Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ • سُورَأَ غْفِلٍ (٥١، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وسفك دماءهم(١)، وقد ذكر أن النمرود أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح ظلّل من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم، فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام وهذه نصرة عظيمة وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقرَّ أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري، عن أبي هريرة ◌َظُه ، عن رسول الله و ﴿ أنه قال: ((يقول الله تبارك وتعالى من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب))(٢). وفي الحديث الآخر: ((إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث بالحرب)) ولهذا أهلك الله تعالى قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسِّ وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحداً وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحداً(٣) . قال السدي لم يبعث الله رسولاً قط إلى قوم فيقتلونه أو قوماً من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال، فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها(٤). وهكذا نصر الله نبيه محمداً وَلي- وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان، وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية وجعل له فيها أنصاراً وأعواناً، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم له وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم منَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرَّت عينه ببلده وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنفذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك وفتح له اليمن ودانت له جزيرة العرب بكاملها ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده فبلغوا عنه دين الله ودعوا عباد الله تعالى إلى الله، وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائماً منصوراً ظاهراً إلى قيام الساعة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا أي: يوم القيامة تكون النصرة لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (@) أعظم وأكبر وأجل. قال مجاهد: الأشهاد الملائكة(٥). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمّ﴾ بدل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ وقرأ آخرون (١) ذكره الطبري بمعناه مختصراً. (٣) في متنه غرابة. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٩٨. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مختصراً. (٥) أخرجه الثوري بسند صحيح عن الأعمش عن مجاهد، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به. ٥٠٢ • سُودٌ غَفِلٍ (٥٧، ٥٩) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001 يوم بالرفع(١) كأنه فسره به ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمُ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ وهم المشركون ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الإبعاد والطرد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ وهي النار قاله السدي، بئس المنزل والمقيل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ﴾ أي: سوء العاقبة. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَنَّيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ الْكِتَبَ﴾ أي: جعلنا لهم العاقبة وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه بما صبروا على طاعة الله تبارك وتعالى واتباع رسوله موسى عليه الصلاة والسلام وفي الكتاب الذي ٥٤ وهي العقول الصحيحة السليمة. وقوله : ٠ أورثوه وهو التوراة ﴿هُدَّى وَذِكْرَى لِأَوْلِى الْأَلْبَبِ ﴿فَأَصْبِرْ﴾ أي يا محمد ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك وقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾ هذا تهييج للأمة على الاستغفار ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل ﴿ وَالْإِبْكَرِ﴾ وهي أول النهار وأواخر الليل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِى ءَايَتِ اَللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ﴾ أي: يدفعون الحق بالباطل ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِلِفِيةٍ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به وليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم بل الحق هو المرفوع وقولهم وقصدهم هو الموضوع ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من حال مثل هؤلاء ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان هذا تفسير ابن جرير. وقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِىٌّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمُّ إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيةٍ﴾ قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم وأنهم يملكون به الأرض فقال الله تعالى لنبيه وَ آمراً له أن يستعيذ من فتنة الدجال ولهذا قال: ﴿فَأَسْتَعِدْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٢) وهذا قول غريب وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم. ٥٧ ] ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَلَا الْمُسُِّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ السَّاعَةَ لَئِيَةٌ لَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ٠ يقول تعالى منبهاً على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه يسير لديه بأنه خلق السموات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر (١) وهي قراءة شاذة على التفسير. (٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وقال بسند صحيح عن أبي العالية. لكنه مرسل. وقول كعب عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. · سُورَةُ غَفَاءٍ (٦٠) ٥٠٣ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 على ما دونه بطريق الأولى والأخرى كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْفِىَ الْمَوْنَّ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (®)﴾ [الأحقاف] وقال ههنا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السموات والأرض وينكرون المعاد استبعاداً وكفراً وعناداً، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى اُلْأَعْمَى وَالْصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَلَا الْمُسِىءُّ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئاً والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ﴿قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة وواقعة ﴿لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها . قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن قدم من ثم قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس واشتد حرُّ الشمس(١). ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين ®)﴾. هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة كما كان سفيان الثوري يقول: يا مَن أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا مَن أبغض عباده إليه من لم يسأله وليس أحد كذلك غيرك يا ربّ. رواه ابن أبي حاتم وفي هذا المعنى يقول الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيُّ آدم حين يسأل يغضب وقال قتادة: قال كعب الأحبار أُعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطهن أمة قبلها ولا نبي: كان إذا أرسل الله نبياً قال له: أنت شاهد على أمتك وجعلتكم شهداء على الناس، وكان يُقال له: ليس عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِِّنِ مِنْ حَرَجَّ﴾ [الحج: ٧٨] وكان يُقال له: ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٢) رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح [المرّي] (٣) قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك ظُه، عن النبي ◌َ ل* فيما يروي عن ربه و قال: ((أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك وواحدة بيني (١) رجاله ثقات لكن الإمام مالك لم يصرح باسم شيخه، وعلى كل حال هو مقطوع. (٢) سنده مرسل ومعناه صحيح وله شواهد تقويه. (٣) كذا في (مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: و(حم) صُحف إلى: ((المزي)). ٥٠٤ • سُورَةُ غَفالٍ (٦٠) وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك)) (١). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذرِّ، عن يُسيع الكندي، عن النعمان بن بشير به قال: قال رسول الله وَله: ((إن الدعاء هو العبادة)) ثم قرأ: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُّ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾(٢). وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضاً من حديث شعبة، عن المنصور والأعمش كلاهما عن ذرِّ به، وكذا رواه ابن يونس، عن أسيد بن عاصم بن مهران، حدثنا النعمان بن عبد السلام، حدثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن ذرِّ به، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما وقال الحاكم صحيح الإسناد(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع أبو مليح المدني شيخ من أهل المدينة سمعه عن أبي صالح وقال: مرة سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَلاير: ((من لم يدع الله گێ غضب علیه)). تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح، سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من لا يسأله يغضب عليه))(٤). قال ابن معين أبو المليح هذا اسمه: صُبيح كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد، وأما أبو صالح هذا فهو: الخوزي سكن شعب الخوز، قاله البزار في مسنده، وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله ◌َّ: ((من لم يسأل الله يغضب علیە)»(٥) وقال أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام، حدثنا إبراهيم، عن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتاباً: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ◌َّ يقول: ((إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات، فتعرضوا له لعل دعوة أن توافق (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٤٣/٥ ح ٢٧٥٧) وسنده ضعيف لضعف صالح المري (مجمع الزوائد ٥١/١). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٦/٣٠ ح ١٨٣٨٦)، وصحح سنده محققوه. (٣) سنن أبي داود، الوتر، باب الدعاء (ح١٤٧٩)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة المؤمن (ح٣٢٤٧)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح١١٤٦٤)، وسنن ابن ماجه، الدعاء، باب فضل الدعاء (ح٣٨٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٠٨٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٩١). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٦/١٦ ح ١٠١٧٨) وضعف سنده محققوه لضعف أبي صالح الخوزي. (٥) سنده ضعيف كسابقه. ٥٠٥ سودة غفلٍ (٦١، ٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبداً)) (١). وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنّ عِبَادَتِ﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي سيدخلون جهنم داخرين؛ أي: صاغرين حقيرين كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ قال: ((يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر(٢) في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار))(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد، حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم فسمعت هاتفاً من فوق رأس الجبل وهو يقول: يا ربِّ عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحداً غيرك! يا ربِّ، عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك! قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى. قال: ثم عاد الثانية فقال: يا ربِّ عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك! قال: وهيب وهذه الطامة الكبرى، قال: فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك(٤). ] ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوّ فَى تُؤْفَكُونَ ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿ اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءُ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ هُوَ الْحَىُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (مَا﴾. يقول تعالى ممتناً على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه يستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصراً؛ أي: مضيئاً ليتصرفوا فيه بالأسفار وقطع الأقطار والتمكن من الصناعات ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم، ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا مُؤْ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد خالق الأشياء الذي لا إله غيره ولا ربَّ سواه ﴿فَأَ تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون من الأصنام التي لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة منحوتة؟ وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣)﴾ أي: كما ضل بعبادة غير الله (١) أخرجه الرامهرمزي بسنده ومتنه (المحدث الفاصل ص٤٩٧)، وسنده ضعيف لضعف نائل بن نجيح (التقريب ص٥٥٩). (٢) أي: النمل الصغير. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٠/١١ ح١٦٧٧) وحسن سنده محققوه. (٤) في سنده إبهام شيخ وهيب بن الورد. ٥٠٦ • سُورَةُ غَفٍ (٦١، ٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها لكم مستقراً بساطاً مهاداً تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم ﴿ وَالسَّمَآَةَ بِنَآءُ﴾ أي: سقفاً للعالم محفوظا ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَِّبَتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا فذكر أنه خالق الدار والسكان والأرزاق فهو الخالق الرازق كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشَا وَالسَّمَآءَ بِنَآءٍ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَِّ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [البقرة]. وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَىُّ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلاً وأبداً لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل ﴿فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو الحمد لله رب العالمين. قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين عملاً بهذه الآية(١). ثم روي عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٢) . وقال أبو أسامة وغيره، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير قال: إذا قرأت ﴿فَادْعُوُ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَُ﴾ فقل: لا إله إلا الله، وقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين ثم قرأ: ﴿فَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٣). [قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام؛ يعني: ابن عروة بن الزبير، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن بدر المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يُسلِّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. قال: وكان رسول الله وَ * يهل بهن دبر كل صلاة(٤). ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من (١) ذكره الطبري بنحوه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن علي بن الحسن بن شقيق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٨/٢). (٣) أخرجه الطبري من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً عن إسماعيل بن أبي خالد به. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/٤)، وسنده صحيح. ٥٠٧ سُورَةُ زفالٍ (٦٦، ٧٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله له يقول في دبر كل صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) وذكر تمامه](١)(٢). ﴿ قُلْ إِنِِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ لَمَّا جَآءَفِيَ اَلْبَيْنَتُ مِن رَّبِ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلَا أُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَأْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَّ مِنْ قَبْلُ وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلَا مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ هُوَ الَّذِى يُحِ وَيُمِيثٌ فَإِذَا قَضَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنُ فَيَكُونُ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان، وقد بيَّن تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه في قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُظْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً﴾ أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك ﴿وَمِنْكُمْ مَّن يُنَوَّ مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم بل تسقطه أمه سقطاً ومنهم من يتوفى صغيراً وشاباً وكهلاً قبل الشيخوخة كقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَيُفِرُّ فِ اَلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾ [الحج: ٥] وقال ههنا: ﴿وَلَبْلُغُواْ أَجَلَا مُسَنَّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن جريج تتذكرون البعث ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُحِىءٍ وَيُمِيثٌ﴾ أي: هو المتفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه ﴿فَإِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يخالف ولا يمانع بل ما شاء كان [لا محالة] (٣). الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِعَآ ﴿أَمَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاً فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ إِذِ الْأَغْظَلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾ فِ الَْمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ﴿٨ ثُمَّ قِلَ لَهُمْ أَبْنَ مَا كُمْ تُشْرِكُونَ (٨٣) مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا بَل لَّمْ تَكُنْ ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْقِّ وَبِمَا VE نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ كُمْ تَمْرَحُونَ ﴿ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُنَكَِّرِينَ يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ويجادلون في الحق بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا﴾ أي: من الهدى والبيان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب جل جلاله لهؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَّمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ [المرسلات]. وقوله: ﴿إِذِ الْأَغَْلُ فِىّ أَعْتَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ﴾ أي: متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩٤)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلّم (ح١٥٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٣٣). (٣) زيادة من (حم) و(مح). ٥٠٨ • سُورَةُ زفاٍ (٧٧، ٧٨) ﴿ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ وجوههم تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم ولهذا قال تعالى: ﴿يُسْحَبُّونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ النَّارِ يُّْجَرُونَ ﴾﴾﴾ كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ، جَهَمُ أَلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْمَحِيمِ [الرحمن]، وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ٠ ٤٤ (39) لَّا بَارِدٍ وَظِلّ مِّنْ يَحْمُومِ (٤٦ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ [الصافات]، ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ ٠ (٤) إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿﴿ لَكُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ ﴿﴿ فَالِئُونَ مِنْهَا وَلَا كَرِيمٍ (69)﴾ [الواقعة] وقال: هَذَا نُزْهُمْ يَوْمَ الِدِينِ ٥٥ فَشَرِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ) فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ لَلْحَسِيمِ اَلْبُطُونَ خُذُوهُ كَغَلِ الْحَمِيمِ ٤٥ ( كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِىِ اٌلْبُطُونِ طَعَامُ الْأَثِيْمِ ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ @ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ثُمَّ صُبُوا فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابٍ الْحَمِيمِ فَأَعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ اٌلْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ ﴾﴾ [الدخان] أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا بشير بن طلحة الخزامي، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن منبه رفع الحديث إلى رسول الله ﴿ قال: ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال: يا أهل النار؛ أي: شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون: نسأل بارد الشراب فتمطرهم أغلالاً تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم وجمراً يلهب النار عليهم(١). هذا حديث غريب. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قِلَ لَمْ أَبْنَ مَا كُتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؟ أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعونا ﴿بَلْ لَّمْ نَكُنْ تَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: جحدوا عبادتهم كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَفُهُمْ إِلَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٣)﴾ [الأنعام] ولهذا قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ اَلْكَفِرِينَ﴾ . أي: تقول لهم وقوله: ﴿ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَجُونَ ( الملائكة هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير حق ومرحكم وأشركم وبطركم ﴿أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فَبِلْسَ مَثْوَى الْمُنَكَِّينَ ®)﴾ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشدید لمن استکبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه. ، ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِلُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ WV وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم ◌َن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأَنِى بِشَايَةٍ إِلَّ بِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِىَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (®]﴾. يقول تعالى آمراً رسوله وَالله بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اُلَّذِى تَعِلُهُمْ﴾ أي: في الدنيا وكذلك وقع فإن الله تعالى أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم أبيدوا في يوم بدر ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته وَليه. (١) سنده ضعيف لأن خالد بن دريك لم يسمع من يعلى كما قرر أبو حاتم (المراسيل ص٥٢). ٥٠٩ • سُورَةُ غَافِلٍ (٧٩، ٨٥) وقوله: ﴿أَوْ نَتَوَقََّنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أي: فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة، ثم قال مسلياً له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَن قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ كما قال في سورة النساء سواء؛ أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة ﴿وَمِنْهُم مَن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِى بِشَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك فيدل على صدقه فيما جاءهم به ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين ﴿قُضِىَ يِاَلْقِّ﴾ فينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ . وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ ﴿اللَّهُ الَّذِىِ جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ لِتَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلِتَبْلُغُواْ عَيْهَا حَاجَةٌ فِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿ وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ، فَأَنَّ ءَايَتِ اَللَّهِ تُنكِرُونَ يقول تعالى ممتناً على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ﴿فَمِنْهَا رَُّهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ﴾ [يس: ٧٢]، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها الأرض، والغنم تؤكل ويشرب لبنها والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام(١) وسورة النحل(٢) وغير ذلك، ولذا قال ههنا: ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ ﴿٨) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَيْهَا حَاجَةٌ فِىِ صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ مُحْمَلُونَ (®)﴾. وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم ﴿فَأَنَّ ءَايَتِ اللَّهِ تُكِرُونَ﴾ أي: لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا(٣). ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِ فَرِحُواْ بِمَا قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ الْأَرْضِ فَمَّ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (٨) فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿ فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى ٨٥ عِبَادِهِ، وَخَسِرَ هُنَالِكَ اَلْكَفِرُونَ يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حلَّ بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما آثروه في الأرض وجمعوه من الأموال فما أغنى عنهم ذلك شيئاً ولا ردَّ عنهم ذرة (١) آية ١٤١ - ١٤٤. (٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((يعاندوا ويكابروا)). (٢) آية ٥ - ٨. ٥١٠ سُورُ زفاٍ (٨٢، ٨٥) من بأس الله وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. قال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب(١). وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم(٢)، فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به ﴿وَحَافَ بِهِم﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم ﴿قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَزْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ. مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، قال الله تعالى: ﴿وَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس] أي: فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام دعاءه حين قال: ﴿ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَ يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمِ﴾ [يونس: ٨٨] وهكذا قال تعالى ههنا: ﴿فَلَمْ يَُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَهُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَّا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ،﴾ أي: هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث: ((إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))(٣) أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ﴾. آخر سورة المؤمن ولله الحمد والمنة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٧. ٥١١ سُورَةُ فُصِّلَنْ (١، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 POD حتى ٥٥ 0700000 سُوْرَةُ فُضْلَّنْ(١) وهي مكية براسه الرحمن الرحيم كِتَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ فُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) ٥٥ ﴿حم بَشِيرًا وَنَذِيرًاً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُوْنَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَاِنَا وَقَرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنََّا عَمِلُونَ يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يقول تعالى: ﴿حمّ كقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن زَّيِّكَ بِالْحَقِ﴾ [النحل: ١٠٢] وقوله: ﴿وَإِنَُّ لَنَزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ١٩٢ نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ (١٩) عَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُذِرِينَ (9)﴾ [الشعراء]. وقوله: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾ أي: بينت معانيه وأحكمت أحكامه ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: في حال كونه لفظاً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة وألفاظه واضحة غير مشكلة كقوله: ﴿كِنَبُ أُعْكِمَتْ ءَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيرٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه ﴿لَّا يَأِْهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنْزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت]. وقوله تعالى: ﴿لَقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئاً مع بيانه ووضوحه ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ﴾ أي: في غلف مغطاة ﴿مِّمَّا تَدْعُوْنَآ إِلَيْهِ وَفِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ﴾ أي: صمم عما جئتنا به ﴿وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقوله ﴿فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك. قال الإمام العالم(٢) عبد بن حُميد في مسنده: حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، ◌ُّه عنه قال: اجتمعت قريش عن الأجلح، عن الذيَّال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبد الله يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولننظر ماذا يردّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله وَله . فقال: أنت خير أم عبد المطلب، فسكت رسول الله و ﴿ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير (١) كذا في (مح)، وفي الأصل: ((حم السجدة، وهو أيضاً من أسمائها)). (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((العلم). ٥١٢ سُورَةُ فُضِلَتْ (١، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة(١) قط أشأم على قومك منك، فرقتَ جماعتنا وشتَّتَ أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول الله وَجه: ((فرغت)) قال: نعم، فقال رسول الله وَله: ((﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حَمّ ﴾ تَنِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾)) حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (٣)﴾ [فصلت] فقال عتبة: حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ فقال رسول الله يقول: ((لا)) فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا والذي نصبها بنيَّة(٢) ما فهمت شيئاً مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك [يكلمك](٣) الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة(٤). وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواه(٥)، وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل، عن الأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي وقد ضعف بعض الشيء عن ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ اله فذكر الحديث إلى قوله: طـ الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله صَعِقَةُ مِثْلَ صَحِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمداً أبداً وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَِفَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (4)) فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكفّ وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب(٦)، وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى والله تعالى أعلم. وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط فقال: حدثني [يزيد](٧) بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدثت أن عُتبة بن ربيعة، وكان (١) أي: ولد الشاة من المعز والضأن. (٢) أي: الكعبة، وكانت تسمى بنيّة إبراهيم ◌َ﴾. (٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((فكلمك)). (٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسند عبد بن حميد ح١١٢١) وسنده فيه الأجلح الكندي وفيه مقال (ينظر تهذيب التهذيب ١٨٩/١)، وأخرجه الحاكم من الأجلح به مختصراً على آخره وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٥٣/٢). (٥) مسند أبي يعلى ٣٤٩/٣ (ح١٨١٨)، وسنده كسابقه. (٦) معالم التنزيل ١١٠/٤، وسنده كسابقه. (٧) زيادة من (حم) و(مح). ٥١٣ سُورَةُفُضِلَتْ (٦، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 سيداً قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله ومدير جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكفّ عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ظله ورأوا أصحاب رسول الله وَ﴾ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول الله وَّ ه فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضاً. قال: فقال رسول الله وَله: ((قل يا أبا الوليد أسمع)) قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عُتبة ورسول الله وَله يستمع منه قال: ((أفرغت يا أبا الوليد؟)) قال نعم. قال: ((فاستمع مني)) قال: أفعل. قال: ((﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حَمّ تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُ قُرْمَنَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٣))) ثم مضى رسول الله وَّر فيها وهو يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله وَلقد إلى السجدة منها فسجد ثم قال: ((قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك)) فقام عُتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خلّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزّه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم(١). وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم. - ﴿قُلِّ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ الَّذِينَ لَا يُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرٌ مَمْنُونٍ ﴾﴾ يقول تعالى: ﴿قُلّ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين ﴿إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين إنما الله إله واحد ﴿فَأَسْتَقِيمُوْ إِلَيْهِ﴾ أي: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل ﴿ وَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ (١) أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٣٠٥/١) وسنده ضعيف لإبهام شيخ محمد بن كعب. ٥١٤ سُورَةُ فُصَلَتْ (٦، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: لسالف الذنوب ﴿وَيٌَّ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: دمار لهم وهلاك عليهم ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ يعني: الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله(١)، وكذا قال عكرمة(٢) وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا جَ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنهَا هماً وكقوله: ﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تََّى ﴿ وَذَكَرَ أَسْمَ رَيْدٍ، فَصَلَّى (٣)﴾ [الأعلى] وقوله: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ (٨﴾ [النازعات]. إِلَى أَن تَزَّی والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك، وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام وتكون سبباً لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقاً إلى استعماله في الطاعات. وقال السدي: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْنُونَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: يؤدون الزكاة(٣). وقال معاوية بن قرة: ليس هم من أهل الزكاة. وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم(٤). وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير، وفيه نظر لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية اللَّهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة وكان مأموراً به في ابتداء البعثة كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بيّن أمرها بالمدينة ويكون هذا جمعاً بين القولين كما أن أصل الصلاة كان واجباً قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله ﴿ الصلوات الخمس وفصّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئاً فشيئاً والله أعلم. ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾﴾ قال مجاهد وغيره: غير مقطوع ولا مجبوب(٥) كقوله تعالى: ﴿مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾﴾ [الكهف] وقوله تعالى: ﴿عَطَةٌ غَيْرَ تَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقال السدي: غير ممنون عليهم(٦)، وقد ردّ عليه هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله على أهل الجنة قال الله تبارك وتعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧] وقال أهل الجنة: ﴿فَمَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَلْنَا عَذَابَ السَّمُورِ (٣)﴾ [الطور] وقال رسول الله وَّور: ((إلا إن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))(٧). (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) أخرجه الطبري بسند فيه حفص بن عمر وهو العدني: ضعيف ويتقوى بسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي بلفظ: (لو زكّوا وهم مشركون لم ينفعهم)). (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((مسحوب)). (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة له (صحيح البخاري، المرضى باب تمني المريض الموت ح٥٦٧٣) وصحيح مسلم، صفات المنافقين باب لن يدخل أحد الجنة بعمله (ح٢٨١٦). ٥١٥ • سُورَةُ فُضِلَتْ (٩، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 - ﴿﴿ قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ وَجَعَلَ فِهَا رَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءٍ لِلِسَّآيِينَ اسْتَوَىَ إِلَى السَّمَلِّ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَا وَلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَاً قَالَتَآَ أَنْنَا طَبِعِينَ ﴾ فَقَضَدُهُنَّ سَبْعَ سَمَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ اٌلْعَلِيمِ هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء القاهر لكلٍ شيء المقتدر على كل شيء فقال: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَتَحْعَلُونَ لَهُر أَنَدَادًا﴾ أي: نظراء وأمثالاً تعبدونها معه ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿فَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء فذكر أنه خلق الأرض أولاً لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف كما قال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَنٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٩] فأما قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ٢٩ ضُعَنهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا ﴿وَأَنُ أَشَدُّ خَقَّا أَمِ اُلَمَةُ بَهَا (َ) مَنَفًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُ (®﴾ [النازعات] ففي هذه دَحَتَهَا (٣) أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنَهَا (٦) وَاَلْجِبَالَ أَرْسَنُهَا الآية أن دحي الأرض كان بعد خلق السماء، فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَهَا وَمَرْعَنْهَا (7)) وكان هذا بعد خلق السماء فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص وبهذا أجاب ابن عباس رظُه فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال: وقال المنهال، عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ها: إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ﴿فَلَآّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَ لُونَ [الصافات] ﴿وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿َأَثُ أَشَدُ خَلْقَا أَمِ اُلَمَةُ بَنَهَا (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَاَ (٣٥)﴾ [النازعات] فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال تعالى: ﴿قُلّ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِأَلَّذِى خَلَقَ اٌلْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَآئِعِينَ﴾ فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، ثم نفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اَللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿فَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوَمَيِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ في النفخة الأخرى ﴿وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسََّلُونَ (٣)﴾ وأما قوله: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يُكتَمُ حديثاً، وعنده ﴿يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [الحجر: ٢]، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله تعالى دحاها وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ فخلق الأرض وما فيها من ٥١٦ سُؤْرَةُ فُصَلَنْ (٩، ١٢) شيء في أربعة أيام وخلق السموات في يومين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٩] سمى نفسه بذلك وذلك قوله؛ أي: لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلفن عليك القرآن فإن كلاً من عند الله رَّك . قال البخاري: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال(١) هو: ابن عمرو بالحديث. وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا﴾ أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس وقدر فيها أقواتها وهو ما تحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال: ﴿فِيّ أَرْبَعَةِ أَيََّمٍ سَوَآءُ لِلسَّآيِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه وقال عكرمة ومجاهد في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَها﴾ جعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها ومنه العصب(٢) باليمن، والسابوري بسابور(٣)، والطيالسة(٤) بالري(٥). وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى: ﴿سَوّءُ لِلِسَّآَيِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك (٦). وقال ابن زيد: معناه وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين؛ أي: على وفق مراده من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج(٧) إليه، وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]، والله أعلم. وقوله: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَّ إِلَى التَمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهاً﴾ أي: استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين. قال الثوري: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهاً﴾ قال: قال الله تبارك وتعالى للسموات: أطلعي شمسي وقمري والنجوم، وقال للأرض: شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ﴿قَالَتَآَ أَنْنَا طَآيِعِينَ﴾ (٨) واختاره ابن جرير دَخّْتُهُ ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ أي: بل نستجيب لك مطيعين بما فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجن والإنس جميعاً مطيعين لك، حكاه ابن جرير، عن بعض أهل العربية قال: (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب سورة حم السجدة قبل حديث ٤٨١٦). (٢) هو نوع من الملابس اليمنية يدرج غزله ثم يُحاك (ينظر تاج العروس باب ع ص ب). (٣) هو نوع من الثياب يقال لها: السابرية (ينظر المصدر السابق س ب ر). (٤) هو القماش الذي يوضع فوق العمامة. (٥) أخرجه الطبري والبستي بسند صحيح من طريق حصين السلمي عن عكرمة، وأخرجه الطبري أيضاً بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد، ويتقوى بسابقه. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، بنحوه، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه. (٨) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وأخرجه الحاكم من طريق طاوس عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧/١). ٥١٧ • سورةُفضّلَت (٩، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقيل: تنزيلاً لهن معاملة من يعقل بكلامهما، وقيل: إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم. وقال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره عليه لعذبهما عذاباً يجدان ألمه رواه ابن أبي حاتم. ﴿فَقَضَنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيِنِ﴾ أي: ففرغ من تسويتهنٍ سبع سموات في يومين؛ أي: آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ أي: ورتب مقرراً في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو ﴿وَزَيَّنَا السَّمَّةَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾ وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حرساً من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: العزيز الذي قد عزَّ كل شيء فغلبه، وقهره العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم. قال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال هناد: قرأت سائر الحديث، أن اليهود أتت النبي ◌َّ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال ◌َله: ((خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران فهذه أربعة قُلّ أَبِتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ وَّجْعَلُونَ لَهُ: أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾ وَجَعَلَ فِهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَيَزَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَها فِىِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَءُ لِلِسَّآيِلِينَ ﴾﴾ لمن سأله قال: وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات وفي الثانية: ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة: آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة)) ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ((ثم استوى على العرش)). قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب النبي و ﴿ غضباً شديداً فنزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ ﴿٨﴾ فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾(١) [ق: ٣٨، ٣٩]. هذا الحديث فيه غرابة، فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة ظ به قال: أخذ رسول الله وَل بيدي فقال: ((خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليلٍ)) فقد رواه مسلم والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به وهو من غرائب الصحيح وقد عللَّه البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة ◌ُه عن كعب الأحبار وهو الأصح (٢). (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي سعيد ويقال: أبي سعد البقال، وأخرجه الحاكم من طريق أبي بكر بن عياش به وصححه واستدرك عليه الذهبي بقوله: أبو سعيد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه. (المستدرك ٥٤٣/٢). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٥٤. ٥١٨ • سُوْرَةُ فُضِلَتْ (١٣، ١٨) 9000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَِفَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُّدُوْاْ إِلَّا اللّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبَّنَا لَأَنْزَلَ مَلَبِكَةٌ فَإِنَّا بِمَا أَرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ (١) فَمَّا عَدٌ فَأَسَتَكْبَرُواْ فِى الْأَرَضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُ ،فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيِّ أَيَّامٍ غَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا بِثَايَتِنَا يَجْحَدُونَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ ﴿﴿ وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَ عَلَى اَلْهُدَى فَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَنُوْ يَكْسِبُونَ (٣) وَنَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَثَّقُونَ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم كما حلَّت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين ﴿صَعِقَّةٌ مِّثْلَ صَحِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما ﴿إِذْ ◌َتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١] أي: في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحلَّ الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا: ﴿لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَزَلَ مَكَتَبِكَةٌ﴾ أي: لو أرسل الله رسلاً لكانوا ملائكة من عنده ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ﴾ أي: أيها البشر﴿ كَفِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى اَلْأَرَضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بغوا وعتوا وعصوا ﴿وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُ مِنَّا قُوَةً﴾؟ أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها ٤ ﴾ [الذاريات] الحاملة لها وأن بطشه شديد كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَءَ بَيَْهَا بِأَثِيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسله فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قال: بعضهم وهي شديدة الهبوب، وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت والحق أنها متصفة بجميع ذلك فإنها كانت ريحاً شديدة قوية لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة [البرد جداً كقوله تعالى: ﴿بِرِيج صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي: باردة](١) شديدة وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر المشهور ببلاد المشرق: صرصراً لقوة صوت جريه . وقوله تعالى: ﴿فيّ أَيَّامٍ نَِّسَاتٍ﴾ أي: متتابعات ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] وكقوله: ﴿فِي يَوْمِ نَخْسٍ مُسْتَمِرِ﴾ [القمر: ١٩] أي: ابتدأوا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام، حتى أبادهم عن آخرهم واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة ولهذا قال تعالى: ﴿لَّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرٌَّ﴾ أي: أشد خزياً لهم ﴿وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ أي: في الآخرة كما لم ينصروا في الدنيا وما كان لهم من الله من واقٍ يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال، وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو العالية (١) زيادة من (حم). ٥١٩ • سُوَّرَةُ فُضِلَتْ (١٩، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000000000000 000 000000 000000000 وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وابن زيد: بيَّنا لهم (١). وقال الثوري: دعوناهم. ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ أي: بصرناهم وبينا لهم ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام فخالفوه وكذبوه وعقروا ناقة الله تعالى التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورجفة وذلاً وهواناً وعذاباً ونكالاً ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: من التكذيب والجحود ﴿ وَنَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: من بين أظهرهم لم يمسهم سوء ولا نالهم من ذلك ضرر بل نجاهم الله تعالى مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام بإيمانهم وتقواهم لله ك. ـَ ﴿﴿ حَّ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ - ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ وَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٢٥) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَئِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَّ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا وَذَلِكُمْ ◌َتُْ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ ◌ُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَا تَعْمَلُونَ ٠ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ ﴿ فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (١)﴾ أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يحشرون إلى النار يوزعون؛ أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم كما قال تعالى: ﴿وَسُوقُ ﴾ [مريم] أي: عطاشا. وقوله: ﴿حََّ إِذَا مَا جَآءُوهَا﴾ أي: وقفوا عليها الْمُجْرِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِزْدًا لإ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يُكْتَم منه حرف ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا﴾ أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عبيد المكتب، عن الشعبي، عن أنس بن مالك به قال: ضحك رسول الله صل و ذات يوم وابتسم فقال : ((ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟)) قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال ◌َ: ((عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى. فيقول: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى: أوليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين، قال: فيردد هذا الكلام مراراً، قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعداً لكنَّ وسحقاً، عنكنَّ كنت أجادل))(٢). ثم (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحیح من طریق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٢) سنده حسن، وسيأتي تخريجه من صحيح مسلم، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن عبد الرحيم به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٦٠١/٤). ٥٢٠ • سُوَّرَةُ فُضِلَتْ (١٩، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو، عن الشعبي(١)، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنس ◌َُه غير الشعبي، وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعاً عن أبي بكر بن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري(٢) به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً رواه عن الثوري غير الأشجعي. وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلية، عن يونس بن عبيد، عن حميد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه وم عمله، فيجحد ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك؛ أي ربّ ما عملته قال: فإذا فعل ذلك خُتِمَ على فيه، قال الأشعري ◌ُه: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى(٣). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عنه، عن النبي ◌َّه قال: ((إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله تعالى وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار))(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي يقول: حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال لابن الأزرق(٥) إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم جلودهم وأبصارهم وأيديهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول: خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتقر الألسنة بعد الجحود(٦) ﴿أَنْطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن [قال](٧) وصف رجلاً جحد - قال: فيشير الله تعالى إلى لسانه فيربو في فمه حتى يملأه فلا يستطيع أن ينطق بكلمة ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه، فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه (٢) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح٢٩٦٩). (١) سنده صحيح. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة يس آية ٦٥. (٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٥٢٧/٢ ح ١٣٩٢) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم، ويتقوى بشواهده السابقة واللاحقة. (٥) هو نافع بن الأزرق من زعماء الخوارج. (٦) في سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف، ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة. (٧) زيادة من (حم) و(مح).