Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
• سُؤْرَةَ فَطَا (٤٠، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000000
] ﴿قُلْ أَهَيْتُمْ شُرَكََّكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمْ شِرُّ فِ
التَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كِتَبًا فَهُمْ عَلَى بَيِنَتٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضَا إِلَّا غُرُورًا ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهُ
يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيِنِ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنُّ بَعْدِهَّةٍ إِنَّهُ كَنَ حَلِيمًا غَفُورًا (﴾﴾ .
يقول تعالى لرسوله وَ﴿ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَءَ يْتُمْ شُرَّكََّكُمُ الَّذِينَ تَّدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من
الأصنام والأنداد ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرٌَّ فِ اُلتَّمَوَتِ﴾ أي: ليس لهم شيء من ذلك
ما يملكون من قطمیر.
وقوله: ﴿أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى بَيْنَتٍ مِّنْهُ﴾ أي: أم أنزلنا عليهم كتاباً بما يقولون من الشرك
والكفر؟ ليس الأمر كذلك ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: بل إنما اتبعوا في
ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي يمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور.
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيهما من
القوة الماسكة لهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولاً﴾ أي: أن تضطربا عن
أماكنهما، كما قال رَّ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ [الحج: ٦٥]، وقال
تعالى: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِوٍ﴾ [الروم: ٢٥]، ﴿وَلَيْنِ زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنَّ بَعْدِوَّةٍ﴾ أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور؛ أي: يرى
عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر، وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين
ويغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ كَلِيمًا غَفُورًا﴾ .
وقد أورد ابن أبي حاتم لههنا حديثاً غريباً بل منكراً، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد،
حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، عن [أمية بن شبل](١)، عن الحكم بن
أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: سمعت رسول الله وسلم يحكي عن موسى عليه
الصلاة والسلام على المنبر قال: وقع في نفس موسى عليه الصلاة والسلام: هل ينام الله ك؟
فأرسل الله إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما،
قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى حتى نام فاصطفقت
يداه فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلاً أن الله ريك لو كان ينام لم تستمسك السماء
والأرض(٢)، والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى عليه
الصلاة والسلام أجلُّ من أن يجوز على الله #3 النوم، وقد أخبر الله مك في كتابه العزيز بأنه
﴿ اَلْحَىُّ الْقَيُّوُ لَا تَأْخُذُمُ سِنَّهُ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وثبت في
الصحيحين عن أبي موسى الأشعري به قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله تعالى لا ينام، ولا
ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل
الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه))(٣).
(١) كذا في ترجمته (لسان الميزان ٤٦٧/١)، وفي (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((سنبل)) وفي (مح) صحف
إلى: سهل.
(٢) تقدم تخريجه وإنه منكر في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٥٥.

٣٢٢
سُورَةُ وَظِلٍ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن
الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود به فقال: من أين جئت؟
قال: من الشام، قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعباً، قال: ما حدثك؟ قال: حدثني أن السموات
تدور على منكب ملك، قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك
افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاً وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهٍِّ﴾(١). وهذا إسناد صحيح إلى كعب
وإلى ابن مسعود
ثم رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ذهب جندب
البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه(٢). وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين
الطليطلي سماه (سير الفقهاء) أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع، عن وكيع، عن
الأعمش به (٣)، ثم قال: وأخبرنا زونان؛ يعني: عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب، عن
مالك أنه قال: السماء لا تدور، واحتج بهذه الآية، وبحديث: ((إن بالمغرب باباً للتوبة لا يزال
مفتوحاً حتى تطلع الشمس منه))(٤) قلت: وهذا الحديث في الصحيح، والله أعلم.
﴿وَأَقْسَمُوْ بِلَِّ جَهْدَ أَيَْنِهِمْ لَيْنِ جَّهُمْ نَذِيِرٌ لَّيْكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى أَلْأُمَّ فَلَمَّا بَهُمْ نَذِيرٌ مَّا
زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴿٨ أَسْتِكْبَارًا فِ الْأَرْضِ وَمَكَرَ السَِّّ وَلَا يَحِقُ الْمَكْرُ السَِّئُ إِلَّ بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ
(٤٣)
إِلَّا سُنَّتَ آلْأَوِّنَّ فَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلًاٌ وَلَنْ تَجِدَ لِثُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (
يخبر تعالى عن قريش والعرب، أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم
﴿لَيْنِ جَهُمْ نَذِيْرٌ لَّكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِْدَى الْأُمَّمِ﴾ أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل،
قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأَ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآَيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ
دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَ كُم بَيْنَهُ مِّن
زَّبِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهًا﴾ [الأنعام: ١٥٦، ١٥٧]، وكقوله
فَكَفَرُوا بِهِ،
تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ (19) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَِّينَ (٣٨) لَكُنَّا عِبَادَ الَّهِ الْمُخْلَصِينَ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الصافات].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَلَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو محمد وه له بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو
القرآن المبين ﴿مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: ما ازدادوا إلا كفراً إلى كفرهم، ثم بيّن ذلك بقوله:
﴿أَسْتِكْبَارًا فِى الْأَرْضِ﴾ أي: استكبروا عن اتباع آيات الله ﴿وَمَكّرَ السَّ﴾ أي: ومكروا بالناس في
صدهم إياهم عن سبيل الله ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم
أنفسهم دون غيرهم.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، وهو كما قال، وقول كعب الأحبار ردّه ابن
ـبه.
مسعود ــ
(٢) أخرجه الطبري وسنده منقطع لأن إبراهيم لم يسمع من جندب.
(٣) سنده صحيح.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٨.

٣٢٣
سُودَةُ وَطل (٤٤، ٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا
الكوفي، عن رجل حدثه أن رسول الله و 8 قال: ((إياك ومكر السيء، فإنه لا يحيق المكر السيء
إلا بأهله، ولهم من الله طالب))(١).
وقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلن لم ينجُ حتى ينزل به: من مكر أو بغى أو
نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ﴿فَمَن تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهٍ﴾(٢) [الفتح: ١٠].
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ سُنَّتَ الْأَوَِّينَ﴾ يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم
أمره ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ أي: لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ أي: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُمْ﴾ [الرعد: ١١] ولا يكشف
ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد.
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ اٌلْأَرْضِ فَيَنَظُرُوْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴿﴿ وَلَوَ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ
بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَائَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ
(٤٥)
اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخلت منهم
منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من نعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعُدد، وكثرة الأموال
والأولاد، فما أغنى ذلك شيئاً، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه
تعالى لا يعجزه شيء إذا أراد كونه في السموات والأرض ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ أي: عليم
بجميع الكائنات قدير على مجموعها، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا
تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَةٍ﴾ أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض وما
يملكونه من دواب وأرزاق.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن
أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن
آدم، ثم قرأ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ◌َهْرِهَا مِنْ دَبَةٍ﴾(٣).
وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ أي: لما
سقاهم المطر فماتت جميع الدواب.
(١) سنده ضعيف لتعليقه وإبهام شيخ أبي زكريا .
(٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به (المصنف ١٦٤/٨)، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من
طريق أبي إسحاق السبيعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٢٨/٢).

٣٢٤
• سُوءَة وَظِلمع (٤٤، ٤٥)
﴿وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنٌَّ﴾ أي: ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذٍ، ويوفي
كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية، ولهذا قال تبارك وتعالى:
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ .
آخر تفسير سورة فاطر ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.

٣٢٥
• سُورَةُيَسْنَ
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000
00000
سُورَةُ يَسْ
[وهي)(١) مكية
قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي،
عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس
قال: قال رسول الله وَل: ((إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له
بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)) ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن
عبد الرحمن، وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق عظ اته: ولا يصح
لضعف إسناده(٢). وعن أبي هريرة : منظور فيه، أما حديث الصديق ◌ُه فرواه [الحكيم
الترمذي في كتابه نوادر الأصول](٣)(٤) وأما حديث أبي هريرة رظه فقال أبو بكر البزار: حدثنا
عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد هو ابن الحباب، حدثنا حميد هو: المكي مولى آل علقمة،
عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((إن لكل شيء قلباً وقلب
القرآن يس)) ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد(٥) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن
زياد، عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة به يقول: قال رسول الله وَله: ((من قرأ يس في ليلة
أصبح مغفوراً له، ومن قرأ ﴿حمّ﴾(٦) التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفور له))(٧). إسناده جيد.
وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا الوليد بن
شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جحادة، عن
الحسن، عن جندب بن عبد الله به قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ يس في ليلة ابتغاء
وجه الله غفر له))(٨) .
(١) زيادى من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل يسّ ح ٢٨٨٧)، وسنده
ضعيف، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث باطل لا أصل له (العلل ٥٦/٢).
(٣) زيادة من (مح).
(٤) نوادر الأصول (ص٣٣٥).
(٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٣٠٤)، وسنده ضعيف لضعف حميد المكي (الكامل في الضعفاء
٢٧٤/٢).
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٩٣/١١ ح ٦٢٢٤) وضعفه محققه لضعف هشام بن زياد.
(٨) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه (الإحسان ٣١٢/٦ ح٢٥٧٤)، وسنده ضعيف لعدم سماع الحسن من
جندب ه (المراسيل لابن أبي حاتم ص٤٢).

٣٢٦
• سُرَؤُ يَسْنَ) (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن
يسار نظرته قال: إن رسول الله وَ﴿ قال: ((البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون
ملكاً، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] من تحت العرش فوصلت بها
- أو فوصلت بسورة البقرة - ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له،
واقرؤوها على موتاكم))(١).
وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان به(٢).
ثم قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان
وليس بالنهدي، عن أبيه، عن معقل بن يسار به قال: قال رسول الله وَيقول: ((اقرؤوها على
موتاكم))؛ يعني: يس. ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن
المبارك به، إلا أن في رواية النسائي عن أبي العثمان، عن معقل بن يسار ظه(٣)، ولهذا قال
بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى، وكأن
قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أعلم.
قال الإمام أحمد تَخَّهُ: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا
قرئت - يعني يس - عند الميت خفف الله عنه بها (٤).
وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة،
عن ابن عباس قال: قال النبي ◌ِّير: (لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي)) يعني: يس(٥).
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
62 ﴿یس
) لِنُنذِرَ قَوْمَا مَّا أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴿ لَقَدْ حَقَّ اٌلْقَوْلُ عَّ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الرَّحِيم
تَزِيلَ الْعَزِيزِ
(٤َ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
V
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. وروي عن ابن عباس شـ
وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى: يا إنسان(٦).
وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة(٧).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/٥)، وسنده ضعيف لإبهام الرجل وأبيه، ولأوله شاهد تقدم
في فضائل سورة البقرة.
(٢) عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٥).
(٣) تقدم تخريجه في بداية فضائل سورة البقرة.
(٤) (المسند ١٠٥/٤).
(٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٣٠٥) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان (التقريب
ص٨٩).
(٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويتقوى بالآثار التالية: فقد
أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق يزيد عن عكرمة، وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن وعكرمة
والضحاك كما عزاه السيوطي في الدر المنثور.
(٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.

٣٢٧
• سُوُرَُّيَسَنٌ} (١٢،٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى(١).
﴿وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿إِنَّكَ﴾
أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ أي: على منهج ودين قويم وشرع
مستقيم ﴿تَزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب
صِرَّطِ اللَّهِ الَّذِى
العزة الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (﴿6﴾ [الشورى].
وقوله تعالى: ﴿لِنُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ يعني بهم العرب، فإنه ما أتاهم
من نذير من قبله، وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي
العموم، وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته وَ ل﴿ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ
يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَ الْقَوَّلُ عَلَّ أَكْثَرِهِمْ﴾ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم
بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله ولا يصدقون
رسله.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلَا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا
وَمِنْ خَلِفِرْ سَذًّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٣﴾ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ فَبَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾ إِنَّا نَحْنُ نُخِي
الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَمَاثَرَهُمَّ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِّ إِمَامٍ مُِّينٍ
يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من
جعل في عنقه غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه فصار مقمحاً، ولهذا قال
تعالى: ﴿فَهُم ◌ُقْمَحُونَ﴾ والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أُم زرع في كلامها: وأشرب
فأتقمح (٢)؛ أي: أشرب فأروي، وأرفع رأسي تهنيئاً وتروياً، واكتفى بذكر الغلِّ في العنق عن ذكر
اليدين وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر(٣):
فما أدري إذا يممت أرضاً
أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا يأتليني (٤)؟(٥)
فاكتفى بذكر الخير عن الشر، لما دلَّ الكلام والسياق عليه، وهكذا هذا لما كان الغلّ إنما
يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.
قال العوفي، عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ أَغْلَلًا فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ
(١) سنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلم (الصحیح، فضائل الصحابة، باب ذكر حديث أم زرع ح٢٤٤٨).
(٣) هو المثقب العبدي کما في ديوانه ص٢١٢.
(٥) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ٢٧٢) والطبري.
(٤) أي: الذي لا يقصر في طلبه.

٣٢٨
• سُوَّ ◌َلَيَسَنَ} (٨، ١٢)
0000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾﴾ قال: هو كقوله رَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ (١) [الإسراء: ٢٩] يعني
بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد: ﴿فَهُمْ تُقْمَحُونَ﴾ قال: رافعي رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم(٢)، فهم
مغلولون عن كل خير.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَذًا﴾ قال مجاهد: عن الحق(٣).
﴿وَمِنْ خَلِفِهِمْ سَذًّا﴾ قال مجاهد: عن الحق فهم يترددون(٤).
وقال قتادة: في الضلالات(٥).
وقوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَهُمْ﴾ أي: أغشينا أبصارهم عن الحق ﴿فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون
بخير ولا يهتدون إليه.
قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس ظّ أنه كان يقرأ ((فأعشيناهم)) بالعين المهملة من
العشاء، وهو داء في العين(٦).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان،
فهم لا يخلصون إليه، وقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨ وَلَوَ جَمَّتَهُمْ كُلُّ
◌َةٍ حَتَّى يَوَأْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣)﴾ [يونس] ثم قال: من منعه الله تعالى لا يستطيع(٧).
وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمداً لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِىّ أَعْنَقِهِمْ
أَغْكَلًا﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ قال: وكانوا يقولون هذا محمد، فيقول: أين هو؟ أين هو؟
لا یبصره(٨)، رواه ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم
جلوس: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكاً فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم
جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت
لكم نار تعذبون بها. وخرج عليهم رسول الله وَّر عند ذلك وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله
تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم ويقرأ ﴿يَسّ ﴾ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ حتى
انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلِفِهِمْ سَدَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ
وانطلق رسول الله وَ* لحاجته، وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري والبستي وابن أبي حاتم (كما في تغليق التعليق ٥/ ١٩٠) بإسنادين يقوي أحدهما الآخر.
(٤) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) ذكره الطبري تعليقاً بنحوه، ووصله البستي بسند ضعيف جداً فيه خارجة بن مصعب عن رجل مجهول،
وخارجة متروك يدلس عن الكذابين (التقريب ص١٨٦).
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.
(٨) أخرجه الطبري من طريق عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، وهو مرسل.

٣٢٩
• سُرَؤُلَّسَنَّ (٨، ١٢)
D M 0 4 D 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمداً، قال: قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا
وضع على رأسه تراباً، ثم ذهب لحاجته، فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب.
قال: وقد بلغ النبي ﴿ قول أبي جهل فقال: ((وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحاً وإنه
أحدهم))(١) .
وقوله: ﴿وَسَوَّهُ عَلَيْهِمْ ءَأَذَرْتَهُمْ أَمْ لَّ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: فقد ختم الله عليهم بالضلالة
فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به، وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٨ وَلَوَّ جَمَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
(4)﴾ [يونس] ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر
وهو القرآن العظيم ﴿وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ﴾ أي: حيث لا يراه أحد إلا الله تبارك وتعالى يعلم
أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل ﴿فَشِّرُهُ بِمَغْفِرَفْ﴾ أي: لذنوبه ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: كثير
واسع حسن جميل، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
(1)﴾ [الملك].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِي الْمَوْقَى﴾ أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب
من يشاء من الكفار، الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى
بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنَأَ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْفِلُونَ
[الحدید].
وقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أي: من الأعمال، وفي قوله تعالى: ﴿ وَءَاثَرَهُمَّ﴾ قولان:
(أحدهما) نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على
ذلك أيضاً إن خيراً فخير وإن شراً فشر، كقوله وَله: ((من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة كان له أجرها،
وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّة سيئة
كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)) رواه مسلم من
رواية شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله
البجلي رُهُ(٢). وفيه قصة مجتابي النّمار (٣) المضريين، ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن
يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن
عبد الله ◌َيُ فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَانَرَهُمْ﴾ وقد رواه مسلم
من رواية أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه فذكره(٤).
وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَليته:
((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة
(١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٩٥) ولبعضه شواهد في السيرة النبوية الشريفة.
(٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه وأطول (الصحيح، الزكاة، باب الحث على الصدقة ح ٦٩/١٠١٧).
(٣) أي: لابسيها خارقين أوساطها.
(٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ١٠١٧/ ٧٠).

٣٣٠
سُوْرَؤُ كَسَنَ (٨، ١٢)
جارية من بعده)) (١).
وقال سفيان الثوري: عن أبي سعيد ظُبه، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نُحِي الْمَوْقَد وَنَكْتُبُ مَا فَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ قال: ما أورثوا من الضلالة(٢).
وقال ابن لهيعة: عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ
وَءَاثَرَهُمَّ﴾ يعني: ما أثروا، يقول: ما سنَّوا من سُنَّة فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيراً
فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئاً، وإن كانت شراً فعليهم مثل أوزارهم ولا
ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً(٣)، ذكرهما ابن أبي حاتم، وهذا القول هو اختيار البغوي(*).
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
قال ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد ﴿مَا قَدَّمُواْ﴾ أعمالهم ﴿وَءَثَرَهُمْ﴾ قال: خطاهم
بأرجلهم(٥)، وكذا قال الحسن وقتادة: ﴿وَءَثَرَهُمْ﴾ يعني: خطاهم(٦).
وقال قتادة: لو كان الله تعالى مُغفِلاً شيئاً من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه
الآثار(٧)، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله
تعالى أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل.
وقد وردت في هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي
ـّ، قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا
نضرة، عن جابر بن عبد الله
قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله وَطير، فقال لهم: ((إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب
المسجد؟)) قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال يلي: ((يا بني سلمة، دياركم تكتب
آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» (٨). وهكذا رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وكهمس بن
الحسن، كلاهما عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، عن جابر عظ اته به(٩).
الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق،
عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضيته، قال: كانت بنو
سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الْمَوْقَ
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَانَرَهُمْ﴾ فقال لهم النبي ◌َّ: ((إن آثاركم تكتب)) فلم ينتقلوا(١٠)، تفرد بإخراجه
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٨.
(٣) سنده حسن.
(٢) سنده ضعيف لضعف أبي سعيد وهو البقال.
(٤) معالم التنزيل ٧/ ٩.
(٥) أخرجه البستي والطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة.
(٧) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٢/٣) وسنده صحيح.
(٩) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخُطا إلى المساجد (ح ٦٦٥).
(١٠) في سنده أبو سفيان وهو طريف بن شهاب السعدي وهو ضعيف. (التقريب ص٢٨٢) ويشهد له ما سبق
بدون ذكر نزول الآية.

٣٣١
• سُوْرَةُيَسَنَ (٨، ١٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الترمذي عند تفسيره هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به، ثم قال: حسن غريب من حديث
الثوري، ورواه ابن جرير، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان
الثوري، عن طريف - وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي - عن أبي نضرة به (١).
وقد روي من غير طريق الثوري فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن زياد الساجي،
حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد دظُه،
قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله وَّهِ بُعد منازلهم من المسجد، فنزلت ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ
وَءَاتَرَهُمَّ﴾ فأقاموا في مكانهم.
وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي
سعيد رَظُه، عن النبي ◌َّ هِ بنحوه(٢)، وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكاملها
مكية، فالله أعلم.
الحديث الثالث: قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري،
حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس يهًا، قال: كانت منازل الأنصار متباعدة
من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت ﴿ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمَّ﴾ فقالوا: نثبت
مكاننا(٣)، هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع. ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن
أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس ◌ًا قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد،
فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ فثبتوا في منازلهم(٤).
الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله،
عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﴿يا، قال: توفي رجل في المدينة فصلى
عليه النبي ◌َّر: وقال: ((يا ليته مات في غير مولده))، فقال رجل من الناس: ولمَ يا رسول الله؟
فقال رسول الله وَسير: ((إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في
الجنة(٥)، ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن
وهب، عن حيي بن عبد الله به(٦).
(١) السنن، التفسير، باب ومن سورة يس (ح٣٢٢٦) وسنده كسابقه.
(٢) يشهد له ما تقدم بدون ذكر نزول الآية.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سماك بن حرب وفي روايته عن عكرمة اضطراب. وأخرجه ابن
ماجه من طريق وكيع عن إسرائيل به (السنن، المساجد والجماعات، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم
أجراً ح٧٨٥) وأعله البوصيري أيضاً بسماك.
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٨/١٢ ح ١٢٣١٠) وسنده كسابقه.
(٥) أخرجه الأمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٦/١١ ح ٦٦٥٦) وضعف سنده محققوه لضعف حيي بن عبد الله
المعافري.
(٦) سنن النسائي، الجنائز، باب الموت بغير مولده ٧/٤، ٨، وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب ما جاء فيمن
مات غريباً (ح ١٦١٤) وسنده ضعيف كسابقه.

٣٣٢
• سُؤْرَلاَيَسْنَ (١٣، ١٧)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تُميلة، حدثنا الحسين، عن ثابت قال: مشيت
مع أنس رؤيته فأسرعت المشي فأخذ بيدي فمشينا رويداً، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت
مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس أما شعرت أن الآثار تُكتب(١)؟
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى
والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر
بطريق الأولى، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وجميع الكائنات مكتوب في كتاب
مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين لههنا هو أم الكتاب، قاله مجاهد وقتادة
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢)، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ بِإِمَمِيمٍ﴾
[الإسراء: ٧١] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر، كما قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِْعََّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِنَ
مُشْفِقِينَ مِئَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَبِلَنَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا وَوَجَدُواْ مَا
عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٣)﴾ [الكهف].
- ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا
◌ِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴿ قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ لِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
(١) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
تَگْذِبُونَ
ويقول تعالى: واضرب يا محمد لقومك الذين كذبوك ﴿مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ها وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إنها مدينة
أنطاكية(٣)، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس وكان يعبد الأصنام،
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم صادق وصدوق [وشلوم] (٤) فكذبهم(٥)، وهكذا روي عن
بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري أنها: أنطاكية (٦)، وقد استشكل بعض الأئمة كونها
أنطاكية بما سنذكره بعد تمام القصة إن شاء الله تعالى.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حُميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويشهد له
الحديث الأول.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.
(٣) مدينة من الثغور الشامية (معجم ما استعجم ١/ ٢٠٠).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((شكوم).
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بلاغاً عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه. وسنده ضعيف.
وقول ابن عباس نسبه السيوطي إلى الفريابي.
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن بُريدة، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه،
وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.

٣٣٣
• سُوَّرَؤُلَسَنَّ (١٨، ١٩)
9000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ أَثْنَنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ أي: بادروهما بالتكذيب ﴿فَعَزَّنَا بِثَالِثٍ﴾ أي:
قويناهما وشددنا إزرهما برسول ثالث.
قال ابن جريج: عن وهب بن سليمان، عن شُعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين
شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص(١)، والقرية أنطاكية فقالوا : - أي لأهل تلك القرية - ﴿إِنّ
إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، قاله أبو
العالية(٢).
وزعم قتادة بن دعامة أنهم كانوا رسل المسيح لعلّها إلى أهل أنطاكية (٣). ﴿قَالُواْ مَآ أَنْتُمْ إِلَّ بَشَرٌ
مِثْلُنَا﴾ أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم ولو كنتم رسلاً
لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ
يأَنَّهُ وَكَانَت تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِلْمِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌّ ◌َدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه.
وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله: ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُ
إِذَا أَخَسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
[الإسراء]، ولهذا قال هؤلاء: ﴿مَا أَنْتُمْ لِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن
أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًّا زَّسُولًا
شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآَ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾﴾ أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة
قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا
وينصرنا عليكم وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلِّ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ
شَهِدَاً يَعْلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
٥٢)
[العنكبوت].
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ (٣)﴾ يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا
أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غبّ ذلك.
] ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُّ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ قَالُواْ طَِّكُمْ
مَّمَكُمْ أَبِن ذُكِرْفُّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾﴾.
فعند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نرَ على وجوهكم خيراً في عيشنا.
وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم(٤).
وقال مجاهد: يقولون لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عُذب أهلها ﴿لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَّجُنَّكُمْ﴾ .
قال قتادة: بالحجارة(٥).
(١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٣٣٤
• سُّرَؤُلَّسَنٌ} (٢٠، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: بالشتم(١)، ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: عقوبة شديدة فقالت لهم رسلهم:
﴿َِّكُمْ تَعَكُمْ﴾ أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا
هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَظََُّّواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ، أَلَا إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقال قوم
صالح: ﴿أَمَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَّ قَالَ لَبِرُكُمْ عِنْدَ الَهِ﴾ [النمل: ٤٧].
وقال قتادة ووهب بن منبه: أي: أعمالكم معكم (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ
عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِدِكْ قُّلْ كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾
[النساء: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿أَِّن ذُكِرْزُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم
بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا، بل أنتم قوم مسرفون.
وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا بل أنتم قوم مسرفون(٣).
أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْتَلُكُمْ
﴿وَجَءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ
أَجْرًا وَهُم ◌ُهْتَدُونَ ﴿﴿ وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿َ،َأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ
الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنِذُونِ (٣) إِّ إِذَا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٣٤) إِنَّ ءَامَنْتُ
٢٥
بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس ﴿هًا وكعب الأحبار ووهب بن منبه: إن أهل القرية
همُّوا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى؛ أي: لينصرهم من قومه، قالوا: وهو
حبيب، وكان يعمل الجرير وهو الحبال، وكان رجلاً سقيماً قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير
الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة (٤) .
وقال ابن إسحاق، عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقسم أو عن مجاهد، عن ابن
عباس ◌ًا، قال: اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه(٥) .
وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن سري(٦).
قال: اسم صاحب يس حبيب النجار،
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس
فقتله قومه(٧) .
ا(٨).
وقال السدي: كان قصاراً
وقال عمر بن الحكم: كان إسكافاً(٩).
(١) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من
طريق ابن إسحاق بلاغاً عن وهب بن منبه.
(٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بلاغاً به، وسنده منقطع.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
(٦) أخرجه الثوري في تفسير كما في فتح الباري ٦/ ٤٦٧ سنده حسن.
(٧) سنده حسن.
(٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

٣٣٥
• سُؤْرَؤُلَسَنٌ) (٢٦، ٢٩)
وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك (١) ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ يحضُّ قومه على اتباع
الرسل الذين أتوهم ﴿أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسَتَلُكُمْ أَجْرً﴾ أي: على إبلاغ الرسالة وهم مهتدون فيما
يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا لِىَ لَآَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾ أي: وما يمنعني من
إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد، فيجازيكم على
أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر ﴿وَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ، وَالِهَةً﴾ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ﴿إِن
يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍ لَّا تُغْنِ عَنِّ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾ أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه
لا يملكون من الأمر شيئاً، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء ﴿فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ﴾ [يونس] وهذه
الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿إِّ إِذَا لَّفِي ضَلَلٍ مُِّينٍ
(٢٤)
أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.
(٥) قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن
وقوله تعالى: ﴿إِنَِّ ءَامَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَأَسْمَعُونِ
عباس ﴿ّ وكعب ووهب: يقول لقومه: ﴿إِنّ ءَامَتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الذي كفرتم به ﴿فَأَسْمَعُونِ﴾ أي:
فاسمعوا قولي(٢). ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿إِنَّ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أي: الذي
أرسلكم ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ أي فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال:
وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم
عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم(٣)، وهذا القول الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى،
والله أعلم.
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس رضيها وكعب ووهب ◌ًا: فلما قال ذلك، وثبوا عليه
وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه (٤).
وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللَّهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، فلم
يزالوا به حتى أقعصوه(٥)، وهو يقول كذلك، فقتلوه تَخْذَّتُهُ(٦).
﴿ ﴿قِيلَ ادْخُلِ لٌلَّْةٌ قَلَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُون ◌َ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ
﴿ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ
وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ مِن جُنٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنِلِينَ
خَلَمِدُونَ
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود ظُبه، أنهم وطئوه بأرجلهم حتى
خرج قصبه(٧) من دبره (٨)، وقال الله له: ﴿أَدْخُلِ لَلْتَّةٌ﴾ فدخلها فهو يرزق فيها قد أذهب الله عنه
سقم الدنيا وحزنها ونصبها .
(١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلاغاً.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق بلاغاً.
(٣) ذكره الطبري.
(٥) أي: قتله مكانه.
(٤) أخرجه الطبري بالسند الضعيف المتقدم.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه لم يذكر اسم شيخه.
(٧) أي: أمعاءه.
(٨) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف للانقطاع.

٣٣٦
• سُوَرَؤُيَسْ} (٢٩،٢٦)
00000000000000000000000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000000
وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة، وذلك أنه قتل فوجبت له، فلما رأى
الثواب(١) ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ﴾ .
قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحاً لا تلقاه غاشاً. لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى:
﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونٌ (٨َ بِمَا غَفَرَ لِ رَبٍِّ وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٣)﴾ تمنى على الله أن يعلم قومه
بما عاين من كرامة الله وما هجم عليه(٢).
وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وبعد مماته
في قوله: ﴿يَتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ (٨) بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ (4) رواه ابن أبي حاتم.
وقال سفيان الثوري: عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز ﴿يِمَا غَفَرَ لِ رَبٍِّ وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُكْرَمِينَ
بإيماني بربي وتصديقي المرسلين(٣). ومقصودهُ أنهم لو اطلعوا على ما حصل لي من هذا
الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان
حريصاً على هداية قومه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر هو محمد، عن
عبد الملك يعني ابن عمير قال: قال عروة بن مسعود الثقفي ظته للنبي وَّر: ابعثني إلى قومي
أدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ويتله: ((إني أخاف أن يقتلوك)) فقال: لو وجدوني نائماً ما
أيقظوني، فقال له رسول الله وَماهو: ((انطلق)) فانطلق، فمرَّ على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك
غداً بما يسؤوك، فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف إن اللَّات لا لات وإن العزى لا عزى،
أسلموا تسلموا، يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللَّات لا لات، أسلموا تسلموا،
قال: ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله وص له فقال: ((هذا مثله
كمثل صاحب يس)) ﴿قَالَ يَلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونٌ (٨َ بِمَا غَفَرَ لِ رَبِّ وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ (3)﴾(٤).
وقال محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدَّث عن كعب
الأحبار، أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب
قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول الله وَلجر، فجعل يقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له مسيلمة لعنه الله: أتسمع
هذا، ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم، فجعل يقطعه عضواً عضواً، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى
مات في يديه، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه حبيب(٥).
، وَمَآ أَنْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ
وقوله تبارك وتعالى :
٢٨)
يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضباً منه تبارك وتعالى عليهم، لأنهم كذبوا رسله
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) سنده حسن.
(٤) في سنده عبد الملك بن عمير ثقة لكنه تغير حفظه (التقريب ص٣٦٤) وقد توبع فأخرجه الحاكم من طريق
أبي الأسود عن عروة به وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ٦١٥/٣ - ٦١٦).
(٥) سنده مرسل ويتقوى بما سبق.

٣٣٧
• سُوَّرَلاَيَسَنَ (٢٦، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقتلوا وليه، ويذكر ربك أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من
الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض
أصحابه عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿﴿ وَمَا أَنْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّاً
مُنْزِلِينَ ﴾﴾ أي؛ ما كاثرناهم بالجموع، الأمر كان أيسر علينا من ذلك ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ
فَإِذَا هُمْ خَكَمِدُونَ ﴾﴾ قال: فأهلك الله تعالى ذلك الملك الجبار، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا
عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية (١)، وقيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ أي: وما كنا ننزل الملائكة على
الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذاباً يدمرهم.
وقيل المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ، مِنْ بَعْدِهِ، مِن جُنٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من رسالة
أخرى إليهم، قاله مجاهد وقتادة(٢).
قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله ﴿إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَكَمِدُونَ (9)﴾(٣).
قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جنداً (٤).
قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام، فأخذ بعضادتي باب
بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم لم تبق بهم روح تتردّد في
جسد، وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلاً
من عند المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، كما نصَّ عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم
يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:
أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح الَّله كما
قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآَ إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَّبُوهُمَا فَعَزَّنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ﴾﴾ إلى أن قال:
﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنََّ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾﴾ [يس]، ولو كان هؤلاء من الحواريين
لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح فعلا. والله تعالى أعلم، ثم لو كانوا رسل المسيح لما
قالوا لهم: ﴿مَآَ أَنْتُمْ لِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥].
الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا
كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن: القدس لأنها بلد المسيح،
وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على
اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين، ثم رومية لأنها مدينة الملك
قسطنطين الذي نصر دينهم وأوطده(٥)، ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما
ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم، كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا
تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله وأنه أهلكهم
بصيحة واحدة أخمدتهم، والله أعلم.
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) أي: ثبته.

٣٣٨
سُورَةُ يَسَ (٣٢،٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد
الخدري ◌ُه وغير واحد من السلف أن الله تبارك وتعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أُمة من الأُمم
عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تبارك
وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ﴾(١) [القصص: ٤٣] فعلى
هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من
السلف أيضاً. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظاً في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة
المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملَّة النصرانية ولا قبل ذلك، والله وَجَ أعلم.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري،
حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حسين الأشقر، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي
نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ها، عن النبي وَلو قال: ((السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى
عليه الصلاة والسلام يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى عليه الصلاة والسلام صاحب يس،
والسابق إلى محمد ﴿ علي بن أبي طالب رَُّبه))(٢) فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق
حسين الأشقر، وهو شيعي متروك.
أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا
- ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمِ مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرَجِعُونَ * وَإِن كُلُّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي: يا ويل
العباد(٣). وقال قتادة: ﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ﴾ أي: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من
أمر الله، وفرطت في جنب الله، وفي بعض القراءات: ((يا حسرة العباد على أنفسهم)) (٤)، ومعنى
هذا يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله؟ وخالفوا أمر الله،
فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي:
یکذبونه ويستهزئون به ويجحدون ما أرسل به من الحق.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ ◌َهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾﴾ أي: ألم
يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؟ كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرّة ولا
رجعة؟ ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا
نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: ٣٧] وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلاً منهم
أنهم يعودون إلى الدنيا، كما كانوا فيها، فردَّ الله تبارك وتعالى عليهم باطلهم، فقال تبارك
وتعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَجِعُونَ
(١) قول أبي سعيد الخدري مُه تقدم عند هذه الآية نفسها في سورة القصص.
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٩٣/١١ ح ١١١٥٢) وسنده ضعيف جداً لأن حسين الأشقر:
متروك.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والقراءة شاذة تفسيرية.

٣٣٩
• سُؤْرَؤُلَسَنَّ (٣٣، ٤٠)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقوله: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣)﴾ أي: وإن جميع الأُمم الماضية والآتية ستحضر
للحساب يوم القيامة بين يدي الله جلَّ وعلا، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذا
كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُّوَفِيَنَهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [هود: ١١١].
وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ ((وإن كل لَمَا)) بالتخفيف فعنده أن (إن)
للإثبات، ومنهم من شدَّد ((لَمَّا)) (١) وجعل إن نافية، ولمّا بمعنى إلا، تقديره: وما كل إلا جميع
لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد.
وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ
] ﴿وَءَايَّةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَنْتَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
٣٤٦
لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
مِن أَخِيلٍ وَأَعْتَبٍ وَفَجَرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ
سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنِبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ
٣٥
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَءَايَةٌ لٌَّ﴾ أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه
الموتى ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله تعالى
عليها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿أَحْيَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا
حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ أي: جعلناه رزقاً لهم ولأنعامهم ﴿وَحَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعَْبٍ وَفَجَرْنَا
فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣)﴾ أي: جعلنا فيها أنهاراً سارحة في أمكنة يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره،
لما امتنَّ على خلقه بإيجاد الزروع لهم، عطف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها .
وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمٌ﴾ أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله تعالى بهم لا بسعيهم ولا
كدهم ولا بحولهم وقوتهم، قاله ابن عباس وقتادة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ أي:
فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى، واختار ابن جرير بل
جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالاً: أن ﴿وَمَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ﴾ بمعنى
الذي تقديره ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم؛ أي: غرسوه ونصبوه، قال: وهي كذلك في
﴿لَيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ومما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾(٢) .
قراءة ابن مسعود
ثم قال تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ أي: من زروع
وثمار ونبات ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فجعلهم ذكراً وأنثى ﴿وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من مخلوقات شتى لا
(٤٩)﴾ [الذاريات].
يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَىْءٍ خَلْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ نَذَكَّرُونَ
وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ
﴿ ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيَّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ
ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَلْعُرُونِ اَلْقَدِيرِ ﴿ لَا الشَّمْسُ يَلْبَّغِى لَهَا
أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٠
يقول تعالى ومن الدلالة لهم على قدرته تبارك وتعالى العظيمة، خلق الليل والنهار هذا بظلامه
(١) القراءتان متواترتان.
(٢) كذا في الأصول الخطية، والذي في تفسير الطبري بلفظ: ((ومما عملته)).

٣٤٠
• سُؤُرَؤُ كَسَنَ (٣٧، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال تعالى:
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النََّارَ يَطْلُمُ حَدِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] ولهذا قال ههنا: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَِّّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَرَ﴾
أي: نصرمه منه، فيذهب فيقبل الليل، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا هُم مُظْلِمُونَ﴾ كما جاء في
الحديث: ((إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم)) (١).
هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى
الَّيْلِ﴾(٢) [الحج: ٦١]، وقد ضعَّف ابن جرير قول قتادة ههنا، وقال: إنما معنى الإيلاج الأخذ من
هذا في هذا، وليس هذا مراداً في هذه الآية(٣)، وهذا الذي قاله ابن جرير حق.
وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (﴾﴾ في معنى قوله:
﴿لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي
الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات؛ لأنه
سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة،
وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون
أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام وهو وقت
نصف الليل، صارت أبعد ما تكون إلى العرش، فحينئذٍ تسجد وتستأذن في الطلوع كما جاءت
بذلك الأحاديث:
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي
ذرِّ ◌َظُه قال: كنت مع النبي ◌َ ﴿ في المسجد عند غروب الشمس، فقال ◌َله: ((يا أبا ذرّ أتدري
أين تغرب الشمس؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال وَير: ((فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش،
فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُ الْعَزِيزِ الْعَلِيِ (@َ﴾))(٤).
حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن
أبيه، عن أبي ذرّه: قال: سألت رسول الله وج ◌ّه عن قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى
لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾ قالِ وَّ: ((مستقرها تحت العرش))(٥). هكذا أورده ههنا، وقد أخرجه في أماكن
متعددة، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن
أبي ذرِّ قال: كنت مع رسول الله وَّر في المسجد حين غربت الشمس، فقال ◌َله: ((يا أبا ذرّ
أتدري أين تذهب الشمس؟)) (٦) قلت: الله ورسوله أعلم، قال رَالحجر: ((فإنها تذهب حتى تسجد بين
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٧.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة يس، باب ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ... ﴾
[يس: ٣٨] ح ٤٨٠٢).
(٥) المصدر السابق (ح ٤٨٠٣).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٥) وسنده صحيح.