Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سُورَةُ الشُِّورَى (١٢،٩)
وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جداً منها حديث علي وابن مسعود
وعائشة وجماعة جمة.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي: إما على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى
فاوت بينهم فهدى من يشاء إلى الحق وأضل من يشاء عنه وله الحكمة والحجة البالغة ولهذا قال:
﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَلَّلِمُونَ مَا لَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ .
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سويد،
أنه حدثه عن ابن حُجَيرة أنه بلغه أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا ربِّ خلقك الذين
خلقتهم جعلت منهم فريقاً في الجنة وفريقاً في النار لو ما أدخلتهم كلهم الجنة، فقال: يا موسى
ارفع درعك، فرفع. قال: قد رفعت. قال: ارفع فرفع، فلم يترك شيئاً. قال: يا ربِّ قد رفعت.
قال: ارفع. قال: قد رفعت إلا ما لا خير فيه. قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا
خير فيه(١).
﴿أَرِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَ، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحِى الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وَمَا أَخْتَفْتُمُ
فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهَ ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿ فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ جَعَلَ
لَكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَمِنَ الْأَنْعَمِ أَزْوَجَّا يَذْرَؤُكُمْ فِيَةٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
يقول تعالى منكراً على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ومخبراً أنه هو الولي الحق
الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده فإنه هو القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير.
ثم قال: ﴿وَمَا أَخَْلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ: إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام
في جميع الأشياء ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه وََّ كقوله: ﴿فَإِن ◌َنَزَعْنُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
﴿ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبِّ﴾ أي: الحاكم في كل شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيْبُ﴾ أي: أرجع في جميع
الأمور.
وقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: خالقهما وما بينهما ﴿جَعَلَ لَكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾
أي: من جنسكم وشكلكم منة عليكم وتفضلاً جعل من جنسكم ذكراً وأنثى ﴿وَمِنَ اُلْأَنْعَمِ أَزْوَجًا﴾
أي: وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. وقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهٍ﴾ أي: يخلقكم فيه؛ أي: في
ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال [يدرؤكم](٢) فيه ذكوراً وإناثاً خلقاً من بعد خلق وجيلاً بعد
جيل ونسلاً بعد نسل من الناس والأنعام.
وقال البغوي: يذرؤكم فيه؛ أي: في الرحم، وقيل: في البطن، وقيل: في هذا الوجه من
الخلقة .
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا حُجَيرة رواه بلاغاً، والمتن فيه أمارات الإسرائيليات.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.

٥٤٢
• سُوَرَّةُ الشُِّورَى (١٣، ١٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0
0000000000000000000000
قال مجاهد: نسلاً من الناس والأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي: يذرؤكم به(١) .
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيء لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير
له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ تقدم تفسيره في سورة
الزمر(٢)، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما ﴿يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرٌ﴾ أي: يوسع
على من يشاء ويضيق على من يشاء وله الحكمة والعدل التام ﴿إِنَُّ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِ: إِنْزَهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ
وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن
وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ
زَّيِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَقُضِىَ بَيْنَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِى شٍَ مِّنْهُ مُرِيبٍ (®﴾.
يقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الَّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فذكر أول
الرسل بعد آدم ع#* وهو نوح عليّل، وآخرهم محمد بَّر، ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم
إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب
عليهم في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ
مَرْيمٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له
٢٥﴾ [الأنبياء].
كما قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوِّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدُونِ
وفي الحديث: ((نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد))(٣)؛ أي: القدر المشترك بينهم هو
عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ
شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨] ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ أي:
وصى الله على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة. ونهاهم عن الافتراق
والاختلاف، وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم
إليه يا محمد من التوحيد.
ثم قال: ﴿اَللَّهُ يَجْتَبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أي: هو الذي يقدر الهداية لمن
يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿فَمَا أُخْتَلَفُواْ
إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [الجاثية: ١٧] أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام
الحجة عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلًا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَبِّكَ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله
تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعاً.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْرِئُواْ الْكِنَبَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب
(١) هذه الأقوال الخمسة سردها البغوي في معالم التنزيل ١٢١/٤، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس
والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) في الآية رقم ٦٣.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٩.

٥٤٣
• سُوْدَّةُ الشُِّورَى (١٨،١٥)
للحق ﴿لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم وإنما هم مقلدون لآبائهم
وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد.
مِن
﴿فَلِكَ فَأَدْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَّ وَلَا تَّعِ أَهْوَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ
كِتَبٌّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمَّ لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَيَتْنَكُمُ
ـَّهُ
يَجْمَعُ بَيْنَنَاْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم
برأسها، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضاً عشرة فصول كهذه.
وقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين
قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه.
وقوله: ﴿وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌ﴾ أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما
أمركم الله ك .
وقوله: ﴿وَلَا نَِّعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ يعني: المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.
وقوله: ﴿وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ﴾ أي: صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء
على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم.
وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْتَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني الله، وقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾
أي: هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختياراً وأنتم وإن لم تفعلوه اختياراً فله يسجد من
في العالمين طوعاً واختياراً.
وقوله: ﴿لَنَّ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل
لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (﴾﴾ [يونس].
وقوله تعالى: ﴿لَا حُبَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة (١).
قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد
الهجرة. وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّ﴾ أي: يوم القيامة، كقوله: ﴿قُلِّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا
بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ [سبأ].
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.
﴿وَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُم مُّنُهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ
وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ ﴿﴿ اللَّهُ الَّذِىّ أَنْزَلَ اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانٌ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَىُّ أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ
يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَفِى ضَلَالٍ بَعِيدٍ
يقول تعالى متوعداً الذي يصدون عن سبيل الله من آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اَلَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٥٤٤
• سُوَرَّةُ الشُِّورَى (١٦، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أُسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ليصدوهم عما سلكوه من طريق
الهدى ﴿ُّنُهُمْ دَاحِضَةُ عِندَ رَبِهِمْ﴾ أي: باطلة عند الله ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي: منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ
شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة.
قال ابن عباس ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ليصدوهم عن الهدى
وطمعوا أن تعود الجاهلية (١).
وقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا: ديننا خير من دينكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم
وأولى بالله منكم(٢)، وقد كذبوا في ذلك.
ثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِ﴾ يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ﴿ وَالْمِيزَانُ﴾
وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة(٣)، وهذه كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله: ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ
الْمِيزَانَ ﴿ أَلَّا تَطْفَّوْا فِ الْمِيزَانِ ﴿﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْبِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن].
وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيه ترغيب فيها وترهيب منها وتزهيد في الدنيا.
وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أي: يقولون: ﴿مَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩] وإنما يقولون ذلك تكذيباً واستبعاداً وكفراً وعناداً ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ
مِنْهَا﴾ أي: خائفون وجلون من وقوعها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون
لها عاملون من أجلها .
وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد، وفي بعض
ألفاظه أن رجلاً سأل رسول الله و لو بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا
محمد، فقال له رسول الله ◌َ﴿ نحواً من صوته: ((هاؤم))، فقال له: متى الساعة؟ فقال
رسول الله وَ﴿: ((ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟)) فقال: حبَّ الله ورسوله، فقال ◌َله: ((أنت
مع من أحببت)) (٤)، فقوله في الحديث ((المرء مع من أحب)) هذا متواتراً لا محالة، والغرض أنه
لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها .
وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ﴾ أي: يجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها
﴿لَفِي ضَلٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في جهل بيّن؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء
الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧].
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه آدم بن
أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.

٥٤٥
• سُورَةُ الشِّوْرَى (٢٢،١٩)
(٨) مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ
﴿اللَّهُ لَطِيفُ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَدٍ وَهُوَ اُلْقَوِىُ الْعَزِيزُ
نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ اُلْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴿ أَمْ لَهُمْ
شُرَكَوَا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ اُلِيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنُّ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ وَإِنَّ الَّالِمِينَ
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ
٢٢
اُلَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيُ
يقول تعالى مخبراً عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم لا ينسى أحداً منهم، سواء في
رزقه البر والفاجر، كقوله تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
﴾ [هود] ولهذا نظائر كثيرة.
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَبٍ مُبِينٍ (
وقوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءٌ﴾ أي: يوسع على من يشاء ﴿وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ أي: لا يعجزه شيء ثم
قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ أي: عمل الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئِ﴾ أي: نقويه ونعينه على ما
هو بصدده ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿وَمَن كَانَ
يُرِيدُ حَرّثَ الذُّنْيَا تُؤْتِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من
الدنيا وليس له إلى الآخرة هم البتة بالكلية حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ
لم يحصل لا هذه ولا هذه، وفاز الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.
والدليل على هذا أن هذه الآية لههنا مقيدة بالآية التي في سبحان وهي قوله تبارك وتعالى:
﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا
وَمَنْ أَرَدَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َّشْكُورًا (٨ كُلَّا نُمُِّ هَؤُلَاءِ
وَهَؤُلَاءٍ مِنْ عَلَِّ رَبِّكْ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٣٥ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ
دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا ﴾﴾ [الإسراء].
وقال الثوري: عن مغيرة، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب ◌َُّبه قال: قال رسول الله وَله:
(بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا
لم يكن له في الآخرة من نصيب))(١).
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَوَّا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: هم لا يتبعون ما
شرع الله لك من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما
حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو
ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم
والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وسلم قال: ((رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في
النار))(٢) لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل
هذه الأشياء، وهو الذي حمل قريشاً على عبادة الأصنام لعنه الله وقبحه ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النور آية ٥٥.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ١٠٣.

٥٤٦
سُورَةُ الشُِّورَى (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كَلِمَةُ اٌلْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمُّ﴾ أي: لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد ﴿وَإِنَّ
الَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع في جهنم وبئس المصير.
ثم قال تعالى: ﴿تَرَى الفََّلِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا كَسَبُوا﴾ أي: في عرصات القيامة ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ
بِهِمْ﴾ أي: الذين يخافون منه واقع بهم لا محالة هذا حالهم يوم معادهم وهم في هذا الخوف
والوجل ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِّ لَمُ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فأين هذا
من هذا؟ أي: أين من هو في العرصات في الذلِّ والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ممن هو
في روضات الجنات؟ فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ مما
لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال الحسن بن عرفة: حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري،
عن أبي طيبة قال: إن الشَّرْبَ (١) من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول ما أمطركم؟ قال: فما
يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً. ورواه
ابن جرير، عن الحسن بن عرفة(٢) به، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: الفوز
العظيم والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.
- ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِّ قُل لَّ أَسْئَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى
الْقُرْبُ وَمَن يَفْتَرِفْ حَسَنَّةُ نَّزِدْ لَهُ فِيَهَا حُسْنَاْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ ( أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَ عَلَى اللَّهِ كَذِبً فَإِنِ يَإِ
.((
اللَّهُ بَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكُ وَيَمْحُ اَللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِىُّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِّ: إِنَّهُ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
يقول تعالى لما ذكر روضات الجنات، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ
اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: هذا حاصل لهم كائن لا محالة ببشارة الله تعالى لهم به.
وقوله: ﴿قُل لَّ أَسْلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار
قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفُّوا شركم
عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن
ميسرة قال: سمعت طاوساً يحدث عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِىُّ﴾ فقال
سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ إن النبي ◌َّه لم يكن بطن من قريش
إلا كان له فيهم قرابة. فقال: إلا أن لا تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة(٣)، انفرد به البخاري،
ورواه الإمام أحمد بن يحيى القطان، عن شعبة به (٤)، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك
وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس مثله، وبه قال مجاهد
(١) الشَّرْب: الجماعة من القوم يجتمعون على الشراب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في تفسير سورة الزخرف آية ٧١ /٢٠) ص٦٤٦، وسنده مرسل.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبِيُ﴾ [الشورى: ٢٣] ح٤٨١٨).
(٤) (المسند ٢٢٩/١) وسنده صحيح.

٥٤٧
• سُؤْدَةُ الشِّورَى (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم(١).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن القاسم بن زيد الطبراني وجعفر القلانسي
قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس رضيًّا قال: قال لهم رسول الله وَلاير: ((لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي
منكم وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم))(٢).
وروى الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، حدثنا قَزَعَة يعني ابن سويد، وابن أبي حاتم، عن
أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن فَزَعَة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس
أن النبي وسلم قال: ((لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجراً إلا أن توادوا الله وأن
تقربوا إليه بطاعته))(٣) وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله(٤)، وهذا كأنه تفسير بقول ثانٍ
كأنه يقول: ﴿إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ أي: إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى.
وقول ثالث وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير ما معناه أنه قال معنى
ذلك: أن تودوني في قرابتي أي: تحسنوا إليهم وتبروهم(٥) .
وقال السدي، عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين ظُه أسيراً فأقيم على درج
دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال
له علي بن الحسين: أقرأت القرآن: قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم
أقرأ آل حم، قال: ما قرأت ﴿قُل لَّ أَسْلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُربُ﴾ قال: وإنكم لأنتم هم؟
قال: نعم(٦)، وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تبارك وتعالى: ﴿قُل لَّ
أَسْلُكُ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىُ﴾ فقال: قربى النبي ◌ََِّ(٧) رواهما ابن جرير.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني
يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا،
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، ويتقوى طريق العوفي بطريق ابن أبي
طلحة، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري
بسندين يقوي أحدهما الآخر عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن
قتادة وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن
وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٤٣٥/١١ ح١٢٢٣٣) وفي سنده شريك وخُصيف وكلاهما سيئ
الحفظ. ولشطره الثاني شاهد تقدم من رواية البخاري.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن حسن بن موسى به (المسند ٢٣٨/٤ ح٢٤١٥)، وضعف سنده محققوه لضعف
قَزَعَة بن سوید.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ..
(٥) تقدم قول سعيد بن جبير في رواية البخاري السابقة قبل أربع روايات.
(٦) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي فيه تشيع.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي به.

٥٤٨
• سُورَةُ الشِّوْرَى (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فقال ابن عباس أو العباس - شك عبد السلام -: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله وكلمته
فأتاهم في مجالسهم فقال: ((يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟)) قالوا: بلى يا
رسول الله، قال ◌َ: ((ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((أفلا
تجيبوني؟)) قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ((ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أولم
يكذبوك فصدقناك أولم يخذلوك فنصرناك» قال: فما زال وهو يقول حتى جئوا على الركب،
وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت ﴿قُل لَّ أَسْلُكُمْ عَيْهِ أَجْرًّا إِلََّّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبُ﴾(١)
وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام، عن
یزید بن أبي زياد وهو ضعيف بإسناده مثله أو قريباً منه.
وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه
الآية(٢)، وذكر نزولها في المدينة فيه نظر لأن السورة مكية وليس يظهر بين هذه الآية وهذا
السياق مناسبة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن
قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُل لَّآ
أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبُ﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال:
((فاطمة وولدها ﴿ً)) (٣). وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو
حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم
يكن إذ ذاك لفاطمة ﴿يا أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي ظلبه إلا بعد بدر من السنة الثانية من
الهجرة، والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما
رواه عنه البخاري ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم،
فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا
كانوا متَّبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي
وأهل ذريته رضي الله عنهم أجمعين.
وقد ثبت في [الصحيح](٤) أن رسول الله وَلاير قال في خطبته بغدير خم: ((إني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض))(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي
زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله إن قريشاً
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف زياد بن أبي زياد (التقريب ص ٦٠٠).
(٢) صحيح البخاري، المغازي والسير، باب غزوة الطائف (ح٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء
المؤلفة قلوبهم (ح ١٠٦١).
(٣) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن حسين الأشقر، وما قيل في الأشقر.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وهو الصواب لأنه في صحيح مسلم، وفي الأصل: ((الصحيحين)).
(٥) أخرجه مسلم من حديث زيد بن أرقم ﴿به بنحوه ومطولاً وليس فيه: وإنهما لم يفترقا حتى يردا على
الحوض (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ظه ح٢٤٠٨).

٥٤٩
• سُورَةُ الشِورَى (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب
النبي ** غضباً شديداً وقال: ((والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم الله
ورسوله))(١).
ثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب بن
ربيعة، قال: دخل العباس ظُه على رسول الله وَ ل﴿ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا
رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ودرَّ عرق بين عينيه ثم قال وَّ: ((والله لا يدخل قلب امرئ
مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي))(٢).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال:
سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ظًا عن أبي بكر - هو الصديق -
في أهل بيته (٣).
أنه قال: ارقبوا محمداً الخير
وفي الصحيح أن الصديق عظُه قال لعلي ظُه: واللهِ لقرابةُ رسول الله وَ﴿ أحبّ إليَّ أن أصل
من قرابتي(٤)، وقال عمر بن الخطاب للعباس ﴿ه: واللهِ الإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليَّ
من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله وَّر من إسلام الخطاب(٥).
ـيّ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين
فحال الشیخین
بعد النبيين والمرسلين ﴿ وعن سائر الصحابة أجمعين.
وقال الإمام أحمد تَخَّهُ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حيان التيمي، حدثني يزيد بن
حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ظه، فلما جلسنا إليه
قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيتَ رسولَ الله ﴿ ﴿ وسمعت حديثَه وغزوتَ معه
وصليتَ معه، لقد رأيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله وص له، فقال: یا
ابن أخي لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله وَله، فما
حدثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال له: قام رسول الله والقر يوماً خطيباً فينا بماء يدعى
خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكَّرَ ووعظ، ثم قال ◌ٍَّ: «أما بعد، أيها
الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله
تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) فحثّ على كتاب الله ورغَّب فيه
وقال ◌َله: ((وأهل بيتي أذكركم في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) فقال له حصين: ومن
أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٤/٣، ٢٩٥ ح ١٧٧٢) وضعف سنده محققوه لضعف زياد بن
أبي زياد.
(٢) (المسند ٢٩٥/٣ ح١٧٧٣) وسنده كسابقه.
(٣) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب قرابة رسول الله وَار (ح ٣٧١٣).
(٤) المصدر السابق (ح ٣٧١٢).
(٥) أخرجه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس (تاريخ دمشق ٩١٤/٨) وسنده
ضعيف لضعف إبراهيم بن مهاجر (التقريب ص٩٤) وفي متنه رائحة التشيع.

٥٥٠
• سُورَةُ الشِورَن (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 000
حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس
قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم(١)، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن
حیّان به(٢).
وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا
الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم،
قال: قال رسول الله صل﴾: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من
الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حتى
يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما)) تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن
غريب(٣) .
وقال الترمذي أيضاً: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن
محمد بن الحسن، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله وَّر في حجته يوم عرفة
وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به
لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) تفرد به الترمذي أيضاً: وقال: حسن غريب، وفي الباب
(٤)
عن أبي ذرِّ وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد .
ثم قال الترمذي أيضاً: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا یحیی بن معین، حدثنا
هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،
عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله وَله: («أحبوا الله تعالى لما يغذوكم
من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي)) ثم قال: حسن غريب إنما نعرفه من هذا
الوجه(٥) .
وقد أوردنا أحاديث أُخر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَّكُمْ تَظْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] بما أغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مفضل بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن
حنش، قال: سمعت أبا ذرٍّ وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن
أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح عليه
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٦/٤) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب ظُه (ح٢٤٠٨)، والسنن الكبرى
(٨١٧٥).
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي ◌َّر ح٣٧٨٨)، وصححه
الألباني بطرقه (صحيح سنن الترمذي ح ٢٩٨٠ والسلسلة الصحيحة ٣٥٦/٤).
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح٣٧٨٦)، وصححه الألباني بطرقة (صحيح سنن
الترمذي ح ٢٩٧٨)، والسلسلة الصحيحة ٣٦١/٤.
(٥) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٣٧٨٩). وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي
(ح٧٩٢).

٥٥١
سورة الشورى (٢٨،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصلاة والسلام من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك))(١). هذا بهذا الإسناد ضعيف.
وقوله: ﴿وَمَّنْ يَقْتِفْ حَسَنَّةُ نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنَا﴾ أي: ومن يعمل حسنة نزد له فيها حسناً أي أجراً
وثواباً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَنِعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا
٤﴾ [النساء].
عَظِيمًا
وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورُ﴾ أي: يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات،
فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبْ فَإِنِ يَإِ الَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلِكُ﴾
أي: لو افتريت عليه كذباً كما يزعم هؤلاء الجاهلون ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلِكٌ﴾ أي: يطبع على قلبك
ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَفَاوِيلِ
﴿﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ
[الحاقة] أي: لانتقمنا منه أشد
﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَقِينَ ﴿٨ نَا مِنكُ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ
الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.
وقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ﴾ ليس معطوفاً على قوله: ﴿يَخْتِمْ﴾ فيكون مجزوماً بل هو مرفوع على
الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام، كما حذفت في
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزََّانِيَّةَ ﴿4﴾ [العلق] وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِسَنُ بِلشَّرِّ دُعَامَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء]. وقوله:
﴿وَيُحِقُّ الْمَّ بِكَلِمَتِهٍِّ﴾ معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَطِلَ وَيُحِقُ الْمَّ﴾ أي: يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه
بكلماته؛ أي: بحججه وبراهينه ﴿إِنَُّ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه
السرائر.
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
٢٥
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِهِ، وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿ ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اَللَّهُ الْرِّزْقَ لِعِبَادِهِ،
◌َبَغَوْ فِى الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا
(٢٨))
قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ممتناً على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه أنه من كرمه وحلمه أن
يعفو ويصفح ويستر ويغفر، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
(15)﴾ [النساء].
غَفُورًا رَّحِيمًا
وقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه، حيث قال: حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن
حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني
أنس بن مالك، وهو عمه وابنه. قال: قال رسول الله وَله: (لله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين
يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى
(١) أخرجه ابن عدي من طريق أبي يعلى به (الكامل ٢٤٠٦/٦) وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير، وهو
كما قال فإن سويد بن سعيد فيه مقال (التقريب ص ٢٦٠) وكذلك مفصل قال عنه الذهبي: واوٍ (تلخيص
مستدرك الحاكم ١٥١/٣).

٥٥٢
• سُورَةُ الشّورَى (٢٨،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ
بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح))(١). وقد
ثبت أيضاً في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود عظ ته نحوه(٢).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ إن
أبا هريرة به قال: قال رسول الله وَله: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في
المكان يخاف أن يقتله فيه العطش))(٣).
وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود ته عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا
بأس به، وقرأ ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَقْبَلُ النََّةَ عَنْ عِبَادِهِ،﴾ الآية، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث
شريح القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره(٤).
وقوله: ﴿وَيَعَّقُواْ عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي
﴿وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾ أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا
قال ابن جرير: معناه يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض
النحاة(٥)، وأنه جعلها كقوله: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثم روى هو وابن أبي
حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ ظه بالشام،
فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس
والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له - يعني: أحدهم عملاً قال: أحسنت رحمك الله،
أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَيَزِيدُ هُم مِّنِ فَضْلٍِ﴾(٦).
وحكى ابن جرير، عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله: [﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ كقوله: ](٧)
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] أي: هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه(٨) كقوله: ﴿إِنَّمَا
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَ يَبْعَنُّهُمُ الله﴾ [الأنعام: ٣٦] والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُ
مِّنِ فَضْلِهٍ﴾ أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الکندي، حدثنا
◌ُّه قال: قال رسول الله وَله في قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن
الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله
(١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح منها ح ٢٧٤٧).
(٢) المصدر السابق (ح ٢٧٤٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي
هريرة . (المصدر السابق ح٢/٢٦٧٥).
(٤) أخرجه الطبري من طريق إسحاق بن يوسف عن شريك القاضي به، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن
مهاجر. (التقريب ص٩٤).
(٥) ذكره الطبري بنحوه بصيغة وقيل.
(٦) أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٤٤/٢).
(٨) ذكره الطبري بمعناه عن بعض نحونِّي البصرة.
(٧) الزيادة من تفسير الطبري.

٥٥٣
• سُورَةُ الشِّورَى (٣١،٢٩)
فَضْلِ،﴾ قال: ((الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفاً في الدنيا))(١).
وقال قتادة: عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
قال: يشفعون في إخوانهم ﴿وَيَزِيدُهُم مِّنِ فَضْلِهِ،﴾ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم (٢).
وقوله: ﴿وَالْكَفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لما ذكر المؤمنين وما لهم الثواب الجزيل ذكر الكافرين
وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الْرِزْقَ لِعِبَادِهِ، لَبَغَوْ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من
الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشراً وبطراً.
وقال قتادة: كان يُقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث: ((إنما أخاف
عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا)) وسؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟
الحديث(٣). وقوله: ﴿وَلَكِن يَُزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي: ولكن يرزقهم من الرزق
ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر كما
جاء في الحديث المروي: ((إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه
وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه))(٤).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر
ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه كقوله: ﴿وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلِ أَنْ يُغَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ،
لَمُبْلِسِينَ (®﴾ [الروم].
وقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يعمّ بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية.
قال قتادة: ذُكر لنا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب تظ له: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط
الناس. فقال عمر رُه: مُطرتم ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ .
﴿وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ﴾ أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود
العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله(٥).
2- ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَثَ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ
٢٩
وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيَدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِّ
٣١
وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ﴾ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ﴿خَلَّقُ السَّمَوَتِ
(١) سنده ضعيف، فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي في رواية بقية عنه مقال قال الحافظ ابن حجر: وعنه بقية
بخبر عجيب منكر. (لسان الميزان ١/ ٤١٧).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد ضعيف كما في التقريب.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الشق الأول لم يصرح باسم شيخه، والشق الثاني رواه مرسلاً.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٣٠.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به ورجاله ثقات لكن قتادة لم يصرح باسم شيخه،
فسنده ضعيف.

٥٥٤
• سُورَةُ الشُورَى (٣١،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَثَ فِيهِمَا﴾ أي: ذرأ فيهما في السموات والأرض ﴿مِن دَآبَّةٍ﴾ وهذا يشمل الملائكة
والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم
وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار السموات والأرض ﴿وَهُوَ﴾ مع هذا كله ﴿عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا
يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم
الداعي وينفذهم البصر فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.
وقوله: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيَدِيَكُمْ﴾ أي: مهما أصابكم أيها الناس من
المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي: من السيئات فلا يجازيكم عليها
بل يعفو عنها ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥].
وفي الحديث الصحيح: ((والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم
ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها))(١).
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: قرأت في
كتاب أبي قلابة قال: نزلت ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ
يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من
[الزلزلة] وأبو بكر
شَرَّا يَرَؤُ لَا
خير وشر، فقال: ((أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخر مثاقيل الخير حتى
تعطاه يوم القيامة)) وقال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَاً
أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴾﴾(٢). ثم رواه من وجه آخر عن أبي
قلابة، عن أنس ﴿ه(٣). قال: والأول أصح(٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية
الفزاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي، عن الخضر بن القواس [البجلي، عن أبي سخيلة] (٥)،
عن علي به قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله رَك، وحدثنا به رسول الله وَ له؟ قال:
((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم
من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه
العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه)) (٦). وكذا
رواه الإمام أحمد عن مروان بن معاوية وعبدة، عن أبي سخيلة قال: قال علي رَؤُه فذكر نحوه
مرفوعاً (٧) .
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٢٣.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا قلابة كثير الإرسال ولم يسمع من أبي بكر
(٣) أخرجه الطبري من طريق الهيثم بن الربيع عن أيوب عن أبي قلابة به، وسنده ضعيف لأنه معلق ولأن الهيثم
ضعيف كما في التقريب.
(٤) وفي النسخة المحققه من تفسير الطبري: والصواب عن أبي إدريس.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وترجمتيهما، وفي الأصل صُحفا إلى: ((الجيلي عن ابن أبي سخية)).
(٦) سنده ضعيف لضعف أزهر بن راشد الكاهلي كما في التقريب وتهذيب التهذيب.
(٧) (المسند ٨٥/١) وسنده كسابقه.

٥٥٥
• سُورَّةُ الشُِّورَى (٢٩، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي
مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح، عن أبي الحسن، عن أبي جحيفة قال: دخلت على
علي بن أبي طالب ◌ُه فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه فتلا
هذه الآية ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرِ (®)﴾ قال: ما عاقب الله
تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا
فالله أكرم من أن يعود عفوه يوم القيامة(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة يعني: ابن يحيى، عن أبي بردة، عن
معاوية هو ابن أبي سفيان عنه قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((ما من شيء يصيب المؤمن
في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله تعالى عنه به من سيئاته))(٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة
قالت: قال رسول الله وَل9: ((إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن
لیکفرها)»(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن
مسلم، عن الحسن هو البصري قال في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾﴾ قال: لما نزلت قال رسول الله وَّ: ((والذي نفس محمد بيده
ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر)) (٤).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن
عمران بن حصين ظُبه قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده فقال له بعضهم
إنا لنبأس لك لما نرى فيك، قال: فلا تبتئس بما ترى فإن ما ترى بذنب وما يعفو الله عنه أكثر
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَآ أَصَبَكُم مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ (®)﴾(٥).
وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن الحميد الحماني، حدثنا جرير، عن أبي البلاد، قال: قلت
للعلاء بن بدر ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن ◌ُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال:
فبذنوب والديك(٦). وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن عبد العزيز بن
(١) أخرجه الترمذي من طريق أبي إسحاق الهمداني به ثم قال: حسن غريب صحيح، وهذا قول أهل العلم لا
نعلم أحداً كفرَّ أحداً بالزنى أو السرقة أو شرب الخمر. (السنن، الإيمان، باب ما جاء لا يزني الزاني وهو
مؤمن ٢٦٢٦) وحكم عليه الزيلعي بأنه إسناد متصل ثابت (تخريج أحاديث الكشاف ٢٤٢/٣)، وأخرجه
الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٥/٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٨/٤) قال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد
٣٠١/٢) وصححه الألباني بطرقه (السلسلة الصحيحة ح ٢٢٧٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٤/٤٢ ح٢٥٢٣٦) وضعفه محققوه بسبب ليث بن أبي سليم.
(٤) سنده ضعيف لإرساله.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق هشيم به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٤٦/٢) ولكن الحسن لم يسمع
من عمران كما في كتب المراسيل.
(٦) سنده مقطوع، ويحيى بن عبد الحميد الحماني متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، والمتن فيه غرابة.

٥٥٦
سورة الشورى (٣٢، ٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي رواد، عن الضحاك قال: ما نعلم أحداً حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك:
﴿َوَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْقُواْ عَن كَثِيرِ (٣)﴾ ثم يقول الضحاك: وأي
مصيبة أعظم من نسيان القرآن(١).
إِن يَشَأْ يُسْكِّنِ الْرِيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِوَِّ إِنَّ فِى
﴿وَمِنْ ءَايَتِ الْجَوَارِ فِ الْبَحْرِ كَلْأَعْلَِ (ب)
ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ أَوْ يُعِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ (* وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيَّ ءَايَِنَا
مَا لَهُم مِّن نَجِيْصٍ
١٣٥
يقول تعالى ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره
وهي الجواري في البحر كالأعلام؛ أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك:
أي: هذه في البحر كالجبال في البر(٢).
﴿﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الْرِيحَ﴾ أي: التي تسير في البحر بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تحرك السفن
بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب بل واقفة على ظهره؛ أي: على وجه الماء ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
لِكُلِّ صَيَّارٍ﴾ أي: في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ أي: إنه في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون
إليه لسيرهم لدلالات على نعمه تعالى على خلقه لكل صبار؛ أي: في الشدائد شكور في الرخاء.
وقوله: ﴿أَوْ يُوِفْهُنَ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون
فيها ﴿وَيَعْفُ عَن گَثِيرٍ﴾ أي: من ذنوبهم ولو آخذهم بجمیع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر.
وقال بعض علماء التفسير معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوِقْهُنَ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: لو شاء لأرسل الريح
قوية عاتية فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال
آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول،
وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت، ولكن من لطفه
ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيراً جداً لهدم
البنيان، أو قليلاً لما أنبت الزرع والثمار حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحاً من أرض أخرى
غيرها لأنهم لا يحتاجون إلى مطر ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيَّ ◌َايَِنَا مَا لَهُم مِّن ◌َحِيْصٍ (٣٥)﴾ أي: لا محيد لهم عن بأسنا
ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا .
﴿ ﴿فَآَ أُوِتُم مِّنِ ثٍَّ فَعُ الحَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَّكُونَ
٣٦
وَالَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ
وَلَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِّرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ (٣٨) وَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنَصِرُونَ
يقول تعالى محقراً لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى:
(١) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع به (المصنف ١٦٢/٧) وسنده حسن.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((السفن
كالجبال)»، وكذا أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٥٥٧
• سُورَةُ الشِورَى (٣٦، ٣٩)
00000000000000000000000000000000000000 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
◌َآَ أُوْقِتُم مِّنْ شَىْءٍ فَنَعُ الْحَيَوَةِ الذُّا﴾ أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة
الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثواب الله تعالى خير من
الدنيا وهو باقٍ سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي:
الذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ﴿وَعَى رَبِهِمْ يَتَوَكَُّونَ﴾ أي: ليعينهم على الصبر في أداء
الواجبات وترك المحرمات.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَِّرَ آلْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ﴾ وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش
في سورة الأعراف.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم
الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صليقول ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك
حرمات الله (١)، وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ((ما له؟ تربت جبينه(٢))(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن زائدة، عن منصور،
عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا (٤).
وقوله: ﴿وَلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمْ﴾ أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ﴿ وَقَامُوا الصَّلَةَ﴾
وهي أعظم العبادات لله رَك: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمراً حتى يتشاوروا فيه
ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجرها كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِىِ الْأَتَّ
فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولهذا كان ◌َّ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب
بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب به الوفاة حين طُعن جعل الأمر بعده
شورى في ستة نفر وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف
فاجتمع رأي الصحابة كلهم ﴿ على تقديم عثمان عليهم
﴿وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ (٣٦)﴾ أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى
عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا
إذا قدروا عفوا كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته: ﴿لَا تَغْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ
﴾ [يوسف: ٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه وكما عفا رسول الله، وله
عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم منّ
عليهم مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه ◌َ ا* عن غوث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين
اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ 9ّ وهو في يده مصلتاً، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ
(١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﴿ثقا (صحيح البخاري، الأدب، باب قول النبي ◌َّير: ((يسروا ولا
تعسروا)) ح٦١٢٦، وصحيح مسلم، الفضائل، باب مباعدته وّ ر للآثام ... ح٢٣٢٧).
(٢) قال الخطابي: يحتمل أن يكون المعنى: خرّ لوجهه فأصاب التراب جبينه، ويحتمل أن يكون دعاء له
بالعبادة كأن يصلي فيترب جبينه، والأول أشبه (فتح الباري ٤٥٣/١٠).
(٣) أخرجه البخاري (الصحيح، الأدب، باب لم يكن النبي وَلّر فاحشاً ولا متفاحشاً ح ٦٠٣١).
(٤) سنده صحيح، وزائدة هو ابن قدامة الثقفي يروي عنه سفيان بن عيينة. (تهذيب التهذيب ٣٠٦/٣).

٥٥٨
• سُورَةُ الشِوَى (٤٠، ٤٣)
رسول الله وَيقر السيف في يده ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا
عنه، وكذلك عفا ◌َّ عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ظلّلا ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع
قدرته عليه، وكذلك عفوه ◌َلقر عن المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري
الذي قتله محمد بن مسلمة - التي سمَّت الذراع يوم خيبر، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها
فاعترفت، فقال ◌َله: ((ما حملك على ذلك؟)) قالت: أردت إن كنت نبياً لم يضرك وإن لم تكن
نبياً استرحنا منك، فأطلقها عليه الصلاة والسلام ولكن لما مات منه بشر بن البراء نظرائه قتلها
به (١)، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً، ولله الحمد.
وَلَمَنِ
- ﴿وَحَزَّوُاْ سِيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُؤُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَّكِلِمِينَ
أَنْتَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّنِ سَبِيلٍ ﴿ إِنََّا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (﴾﴾ .
قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاَ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَيْهِ بِمِثْلِ مَا
أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ الآية [النحل:
١٢٩]، فشرع العدل وهو القصاص وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن
تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ولهذا قال ههنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الَهُ﴾ أي:
لا يضيع ذلك عند الله كما صحَّ ذلك في الحديث: ((وما زاد الله تعالى عبداً بعفو إلا عزاً)) (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَِّمِينَ﴾ أي: المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة.
ثم قال: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ فُلْمِهِ، فَأُوْلَّكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ ﴾﴾ أي: ليس عليهم جناح في
الانتصار ممن ظلمهم.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون قال:
كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ فُللْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ
٤١)
فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل
على أم المؤمنين عائشة رضيها، قالت: قالت أم المؤمنين ﴿يتا: دخل علينا رسول الله وصل﴿ وعندنا
زينب بنت جحش ينا، فجعل النبي وَّه يصنع بيده شيئاً فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها
فأمسك، وأقبلت زينب ثنا تقحم لعائشة ثنا فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة يتا: ((سُبّيها))
فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب ◌ُنا فأتت علياً به فقالت: إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم،
فجاءت فاطمة ◌َّا، فقال وَي لها: ((إنها حبة أبيك وربّ الكعبة)) فانصرفت، وقالت لعلي نظّ ◌ُه :
إني قلت له وَ ﴿ كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي إلى النبي ◌َّ وكلمه في ذلك(٣)،
هكذا أورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان، يأتي في رواياته بالمنكرات غالباً، وهذا فيه
(١) كل ما ذكره الحافظ ابن كثير من الوقائع قد وردت في الصحيحين أو أحدهما.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٤٩.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والحديث ضعيف سنداً ومتناً، وعلي بن زيد بن جدعان: ضعيف.

٥٥٩
• سُورَةُ الشُودَى (٤٠، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نكارة، والصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث خالد بن سلمة
الفأفاء، عن عبد الله البهي، عن عروة، قال: قالت عائشة ﴿ّا: ما علمت حتى دخلت عليّ زينب
بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله وقي: حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر درعها، ثم
أقبلت عليَّ فأعرضت عنها، حتى قال النبي ◌َّ: (دونك فانتصري)) فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها
قد ييس في فمها ما تردُّ عليَّ شيئاً، فرأيت النبي ◌َّه يتهلل وجهه (١)، وهذا لفظ النسائي.
وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي
حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ؤها قالت: قال رسول الله وَله: ((من دعا على من
ظلمه فقد انتصر))(٢). ورواه الترمذي من حديث أبي الأحوص، عن أبي حمزة واسمه ميمون، ثم
قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قِبَل حِفظه(٣).
وقوله: ﴿إِنََّا السَِّلُ﴾ أي: إنما الحرج والعنت ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ
اُلْحَقِّ﴾ أي: يبدؤون الناس بالظلم، كما جاء في الحديث الصحيح: ((المستبَّان ما قالا، فعلى
البادئ ما لم يعتد المظلوم)) (٤).
﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد،
حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق منظرة، فأخذت
حاجتي فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة فقال: ما حاجتك يا أبا
عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما كان أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني
عدي؟ قال العلاء بن زياد: استعمل صديقاً له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت
أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك
إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّا السَِّيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِعُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِ اْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ فقال مروان: صدق والله ونصح، ثم قال: ما حاجتك يا أبا
عبد الله، قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم(٥)، رواه ابن أبي حاتم.
ثم إن الله تعالى، لما ذمَّ الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادباً إلى العفو والصفح: ﴿وَلَمَنْ
صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي: صبر على الأذى، وستر السيئة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ﴾.
قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله بها؛ أي: لمن الأمور المشكورة،
والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل.
(١) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الشورى (ح١١٤٧٦) وسنن ابن ماجه، النكاح، باب حسن معاشرة
النساء (ح١٩٨١)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ١١٥/٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
(ح ١٨٦٢).
(٢) سنده ضعيف لضعف أبي حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص٥٥٦).
(٣) أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب من دعا على من ظلمه فقد انتصر ح ٣٥٤٧) وسنده كسابقه.
(٤) صحيح مسلم، النهي عن السباب (شرح النووي ١٢/ ٤٧٢).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٣٢٣/٨)، وسنده حسن.

٥٦٠
• سُورَةُ الشُِّورَى (٤٤، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا مصمد بن يزيد
خادم الفضيل بن عياض قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً،
فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر
كما أمرني الله ، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب
واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب
الانتصار يقلب الأمور(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان، عن ابن عجلان، حدثنا سعيد، عن
أبي هريرة به قال: إن رجلاً شتم أبا بكر مه والنبي وَ﴿ جالس، فجعل النبي ◌َّ يعجب
ويتبسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر ته فقال: يا
رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: ((إنه
كان معك ملك يردُّ عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع
الشيطان))، ثم قال: ((يا أبا بكر: ثلاث كلهنَّ حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا
أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح
رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله رَ بها قلة))(٢). وكذا رواه أبو داود، عن
عبد الأعلى بن حماد، عن سفيان بن عيينة قال: ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن
عجلان، ورواه من طريق الليث، عن سعيد المقبري، عن بشير بن المحرر، عن سعيد بن
المسيب مرسلاً(٣)، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق
- ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْ اٌلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى
وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيُّ وَقَالَ الَّذِينَ
٤٤
مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ
ءَامَنُواْ إِنَّ الْخَسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ أَلَّ إِنَّ الظَّالِمِنَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ
٤٥
٤٦
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة أنه ما يشاء كان ولا رادَّ له، وما لم يشأ لم يكن فلا
موجد له، وأنه من هداه فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، كما قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَن
تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ثم قال مخبراً عن الظالمين وهم المشركون بالله: ﴿لَمَّا رَأَوَأَ
اٌلْعَذَابَ﴾ أي: يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا ﴿ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ كما قال:
﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْئَنَا نُرَّةُ وَلَا تُكَذِّبَ ◌ِثَايَتِ رَيِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْؤْمِنِينَ (٣َ بَلْ بَدَا لَمُ مَّا كَانُواْ
يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوَ رُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام]. وقوله: ﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ
عَلَيَّهَا﴾ أي: على النار ﴿خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله
تعالى ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾.
(١) سنده صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٠/١٥ ح ٩٦٢٤) وقال محققوه: حسن لغيره.
(٣) سنن أبي داود، الأدب، باب في الانتصار (ح٤٨٩٨)، ويتقوى بسابقه.