Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ • سُؤَُّةُ فُضِلَتْ (١٩، ٢٤) 0000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 ورجلاه صنعنا عملنا فعلنا (١). وقد تقدم أحاديث كثيرة وآثار عند قوله تعالى في سورة يس: ﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِّمُنََّ أَيَدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ [يس] بما أغنى عن إعادته ههنا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ها قال: لما رجعت إلى رسول الله وَله مهاجرة البحر قال: ((ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟)) فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس إذ مرَّت علينا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدّر إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً؟ قال: يقول رسول الله : ((صدقت صدقت كيف يقدس الله قوماً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم))(٢). هذا حديث غريب من هذا الوجه ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب (الأهوال)(٣): حدثنا إسحاق بن إبراهیم، حدثنا یحیی بن سلیم به. وقوله: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْمُّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُكُمْ﴾ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم ولهذا قالوا لكنكم: ﴿ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (٣) وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَكُمْ﴾ أي: هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن الله تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله به قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان - كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله، قال: فذكرت ذلك للنبي بَّ فأنزل الله رأيك: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسَّتَئِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَدَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾(٤). وهكذا رواه الترمذي عن هناد، عن أبي معاوية بإسناده نحوه(٥)، وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضاً من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود بنحوه (٦)، ورواه البخاري ومسلم أيضاً من حديث السفيانين كلاهما عن (١). سنده حسن ويشهد له ما سبق. (٢) أخرجه ابن ماجه من طريق سويد بن سعيد به (السنن ح ٤٠١٠) واستغربه الحافظ ابن كثير. (٣) الأهوال ٢٤٣. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٨/٦، ١٠٩ ح٢٦١٤) وصحح سنده محققوه. (٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة حم (ح٣٢٤٩). (٦) (المسند ٤٠٨/١) وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح بعد ٢٧٧٥). ٥٢٢ سُورَةُفضِّلَنْ (٢٩،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود نظُّالله به (١) وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَدَّكُمْ وَلَا ◌ُلُودُكُمْ﴾ قال: ((إنكم تدعون يوم القيامة مقدماً على أفواهكم بالفدام فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه)) قال معمر: وتلا الحسن: ﴿وَذَلِكُمْ ◌َتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ﴾ ثم قال: قال رسول الله وَّر: ((قال الله تعالى أنا مع عبدي عند ظنه بي وأنا معه إذا دعاني)) ثم افتر الحسن ينظر في هذا فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم فأما المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساء الظن بالله فأساءا العمل ثم قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَيِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَّ أَبْصَرُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَذَلِكُمْ لَتْكُ الَّذِى ظَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَزْدَكُمْ﴾(٢) . وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل القاص وهو أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر به قال: قال رسول الله وَله: ((لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم بالله فقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَّكُمْ (٣) أَزْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اٌلْخَسِينَ وقوله: ﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَلْنَارُ مَثْوَّى لََّمَّ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَّبِينَ (٣)﴾ أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا هم في النار لا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارهم فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات. قال ابن جرير: ومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا فلا جواب لهم قال: وهذا كقوله تعالى إخباراً عنهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمَا ضَآلِينَ (بَ رَبَّ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ ١٠٨) [المؤمنون]. (٤) قَالَ أَخْسَنُواْ فِهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرْئَةَ فَزَيَّنُوا لَهُم ◌َا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَسْوَاَ اَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (َ) ذَلِكَ ٢٦ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا جَزَآءُ أَعْدَاءِ اَللَّهِ النَّارِ لَهُمْ فِيَهَا دَارُ الْخُلُّدِّ جَزَّةً بِمَا كَانُواْ بِاَلْنَا يَحْدُونَ . الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجَعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَّكُمْ ... ﴾ [فصلت: ٢٣] (ح ٤٨١٧)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٥). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، والشطر الأول سنده حسن، والشطر الثاني رجاله ثقات لكن سنده مرسل. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٣/٢٣ ح ١٥١٩٧)، وقال محققوه: حديث صحيح دون قوله: ((فإن قوماً قد أرداهم ... )). (٤) ذكره الطبري بمعناه وأطول. ٥٢٣ • سُورَةُفُضِّلَتْ (٢٥، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: حسنوا لهم أعمالهم في الماضي وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَمُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ (®)﴾ [الزخرف]. وقوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ أي: استووا هم وإياهم في الخسار والدمار. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِذَا الْقُرْءَانِ﴾ أي: تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا للقرآن ولا ينقادوا لأوامره ﴿وَأَلْفَوْا فِيهِ﴾ أي: إذا تلي لا تسمعوا له كما قال مجاهد: ﴿وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ يعني: بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله وَ﴿ إذا قرأ القرآن قريش تفعله (١). وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَلْفَوْاْ فِيهِ﴾ عيبوه(٢). وقال قتادة: اجحدوا به وأنكروه وعادوه(٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ومن سلك مسلكهم عن سماع القرآن، وقد أمر الله ◌ُعَلَ عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنِصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (®)﴾ [الأعراف]. ثم قال تعالى منتصراً للقرآن ومنتقماً ممن عاداه من أهل الكفران ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه ﴿ وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَسْوَاَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بِشَرِّ أعمالهم وسيء أفعالهم ﴿ذَلِكَ جَآءُ أَعْدَاءِ الَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلِدِ جَآءْ بِمَا كَانُواْ بِاَِنَا يَحْمَدُونَ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَّيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ اُلْجِنّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ٢٩٦ قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مالك بن الحصين الفزاري، عن أبيه، عن علي رَبُّه في قوله تعالى: ﴿الَّذَّيْنِ أَضَلَّانَ﴾ قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه(٤). وهكذا روى حبة [العُرني)](٥)، عن علي به مثل ذلك(٦). وقال السدي، عن علي رظه: فإبليس يدعو به كل صاحب شرك وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة (٧)، فإبليس الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه وابن آدم الأول كما ثبت في الحديث: ((ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل))(٨). (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وهو مرسل ويتقوى بمرسل صحيح عن قتادة كما يليه. (٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وكذا الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٠/٢). (٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير البستي، وفي الأصل صحف إلى: ((العدني)). (٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق حبة العرني به. (٧) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن السدي لم يلق علياً (٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣٠. ٥٢٤ • سُؤْرَةٌ فُضِلَتْ (٣٢،٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي: أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذاباً منا ولهذا قالوا: لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: في الدرك الأسفل من النار كما تقدم في الأعراف في سؤال الأتباع من الله تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: أنه تعالى قد أعطى كلاً منهم ما يستحقه من العذاب والنكال بحسب عمله وإفساده كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (M) [النحل]. ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (٣٥) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (® نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ ذَحِمٍ . يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدمُوا﴾ أي: أخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الجراح، حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة الشعيري، حدثنا سهيل بن أبي حزم، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك به قال: قرأ علينا رسول الله وخلال هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُوا﴾ قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها(١)، وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير، عن عمرو بن علي الفلاس، عن سلم بن قتيبة به (٢). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الفلاس به (٣). ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران قال: قرأت عند أبي بكر الصديق لله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً (٤)، ثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر الصديق ◌ُبه ما تقولون في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ قال: فقالوا: ﴿رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَامُوا﴾ من ذنب فقال: لقد حملتموه على غير المحمل قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُوا﴾ فلم يلتفتوا إلى إله غيره(٥). وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد (٦) (١) مسند أبي يعلى (٢١٣/٦ ح٣٤٩٥) وسنده ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم (التقريب ص٢٥٩). (٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٧٠) وتفسير الطبري، وسنده كسابقه. (٣) سنده ضعيف كسابقه. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن سعيد بن نمران مجهول (لسان الميزان ٤٦/٣) ولكنه توبع بالأسود بن هلال كما في الرواية التالية، فيرتقي إلى الحسن لغيره. (٥) أخرجه الطبري من طريق الأسود بن هلال به، وأخرجه الحاكم من الأسود به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٠/٢). (٦) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وأخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وأخرجه الطبري بسند فيه حفص بن عمر وهو ضعيف عن عكرمة ويتقوی بسابقه. ٥٢٥ • سورافضِّلَت (٣٢،٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس ها؛ أي: آية في كتاب الله تبارك وتعالى أرخص؟ قال: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَدمُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله(١). وقال الزهري: تلا عمر ته هذه الآية على المنبر ثم قال: استقاموا واللهِ لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب(٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُوا﴾ على أداء فرائضه(٣)، وكذا قال قتادة: قال: وكان الحسن يقول اللَّهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة(٤). وقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ أُسْتَقَدمُوا﴾ أخلصوا له الدين والعمل. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلاً قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال وَله: ((قل آمنت بالله ثم استقم)» قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه(٥). ورواه النسائي من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء(٦) به. ثم قال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز العامري، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول حدثني بأمر أعتصم به. قال رَّر: (قل: ربي الله ثم استقم)) قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله بطرف لسان نفسه ثم قال: ((هذا)»(٧). وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي: حسن صحيح(٨). وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال ◌َ له: ((قل: آمنت بالله ثم استقم)) وذكر تمام الحديث(٩). وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ قال مجاهد والسدي وزيد بن أسلم وابنه: يعني عند الموت(١٠) قائلين: ﴿أَلَّا تَخَافُواْ﴾. قال مجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم؛ أي: مما تقدمون عليه (١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر، ويتقوى برواية أنس السابقة. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس بن يزيد عن الزهري. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء به بلفظ: ((فأشار بيده إلى لسانه)) (المسند ١٤٢/٢٤ ح١٥٤١٧) وصحح سنده محققوه. (٦) السنن الكبرى، التفسير (ح١١٤٨٩)، وسنده كسابقه. (٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق معمر عن ابن شهاب الزهري به (المسند ١٤٥/٢٤ ح١٥٤١٩) وصحح سنده محققوه. (٨) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان (ح ٢٤١٠)، وسنن ابن ماجه، الفتن، باب كفّ اللسان في الفتنة (ح ٣٩٧٢). (٩) صحيح مسلم، الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام (ح٣٨). (١٠) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٥٢٦ • سُورَةُفُضَّلَنَا (٣٢،٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من أمر الآخرة ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين فإنا نخلفكم فيه (١) ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُعَدُونَ﴾ فيبشرونهم بذهاب الشر [وحصول الخير(٢)]، وهذا كما جاء في حديث البراء ◌َظُه قال: ((إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان)). وقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم حكاه ابن جرير، عن ابن عباس والسدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتاً [قرأ](٣) السجدة حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَمُواْ تَتَزَُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَكَةُ﴾ فوقف، فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوُعَدُونَ﴾ قال: فيؤمن بالله تعالى خوفه ويقر عينه فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قرة عين لما هداه الله تبارك وتعالى ولما كان يعمل في الدنيا (٤). وقال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم وهذا القول يجمع الأقوال كلها وهو حسن جداً وهو الواقع. وقوله: ﴿فَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةَ﴾ أي: تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار ﴿نَحْنُ كنا أولياءكم في الحياة الدنيا﴾ أي: قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور ونؤمنكم يوم البعث والنشور ونجاوز بكم الصراط المستقيم ونوصلكم إلى جنات النعيم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىَ أَنفُسُكُمْ﴾ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [أي: مهما طلبتم وجدتم وحضر بين أيديكم كما اخترتم ﴿نُلاً مِّنْ غَفُورٍ أَّحِيم (٣٢) أي: ضيافة وعطاء وإنعاماً من غفور لذنوبكم رحيم بكم رؤوف حيث غفر وستر ورحم ولطف. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث سوق الجنة عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ (®](٥) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم ®﴾ فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد، حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة ظه فقال أبو هريرة تظلبه: أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم أخبرني رسول الله أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها ونزلوا بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله 3، ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٢) زيادة من (حم) و(محٍ). (٤) سنده مرسل لأن ثابتاً رواه بلاغاً. (٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: بياض. (٥) زيادة من (حم) و(مح). ٥٢٧ • سُوََّةُ فُضَّلَنَا (٣٢،٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ويوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم دنيء على كثبان المسك والكافور ما يرون أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً . قال أبو هريرة ربه: قلت: يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال ◌َّير: ((نعم، هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟)) قلنا: لا، قال وسلم: ((فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم تعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى إنه ليقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ يذكره غدراته في الدنيا فيقول؛ أي: ربِّ أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، قال: فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط، قال: ثم يقول ربنا رَك: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة وخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقاً قد حفَّت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب، قال: فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً، قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه. وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحباً وأهلاً بحبيبنا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى وبِحَقُّنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به)»(١). وقد رواه الترمذي في صفة الجنة من جامعه عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار به نحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بابه قال: قال رسول الله وَلّى: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) قلنا: يا رسول الله، كلنا نكره الموت قال ◌َ: «ليس ذلك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حُضِرَ جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه، قال: وإن الفاجر - أو الكافر - إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه))(٣). وهذا حديث صحيح، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه (٤). (١) في سنده حبيب بن عبد الحميد بن أبي العشرين صدوق ربما وهم كما في التقريب. وهذا من أوهامه فإن الثقات رووه عن الأوزاعي قال نبئت عن سعيد بن المسيب، والحديث منقطع السند بين الأوزاعي وسعيد بن المسيب. (ينظر: الضعفاء للعقيلي ٤١/٣، والعلل للدار قطني ٢٦٧/٧). (٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في سوق الجنة (ح٢٥٤٩)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح٤٣٣٦). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٧/٣) وسنده صحيح. (٤) أخرجه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت به. (صحيح البخاري، الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٦٥٠٧، وصحيح مسلم، الذكر، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ح ٢٦٨٣). ٥٢٨ سُورَةُ فُصِّلَنَ (٣٣، ٣٦) 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 وَلَا ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ فَوْلًا مِّمَن دَعَاً إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَ السَِّئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَُّ وَإِىُّ حَمِيمٌ (٣٤) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ ٣٥ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ (®﴾. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: دعا عباد الله إليه ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: هو في نفسه مهتد بما يقوله فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه بل يأتمر بالخير ويترك الشر ويدعو الخلق إلى الخالق تبارك وتعالى، وهذه عامة في كل من دعا إلى الخير وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﴿ أولى الناس بذلك كما قال محمد بن سيرين والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(١) . وقيل: المراد بها المؤذنون(٢) الصلحاء كما ثبت في صحيح مسلم: ((المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة))(٣) وفي السنن مرفوعاً: ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين))(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن الهروي، حدثنا غسان قاضي هراة، وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن الحسن، عن سعد بن أبي وقاص به أنه قال: ((سهام المؤذنين عند الله تعالى يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله تعالى في دمه)) قال: وقال ابن مسعود ظُه: لو كنت مؤذناً ما باليت أن لا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد قال: وقال عمر بن الخطاب رضيبه: لو كنت مؤذناً لكمل أمري وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار سمعت رسول الله والقوى يقول: ((اللَّهم اغفر للمؤذنين)) ثلاثاً، قال: فقلت: يا رسول الله تركتنا ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف قال ◌َ : ((كلَّ يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعافهم وتلك لحوم حرمها الله على النار لحوم المؤذنين)) قال: وقالت عائشة ولهم هذه الآية ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣)﴾ قالت: فهو المؤذن إذا قال: حيَّ على الصلاة فقد دعا إلى الله(٥). وهكذا قال ابن عمر وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين(٦). (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، وقول محمد بن سيرين عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) أخرجه البستي بسند صحيح عن سفيان. (٣) صحيح مسلم، الصلاة، باب فضل الأذان (ح ٣٨٧). (٤) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (السنن، الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت ح ٥١٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٨٦). (٥) سنده ضعيف لأن مطراً وهو الوراق صدوق كثير الخطأ كما في التقريب، والحسن البصري لم يسمع من الصحابة المذكورين. (٦) أخرجه البغوي عن عكرمة تعليقاً (معالم التنزيل ١١٤/٤). ٥٢٩ سُورَةُ فُضِلَنَا (٣٣، ٣٦) وقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي ظُبه أنه قال في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ يعني: صلاة ركعتين بين الأذان والإقامة (١). ثم أورد البغوي حديث عبد الله بن المغفل حظاته قال: قال رسول الله وَله: ((بين كل أذانين: صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء)) - وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من حديث عبد الله بن بُريدة(٢) عنه - وحديث الثوري عن زيد العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك به قال: قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي ◌َله: ((الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة))(٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي في اليوم والليلة كلهم من حديث الثوري به وقال الترمذي: هذا حديث حسن (٤)، ورواه النسائي أيضاً من حديث سليمان التيمي عن قتادة، عن أنس به(٥) . والصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعاً بالكلية؛ لأنها مكية والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة حين أريه عبد الله بن ـّه في منامه فقصه على رسول الله وَظله فأمره أن يلقيه على بلال زيد بن عبد ربه الأنصاري فإنه أندى صوتاً كما هو مقرر في موضعه، فالصحيح إذن أنها عامة كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله أجاب الله في دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته وعمل صالحاً في إجابته وقال إنني من المسلمين هذا خليفة الله(٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَِّئَةُ﴾ أي: فرق عظيم بين هذه وهذه ﴿آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه كما قال عمر ظه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وقوله رَى: ﴿الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ﴾ وهو الصديق إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي لك حميم؛ أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك. ثم قال: ﴿وَمَا يُلَفَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك فإنه يشق على النفوس ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة. (١) أخرجه البغوي عن أبي أمامة تعليقاً (المصدر السابق). (٢) صحيح البخاري، الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة ... (ح٦٢٤)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة (ح٨٣٨). (٣) أخرجه البغوي من طريق سفيان الثوري به، (معالم التنزيل ١١٤/٤، ١١٥). (٤) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب ما جاء في الدعاء بين الأذان والإقامة ح٥٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٨٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، الصلاة، باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ح٢١٢) والنسائي في السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة (ح ٩٨٩٦). (٥) المصدر السابق (ح ٩٨٩٩). (٦) سنده صحيح. ٥٣٠ سُؤْرَةُ فُضْلَتْ (٣٧، ٣٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم(١). وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: أن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله والتجأت إليه كفَّه عنك وردَّ كيده، وقد كان رسول الله وَّ إذا قام إلى الصلاة يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه))(٢)، وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بَلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِلَّهِ إِنَُّ سَمِيعُ عَلِيهُ وفي سورة المؤمنين عند قوله: ﴿آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَّةُ فَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿ وَقُل رَّبِّ وَأَعُوذُ بِكَّ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ - ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ اَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرَّ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأُسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَمُ بِلَيْلِ وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةُ فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾ (@) الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَىَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ()﴾. يقول تعالى منبهاً خلقه على قدرته وأنه الذي لا نظير له على ما يشاء قادر ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه وهما متعاقبان لا يفترقان، والشمس نورها وإشراقها والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجُمع والشهور والأعوام، ويتبيَّن حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات. ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه لا يغفر أن يشرك به ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ﴾ أي: عن إفراد العبادة له وأبَوا إلا أن يشركوا معه غيره ﴿فَلَّذِينَ عِندَ رَيِّكَ﴾ يعني: الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ ◌ِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ كقوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمَا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان - يعني ابن وكيع -، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسبوا الليل ولا النهار ولا الشمس ولا القمر ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم وعذاباً لقوم)) (٣). (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) تقدم تخريجه في تفسير الاستعاذة. (٣) (مسند أبي يعلى ١٣٩/٤ ح٢١٩٤) وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وابن أبي ليلى هو محمد بن = ٥٣١ سُؤَدَةُ فُضِلَنَا (٤٠، ٤٣) 9000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000000000 وقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ﴾ أي: على قدرته على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ أي: هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة ﴿فَإِذَا أَنْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ ءَايَتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَأُ أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُ أَمَ مَن يَأْتِىّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَّمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ @ لَا يَأِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيَّ ءَايَِنَا﴾ قال ابن عباس: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه(١). وقال قتادة: هو الكفر والعناد(٢). وقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَاً﴾ فيه تهديد شديد ووعيد أكيد؛ أي: إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَنَ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرُّ أَم مَّنْ يَأْتِيّ ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان. ثم قال [رشّ تهديداً للكفرة: ﴿أَعْمَلُوْ مَا شِئْتُمْ﴾ قال مجاهد والضحاك وعطاء الخراساني: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ وعيد؛ أي: من خير أو شر إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم(٣) ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾ ثم قال جلَّ جلاله](٤): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَّمَّا جَهُمَّ﴾ قال الضحاك والسدي وقتادة: وهو القرآن(٥) ﴿وَإِنَُّ لَكِنَبُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد بمثله ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ ﴾ أي: ليس للبطلان إليه سبيل لأنه منزل من رب العالمين ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله حميد بمعنى محمود؛ أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته. ثم قال: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك(٦)، فكما كُذِّبت كذبوا وكما صبروا على أذى قومهم لهم فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير ولم يحك هو ولا ابن أبي حاتم غيره. عبد الرحمن وهو صدوق سيء الحفظ، وقال الهيثمي: إسناده ضعيف. (مجمع الزوائد ٧١/٨)، وأخرجه = الطبراني بسند فيه سعيد بن بشير وهو ضعيف (المعجم الأوسط ح٢٧٩٥). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٣) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) زيادة من (حم) و(مح). (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٥٣٢ سُورَةُ فُصِّلَتْ (٤٤، ٤٥) 200000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000 وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي: لمن تاب إليه ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: لمن استمر على كفره وطغيانه وعناده وشقاقه ومخالفته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ قال رسول الله وَّه: ((لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تَّكلَ كل أحد))(١). ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَاَلْتُهُ,ءَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىُّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ مَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىّ أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوَّلَا كَكَلِمَةُ سَبَقَتْ مِن زَّيِِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمَّ وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مُرِيبٍ (@)﴾. لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه ومع هذا لم يؤمن به المشركون نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( ١٩٨ (٣)﴾ [الشعراء] وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على فَقَرَمُ عَلَيْهِمِ مَا كَانُواْ بِهِ مُؤْمِنِينَ وجه التعنت والعناد ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُوَأَعْجَمِىٌ وَعَرَبِىٌ﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلاً بلغة العرب لأنكروا ذلك فقالوا: أعجمي وعربي؛ أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟ هكذا روي هذا المعنى عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم(٢). وقيل: المراد بقولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ,ءَأعْجَمِىٌّ وَعَرَّبِىٌ﴾ أي: هل أنزل بعضها بالأعجمي وبعضها بالعربي؟ هذا قول الحسن البصري وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله: ((أعجمي))(٣) وهو رواية عن سعيد بن جبير(٤)، وهو في التعنت والعناد أبلغ ثم قال تعالى: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ﴾ أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان كما قال ◌َالَ: ﴿وَنُفَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ بِجَ﴾ [الإسراء] ﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّ خَسَارًا قال مجاهد: يعني بعيد من قلوبهم(٥). (١) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، وإرسال سعيد بن المسيب. (٢) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس عنه. قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٣) وهي قراءة متواترة. (٤) قول الحسن أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق رجل مبهم عن مجاهد. ٥٣٣ سُورَةُفُضَلَتْ (٤٦، ٤٨) قال ابن جرير: معناه كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول(١). وقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَعَثَلِ الَّذِىِ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاءً صُمْ ﴾ [البقرة] وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم(٢). بَكْمَّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ـته: جالساً عند رجل من المسلمين يقضي إذ قال: يا وقال السدي: كان عمر بن الخطاب لبيكاه فقال له عمر ربه: لم تلبي، هل رأيت أحداً أو دعاك أحد؟ فقال: دعاني داع من وراء البحر، فقال عمر ربه: أولئك ينادون من مكان بعيد(٣). رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيهٍ﴾ أي: كُذِّبَ وأُوذِيَ ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى﴾ [الشورى: ١٤] بتأخير الحساب إلى يوم المعاد ﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مُرِيٍ﴾ أي: وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا بل كانوا شاكين فيما قالوه غير محققين لشيء كانوا فيه (٤)، هكذا وجهه ابن جرير وهو محتمل، والله أعلم. (٨) ﴿ إِلَيْهِ يُرَدُ عِلْمُ ﴿ ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأْ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهٍ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلٌّ وَظَنُوا مَا لَهُم مِّن شُرَكَآءِى قَالُواْ ءَاذَنَّكَ مَا مِنَا مِن شَهِيدٍ نَحِیصٍ يقول تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك على نفسه ﴿ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك عليه ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يعاقب أحداً إلا بذنبه ولا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه. ثم قال: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يعلم ذلك أحد سواه كما قال محمد نَّهُ - وهو سيد البشر - لجبريل عليه الصلاة والسلام - وهو من سادات الملائكة - حين سأله عن الساعة فقال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))(٥) وكما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْنَهَهَا (٣)﴾ [النازعات] وقال: ﴿لَا يُحِّهَا لِوَقِهَاً إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ﴾ أي: الجميع بعلمه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ وَكُلُ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١]. (١) ذكره الطبري بمعناه. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أجلح عن الضحاك. (٤) ذكره الطبري بمعناه. (٣) سنده ضعيف لأن السدي لم يلق عمر رضيالله. (٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مطولاً (الصحيح، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ◌َّر عن الإيمان ... ح ٥٠). ٥٣٤ • سُوَّرَةُ فُضِلَتْ (٤٩، ٥٤) وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيْهِمْ أَيْنَ شُرَكَآءِى﴾ أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رؤوس الخلائق أين شركائي الذين عبدتموهم معي ﴿قَالُوَآ ءَاذَنَّكَ﴾ أي: أعلمناك ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ أي: ليس أحد منا يشهد اليوم أن معك شريكاً ﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلٌ﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعوهم ﴿وَظَنُواْ مَا لَهُم مِّنِ تَجِيصٍ﴾ أي: وظن المشركون يوم القيامة وهذا بمعنى اليقين ﴿مَا لَهُم مِّنِ تَحِيصٍ﴾ أي: لا محيد لهم عن عذاب الله كقوله تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (@)﴾ [الكهف]. وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِّنَّا ] ﴿لَّا يَسْتَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسُ قَنُوطٌ (@) مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ وَمَآ أَظُنُ السَّاعَةَ قَبِعَةٌ وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَتْلَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّّ فَذُو دُعَآٍ عَرِيِضٍ يقول تعالى: لا يملّ الإنسان من دعاء ربه بالخير، وهو المال وصحة الجسم وغير ذلك وإنه مسه الشر وهو البلاء أو الفقر ﴿فَيَئُوسُ قَنُوطٌ﴾ أي: يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير. ﴿وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ﴾ أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن هذا لي إني كنت أستحقه عند ربي ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ﴾ أي: يكفر بقيام الساعة؛ أي: لأجل أنه خوَّل نعمة يبطر ويفخر ويكفر كما قال تعالى: ﴿كَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَيَطْفٌَ أَنْ رَّوَاهُ أَسْتَغْفَى (٣)﴾ [العلق]. ﴿وَلَيِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: ولئن كان ثم معاد فليُحسنَنَّ إلي ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على الله وم مع إساءته العمل وعدم اليقين قال الله تعالى: ﴿فَلَنَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهِ ﴾ أي: أعرض عن الطاعة واستكبر عن الانقياد لأوامر الله رَت كقوله تعالى: ﴿فَتَوَّ بِرَّكْبِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩]. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ﴾ أي: الشدة ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض ما طال لفظه وقلّ معناه، والوجيز عكسه وهو ما قلَّ ودلَّ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَبِمَا فَلَا كَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَسَهُ﴾ [يونس: ١٢]. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَغَرْتُ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَؤُرِيهِمْ ءَايَِنَا فِ آلْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ ٥٢٦ ٥٤ أَلَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَاءِ رَبِّهِمُّ أَلَّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطٌ شَىْءٍ شَهِيدٌ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُ بِهِ﴾ أي: كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَنْ هُوَ فِىِ شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في كفر وعناد ومشاقة للحق ومسلك بعيد ٥٣٥ سُورَةُفُضِلَتْ (٥٢، ٥٤) من الهدى ثم قال: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ آلْأَفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقاً منزلاً من عند الله على رسول الله وَ ل* بدلائل خارجية ﴿فِى الْآَفَاقِ﴾ من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة (١) ونحو ذلك من الوقائع التي حلّت بهم نصر الله فيها محمداً وَله وصحبه وخذل فيها الباطل وحزبه، ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح، وغير ذلك وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله وقوته وحيله وحذره أن يجوزها ولا يتعداها كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه (التفكر والاعتبار)) عن شيخه أبي جعفر القرشي [رحمة الله عليه](٢): فانظر إليك ففيك مُعتبر وإذا نظرت تريد معتبراً في الدنيا وكل أموره عِبرُ أنتَ الذي تُمسي وتُصبح ثم استقلَّ بشخصك الكبرُ أنت المصرّفُ كان في صغرٍ ينعاه منه الشّعرُ والبشر أنت الذي تنعاه خلقته لا ينجيه من أن يُسلَبَ الحذرُ أنت الذي تعطي وتسلب وأحق منه بما له القدر أنت الذي لا شيء منه له وقوله تعالى: ﴿حَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: كفى بالله شهيداً على أفعال عباده وأقوالهم وهو يشهد أن محمداً ي ليل صادق فيما أخبر به عنه كما قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَئِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦]. وقوله تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: في شك من قيام الساعة ولهذا لا يتفكرون فيه ولا يعملون له ولا یحذرون منه بل هو عندهم هدر لا یعباون به وهو کائن لا محالة وواقع لا ریب فیه. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سعيد الأنصاري قال: إن عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق والمكذب به هالك، ثم نزل. ومعنى قوله ربه: إن المصدق به أحمق، أي: لأنه لا يعمل له عمل مثله ولا يحذر منه ولا يخالف من هوله وهو ذلك مصدق به موقن بوقوعه، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في اللغة: ضعيف العقل، وقوله والمكذب به هالك هذا واضح، والله أعلم. (١) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف عن معمر عن رجل مبهم عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وقول مجاهد نسبه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول الحسن نسبه البغوي إليه. (٢) زياد من (مح). ٥٣٦ سُورَةُ فُضِلَتْ (٥٢، ٥٤) ثم قال تعالى مقرراً أنه على كل شيء قدير وبكل شيء محيط وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه تبارك وتعالى: ﴿أَلَاّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىءٍ تُحِيطٌ﴾ أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته وتحت طي علمه وهو المتصرف فيها كلها بحكمه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. • سُؤَدَّةُ الشُِّورَى (١، ٦) ٥٣٧ Q D D 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 00 سُورَةُ الشُِّورَى وهي مكية : بسم الله الرحمن 40 ﴿حَمّ ﴿ عَسَقّ ﴿﴿ كَذَلِكَ يُوحِيّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جَ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ ﴾ تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَبِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الْأَرْضُِّ أَلَّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ، أَوْلِيَآءَ ٦ ﴾. اللَّهُ حَفِيظُ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً منكراً فقال: أخبرنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن أرطأة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: ﴿حَمّ ﴿ عَسَقّ ﴾﴾ قال: فأطرق ثم أعرض عنه ثم كرر مقالته، فأعرض عنه فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يُحِرْ إليه شيئاً(١) فقال له حذيفة: أنا أُنبئك بها قد عرفت لم كرهها ونزلت في رجل من أهل بيته يقال له: عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقاً، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على إحداها ناراً ليلاً فتصبح سوداء مظلمة وقد احترقت كأنها لم تكن مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ثم يخسف الله بها وهم جميعاً فذلك قوله: ﴿حَدّ Q عَسّقّ ﴾﴾ يعني: عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حُمّ: ﴿حمّ﴾، ((عين)) يعني: عدلاً منه. ((سين)) يعني: سيكون. ((ق)) يعني: واقع بهاتين المدينتين(٢). وأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس عن أبي ذرِّ عن النبي ◌َ ◌ّ في ذلك ولكن إسناده ضعيف جداً ومنقطع فإنه قال: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي، عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب ظُه المنبر فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله وَ لقوله يفسر ﴿حَمّ ج عَسَقّ ﴾﴾ فوثب ابن عباس فقال: أنا، قال: ﴿حمّ﴾ اسم من أسماء الله (١) كذا في النسخ الخطية، وفي صحيح الطبري بلفظ: ((فلم يجبه شيئاً)). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه مع الفرق المذكور، وسنده ضعيف لأن أرطأة لم يلق ابن عباس بل لم يلق أحداً من الصحابة ٥٣٨ • سُوَرَّةُ الشُِّورَى (١، ٦) 900000000000000000000000 000000000000 000 000 000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 000000 [تعالى، قال: فعين؟ قال: عاين المولون عذاب يوم بدر، قال: فسين؟ قال: سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال: فقاف؟ فسكت، فقام أبو ذرِّ ففسر كما قال ابن عباس ﴿ها وقال: قاف قارعة من السماء تغشى الناس](١)(٢). وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِىّ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اَللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أي: كما أنزل إليك هذا القرآن كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله. قال الإمام مالك تخّتُهُ: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿يا قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله 18 فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله وهليقول: ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ فيُفصَمُ عني وقد وعيت ما قال، وأحياناً يأتيني الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول)) قالت عائشة: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفْصِمُ عنه وإن جبينه وَّ ليتفصَّدُ عرقاً (٣). أخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري(٤). وقد رواه الطبراني عن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ثنا عن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله وَ لر كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال ويسير: ((في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وقال: وهو أشده عليَّ قال: وأحياناً يأتيني الملك، فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول))(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو رضيما قال: سألت رسول الله وَّ ر فقلت: يا رسول الله هل تحسُّ بالوحي؟ فقال رسول الله وَلا ير: ((أسمع صلاصل ثم [أسكت](٦) عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض))(٧) تفرد به أحمده. وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله و قر في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته لهُهنا ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ﴾ أي: الجميع عبيد له وملك له تحت قهره وتصريفه ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله تعالى: ﴿اٌلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة. (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) سنده ضعيف لأن الحسن بن يحيى الخشني صدوق كثير الخطأ. (التقريب ص١٦٤)، وأبو معاوية لم يلق عمر ولا أبا ذرًّ ا (٣) أخرجه الإمام مالك (الموطأ، جامع القراءة ح ٢٧٠) وسنده صحيح. (٤) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب ٢ (ح٢)، وصحيح مسلم الفضائل، باب طيب عرق النبي وَلـ (ح ٢٢٣٣). (٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٥٩/٣ ح٣٣٤٣)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عامر بن صالح به، وصحح سنده محققوه (المسند ١٤٧/٤٢ ح ٢٥٢٥٣). (٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أسكن)). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٤٢/١١ ح٧٠٧١) وضعف سنده محققوه. ٥٣٩ • سُورَةُ الشِوَى (٧، ٨) وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَتَفَطّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ وقال ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وكعب الأحبار: أي: فرقاً من العظمة(١). ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِ الْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمّدٍ كَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إعلام بذلك وتنويه به، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ. أَوْلِيَآءَ﴾ يعني: المشركين ﴿اللَّهُ حَفِيظُ عَلَهِمْ﴾ أي: شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عداً، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: إنما أنت نذير والله على كل شيء و کیل. ] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِ السَّعِيرِ ﴾ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَتِهِ، وَالَّلِمُونَ مَا لَمُ مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ يقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيَّكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: واضحاً جلياً بيناً ﴿لَيْنِذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلًا﴾ أي: من سائر البلاد شرقاً وغرباً، وسُميت مكة: أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: إن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول الله وسلم يقول وهو واقف بالحزورة في سوق مكة: ((والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)) هكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الزهري به وقال الترمذي: حسن صحیح(٢). وقوله: ﴿وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وقوله: ﴿لَا رَّبَ فِيةٍ﴾ أي: لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة. وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِبِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعْ ذَلِكَ يَوْمُ الَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] أي: يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُوٌ ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودِ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ (®)﴾ [هود]. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قَبيل المعافري، عن شُفيّ الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو ظًا قال: خرج علينا رسول الله وَّر وفي يده كتابان فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)) قلنا: لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله. قال وَلّر للذي في يمينه: ((هذا (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالآثار التالية: وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٩٧. ٥٤٠ • سُورَةُ الشُِّورَى (٧، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً))، ثم قال وي ليه للذي في يساره: ((هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً) فقال أصحاب رسول الله *: فلأي شيء نعمل إن كان هذا الأمر قد فرغ منه؟ قال رسول الله وَالحجر: ((سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل)) ثم قال رَّه بيده فقبضها ثم قال: ((فرغ ربكم ◌َ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة - ونبذ باليسرى وقال : - فريق في السعير))(١). وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة، عن الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عن أبي قبيل، عن شفي بن مانع الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو ﴿يا به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب(٢). وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزاهرية، عن عبد الله بن عمرو ظًا، عن النبي ◌َ ◌ّ ر فذكره بنحوه وعنده زيادات منها: ((ثم قال: فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله رَ))(٣)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث به ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قبيل، عن شفي، عن رجل من الصحابة ﴿ فذكره(٤). ثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح، عن يحيى بن أبي أسيد أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو ﴿ها قال: إن الله تعالى يقول: إن الله تعالى لما خلق آدم نفضه نفض المزود وأخرج منه كل ذريته، فخرج أمثال النغف(6) فقبضهم قبضتين ثم قال: شقي وسعيد ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير(٦)، وهذا الموقوف أشبه بالصواب، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد يعني: ابن سلمة أخبرنا الحريري، عن أبي نضرة قال: إن رجلاً من أصحاب النبي وس﴿ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعني: يزورونه فوجدوه يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله وقلقه: خذ من شاربك ثم أقرَّه حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكن سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الله تعالى قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى قال: هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أبالي)) فلا أدري في أي القبضتين أنا (٧). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢١/١١ - ١٢٣ ح ٦٥٦٣) وضعف سنده محققوه بسبب ما قيل في أبي قَبیل. (٢) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء إن الله كتب كتاباً لأهل الجنة وأهل النار (ح٢١٤١)، والسنن الكبرى، التفسير (ح١١٤٧٣)، وفي سنده أيضاً أبو قبيل. (٣) معالم التنزيل ١٢٠/٤. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً أبو قَبيل. (٥) أي: الدود. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. في سنده يحيى بن أبي أُسيد ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٨/ ٢٦١) وكذا ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ١٢٩/٩). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٤/٢٩ ح١٧٥٩٣) وصحح سنده محققوه.