Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
سُورَةُ التَّيْر (١، ٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(١)
.
الَّلهُ
قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى
﴿وَطُورِ سِنِينَ
(٣)﴾ يعنى: مكة. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وإبراهيم
﴿وَهَذَا الْبَلَدِ آلْأَمِينِ
النخعي وابن زيد وكعب الأحبار(٢). ولا خلاف في ذلك، وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة
بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار:
فالأول: محلة التين والزيتون وهي: بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم
والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران.
والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً واله،
قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلَّم الله عليه
موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني: جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن
من جبال فاران يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمداً بم ﴿ فذكرهم مخبراً عنهم على الترتيب
الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما .
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق
الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ
@﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم (٣)، ثم بعد هذا الحسن
والنضارة مصيرهم إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل لهذا قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾
وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴾﴾ أي: إلى أرذل العمر، وروي هذا عن ابن عباس
وعكرمة(٤)، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يُرد إلى أرذل العمر، واختار ذلك ابن جرير،
ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما
المراد ما ذكرناه كقوله: ﴿وَلْعَصْرِ ﴾ إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾﴾ [العصر).
(١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق يزيد أبي عبد الله عن كعب: بلفظ: ((جبل موسى الله. ويزيد هو الفارسي
البصري)). (ينظر: تهذيب التهذيب ١٦٦/٨).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ومعناه صحيح ويشهد له ما يليه من الآثار،
فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف - وهو الأعرابي - عن
الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق حماد عن إبراهيم النخعي؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛
وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق يزيد أبي عبد الله - وهو الفارسي - عن كعب الأحبار.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق
الربيع بن أنس عن أبي العالية؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن؛ وأخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي
رجاء عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد عن إبراهيم النخعي؛ وأخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عن قتادة.

٦٠٢
• سُورَةُ التَّيْزِ (١، ٨)
00000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كما تقدم(١).
ثم قال: ﴿قَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أي: يا ابن آدم ﴿بَعْدُ بِلِينِ﴾ أي: بالجزاء في المعاد، ولقد علمت
البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك
على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور قال:
(٧) عنى به النبي وَلّ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان (٢)
قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِأَلِدِينِ
وهكذا قال عكرمة وغيره.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعَكَّمِ الْحَكِمِينَ ﴾﴾ أي: أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا
يظلم أحداً؟ ومن عدله أن يقيم القيامة فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في
حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها ﴿أَلَّسَ اللَّهُ بِأَعْكَمِ
اْتَكِمِينَ ﴾﴾ فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين))(٣) ..
آخر تفسير سورة التين والزيتون، ولله الحمد والمنة.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((غير منقوص)).
(٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وسنده صحيح.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير آخر سورة القيامة.

٦٠٣
سُورَّةُ الْعَلِقِ (١، ٥)
9000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
2017 00000
سُوَرَّةُ ﴿اقْرَأْ﴾
- وهي أول شيء نزل من القرآن -
بير هم الرحمن الرحيم
﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اُلَّذِى خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَُ
الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
٤
عَلَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة
قالت: أول ما بديء به رسول الله وقليل من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا
جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبَّب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي
ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الوحي وهو في غار
حراء، فجاءه الملك فيه فقال اقرأ: قال رسول الله عَليه: ((فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني
فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ
مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد،
ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَمَ﴾)) قال: فرجع بها ترجف
بوادره حتى دخل على خديجة فقال: ((زمّلوني زملوني)) فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: («یا
خديجة ما لي؟)) وأخبرها الخبر وقال: ((قد خشيت على نفسي)).
فقالت له: كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل
الكَلّ وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن
نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي - وهو ابن عمِّ خديجة أخي أبيها -، وكان امرأ قد تنصر
في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب،
وكان شيخاً كبيراً قد عمي فقالت خديجة: أي ابن عمِّ أسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن
أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله وَّر بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على
موسى، ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله وَله: ((أو
مخرجي هم؟)) فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك
أنصرك نصراً مؤزراً.
ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله وَ ل# فيما بلغنا، حزناً غدا
منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى نفسه منه تبدى
له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن بذلك جأشه وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت

٦٠٤
• سُورَةُ الْخَلِقِ (٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك(١).
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري(٢)، وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة
سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن أراده فهو هناك محرر ولله الحمد والمنة.
فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهنَّ أول رحمة رحم الله بها
العباد وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من
كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البشرية
آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في
الكتابة بالبنان ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ ﴿ الَّذِى عَلََّ بِالْقَلِ جَ عَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ
وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة(٣).
وفيه أيضاً: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم (٤).
(١) أَنْ زََّاهُ أَسْتَغْفَى
ڪ ﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْغَيْ"
إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى
اُللَّهَ
(١٤) أَرْ يَعْلَم بِأَنَّ
عَبْدًا إِذَا صَلَّى ◌َ أَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْمُدَّ ﴿ أَوَ أَمَرَ بِالنَّقْوَىَ ﴿٨ أَرَوَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوٌَّ
أَرَمَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ
يَرَى (﴿ كَلَّا لَبِن ◌َّ بَهِ لَتَشْفَمَا بِالنَّاصِيَّةِ ﴿ نَصِيَةٍ كَذِبَةٍ خَاطِئَةٍ
فَلَدُ نَادِیَهُ
كَلََّ
سَنَدْعُ الزََّنِيَةَ
لَا نُطِعْهُ وَأَسْجُدْ وَأَقْتَب ◌ُ
يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله،
ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْنَ ﴾﴾ أي: إلى الله المصير والمرجع
وسيحاسبك على مالك من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عُميس،
عن عون قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان صاحب العلم وصاحب الدنيا ولا يستويان، فأما
صاحب العلم فيزداد رضى الرحمن وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال: ثم قرأ عبد الله:
﴿كَلَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطْفَقٌ ﴾﴾ وقال للآخر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ [فاطر: ٢٨](٥).
وقد روي هذا مرفوعاً إلى رسول الله وَلجر: ((منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا))(٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٣٢/٦)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب ٣ (ح٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله واله
(ح ١٦٠).
(٣) أخرجه الحاكم من قول عمر بن الخطاب ظه وصححه ووافقه الذهبي وزاد: وصحَّ مثله عن أنس.
(المستدرك ١٠٦/١) وقول أنس أخرجه الخطيب البغدادي (تقييد العلم ص٧٠)؛ وحسنه الألباني في
السلسلة الصحيحة (ح٢٠٢٦).
(٤) أخرجه أبو نعيم (حلية الأولياء ١٥/١٠) وقال الألباني: موضوع. (السلسلة الضعيفة ح٤٢٢).
(٥) سنده ضعيف لأن عوناً لم يسمع من ابن مسعود. (جامع التحصيل ص ٣٠٥).
(٦) أخرجه الحاكم من حديث أنس مظانه وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٩٢).

٦٠٥
• سُوَرَّةُ الْخَلِّ (٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد
(١) عَبْدًا إِذَا صَلَّ
ثم قال تعالى: ﴿أَرَوَّيْتَ الَّذِى يَنْهَىِّ
النبي وسير على الصلاة عند البيت فوعظه تعالى بالتي هي أحسن أولاً فقال: ﴿أَرَدَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْمُدَعَ
(١)(١) أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله ﴿أَوْ أَمَرَ بِلنَّقْوَّ
﴾ وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَ ﴾﴾؟ أي: أما علم
هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء؟
ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً: ﴿كَلَّا لَبِن ◌َّرْ بَهِ﴾ أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد
﴿لَنَفَمَا بِالنَّاسِيَةِ﴾ أي: لنسمنها(٢) سواداً يوم القيامة ثم قال: ﴿نَاصِيَةِ كَذِبَةٍ خَاطِئَةِ (13)﴾ يعني: ناصية
أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في أفعالها ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ أي: قومه وعشيرته؛ أي: ليدعهم
يستنصر بهم ﴿سَنَدْعُ الزََّانِيَةَ (®)﴾ وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أو حزبه؟
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه،
فبلغ النبي ◌ّله فقال: ((لئن فعل لأخذته الملائكة)) ثم قال: تابعه عمرو بن خالد عن عبيد الله يعني:
ابن عمرو عن عبد الكريم(٣). وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق
به(٤). وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو به. وروی
أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال: كان رسول الله ( 18 يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام، فقال: يا محمد ألم
أنهكَ عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله وَ ل﴿ وانتهره، فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما
والله إني لأكثر هذا الوادي نادياً فأنزل الله: ﴿فَلَدْعُ نَادِيَهُ ﴿ سَنَدْعُ الزََّانِيَّةَ (®﴾ وقال ابن عباس: لو
دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. وقال الترمذي: حسن صحيح (٥).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم، عن
عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل لئن رأيت رسول الله وم لم يصلي عند الكعبة لآتينه حتى
أطأ على عنقه قال: فقال: ((لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا
ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ( * لرجعوا لا يجدون مالاً ولا
أهلاً))(٦).
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٢) أي: لنختمن على نواصي رؤوسهم سواداً.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿كَلَّا لَبِن ◌َّرْ بَهِ لَتَشْفَمَا بِاَلنَّاسِيَةِ ﴾﴾ [العلق]
(ح٤٩٥٨).
(٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (ح٣٣٤٥)؛ والسنن الكبرى، التفسير،
سورة العلق (ح١١٦٨٥)، وسنده صحيح.
(٥) المسند ٣٢٩/١؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأً ... ﴾ (ح٣٣٤٦)؛ والسنن الكبرى،
التفسير، سورة العلق (ح١١٦٨٤)؛ وتفسير الطبري، وسنده حسن؛ وصححه أحمد شاكر. (المسند
ح ٣٠٤٥)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٦٦٨).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصححه محققوه. (المسند ٩٨/٤، ٩٩ ح٢٢٢٥).

٦٠٦
• سُوَرَّةُ الْعَلِقِ (٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي
إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند
حتى بلغ هذه الآية ﴿نَصِيَةٍ كَذِبَةٍ
المقام لأقتلنه، فأنزل الله ◌َّ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ
فجاء النبي هو فصلى، فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد
خَاطِئَةِ ﴿ فَلَدْعُ نَادِيَهُ ٣ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
اسود ما بيني وبينه من الكتائب، قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون
(١)
إليه (١) .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند،
عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو الجهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا:
نعم، قال: فقال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في
التراب، فأتى رسول الله و ﴿ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص
على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً
وأجنحة قال: فقال رسول الله: ((لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً)) قال: وأنزل الله لا
أدري في حديث أبي هريرة أم لا ﴿كَّ إِنَّ اُلْإِنسَنَ لَطَنٌَّ ﴾﴾ إلى آخر السورة (٢). وقد رواه
أحمد بن حنبل ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم من حديث معتمر بن سليمان به(٣).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ﴾ يعني: يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة
وكثرتها، وصلِّ حيث شئت، ولا تباله فإن الله حافظك وناصرك وهو يعصمك من الناس ﴿ وَأَسْجُدْ
وَأَقْتَّبِ﴾ كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن
عمارة بن غزية، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((أقرب ما
يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)» (٤) وتقدم أيضاً أن رسول الله وَلّ كان يسجد في
﴿إِذَا السَّمَةُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق) و﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾(٥).
[آخر تفسيرها](٦).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
وقول ابن عباس الأخير يشهد له سابقه ولاحقه.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) المسند ٣٧٠/٢؛ وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب قوله: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطَفَّىٌ ﴿ أَنْ زَّوَاهُ أَسْتَفْقَ
@﴾ [العلق] (ح٢٧٩٧)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة العلق (ح ١١٦٨٣).
(٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود ح ٤٨٢).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الانشقاق.
(٦) زياد من (ح) و(حم).

٦٠٧
سُورَةُ القَدْرِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000
سُورَةُ الْقَدْرِ
[وهي](١) مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ اٌلْقَدْرِ ﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٣ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَّلُ الْمَتَكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرِ جَ سَلَمُ هِىَ خَّى مَطْلَعِ الْفَجِ ﴾﴾.
يخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله رب: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ
فِى لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من
السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله وَلين (٢).
ثم قال تعالى مُعَظّماً لشأن ليلة القدر، التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: ﴿وَمَّاً
أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (®
قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود
الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدّاني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن
علي بعد ما بايع معاوية فقال: سَوّدتَ وجوهَ المؤمنين - أو: يا مسود وجوه المؤمنين - فقال: لا
تؤنبني، رحمك الله؛ فإن النبي وَل﴿ أُريَ بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ [الكوثر] يا محمد؛ يعني: نهراً في الجنة، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) وَمَا
أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٣َ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ يملكها بعدك بنو أمية يا محمد. قال
القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً.
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث القاسم بن الفضل،
وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد - ويقال: يوسف بن مازن -
رجل مجهول، ولا نعرف هذا الحديث، على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه (٣).
وقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء ١٠٦.
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة القدر ح ٣٣٥٠)؛ وضعفه الترمذي
والمزي والحافظ كما سيأتي؛ وضعفه الألباني سنداً ومتناً وقال: ضعيف الإسناد مضطرب ومتنه منكر
(ضعيف سنن الترمذي ح٣٦٣).

٦٠٨
سُورَةُ الْقَدْرِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مازن، به(١). وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول ــ فيه نظر؛ فإنه قد روى عنه جماعة،
منهم: حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور،
وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل، عن
عيسى بن مازن، كذا قال، وهذا يقتضي اضطراباً في هذا الحديث، والله أعلم. ثم هذا الحديث
على كل تقدير منكر جداً، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزّي: هو حديث
منكر.
قلت: وقول القاسم بن الفضل الحُدّاني: إنه حسب مُدّة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد
يوماً ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان ◌َُّه، استقلَّ بالملك حين سَلَّم إليه
الحسن بن علي الإمرة سنَة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسُمي ذلك عام الجماعة، ثم
استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين
والأهواز وبعض البلاد قريباً من تسع سنين، لكن لم تَزُل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض
البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم
اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة
وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير، وعلى هذا فتقارب ما
قاله للصحة في الحساب، والله أعلم.
ومما يدلّ على ضعَف هذا الحديث أنَّه سِيقَ لذم دولة بني أُمية، ولو أُريد ذلك لم يكن بهذا
السياق؛ فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذَم أيامهم، فإنّ ليلة القدر شريفة جداً،
والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تُمدح بتفضيلها على أيام بني أُمية التي هي
مذمومة، بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلا كما قال القائل:
إذا قِيل إنّ السيف أمضَى مِن العَصَا؟
أَلَم تَرَ أنّ السيف ينقُصُ قَدْرُه
وقال آخر:
إذا أنتَ فَضَّلتَ امرأ ذا بَرَاعَة
عَلى نَاقص كَانَ المديحُ منَ النَّقص
ثم من الذي يفهم من الآية أن الألف الشهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية، والسورة
مكية، فكيف يحال على ألفِ شهرٍ هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟!
والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث
ونكارته، والله أعلم(٢) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم؛ يعني: ابن
خالد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن النبي ◌َّ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لَبس السلاح في
سبيل الله ألف شهر، قال: فَعَجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله وَك: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ
(١) أخرجه الحاكم من طريق القاسم بن الفضل به وصححه ووافقه الذهبي ثم قال: وما أدري آفته من أين؟
(المستدرك ١٧٠/٣، ١٧١).
(٢) وقد أكد الحافظ ابن كثير على تضعيف الحديث بتفصيل أيضاً في البداية والنهاية (٣٤٣/٦، ٣٤٤).

٦٠٩
• سُوَرَّةُ الْقَدْرِ (٥،١)
00000000000000000000000000000 000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
اُلْقَدْرِ ﴿ وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ التي لبس ذلك الرجل
السلاح في سبيل الله ألف شهر(١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حَّام بن سَلْم، عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد
قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي،
ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ قيام تلك الليلة
خير من عمل ذلك الرجل(٢).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن عُلَيّ، عن علي بن
عروة قال: ذكر رسول الله وَل﴿ يوماً أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين عاماً، لم يَعْصوه
طرفة عين: فذكر أيوب، وزكريا، وحزْقيل بن العجوز، ويوشع بن نون - قال: فعجب أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، عَجِبَتْ أَمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين
سنة، لم يَعْصُوه طرفة عين؛ فقد أنزل الله خيراً من ذلك. فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ جَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأُمتك.
قال: فَسُرَّ بذلك رسول الله وَّهِ والناس معه(٣).
وقال سفيان الثوري: بَلَغني عن مجاهد: ليلةُ القدر خير من ألف شهر. قال: عَمَلها، صيامها
وقيامها خير من ألف شهر. رواه ابن جرير (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن
ابن جُرَيج، عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر - ليس في تلك الشهور ليلة القدر -(6).
وهكذا قال قتادة بن دعامة، والشافعي، وغير واحد.
وقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر (٦).
وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر - وليس فيها ليلة القدر - هو اختيارُ ابن جرير.
وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله وَله: ((رِباط ليلة في سبيل الله خَيْر من ألف ليلة فيما سواه
من المنازل)). رواه أحمد (٧). وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة: ((أنه يُكتَبُ
له عمل سنة، أجر صيامها وقيامها)) (٨) إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.
(١) أخرجه الواحدي مرسلاً أيضاً (أسباب النزول ص٤٩٥) وسنده ضعيف بسبب إرساله.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.
(٣) سنده ضعيف جداً وهو معضل لأن علي بن عروة متروك من (التقريب ص٤٠٣).
(٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف الإبهام شيخ الثوري، ومعناه صحيح.
(٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح.
(٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث عثمان لته، وحسن سنده محققوه بالمتابعات (المسند ٤٩٥/١ ح٤٤٢).
(٨) أخرجه أبو داود من حديث أوس بن أوس الثقفي ظه. (السنن، الطهارة، باب الغسل يوم الجمعة
ح ٣٤٥)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٣٣)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢٨١/١).

٦١٠
• سُؤَدَّةُ القَدْرِ (١، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هُريرة
قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ◌َهاجر: (قد جاءكم شهر رمضان، افترض الله عليكم صيامه،
تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف
شهر، من حُرِمٍ خَيرَها فقد حُرِمٍ)) (١) .
ورواه النسائي، من حديث أيوب، به (٢).
ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن
رسول الله وَل﴿ قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبه))(٣).
وقوله: ﴿فَزَّلُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِهِم مِّنِ كُلِّ أَمْرِ ﴾﴾ أي: يكثر تَنَزُّلُ الملائكة في هذه
الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن
ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيماً له.
وأما الروح فقيل: المراد به لههنا جبريل ظلَّا، فيكون من باب عطف الخاص على العام.
وقيل: هم ضرب من الملائكة. كما تقدم في سورة ((النبأ)). والله أعلم.
وقوله: ﴿مِّنْ كُلِّ أَمٍَّ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أمر(٤).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن مجاهد في قوله: ﴿سَلَمّ
هِىَ﴾ قال: هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى (٥).
وقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ
كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾(٦) [الدخان].
وقوله: ﴿سَلَّمُ هِىَ حَّى مَطَلَعِ اٌلْفَجْرِ ﴾﴾ قال سعيد بن منصور: حدثنا هُشَيْم، عن أبي إسحاق،
عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرِ جَ سَلَمُ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾﴾ قال: تسليم
والملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى يطلع الفجر (٧).
وروى ابن جرير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ((من كل امرئ. سلام هي حتى مطلع
الفجر)»(٨).
وروى البيهقي في كتابه ((فضائل الأوقات)) عن عليٍّ أثراً غريباً في نزول الملائكة، ومرورهم
على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين (٩).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٥٩/١٢ ح ٧١٤٨).
(٢) سنن النسائي، الصيام، باب ذكر الاختلاف على معمر فيه ١٢٩/٤.
(٣) صحيح البخاري، الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً (ح١٩٠١)؛ وصحيح مسلم، صلاة
المسافرين، الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٠).
(٤) أخرجه الطبري من طريق جابر عن مجاهد، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي.
(٥) سنده صحيح.
(٦) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٧) سنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ضعيف جداً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والقراءة شاذة تفسيرية.
(٩) أخرجه البيهقي بسند ضعيف جداً فيه سيف بن عمر. (فضائل الوقات ص٢٥٣ رقم ١١٠).

٦١١
• سُورَةُ القَدْرِ (١، ٥)
وروى ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار أثراً غريباً عجيباً مطولاً جداً، في تنزل الملائكة من
سدرة المنتهى صحبة جبريل ظلّله، إلى الأرض، ودعائهم للمؤمنين والمؤمنات(١).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عمران - يعني: القطان - عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي
هُريرة: أن رسول الله ◌َ﴿ قال في ليلة القدر: ((إنها ليلة سابعة - أو: تاسعة - وعشرين، وإن
الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى)) (٢).
وقال الأعمش، عن المِنهَال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْيِ سَلَمُ﴾
قال: لا يحدث فيها أمر(٣).
وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿سَلَمُ هِىَ﴾ يعني: هي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع
الفجر(٤). ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد: حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح، حدثنا بَقِيَّة، حدثني
بحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله وَلّ قال: ((ليلة القدر
في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حِسبتهنَّ، فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي
ليلة وتر: تسع أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة)). وقال رسول الله وَله: ((إن أمارة ليلة
القدر أنها صافية بَلُجَة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة سجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل
لكوكب يُرمَى به فيها حتى تصبح. وأن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس فيها
شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ)) (٥).
وهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة، وفي بعض ألفاظه نكارة.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زَمْعَة، عن سلمة بن وَهْرام، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أن
رسول الله ◌ّير قال في ليلة القدر: ((ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها
ضعيفة حمراء)) (٦).
وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله وَلير قال: ((إني رأيت
ليلة القدر فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها؛ ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة،
(١) ساقه الحافظ ابن كثير في ختام السورة نفسها.
(٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٢٣٢ رقم ٢٥٤٥) وفي سنده عمران وهو ابن داود صدوق يهم
(التقریب ص٤٢٩).
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الحميد الحماني عن الأعمش به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن وهب عن ابن زید.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: الشطر الأول من الحديث حسن وأما الشطر الثاني
فمحتمل للتحسين لشواهده. (المسند ٤٢٥/٣٧ ح ٢٢٧٦٥). لكن في بعض ألفاظه نكارة كما قرر الحافظ
ابن كثير.
(٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٣٤٩ ح ٢٦٨٠)، وسنده ضعيف لضعف زمعة وهو ابن صالح
الجندي. (التقريب ص٢١٧). وأخرجه ابن خزيمة من طريق زمعة به؛ وصححه الألباني لشواهده (الصحيح
ح٢١٩٢).

٦١٢
سُؤَدَّةُ القَدرِ (١، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كأن فيها قمراً، لا يخرج شيطانها حتى [يضيء فجرها](١)»(٢).
[فصل]
اختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة، أو هي من خصائص هذه الأُمة؟ على
قولين :
قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك؛ أنه بلغه: أن رسول الله وَالفر أُري
أعمار الناس قبله - أو: ما شاء الله من ذلك - فكأنه تقاصر أعمار أُمته ألا يبلغوا من العمل الذي
بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر(٣). وقد أُسند من وجه
آخر. وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب ((العُدّة))
أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم.
وحكى الخطابي عليه الإجماع [ونقله الرافعي جازماً به عن المذهب] (٤)، والذي دلَّ عليه
الحديث أنها كانت في الأُمم الماضين كما هي في أُمتنا.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عكرمة بن عمار: حدثني أبو زُمَيل سِمَاك
الحَنَفي: حدثني مالك بن مَرْثَد بن عبد الله، حدثني [مَرْثَدَ](٥) قال: سألت أبا ذرِّ قلت: كيف
سألت رسول الله وي ليه عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها، قلت: يا رسول الله،
أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: ((بل هي في رمضان)). قلت: تكون
مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت؟ أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: ((بل هي إلى يوم القيامة)).
قلت: في أي رمضان هي؟ قال: ((التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر)). ثم حَدّثَ
رسولُ اللهِ وَ هُ وحَدّث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: ((ابتغوها في العشر
الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها)). ثم حدّث رسول الله بَّر، ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا
رسول الله، أقسمت عليك بحقي عليك لَمَا أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب عليَّ غضباً لم
يغضب مثله منذ صحبته، وقال: ((التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها))(٦).
ورواه النسائي عن الفلاس، عن يحيى بن سعيد القطان، به(٧).
ففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة [بعد النبي (وَلاو](٨)،
لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية، على ما فهموه من الحديث الذي سنورده
(١) هكذا في (ح)، وفي الأصل صحفت إلى: ((قضى بحرها)).
(٢) أخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الزبير عن جابر؛ وصححه الألباني بشواهده (الصحيح ح٢١٩٠).
(٣) أخرجه الإمام مالك بلاغاً (الموطأ، الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر ح١٥) وسنده ضعيف.
(٤) زيادة من (ح).
(٥) كذا في المسند، وفي الأصل صحف إلى: ((يزيد)).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٣٩٣/٣٦، ٣٩٤ ح٢١٤٩٩).
(٧) السنن الكبرى، الاعتكاف، باب ليلة القدر (ح٣٤٢٧) وسنده كسابقه.
(٨) زيادة من (ح) و(حم).

•
سُورَةُ الْقَدْرِ (٥،١)
٦١٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بعدُ من قوله معلّلها: «فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم))؛ لأن المراد رفعُ عِلْم وقتها عيناً. وفيه
دلالة على أنها ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما رُوي عن
ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة، من أنها توجد في جميع السنة، وترجى في جميع
الشهور على السواء.
وقد ترجم أبو داود في سننه على هذا فقال: ((باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان)): حدثنا
حُمَيد بن زَنْجُويه النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير،
حدثني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سُئِل
رسول الله وي﴿ وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: ((هي في كل رمضان))(١).
وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا داود قال: رواه شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق فأوقفاه.
وقد حكي عن أبي حنيفة كَّتُهُ، رواية أنها ترجى في جميع شهر رمضان. وهو وجه حكاه
الغزالي، واستغربه الرافعي جداً .
[فصل]
ثم قد قيل: إنها في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رَزِين. وقيل: إنها تقع
ليلة سبع عشرة. وروى فيه أبو داود حديثاً مرفوعاً عن ابن مسعود. وروي موقوفاً عليه(٢)،
وعلى زيد بن أرقم(٣)، وعثمان بن أبي العاص، وهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي،
ويحكى عن الحسن البصري. ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من
شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة بدر، وهو اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ
اٌلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
وقيل: ليلة تسع عشرة، يُحكى عن علي وابن مسعود أيضاً ظًّا.
وقيل: ليلة إحدى وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسولُ الله وَخلال العشر
الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر
الأوسط واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: [إن](٤) الذي تطلب أمامك. ثم قام النبي ◌َّ ه خطيباً
صبيحة عشرين من رمضان، فقال: ((من كان اعتكف معي فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر، وإني
أُنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وِتْر، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء)). وكان سقف
المسجد جريداً من النخل، وما نَرى في السماء شيئاً، فجاءت قَزَعَة فَمُطرنا، فصلى بنا النبي وَّ
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ونحو تعليقه (السنن، الصلاة، باب من قال هي في كل رمضان ح ١٣٨٧)
وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٢٩٦).
(٢) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من روى أنها ليلة سبع عشرة ح ١٣٨٤)؛ وضعفه الألباني في ضعيف
سنن أبي داود (ح٢٩٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٧٦/٣)؛ والطبراني (المعجم الكبير ١٩٨/٥ ح ٥٠٧٩) من طريق حوط عن
زيد بن أرقم، وحوط: قال البخاري حديثه منكر. (ينظر مجمع الزوائد ١٨١/٣).
(٤) زيادة من (ح) و(حم).

٦١٤
• سُورَةُ القَدْرِ (١، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله وَ * تصديق رؤياه(١). وفي لفظ: ((في صبح
إحدى وعشرين)) أخرجاه في الصحيحين.
قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات.
وقيل: ليلة ثلاث وعشرين؛ لحديث عبد الله بن أنيس في ((صحيح مسلم))(٢) وهو قريب السياق
من رواية أبي سعيد، فالله أعلم.
وقيل: ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة، عن الجُرَيري، عن
أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: (ليلة القدر ليلة أربع وعشرين))(٣). إسناد
رجاله ثقات.
وقال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن
أبي الخير، عن الصنابحي، عن بلال قال: قال رسولَ اللهِ وَل ور: (ليلة القدر ليلة أربع
وعشرين)» (٤).
ابن لهيعة ضعيف. وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ، عن ابن وهب، عن عمرو بن
الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قال أخبرني
بلال - مؤذنُ رسول الله وَطّرهــ أنها أول السبع من العشر الأواخر(٥)، فهذا الموقوف أصح، والله
أعلم. وهكذا رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن
وهب: أنها ليلة أربع وعشرين. وقد تقدم في سورة (البقرة)) حديث واثلة بن الأسقع مرفوعاً: ((إن
القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين))(٦).
وقيل: تكون ليلة خمس وعشرين: لما رواه البخاري، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله وله
قال: ((التمسَوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة
تبقى))(٧). فَسَّره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر. وحمله آخرون على الإشفاع كما رواه
مسلم، عن أبي سعيد(٨)، أنه حمله على ذلك. والله أعلم.
وقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب، عن
(١) صحيح البخاري، الأذان، باب السجود على الأنف والسجود على الطين (ح٨١٣)؛ وصحيح مسلم،
الصيام، باب فضل ليلة القدر (ح ١١٦٧).
(٢) المصدر السابق (ح١١٦٨).
(٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٢٨٨ ح ٢١٦٧) وكما قال الحافظ ابن كثير: رجاله ثقات، ولكن
حماد بن سلمة تردد فيه فقد أخرج الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد عن أبي نضرة عن أبي سعيد
مرفوعاً بلفظ: ((التمسوها لسبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين)). (المسند ص٢٨٨ ح٢١٦٦). ومن
الجدير بالذكر أن حماد بن سلمة ساء حفظه لما كبر. (ينظر تهذيب التهذيب ٦/٤، ٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٣٢٣/٣٩ ح ٢٣٨٩٠).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وأطول (الصحيح، المغازي، باب ٨٨ ح ٤٤٧٠).
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.
(٧) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر. (ح٢٠٢١).
(٨) صحيح مسلم، الصيام، باب فضل ليلة القدر (ح ١١٦٧).

٦١٥
سُورَةُ القَدْرِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَيقول: ((إنها ليلة سبع وعشرين))(١).
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان: سمعت عبدة وعاصماً، عن زِرّ: سألت أُبيَّ بن كعب قلت:
أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول: من يُقِمُ الحَولَ يُصبْ ليلة القدر. قال: يرحمه الله، لقد
علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف. قلت: وكيف تعلمون ذلك؟
قال: بالعلامة - أو: بالآية - التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها، أعني الشمس(٢).
وقد رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة وشعبة والأوزاعي، عن عبدة، عن زِرّ، عن أُبي،
فذكره، وفيه: فقال: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف بما يستثني - والله إني
لأعلم؛ أي: ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله وَّه بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها
أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها(٣).
وفي الباب عن معاوية، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، عن رسول الله وَّ ر: أنها ليلة سبع
وعشرين. وهو قول طائفة من السلف، وهو الجادّة من مذهب أحمد بن حنبل تَخَّتُهُ، وهو رواية
عن أبي حنيفة أيضاً. وقد حُكِيَ عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين
من القرآن، من قوله: ﴿هِىَ﴾ لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة(٤)، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبري، أخبرنا عبد الرزاق،
أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة وعاصم: أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر بن
الخطاب أصحاب محمد ◌َلجر: فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر.
قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم - أو: إني لأظن - أي ليلة القدر هي؟ فقال عمر: أي
ليلة هي؟ فقلت: سابعة تمضي - أو: سابعة تبقى - من العشر الأواخر. فقال عمر: ومن أين
علمت ذلك؟ قال ابن عباس: فقلت: خلق الله سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإن
الشهر يدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف
بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع ... لأشياء ذكرها. فقال عمر: لقد فطنت لأمر ما فطنا له.
وكان قتادة يَزيد، عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع، قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَأَبْتَنَا فِيهَا
) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (®َ﴾(٥) [عبس).
وهذا إسناد جيد قوي، ومتن غريب جداً، والله أعلم.
وقيل: إنها تكون في ليلة تسع وعشرين. قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو سعيد مولى بني
هاشم، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عُمرَ بن عبد الرحمن، عن
عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله و ◌ّله عن ليلة القدر، فقال رسول الله وَلايقول: ((في رمضان،
(١) المصدر السابق (ح٢٢٠/١١٦٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٢١/٣٥، ١٢٢ ح٢١١٩٣).
(٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٢).
(٤) ذكره ابن جزي في التسهيل في تفسير سورة القدر.
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣٢٢/١٠ ح ١٠٦١٨) وسنده ضعيف لأن رواية إسحاق بن
إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق فيها مناكير وتصحيفات. (ينظر لسان الميزان ٣٤٩/١، ٣٥٠).

٦١٦
• سُوَرَّةُ الْقَدْرِ (١، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتْر إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس
وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود - وهو: أبو داود الطيالسي - حدثنا عمران القطان،
عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَله قال في ليلة القدر: ((إنها ليلة
سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى)) (٢).
تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به.
وقيل: إنها تكون في آخر ليلة، لما تقدم من هذا الحديث آنفاً، ولما رواه الترمذي والنسائي،
من حديث عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة، أن رسول الله وَّل قال: ((في تسع
يبقين، أو سبع ببقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة))(٣)؛ يعني: التمسوا ليلة القدر.
وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي المسند من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّل
في ليلة القدر: ((إنها آخر ليلة)).
[فصل]
قال [الإمام](٤) الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي و ﴿ جواباً للسائل إذا قيل له:
ألتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: ((نعم)). وإنما ليلة القدر ليلة مُعَيَّنة: لا تنتقل. نقله
الترمذي عنه بمعناه. وروي عن أبي قِلابَة أنه قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر.
وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نصَّ عليه مالك، والثوري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن
راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو بكر بن خُزَيمة، وغيرهم. وهو محكي عن الشافعي - نقله
القاضي عنه، وهو الأشبه - والله أعلم.
وقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن عُمر: أن رجالاً من
أصحاب النبي ◌ّ﴿ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله وَله :
(أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان مُتحريها فَلْيَتَحرها في السبع الأواخر)(٥).
وفيها أيضاً عن عائشة ضيها، أن رسول الله وَ طّ قال: ((تَحَرَّوْا ليلة القدر في الوتر من العشر
الأواخر من رمضان))(٦). ولفظه للبخاري.
ويحتج للشافعي أنها لا تنتقل، وأنها معينة من الشهر، بما رواه البخاري في صحيحه، عن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٨٦/٣٧، ٣٨٧ ح٢٢٧١٣) وقال محققوه: حديث حسن دون
قوله: ((أو في آخر ليلة)) ودون قوله: ((وما تأخر)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢٨/١٦ ح ١٠٧٣٤) قال محققوه: إسناده محتمل للتحسين.
(٣) سنن الترمذي، الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر (ح٧٩٤). وقال الترمذي: حسن صحيح؛ وذكره الألباني
في صحيح سنن الترمذي (ح٦٣٦)؛ وانظر: السنن الكبرى للنسائي، الاعتكاف، باب التماس ليلة القدر
لثلاث بقين من الشهر (ح ٣٤٠٣).
(٤) زياد من (حم).
(٥) صحيح البخاري، التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى (ح١١٥٨)؛ صحيح مسلم، الصيام، باب
فضل ليلة القدر (ح١١٦٥).
(٦) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر .. (ح ٢٠١٧).

٦١٧
• سُورَةُ القَدِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ◌َ* ليخبرنا بليلة القدر، فَتَلاحى رجلان من المسلمين،
فقال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم،
فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)) (١).
وجه الدلالة منه: أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين، لما حصل لهم العلم بعينها في كل
سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تَعيُّنها إلا ذلك العام فقط، اللَّهم إلا أن يقال: إنه إنما خرج
ليعلمهم بها تلك السنة فقط.
وقوله: ((فتلاحى فلان وفلان فرفعت)): فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم
النافع، وكما جاء في الحديث: ((إن العبد ليُحْرَم الرزقَ بالذَّنْبِ يُصِيبه))(٢).
وقوله: ((فرفعت)) أي: رفع علم تَعينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود، كما يقوله
جهلة الشيعة؛ لأنه قد قال بعد هذا: ((فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)).
وقوله: ((وعسى أن يكون خيراً لكم)) يعني: عدم تعينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد
طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها
كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في
ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر. ولهذا كان رسول الله وَر يعتكف العشر
الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله رَك. ثم اعتكف أزواجهُ من بعده. أخرجاه من حديث
عائشة(٣).
ولهما عن ابن عمر: كان رسول الله وَ ﴿ يعتكف العشر الأواخر من رمضان(٤).
وقالت عائشة: كان رسول الله وَ ﴿ إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر.
أخرجاه(٥).
ولمسلم عنها: كان رسول الله وَّر يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره(٦).
وهذا معنى قولها: ((وشد المئزر)). وقيل: المراد بذلك: اعتزال النساء. ويحتمل أن يكون
كناية عن الأمرين، لما رواه الإمام أحمد:
حدثنا [سُرَيج](٧)، حدثنا أبو مَعْشَر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان
(١) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس (ح٢٠٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث ثوبان ظُه، قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: ((أن الرجل ليحرم الرزق
بالذنب»، وهذا إسناد ضعيف.
(٣) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر (ح٢٠٢٦)؛ وصحيح مسلم، الاعتكاف،
باب الاعتكاف في العشر الأواخر (ح ١١٧٢).
(٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٢٠٢٥) والمصدر السابق (ح١١٧١).
(٥) صحيح البخاري، فضل ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان (ح٢٠٢٤)؛ وصحيح مسلم،
الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر (ح ١١٧٤).
(٦) المصدر السابق (ح ١١٧٥).
(٧) كذا في المسند (وحم)، وفي الأصل و(ح) صحف إلى: ((شريح)).

٦١٨
• سُوَرَّةُ الْقَدْرِ (٥،١)
رسول الله وٍَّ﴿ إذا بقي عشر من رمضان شَدَّ مئزره، واعتزل نساءه. انفرد به أحمد (١).
وقد حكي عن مالك تخُّ، أن جميع ليالي العشر في تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح
منها ليلة على أخرى: رأيته في شرح الرافعي تكَّتُهُ .
والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير
منه، ثم في أوتاره أكثر. والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: ((اللَّهم، إنك عَفُوُ تحب العفو،
فاعف عني))؛ لما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد - هو ابن هارون - حدثنا الجريري - وهو
سعيد بن إياس - عن عبد الله بن بريدة، أن عائشة قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما
أدعو؟ قال: ((قولي: اللَّهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني)) (٢).
وقد رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق كَهْمَس بن الحسن، عن عبد الله بن
بريدة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمْتُ أي ليلة القدر، ما أقول فيها؟
قال: ((قولي: اللَّهم، إنك عَفُو تحب العفو، فاعف عني)(٣).
وهذا لفظ الترمذي، ثم قال: ((هذا حديث حسن صحيح)). وأخرجه الحاكم في مستدركه،
وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين(٤). ورواه النسائي أيضاً من طريق سفيان الثوري، عن
علقمة بن مَرثَد، عن سليمان بن بُرَيدة، عن عائشة قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلة
القدر، ما أقول فيها؟ قال: ((قولي: اللَّهم، إنك عَفُو تحب العفو، فاعف عني))(٥).
ذكر أثر غريب ونبأ عجيب، يتعلق بليلة القدر، رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم، عند
تفسير هذه السورة الكريمة فقال :
حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن
سعيد - يعني: الراسبي - عن هلال أبي جبلة، عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب أنه قال:
إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة، مما يلي الجنة، فهي على حَدّ هواء الدنيا وهواء
الآخرة، [عُلوها] (٦) في الجنة، وعروقها وأغصانها من تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم
عدّتهم إلا الله ◌َك، يعبدون الله رَك، على أغصانها في كل موضع شعرة منها ملك. ومقام
جبريل عل*، في وسطها، فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة قَدْر مع الملائكة الذين يسكنون
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث صحيح دون قوله: ((واعتزل أهله)) فحسن لغيره.
(المسند ٤٣٩/٤٠ ح ٢٤٣٧٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٣١٦/٤٢ ح٢٥٤٩٥).
(٣) سنن الترمذي، الدعوات، باب أي الدعاء أفضل (ح٢٥٠٨)؛ والسنن الكبرى للنسائي، النعوت، باب العفو
(ح٧٧١٢)؛ وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية (ح ٣٨٥٠)؛ وصححه الألباني في صحيح
سنن ابن ماجه (ح٣١٠٥).
(٤) ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٣٠/١).
(٥) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح١٠٧١٣) وسنده كسابقه.
(٦) زيادة من (حم).

٦١٩
سُوْدَّةُ القَدِ (٥،١)
سدرة المنتهى، وليس فيهم ملك إلا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، [فينزلون] (١) على جبريل
في ليلة القدر، حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك، إما ساجد
وإما قائم، يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة، أو بيت نار أو وثن، أو
بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخَبث، أو بيت فيه سكران، أو بيت فيه مُسكر، أو بيت فيه
وثن منصوب، أو بيت فيه جرس مُعَلّق، أو مبولة، أو مكان فيه كساحة البيت، فلا يزالون ليلتهم
تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحداً من المؤمنين إلا صافحه، وعلامة ذلك
مَن اقشعر جلدهُ ورقّ قلبه ودَمعَت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل.
وذكر كعب أنه من قال في ليلة القدر: ((لا إله إلا الله))، ثلاث مرات، غَفَر الله له بواحدة،
ونجا من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة. فقلنا لكعب الأحبار: يا أبا إسحاق، صادقاً؟
فقال كعب: وهل يقول: ((لا إله إلا الله)) في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده، إن ليلة
القدر لتثقل على الكافر والمنافق، حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى
يطلع الفجر. فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس، فيبسط
جناحيه - وله جناحان أخضران، لا ينشرهما إلا في تلك الساعة - فتصير الشمس لا شعاع لها،
ثم يدعو مَلَكاً فيصعد، فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك
مُتحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك، في دعاء ورحمة
واستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ولمن صام رمضان احتساباً، ودعا لمن حَدث نفسه إن عاش إلى
قابل صام رمضان لله. فإذا أمسوا دخلوا السماء الدنيا، فيجلسون حلقاً حلقا، فتجتمع إليهم
ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل، وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا: ماذا
فعل فلان؟ وكيف وجدتموه العامَ؟ فيقولون: وجدنا فلاناً عام أول في هذه الليلة متعبداً ووجدناه
العام مبتدعاً، ووجدنا فلاناً مبتدعاً ووجدناه العام عابداً قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك،
ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلاناً وفلاناً يذكران الله، ووجدنا فلاناً راكعاً،
وفلاناً ساجداً، ووجدناه تالياً لكتاب الله. قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم، حتى يصعدون إلى
السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة، حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى، فتقول لهم سدرة
المنتهى: يا سكاني، حدثوني عن الناس وسموهم لي. فإن لي عليكم حقاً، وإني أحبُّ من
أحبَّ الله.
فذكر كعب أنهم يَعدُون لها، ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم. ثم تقبل
الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة. فتخبرها، قال: فتقول
الجنة: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، اللَّهم عجَّلهم إليَّ، فيبلغ جبريل مكانه
قبلهم، فيلهمه الله فيقول: وجدت فلاناً ساجداً فاغفر له. فيغفر له، فيسمعُ جبريلُ جميعَ حملة
العرش فيقولون: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، ومغفرته لفلان، ويقول: يا ربِّ،
وجدت عبدك فلاناً الذي وجدته عام أول على السُنّة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثاً
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((فيقولون)).

٦٢٠
سُورَةُ القَدرِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وتولى عما أمر به. فيقول الله: يا جبريل، إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت
له. فيقول جبريل: لك الحمد إلهي، أنت أرحم من جميع خلقك، وأنت أرحم بعبادك من عبادك
بأنفسهم، قال: فيرتجّ العرش وما حوله، والحُجُب والسموات ومن فيهنَّ، تقول: الحمد لله
الرحيم، الحمد لله الرحيم.
قال: وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان ألَّا يعصي الله،
دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب(١).
آخر تفسير سورة («ليلة القدر))، [ولله الحمد والمنّة](٢).
(١) سنده ضعيف لإرساله ومتنه غريب لما فيه من الإسرائيليات التي اشتهر بها كعب الأحبار.
(٢) زيادة من (ح).