الأعاجم تسنناً قد وقع موقعه، إذ قال:
٢١٧

(وعمل بهذا كثير من العجم، وهو إثبات هيئة شرعية في الصلاة
لا عهد بها) اهـ. والله أعلم.
والخلاصة لهذا الجزء:
أن هذا الحديث ذَكَرَهُ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بعض
و
فقهاءِ الشافعيةِ في كتبهم الفقهية، وفي تخاريجها لم يحصل عزوه إلى
من أخرجه؛ كما في خلاصة البدر المنير، والتلخيص الحبير، مع ذكر
من تردد في لفظه: هل هو ((العاجن)) بالنون أم ((العاجز)) بالزاي؟
شبه
وأن السرخسي في ((المبسوط)) ذكره بالزاي بلفظ: (( ..
العاجز)).
وهو محتمل فيه أن يكون بلفظ: ((العاجز)) بالزاي المعجمة لا
بالنون، فيكون ((العاجن)) من تصحيف البصر، قسيم تصحيف السمع،
وهو ما يشتبه كتابة. وله أمثلة:
منها: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي * احتجر في
المسجد. صَحَّفَهُ ابنُ لهيعةَ بلفظ ((احتجم))، وأشار إليه السيوطي في
ألفيته فقال:
ورابع مثل حديث احتجرا
صحفه بالميم بعض الكبرا
ومنها: قوله ◌َّ في خطبة حجة الوداع: ((واستوصوا بالنساء خيراً
فإنهن عندكم عوان)). صَحَّفَهُ بعضهم، فقال: ((عوار)) كما في ((النور
المستبین) للرباطي ص ٧٧.
٢١٨

ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في: صحيح
البخاري ٢٤٦/٦ : إذ قال له غلام یوم بدر:
((والذي نفسي بيده لئن رأيته - يعني أبا جهل - لا يفارق سوادي
سواده حتى يموت الأعجل منا)).
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)» ٢٤٦/٦: (أي الأقرب أجلاً،
وقيل إن لفظ ((الأعجل)) تحريف، وإنما هو ((الأعجز))، وهو الذي يقع
في كلام العرب كثيراً، والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه) اهـ.
وأن ظاهر كلام الألباني في ((الضعيفة)) ٣٩٣/٢ يدل على عدم
وقوفه على هذا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وعليه؛ فالحديث من رواية ابن عباس: إما غلط من النقلة؛
صوابه: (ابن عمر)). أو مما خفي إسناده. وعلى كل فلا يسوغ
الاحتجاج بحديث لا يعلم سنده، والله أعلم.
وأن هذا الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما جاء مرفوعاً
وموقوفاً، أما المرفوع: فرواه الحربي في ((غريبه)) ولا يعلم له إسناد عند
غيره، وأن كلمة الفصل فيه أنه حديث غريب منكر. وأن رواية البيهقي
الموقوفة ليس فيها تصريح بالعجن البتة.
والمعجم الأوسط لم يتم الوقوف عليه، لكن وقفت على: مجمع
البحرين في الجمع بين المعجمين الصغير والأوسط، للهيئمي، ولم أره
في مظنته منه، والله أعلم.
٢١٩

ثم إن الألباني في كتابه ((إرواء الغليل)) الذي طبع بعد عقد فائدة
٨٤/٢ فقال:
■ (فائدة: روى ابن أبي شيبة في: المصنف ١٥٧/١ عن جماعة
من السلف، منهم: ابن مسعود وعلي وابن عمر، وغيرهم، بأسانيد
صحيحة أنهم كانوا ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم. فلعل
ذلك كان في الجلسة التي يقعد فيها أعني للتشهد، توفيقاً بين هذه
الآثار، وبين حديث مالك بن الحويرث الذي ذكرته آنفاً، فإني لا أعلم
في جلسة التشهد سنة ثابتة، ويؤيد ذلك أن ابن أبي شيبة روى
٢/١٥٧/١ عن ابن عمر أيضاً أنه كان يعتمد على يديه في الصلاة،
وسنده صحيح أيضاً، فهذا على وفق السنة، وما قبله على ما
لا يخالفها. والله أعلم) . اهـ.
وبهذا يُعْلَمُ أن الشيخ يرى تلك الكيفية في القيام من التشهد الأول
توفيقاً بين النص وعمل السلف، فبهذا طاح نصف الطريق، ووافق
الألباني الجمهور. ويبقى كلامه منحصراً في: كيفية النهوض في وتر من
الصلاة. وقد علمت أن حديث مالك بن الحويرث صحيح غير صريح،
وأن حديث وائل صحيح صريح، وأن ما في حديث وائل هو الذي يتفق
مع عمل جماعة من السلف، وبه تجتمع النصوص ويلتئم شملها .
وإن ما ذكره من حمل عمل السلف على القيام من التشهد الأول،
يبعده كل البعد أن في نفس الآثار المذكورة التصريح في عدد منها بأن
ذلك في حال القيام من الركعتين الأولى والثالثة، كما في مصنفي
٢٢٠