Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ • سُوَرَّةُ الَّحْمنَّ (٦٢، ٧٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أخبرني خليد العصري، عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة فيها سبعون باباً من درّ(١). وحدثنا أبي: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير، عن هشام، عن محمد بن المثنى، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ (4)﴾ قال: خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب (٢). وقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّلو قال: ((أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزيرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء)) ورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به(٣). وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌ (3)﴾ قد تقدم مثله سواء إلا أنه زاد في وصف (@)﴾ [الرحمن]. الأوائل بقوله: ﴿كَنَّهُنَ اٌلْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ ﴾ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ وقوله: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانِ (4)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفرف: المحابس(٤)، وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم: هي (٥) المحابس(٥). وقال العلاء بن بدر: الرفرف على السرير كهيئة المحابس المتدلي. وقال عاصم الجحدري: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ يعني: الوسائد (٦)، وهو قول الحسن البصري في رواية عنه(٧). وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال: الرفرف رياض الجنة(٨). وقوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي: العبقري: الزرابي (٩). وقال سعيد بن جبير: هي: عتاق الزرابي(١٠)؛ يعني: جيادها. (١) سنده حسن. (٢) أخرجه الطبري من طريق فضيل بن عياش عن هشام به، ومحمد بن المثنى لم أقف على ترجمة له. وفي تفسير الطبري ورد باسم محمد دون ذكر والده، وقد يكون هو محمد بن سيرين. (٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، صفة الجنة، باب ما جاء ما لأهل الجنة من الكرامة ح٢٥٦٥) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به، والمحابس: المقاعد. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زید. (٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن بلفظ: ((البُسط)). (٨) سنده صحيح وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق هشيم عن أبي بشر به (المصنف ٤٨/٨). وسنده صحيح. (٩) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير. ١٢٢ • سُورَةُ الرَّحْمنَّ (٦٢، ٧٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مجاهد: العبقري: الديباج(١). وسئل الحسن البصري عن قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ فقال: هي بسط أهل الجنة لا أبا لكم فاطلبوها . وعن الحسن رواية أنها: المرافق. وقال زيد بن أسلم: العبقري أحمر وأصفر وأخضر. وسئل العلاء بن زيد، عن العبقري فقال: البسط أسفل من ذلك. وقال أبو حزرة يعقوب بن مجاهد: العبقري من ثياب أهل الجنة لا يعرفه أحد. وقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المخملة إلى الرقة ما هي. وقال [القتبي](٢): كل ثوب موشى عند العرب عبقري. وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي. وقال الخليل بن أحمد: كل شيء نفيس من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب: عبقرياً (٣)، ومنه قول النبي ◌َّ في عمر: ((فلم أرَ عبقرياً يفري فريه))(٤). وعلى كل تقدير فصفة مرافق أهل الجنتين الأوليين أرفع وأعلى من هذه الصفة فإنه قد قال هناك: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُيٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍ﴾ فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها اكتفاء بما مدح به البطائن بطريق الأولى والأحرى وتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة ﴿هَلْ جَزَآءُ اَلْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ﴾﴾؟ فوصف أهلها بالإحسان، وهو أعلى المراتب والنهايات كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من أهل الأوليين. ثم قال: ﴿فَبْرَكَ أَسُْ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ (٢٨)﴾ أي: هو أهل أن يُجلَّ فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، وقال ابن عباس: ﴿ذِى اٌلَْلِ وَالْإِكْرَامِ﴾ ذي العظمة والكبرياء(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمير بن هانئ، عن أبي العذراء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَله: ((أجِلَّوا الله يغفر لكم))(٦). وفي الحديث الآخر: ((إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه))(٧) . (١) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق رباح بن أبي معروف عن مجاهد. (المصنف ٨٥/٨). (٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير البغوي ولكنه غير منقوط، وفي الأصل صُحف إلى: ((القمي)). (٣) ذكر البغوي قول القتيبي وأبي عبيدة والخليل. (معالم التنزيل ٢٧٨/٤). (٤) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح٣٦٣٣) ومسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل عمر ◌ُلہ ح٢٦٧٦). (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وفي آخره: قال ابن ثوبان يعني أسلموا (المسند ٦٣/٣٦ ح ٢١٧٣٤) وضعف سنده محققوه لجهالة أبي العذراء. (٧) أخرجه أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري ◌ُه. (السنن، الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم ح ٤٨٤٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٥٣). ١٢٣ • سُوَدَّةُ الَمنَّ (٦٢، ٧٨) 10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الحربي، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله وَّه قال: ((ألُوا بيا ذا الجلال والإكرام))(١). وكذا رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به، ثم قال: غلط المؤمل فيه، وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي وَلير (٢). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن حسان المقدسي، عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((ألّوا بذي الجلال والإكرام)»(٣). ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك به (٤). وقال الجوهري: ألظ فلان بفلان: إذا لزمه، وقول ابن مسعود: ألُّوا بياذا الجلال والإكرام؛ أي: الزموا، يقال: الإلظاظ: هو الإلحاح. (قلت): وكلاهما قريب من الآخر، والله أعلم، وهو المداومة واللزوم والإلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة من حديث عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﴿ إذا سلم لا يقعد يعني بعد الصلاة إلا بقدر ما يقول: ((اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام)»(٥). آخر تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد والمنة. (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٤٥/٦ ح ٣٧٣٣) وله شاهد يأتي يتقوى به. (٢) السنن، الدعوات، باب ٩٩ (ح٣٥٢٣) ويشهد له ما يلي. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٣٨/٢٩ ح١٧٥٩٦) وصحح سنده محققوه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٥٣٦). (٤) السنن الكبرى، النعوت، باب ذو الجلال والإكرام (ح ٧٧١٦) وسنده صحيح. (٥) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (ح٥٩١). ١٢٤ سُوَّةُ الوَاقِعَةِ 07-00000 5000 0.00000 سُورَةُ الوَاقِعَةِ وهي مكية قال أبو إسحاق: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شِبتَ، قال: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و﴿عَمَّ يَتَسَلُونَ ﴾﴾ [النبأ)، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ (٤) [التكوير]. رواه الترمذي وقال: حسن غريب (١). قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري، حدثنا السري بن يحيى الشيباني، عن أبي شجاع، عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله مرضه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه؟ قال: يكون لبناتك من بعدك. قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي يقرأنَّ كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله وَلي يقول: ((من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً)) ثم قال ابن عساكر: كذا قال، والصواب عن شجاع كما رواه عبد الله بن وهب، عن السري. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني السري بن يحيى أن شجاعاً حدثه عن أبي ظبية، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً)) فكان أبو ظبية لا يدعها، وكذا رواه أبو يعلى عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن منيب، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود به (٢). ثم رواه أبو يعلى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن منيب العدني، عن السري بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود أن رسول الله وَلقال قال: ((من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً))(٣) لم يذكر في مسنده شجاعاً قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة. وقد رواه ابن عساكر أيضاً من حديث حجاج بن نصير وعثمان بن اليمان، عن السري بن يحيى، عن شجاع، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله، قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب أنه سمع جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله وسلم يصلي الصلوات كنحو من (١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة هود. (٢) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٤٤٤/٣٦)، الحديث ضعفه ابن الجوزي (العلل المتناهية ١١٢/١ - ١١٣) وابن عراق (تنزيه الشريعة ١/ ٣٠١) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح٢٨٩). (٣) أخرجه أبو بكر بن السني عن أبي يعلى به (عمل اليوم والليلة ح٦٧٤) وسنده ضعيف كسابقه. ١٢٥ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ (١، ١٢) صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، وكانت صلاته أخفّ من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر الواقعة ونحوها من السور (١). براهه الرحمن الرحيم ﴿ وَبُسَّتِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةُ ﴿ خَافِضَةٌ رَّفِعَةُ ﴿ إِذَا رُحَّتِ الْأَرْضُ رَّا اُلْچِبَالُ بَسًا ـةَ فَكَانَتْ هَبَآءَ مُنْبَثًا ﴾ وَكُنْتُمْ أَزْوَجًا ثَلَاثَةٌ ﴿﴿ فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ جَ وَأَصْحَبُ اَلَْشْتَمَةِ مَا أَصْحَبُ المَشَْمَةِ ﴿ وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ ﴿ فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ الواقعة من أسماء يوم القيامة سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَيِدٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (®)﴾ [الحاقة]. قوله تعالى: ﴿لَسَ لِوَفْعِنِهَا كَذِيَةٌ ﴾﴾ أي: ليس لوقوعها إذا أراد الله كونها صارف يصرفها ولا دافع يدفعها كما قال: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٧] وقال: ﴿سَأَلَ سَآَبِلٌ بِعَذَادٍ وَاقِعٍ ﴾ لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُمُ دَافِعٌ ﴾﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونٌ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ لَلَكِيمُ اُلْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]. ومعنى ﴿كَذِيَةُ﴾ كما قال محمد بن كعب: لا بدّ أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها مثنوية ولا ارتداد ولا رجعة (٢). قال ابن جرير: والكاذبة مصدر كالعاقبة والعافية(٣). وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَّفِعَةُ ﴾﴾ أي: تخفض أقواماً إلى أسفل سافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم، وإن كانوا في الدنيا وضعاء، هكذا قال الحسن وقتادة وغيرهما (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعني، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿خَافِضَةٌ رَّفِعَةٌ (٤) تخفض أقواماً وترفع آخرين(٥) . وقال عبيد الله العتكي: عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةُ قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة(٦). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٠٤/٣٤ ح٢٠٩٩٥) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن من أجل سماك بن حرب. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) ذكره الطبري بنحوه. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) سنده حسن. (٦) أخرجه الطبري من طريق عبيد الله العتكي به، ويشهد له سابقه ولاحقه. ١٢٦ • سُوَدَّةُ الْوَاقِعَةِ﴾ (١، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال محمد بن كعب: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضین . وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَّفِعَةٌ ﴾﴾ أسمعت القريب والبعيد(١). وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى (٢)، وكذا قال الضحاك وقتادة(٣). وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُخَّتِ الْأَرْضُ رَبَّّا ﴾﴾ أي: حركت تحريكاً فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد في قوله تعالى: ﴿إِذَا رُخَّتِ الْأَرْضُ رَجًا ®) أي: زلزلت زلزالاً (٤). وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه(٥)، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ اُلْأَرْضُ زِلْزَالَا ﴾﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ ﴾﴾ [الحج]. أي: فتتت فتاً، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا (٦) وقتادة وغيرهم وقال ابن زيد: صارت الجبال كما قال الله تعالى(٧): ﴿كَتِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا ﴾﴾ قال أبو إسحاق: عن الحارث، عن علي تَظُه: هباء منبئاً كرهج الغبار يسطع ثم يذهب فلا يبقى منه شيء (٨). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءُ مُنْبَثًّاً ﴾﴾ الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً(٩). وقال عكرمة: المنبث الذي قد ذرته الريح وبثته (١٠). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظه . (٢) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ويتقوى بسابقه ولا حقه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وأخرجه أيضاً بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٥) لم أجد من أخرجه. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري عن عكرمة بسند ضعيف فيه حفص بن عمر وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٨) أخرجه الثوري والطبري من طريق الحارث، وهو الأعور وهو ضعيف عن علي نظافته، ومعناه صحيح. (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (١٠) يشهد له ما سبق. ١٢٧ سُورَةُ الوَاقِعَةِ (١، ١٢) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00 وقال قتادة: ﴿هَبَآءُ مُنْبَنًا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه الرياح(١). وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة وذهابها وتسييرها ونسفها وصيرورتها كالعهن المنفوش. وقوله تعالى: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَثَةُ ﴾﴾ أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيمن، ويؤتون كتبهم بأيمانهم ويؤخذ بهم ذات اليمين. وقال السدي: وهم جمهور أهل الجنة، وآخرون عن يسار العرش وهم الذين خرجوا من شقِّ آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمالهم ويؤخذ بهم ذات الشمال وهم عامة أهل النار - عياذاً بالله من صنيعهم - وطائفة سابقون بين يديه، وهم أخصُّ وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين هم سادتهم، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقلُّ عدداً من أصحاب اليمين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَصْحَبُ اُلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿ وَأَصْحَبُ المَشْعَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَشْتَمَةِ ﴿﴿ وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴾﴾ وهكذا قسمهم إلى هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَّنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُم تُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه . قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكُ أَزْوَجًا ثَلَاثَةُ ﴾﴾ قال: هي التي في سورة الملائكة ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾(٢). وقال ابن جريج، عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم المذكورون في آخر السورة وفي سورة الملائكة (٣). وقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَكُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةُ ﴾﴾ قال: أصنافاً ثلاثة (٤) . وقال مجاهد: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَثَّةُ ﴾﴾ يعني: فرقاً ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجاً ثلاثة. وقال عبيد الله العتكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخطاب ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا ثَثَةً اثنان في الجنة وواحد في النار(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن ﴾ [التكوير] قال: سماك، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَاخله: ﴿وَإِذَا النَّفُوسُ زُوِّجَتْ (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) سنده ضعيف لضعف جابر الجعفي ويتقوى بما يليه. (٣) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس ويتقوى بما يليه. (٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. ١٢٨ • سُوَرَّةُ الْوَاقِعَةِ (١، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الضُرباء(١)، كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿وَكُمْ أَزْوَجًا وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ثَلَاثَةٌ ﴿ فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿﴿ وَأَصْحَبُ المَشْمَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَشْشَمَةِ ®®) قال: هم الضرباء(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي، حدثنا الحسن، عن معاذ بن جبل أن رسول الله وَ ل﴿ تلا هذه الآية ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ (٣)﴾ [الواقعة: ٢٧]. ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴾﴾ [الواقعة] فقبض بيده قبضتين فقال: ((هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي))(٣). وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وحكموا للناس کحكمهم لأنفسهم،(٤). هم الأنبياء وقال محمد بن كعب وأبو حرزة ويعقوب بن مجاهد: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ وقال السدي: هم أهل عليين. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿ وَالسَّبِقُونَ السَّيِقُونَ ﴾﴾ قال: يوشع بن نون، سبق إلى موسى، ومؤمن آل يس سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﴿. رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزار، عن شعيب بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجیح به(٥) . وقال ابن أبي حاتم: وذُكر عن محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن خارجة، عن قُرَّة، عن ابن سيرين ﴿ وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴾﴾ الذين صلوا إلى القبلتين(٦). ورواه ابن جرير من حديث خارجة به(٧) . وقال الحسن وقتادة: ﴿وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ﴾﴾ أي: من كل أمة (٨). أُوْلَئِكَ وقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية ﴿وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ (١) أي: الأمثال والنظراء (لسان العرب ٥٤٨/١). (٢) سنده ضعيف لضعف الوليد بن أبي ثور. (التقريب ص٥٨٢). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٥/٣٥ ح ٢٢٠٧٧) وضعف سنده محققوه لضعف البراء وعدم سماع الحسن من معاذ (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/ ٤٤٠ ح٢٤٣٧٩) وضعف سنده محققوه وأعلُّوه بابن لهيعة وإنه تفرد به. (٥) في سنده شعيب بن الضحاك المدائني سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣٤٨/٤) وكذا الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد ٩/ ٢٤٢). (٦) سنده ضعيف لعدم التصريح باسم شيخ ابن أبي حاتم. ومعناه صحيح كما قرر الحافظ. (٧) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن خارجة به، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير. (٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد عن قتادة، ومعناه صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير. ١٢٩ • سُورَةُ الوَاقِعَةِ (١٣، ٢٦) 1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال: أولهم رواحاً إلى المسجد وأولهم خروجاً في سبيل الله(١)، وهذه الأقوال الْمُقَرَّبُونَ (١٣) كلها صحيحة فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وقال تعالى: ﴿َسَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] وقال: فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الْمُقَرَُّنَ ) فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا الفزاري الرازي، حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا ربِّ جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون فاجعل لنا الآخرة، فقال: لا أفعل، فراجعوا ثلاثاً فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فيكون. ثم قرأ عبد الله ﴿ وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّونَ ﴾ فِ جَنَّتِ التَعِيمِ ﴾﴾(٢). وقد روى هذا الأثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه الرد على الجهمية ولفظه: فقال الله ريك: لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كُنْ، فكان(٣). ] ﴿قُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ◌َ مُتَّكِينَ عَلَيَّهَا مُتَّقَِلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ جَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ◌ُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ @ لا ٧ بِأَكْوَبٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنْ فَعِينٍ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنْ تُخَلَّدُونَ وَلَخِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ ﴿﴿ وَحُورُ عِينُ ﴿﴿ كَأَمْثَلِ اللََّلُِّ الْمَكْتُنِ (٣ جَزَآءٌ بِمَا وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَُّونَ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَاً وَلَا تَأْتِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا (يَ)، . يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم ثلة؛ أي: جماعة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية وبالآخرين هذه الأُمة، وهذا رواية عن مجاهد والحسن البصري (٤)، رواها عنهما ابن أبي حاتم: وهو اختيار ابن جرير واستأنس بقوله ◌َله: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))(٥) ولم يحك غيره ولا عزاه إلى أحد، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ شقَّ ذلك على (١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) سنده ضعيف جداً لأن خارجة بن مصعب متروك. وكذبه ابن معين (التقريب ص١٨٦). (٣) عزاه ابن كثير إلى عثمان بن سعيد الدارمي مرفوعاً (البداية والنهاية ٥٥/١) وأخرجه ابن الجوزي من حديث عبد الله بن عمر. وقال: لا يصح (العلل المتناهية ٤٨/١). (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وذلك في تفسير الآية ٣٩ من هذه السورة الكريمة، وكذا أخرجه الطبري عن الحسن وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٢٤. ١٣٠ سُورَةُ الوَاقِعَةِ﴾ (١٣، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٥﴾ [الواقعة] فقال النبي وَلقول: وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِينَ ٣٩ أصحاب النبي وَ ﴿ فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَلِينَ ((إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني))(١). ورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ... فذكره(٢). وقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمارة، حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة بن رويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ◌َّ: لما نزلت وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ (٣)﴾)) قال ((﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾﴾ [الواقعة])) ذكر فيها ((﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ عمر: يا رسول الله ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ وقليل منا؟ [قال: فأمسك](٣) آخر السورة سنة ثم [القيامة] فقال رسول الله صلى: ((يا عمر تعال (٢٩) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ [القيامة] ألا وإن من آدم إلي وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ فاسمع ما قد أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ثلة وأمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)»(٤) هكذا أورده في ترجمة عروة بن رويم إسناداً ومتناً، ولكن في إسناده نظر، وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ويلي: ((إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة)(٥) الحديث بتمامه وهو مفرد في صفة الجنة، ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير ههنا فيه نظر بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنصِّ القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللَّهمَّ إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي: من صدر هذه الأمة ﴿وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ أي: من هذه الأمة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني، سمعت الحسن أتى على هذه الآية ﴿ وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ فقال: أما أَوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ السابقون فقد مَضَوا ولكن اللَّهم اجعلنا من أصحاب اليمين (٦). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن ﴿وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ ﴿٨ فِ جَنَتِ النَّعِيمِ (٨ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ قال ثلة ممن مضى من هذه الأمة (٧). وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن وَقَلِلٌ مِّنَ اُلْآَخِرِينَ ﴾﴾ قال: كانوا يقولون أو سيرين أنه قال في هذه الآية (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ (١) سنده ضعيف لجهالة والد محمد بن عبد الرحمن وهو عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة. وشريك هو ابن عبد الله النخعي صدوق سيء الحفظ. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/١٥ ح ٩٠٨٠) وقال محققوه: حسن لغيره وهذا إسناد ضعيف. (٣) زيادة من (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض. (٤) تاريخ دمشق ١١/ ل ٢٧٩، وسنده ضعيف لانقطاعه بين عروة بن رويم وجابر لأنه لم يسمع منه. (٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (ح ٣٣٤٨). (٦) سنده حسن. (٧) سنده حسن. ١٣١ سُورَةُ الْوَاقِعَةِ (١٣، ٢٦) يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة (١)، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأُمة، ولا شك أن أول كل أُمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعمَّ الآية جميع الأُمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله وَل قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) الحديث بتمامه(٢). فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله وَله: ((مثل أُمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره))(٣) فهذا الحديث، بعد الحكم بصحة إسناده، محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها ولهذا قال ظلّ *: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة)) وفي لفظ ((حتى يأتي أمر الله تعالى وهم كذلك)) (٤) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله وَله، أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب وفي لفظ ((مع كل ألف سبعون ألفاً)) وفي آخر: ((مع كل واحد سبعون ألفاً))(٥). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد هو ابن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم يعني ابن زرعة، عن شريح هو ابن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله وَلثر: ((أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة لما جاء مع محمد ﴿ أكثر مما جاء مع الأنبياء لَّا))(٦). وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ ﴾﴾ الحديث وحسن أن يذكر ههنا عند قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ اُلْأَوَّلِينَ الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني، عن عَنْه قال: كان مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي زمل الجهني رسول الله ص84* إذا صلى الصبح يقول وهو ثان رجليه: ((سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان (١) سنده حسن، وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي البصري. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية ٣٨. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٤/٣١ ح ١٨٨٨١) وقال محققوه: حديث قوي بطرقه وشواهده وحسنه الحافظ ابن حجر بطرقه (فتح الباري ٦/٧). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٩. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١١٠. (٦) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٩٧/٣) وسنده ضعيف لانقطاعه فإن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه كما في التقريب. ١٣٢ سُورَةُ الوَاقِعَةِ﴾ (١٣، ٢٦) • 00000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 تواباً)) سبعين مرة ثم يقول: ((سبعين بسبعمائة لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة)) ثم يقول ذلك مرتين ثم يستقبل الناس بوجهه. وكان رسول الله وَلو تعجبه الرؤيا ثم يقول: ((هل رأى أحد منكم شيئاً؟)) قال أبو زمل: فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: ((خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا الحمد لله رب العالمين اقصص رؤياك)) فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب(١) والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى (٢) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفاً يقطر ماؤه فيه من أنواع الكلأ، قال: وكأني بالرعلة (٣) الأولى حين أشفوا على المرج كبَّروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه(٤) يميناً ولا شمالاً، قال فكأني أنظر إليهم منطلقين، ثم جاءت الرعلة الثانية، وهم أكثر منهم أضعافاً فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع(٥)، ومنهم الآخذ الضغث(٦)، ومضوا على ذلك، قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل، كأني أنظر إليهم يميلون يميناً وشمالاً، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتى أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل(٧) أقنى(٨) إذا هو تكلم يسمو، فيقرع (٩) الرجال طولاً، وإذا عن يسارك رجل ربعة باد كثير خيلان(١٠) الوجه، كأنما حمم (١١) شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكراماً له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقاً ووجهاً كلكم تأمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف(١٢)، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها . قال: فامتقع لون رسول الله وَله ساعة ثم سُريَ عنه، وقال رسول الله وَله: ((أما ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتكم عليه من الهدى وأنتم عليه، وأما المرج الذي رأيت فالدنيا وغضارة عيشها، مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء ولم تتعلق منا ولم نردها ولم تردنا، ثم جاءت الرحلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافاً، فمنهم المرتع ومنهم الآخذ الضغث ونجوا على ذلك، ثم جاء عُظْمُ الناس فمالوا في المرج يميناً وشمالاً فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفاً، وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشئل فذلك موسى عليّا، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباز الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم نكرمه لإكرام الله إياه، وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقاً ووجهاً (١) أي: الطريق الواسع الذي لا ينقطع. (٣) أي: القطعة من الفرسان. (٥) أي الذي يدع ركابه ترتع من العشب. (٦) أي الذي ينال حزمة من الحشيش، والمراد: نال من الدنيا شيئاً. (٧) أي: غليظ الأصابع. (٩) أي: يعلوهم. (١١) أي: سود. (٢) أي: أشرف عليه. (٤) أي: فلم يعدلوا منه. (٨) أي: الرجل ذو ارتفاع في أعلى أنفه. (١٠) أي: كثير الشامات في الوجه. (١٢) أي: ناقة مُسنة. ١٣٣ • سُورَةُ الوَاقِعَةِ﴾ (١٣، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فذاك أبونا إبراهيم كلنا نؤمه ونقتدي به، وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها فهي الساعة علينا تقوم لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي)) قال: فما سأل رسول الله وَ ل عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيئ الرجل فيحدثه بها متبرعاً)) (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ قَوْضُونَةٍ (٣)﴾ قال ابن عباس: أي مرمولة بالذهب(٢)؛ يعني: منسوجة به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وقتادة والضحاك وغيره(٣). وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ. وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت(٤) . وقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها(٥)، وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلئ. وقوله تعالى : أي: وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد ﴿مُتَّكِينَ عَلَيْهَا مُتَقَيِلِينَ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانْ تُخَلَُّونَ ﴾﴾ أي: مخلدون على صفة واحدة لا يتكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون ﴿بَأَكْوَابٍ وَأَبَارِيِقَ وَكَأْسِ مِّن ◌َعِينِ ﴾﴾ أما الأكواب فهي: الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين والكؤوس الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة. وقوله تعالى: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (4)﴾ أي: لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة. وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول(٦)، فذكر الله تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال. وقال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطية وقتادة والسدي ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ يقول ليس لهم فيها صداع رأس(٧)، وقالوا في (٨) قوله: . يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب بعقولهم(١ لا وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ ﴾﴾ أي: ويطوفون عليهم بما وقوله تعالى: ﴿وَفَكِهَدٍ مِمَّا يَتَخَُّونَ يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث عكراش بن ذؤيب الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ◌َُّ في مسنده، حدثنا (١) أخرجه البيهقي (الدلائل ٣٦/٧، ٣٧) وسنده ضعيف جداً لأن سليمان بن عطاء القرشي يروي عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي أحاديث موضوعة وقد ذكر ابن حبان هذا الحديث مثالاً لها. (ينظر المجروحين ٣٢٥/١). (٢) أخرجه هناد (الزهد رقم ٧٧) والطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٥) ذكره الطبري بنحوه. (٦) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق حصين عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ١٣٤ سُورَةُ الوَاقِعَةِ (١٣، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 العباس بن الوليد الترسي، حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي [سوية](١)، حدثنا عبيد الله بن عكراش، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ◌َ﴿، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عروق الأرطى (٢) قال: ((من الرجل؟)) قلت: عكراش بن ذؤيب، قال: ((ارفع في النسب)) فانتسبت له إلى مُرَّة بن عُبيد، وهذه صدقة مُرَّة بن عبيد، فتبسم رسول الله وَّر وقال: ((هذه إبل قومي هذه صدقات قومي)) ثم أمر بها أن توسم بميسم إبل الصدقة وتضمّ: إليها، ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة فقال: ((هل من طعام؟)) فأتينا بجفنة كالقصعة كثيرة الثريد والوذر(٣)، فجعل يأكل منها فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها فقبض رسول الله وَّيقر بيده اليسرى على يدي اليمنى فقال: يا عكراش، كل من موضع واحد فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب شك عبيد الله رطباً كان أو تمراً، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله ومسير في الطبق وقال: يا عكراش، كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. ثم أتينا بماء فغسل رسول الله يؤ يده ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه ثلاثاً ثم قال: ((يا عكراش هذا الوضوء مما غيرت النار))(٤). وهكذا رواه الترمذي مطولاً وابن ماجه جميعاً عن محمد بن بشار، عن أبي الهذيل العلاء بن الفضل به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد وعفان، وقال الحافظ أبو يعلى، حدثنا شيبان، قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس كان رسول الله ﴿ تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحبت لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان وفلان بن فلان فسمت اثني عشر رجلاً، كان النبي وَّ قد بعث سرية قبل ذلك فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب(٦) أوداجهم(٧)، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ أو البيذخ(٨)، قال: فغمسوا فيه فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصفحة من ذهب فيها بسر، فأكلوا من بسره ما شاءوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلت معهم فأتى البشير من تلك السرية، فقال ما كان من رؤيا كذا وكذا فأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلاً، فدعا رسول الله وَ﴿ المرأة، فقال قصِّي رؤياك، (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((معاوية)). (٢) شجر عروقه حمر طوال ذاهبة في ثرى الرمال الممطورة في الشتاء، شبه بها الإبل في اكتنازها وحمرة ألوانها . (٣) أي: قطع من اللحم. (٤) أخرجه ابن حبان من طريق العلاء بن الفضل بن عبد الملك به، وأعلَّه بالعلاء. (المجروحين ١٨٣/٢). (٥) سنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في التسمية في الطعام (ح١٨٤٩)، وسنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الأكل ما يليك (ح٣٢٧٤). وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي. (٦) أي: تسيل. (٨) أي: الممتلئ. (٧) أي: عروق الأخادع التي يقطعها الذابح. ١٣٥ • سُورَةُ الوَاقِعَةِ﴾ (١٣، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقصتها، وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال(١). هذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم(٢). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله وهلهو: ((إن الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة عادت مكانها أخرى))(٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَِّ مَيرٍ مِّمًا يَشْتَهُونَ ﴾﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا سیار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وَله: ((إن طير الجنة كأمثال البُخت يرعى في شجر الجنة)) فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة، فقال: ((آكلها أنعم منها - قالها ثلاثاً - وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها))(٤). انفرد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه ((صفة الجنة)) من حديث إسماعيل بن علي الخطمي، عن أحمد بن علي الخيوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زرعة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي وَّ طوبى فقال رسول الله وَليقول: ((يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟)) قال: الله ورسوله أعلم. قال: ((طوبى شجرة في الجنة ما يعلم طولها إلا الله يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفاً ورقها الحلل يقع عليها الطير كأمثال البخت)) فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هناك لطيراً ناعماً؟ قال: ((أنعم منه من يأكله وأنت منهم إن شاء الله تعالى))(٥) . وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَِّ ◌َيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ ﴾﴾: وذُكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول الله إني أرى طيرها ناعمة كأهلها ناعمون، قال: ((من يأكلها والله يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر)) (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن موسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك أن رسول الله و 9 سئل عن الكوثر فقال: ((نهر أعطانيه ربي ◌ّ في الجنة أشد بياضاً من اللَّبن وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٤/٦، ٤٥ ح ٣٢٨٩) وصححه محققه، وأخرجه ابن حبان من طريق أبي يعلى به (موارد الظمآن ح ١٨٠٣)؛ وأخرجه الإمام أحمد بسنده المذكور بنحوه. (المسند ٣٧٨/١٩ - ٣٨٠ ح ١٢٣٨٥) وصحح سنده محققوه. (٢) المختارة (ح ١٧١٦). (٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠٢/٢ ح١٤٤٩) وسنده حسن، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات. (مجمع الزوائد ٤١٧/١٠). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/٢١ ح١٣٣١١) وقال محققوه: صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف سيار بن حاتم، وجوّد إسناد هذا الحديث المنذري في ((الترغيب والترهيب ٥٢٦/٤)) وصححه العراقي في تخريجه على الإحياء ٤/ ١.٥٤٠هـ. وأخرجه الضياء المقدسي من طريق سيار به (المختارة ١٣/٥ ح ١٦١٤). (٥) یشهد له سابقه. (٦) سنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من أبي بكر ظُه، ويتقوى بالشواهد السابقة الثلاثة. ١٣٦ 000000000000000000000000000000000 • سُورَةُ الوَاقِعَةِ (١٣، ٢٦) الجزر)) فقال عمر: إنها لناعمة، قال رسول الله وَّالجير: ((آكلُها أنعمُ منها)) (١) وكذا رواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس، وقال حسن(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وعليه: ((إن في الجنة لطيراً فيه سبعون ألف ريشة فيقع على صفحة الرجل من أهل الجنة فينتفض، فيخرج من كل ريشة يعني لوناً أبيض من اللبن، وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه ثم يطير))(٣) هذا حديث غريب جداً، والوصافي وشيخه ضعيفان. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن عطاء، عن كعب قال: إن طائر الجنة أمثال البخت [يأكلن](٤) من ثمرات الجنة ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن له، فإذا اشتهى منها شيئاً أتى حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله ثم يطير لم ينقص منه شيء، صحيح إلى كعب(٥). وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله وَيه: ((إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً))(٦). كَأَمْشَلِ الُؤُّلُمِ الْمَكْتُنِ ﴾ قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم وقوله تعالى: ﴿وَحُورُ عِينُ (4) فيها حور عين! وقراءة الجر(٧) تحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الإعراب على الإتباع بما قبله لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ بِأَكْوَبٍ وَأَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّنْ مَّعِينٍ ( كقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (3) وَفَكِهَذٍ مِّمَا يَتَخَُّونَ ﴿ وَمِ طَيْرٍ مِّمَا يَشْتَهُونَ ﴿﴿ وَحُورُ عِينُ (4)﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وكما قال تعالى: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبَقُّ﴾ [الإنسان: ٢١]. والاحتمال الثاني أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور لا بين بعضهم بعضاً، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم. (١) أخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن ابن شهاب به بلفظ: ((أَكلتُها أنعمُ منها يا عمر)). (المسند ٣٠/٢١ ح ١٣٣٠٦) وصحح سنده محققوه. (٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة طير أهل الجنة ح ٢٥٤٢) وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٠٦٣). (٣) سنده ضعيف لضعف عطية والوصافي. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض مقدار كلمة ثم لفظ: ((ما خلق)). (٥) صححه الحافظ ابن كثير، وكعب مشهور برواية الإسرائيليات. (٦) في سنده خلف بن خليفة صدوق اختلط في الآخر. (التقريب ص١٩٤) وحميد الأعرج يقع في حديثه من الإنكار من جهة من يروي عنه. (تهذيب التهذيب ٤٧/٢) ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُّ﴾ [الزخرف: ٧١]. (٧) القراءة بالرفع والجر متواترتان. ١٣٧ • سُورَةُ الوَاقِعَةٍ (٢٧، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000000 وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ اللَّوْلُوِ الْمَكْتُونِ (٣)﴾ أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما ﴾ [الصافات] وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن (٤٩) تقدم في سورة الصافات ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضُ مَكْنُونٌ أيضاً، ولهذا قال: ﴿جَزَآءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل. ثم قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْتِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا (4)﴾ أي: لا يسمعون في الجنة كلاماً لاغياً؛ أي: عبئاً خالياً من المعنى أو مشتملاً على معنى حقير أو ضعيف كما قال: إِلَّا تَسْمَعُ فِيَهَا لَفِيَةٌ ﴾﴾ [الغاشية] أي: كلمـ ﴿وَلَا تَأِيمًا﴾ أي: ولا كلاماً فيه قبح ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَّمَا سَلَمًا ﴾﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض كما قال تعالى: ﴿تَحِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَمُ﴾ [إبراهيم: ٢٣] وكلامهم أيضاً سالم من اللَّغو والإثم. ﴿وَأَصْحَبُ أَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ فِي سِدْرٍ تَخْصُودِ ﴿ وَطَلْحِ مَّنْضُودٍ وَظِلٍ تَمْدُودٍ ٣٠ وَفَكِهَةٍ كَثِيَرَةِ ﴿ لَّ مَقْطُوعَةٍ وَلَا عَمْنُ عَةِ () وَفَرْشِ مَّرْفُوعَةٍ ٣٥ إِنَّا أَنشَأَتَهُنَّ إِنِشَآءَ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ فَعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا عُرْبًا أَتْرَابًا (٨٧) لِأَصْحَبِ الْيَمِينِ ﴿٨َ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ أَّـ وَثُلَّةٌ مِّنَ اْآَخِرِينَ ٤٠ لما ذكر تعالى مآل السابقين وهم المقربون، عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين وهم الأبرار، كما قال ميمون بن مهران أصحاب اليمين منزلتهم دون المقربين فقال: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ﴾ أي: أي شيء أصحاب اليمين وما حالهم وكيف مآلهم. ثم فسر ذلك فقال تعالى: (٧)﴾ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن الأحوص وقسامة بن زهير ﴿فی سِدْرٍ نَخْضُودِ و[السفر بن نسير](١)، والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير والسدي وأبو حزرة وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه(٢). وعن ابن عباس: هو الموقر بالثمر، وهو رواية عن عكرمة ومجاهد(٣)، وكذا قال قتادة أيضاً: كنا نحدث أنه الموقر الذي لا شوك به (٤)، والظاهر أن المراد هذا وهذا، فإن سِدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس من هذا لا شوك فيه وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله، كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد، حدثنا محمد بن محمد هو البغوي، حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: كان أصحاب رسول الله وَله يقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، قال: أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله ذكر الله في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، (١) السفر بن نسير كذا في الطبري وترجمته في التقريب ص٢٤٣ وفي الأصل: ((السفر بن قيس)). (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه هناد (الزهد رقم ١٠٩) والطبري بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عكرمة وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن قسامة بن زهير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ١٣٨ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ﴾ (٢٧، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقال رسول الله: ((وما هي؟)) قال: السدر فإن له شوكاً مؤذياً. فقال رسول الله وَلقوله: ((أليس الله تعالى يقول: ﴿فِي سِدْرٍ تَخْضُودٍ ﴾﴾؟ خضد الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمراً تفتق الثمرة منها عن اثنين وسبعين لوناً من طعام، ما فيها من لون يشبه الآخر))(١). طريق آخر: قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني حبيب بن عبيد، عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالساً مع رسول الله ويليه: فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجراً أكثر شوكاً منها؛ يعني: الطلح، فقال رسول الله وَلاي: ((إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود(٢)، فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون الآخر))(٣). وقوله: ﴿وَطَلْحِ مَنْفُودٍ ﴾﴾﴾ الطلح شجر عظام يكون بأرض الحجاز من شجر العضاه واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحُداة: بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والجبالا (٤) وقال مجاهد: ﴿مَنْفُورٍ﴾ أي: متراكم الثمر يذكر بذلك قريشاً لأنهم كانوا يعجبون من وجّ (٥) وظلاله من طلح وسدر (٦). وقال السدي: ﴿مَّضُودٍ﴾ مصفود. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل، قال الجوهري: والطلح لغة في الطلع. قلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان قال: سمعت علياً يقول هذا الحرف في طلح منضود، قال: طلع منضود، فعلى هذا يكون من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود وهو كثرة ثمره (٧)، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﴿وَطَلْجِ تَّنْضُودٍ (4)﴾ قال: الموز(٨)، قال وروي عن ابن (١) أخرجه الحاكم من طريق بشر بن بكر عن صفوان بن عمرو به عن أبي أمامة وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٧٦/٢). (٢) أي: الخصوة الضخمة التي عند التبس المكتنز باللحم. (٣) أخرجه الطبراني من طريق يحيى بن حمزة به (مسند الشاميين رقم ٢٩٢) وكذا أبو نعيم (الحلية ١٠٣/٦) قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٤١٤/١). (٤) استشهد به الطبري نقلاً مصرحاً عن معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٢/ ٢٥٠). (٥) هو من أودية الطائف المشهورة. (٦) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والسدر هو شجر النبق. (٧) سنده ضعيف لجهاله الشيخ الهمداني، ويتقوى بشواهده السابقة. (٨) سنده صحيح. ١٣٩ • سُورَةُ الْوَاقِعَةِ (٢٧، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عباس وأبي هريرة والحسن وعكرمة وقسامة بن زهير وقتادة وأبي حزرة مثل ذلك(١)، وبه قال مجاهد وابن زيد: وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز: الطلح(٢)، ولم يحكِ ابن جرير غير هذا القول. وقوله تعالى: ﴿وَظِلِ تَمْدُورِ (٣)﴾ قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ◌َّ قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)»، اقرأوا إن شئتم ﴿وَظِلِ تَمَّدُورِ ﴾﴾(٣). ورواه مسلم من حديث الأعرج به (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلِ تََّدُورِ ﴾﴾(٥)). وكذا رواه البخاري عن محمد بن سنان، عن فليح به (٦)، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة(٧)، وكذا رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (٨). والليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: وعوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث أبا هريرة، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة - سنة هي شجرة الخلد))(٩). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله وسلّر قال: ((في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها))، واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلِ تَمْدُورِ (9)﴾(١٠). إسناد جيد ولم يخرجوه، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن عبدة وعبد الرحيم عن محمد بن عمرو به، وقد رواه الترمذي من (١) أخرجه الطبري وعبد الرزاق من خمسة طرق كلها عن أبي سعيد الرقاشي عن ابن عباس، وأبو سعيد سكت عنه ابن أبي حاتم والبخاري، ويشهد له سابقه ولاحقه، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن قَسامة بن زهير، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم الصحيح عن ابن زيد. (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَظَلِ تَمْدُورٍ ﴾ [الواقعة] ح ٤٨٨١). (٤) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها .. (ح ٢٨٢٦). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤٨٢/٢) وسنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥٢). (٧) مصنف عبد الرزاق ٤١٧/١١ رقم ٢٠٨٧٧. (٨) (المسند ٤٦٩/٢). (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٣٧/١٥ ح ٩٨٧٠) وقال محققوه: صحيح دون قوله: شجرة الخلد. اهـ. أي: أنه له شواهد يتقوى بها دون قوله: شجرة الخلد. (١٠) جوَّد سنده الحافظ ابن كثير. ١٤٠ • سُورَةُ الْوَاقِعَةِ (٢٧، ٤٠) حديث عبد الرحيم بن سليمان به(١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلِّ ◌َمَدُورِ (2)﴾ فبلغ ذلك كعباً فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد، لو أن رجلاً ركب حقة أو جذعة ثم دارَ بأعلى تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط [هرماً](٢)، إن الله غرسها بيده ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة(٣). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي وَّر في قول الله تعالى: ﴿وَظِلِّ ◌َمَدُورٍ قال: ((في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها))(٤). وكذا رواه البخاري، عن روح بن عبد المؤمن، عن يزيد بن زريع(٥)، وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن عمران بن دوار القطان، عن قتادة به، وكذا رواه معمر وأبو هلال، عن قتادة به (٦). وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسهل بن سعد، عن رسول الله وصي﴾ قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها))(٧). فهذا حديث ثابت، عن رسول الله وَطله، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه وقوة أسانيده وثقة رجاله. وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حصين قال: كنا على باب في موضع ومعنا أبو صالح وشقيق يعني: الضبي، فحدث أبو صالح قال: حدثني أبو هريرة قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً، قال أبو صالح: أتكذِّبٌ أبا هريرة؟ قال: ما أكذِّب أبا هريرة ولكني أكذِّبك أنت، فشقَّ ذلك على القراء يومئذٍ(٨). قلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله وَ اليه . وقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز، عن أبيه، (١) أخرجه الطبري والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الواقعة ح٣٢٨٨ وقال: حسن صحيح) وصححه الألباني من حديث أنس (صحيح سنن الترمذي ح٢٦٢٦). (٢) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل بياض. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (المصنف ١٣/ ١٠٥) وفي سنده زياد لم يسمع من أبي هريرة وسنده ضعيف وقول كعب فيه غرابة. (٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (٣٤٨/٥ ح٢٩٩١) وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح٣٢٥١). (٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الواقعة (ح٣٢٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٢٦). (٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح٦٥٥٣) وصحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام (ح٢٨٢٨). (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستشهد به الحافظ ابن كثير.