Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١
سُورَةُ الْرُوفِنْ (١، ٧)
ولنتكلم عن كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: ﴿الَّ ﴾ غُلَِتِ الرُّومُ ﴾﴾ قد تقدم
الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة
العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عمِّ بني إسرائيل، ويقال لهم بنو الأصفر، وكانوا على
دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك، وكانوا يعبدون الكواكب السيارة
السبعة، ويقال لها المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق، وبنوا
معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من
ثلاثمائة سنة، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له قيصر، فكان أول من دخل في دين
النصارى من الملوك قسطنطين ابن [قسطس](١) وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حرَّان،
كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفاً فتابعها، يقال: تَقية(٢)، واجتمعت
به النصارى وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس، واختلفوا اختلافاً منتشراً متشتتاً لا ينضبط،
إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي
يسمونها الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين يعنون كتب الأحكام من
تحريم وتحليل، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيروا دين المسيح عل*، وزادوا فيه ونقصوا منه،
فصلوا إلى المشرق، واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير، واتخذوا
أعياداً أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس وغير ذلك من البواعيث والشعانين(٣)، وجعلوا له
الباب، وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة والقساقسة، ثم الشمامسة، وابتدعوا
الرهبانية، وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية.
يقال: إنه بنى في أيامه اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاث محاريب، وبنت أُمه
القمامة، وهؤلاء هم الملكية يعنون الذين هم على دين الملك.
ثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الأسكاف، ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق
وطوائف كثيرة، كما قال رسول الله وَله: ((إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة))(٤) والغرض أنهم
استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتى كان آخرهم هرقل، وكان من
عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غوراً، وأقصاهم رأياً، فتملك عليهم في
رياسة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس وملك البلاد كالعراق وخراسان والريّ
وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة
العجم، وحماقة الفرس، وكانوا مجوساً يعبدون النار.
فتقدم عن عكرمة أنه: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في
بلاده، فقهره وكسره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة،
حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى تعظمه تعظيماً زائداً، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((قيطس)).
(٢) أي: حذراً.
(٣) الشعانين: عيد النصارى يقع يوم الأحد السابق لعيد الفصح، يحتفل فيه بذكرى دخول المسيح بيت المقدس.
(٤) أخرجه أبو داود من حديث عوف بن مالك ظه. (السنن، السنة، باب شرح السنة ح٤٥٩٦)، وقال
الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٢).
٨٢
سُورَةُ الْتُوفِنْ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أمكنه ذلك لحصانتها لأن نصفها من ناحية البر، ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم
الميرة والمدد من هنالك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من
كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه ويشترط عليه ما شاء، فأجابه إلى ذلك، وطلب منه
أموالاً عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار وخدام وأصناف
كثيرة، فطاوعه قيصر وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب، ولو
اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عشره، وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد
الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما
عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية فجمع أهل ملَّته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته في
جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول، فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها،
فأنتم بالخيار: إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري، فأجابوه بأنك ملكنا ما
دمت حياً، ولو غبت عشرة أعوام، فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة(١) في جيش متوسط
هذا، وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مسرعاً حتى انتهى
إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلاً لرجالها ومن بها من المقاتلة أولاً فأولاً، ولم يزل يقتل
حتى انتهى إلى المدائن وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله،
وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده وركبه على حماره، وبعث معه من الأساورة (٢) من قومه في
غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه، فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من
الغم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، واشتد حنقه على البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن، فلم يقدر
على ذلك، فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون(٣) التي لا سبيل لقيصر إلى
القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك، احتال بحيلة عظيمة، لم يسبق إليها وهو أنه أرصد
جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة، وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر
والروث، فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعداً، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في
النهر، فلما مرت بكسرى ظن وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت
المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض والخوض، فخاضوا وأسرعوا السير، ففاتوا
كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية، فكان ذلك يوماً مشهوداً عند النصارى، وبقي كسرى وجيوشه
حائرين لا يدرون ماذا يصنعون، لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادهم قد خربتها الروم، وأخذوا
حواصلهم، وسبوا ذراريهم، ونساءهم، فكان هذا من غلب الروم لفارس، وكان ذلك بعد تسع
سنين من غلب الفرس للروم، وكانت الوقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات
وبصرى على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز(٤).
وقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم.
(٢) أي: الفرسان.
(١) الجريدة: خيل لا رجالة فيها.
(٣) أي: نهر جيحون.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري
بسند فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.
٨٣
• سُورَةِ الْرُوفِزْ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع، فإن البضع في كلام العرب ما بين
الثلاث إلى التسع، وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما من حديث
عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن
رسول الله وَ﴿ قال لأبي بكر في مناحبة (١): ﴿الَّ ﴾ غُلِيَتِ الزُّوُ ﴾﴾ الآية: ((ألا احتطت يا أبا
بكر، فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع؟)) ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه(٢).
وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو أنه قال ذلك(٣).
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ أي: من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم
لما قطع المضاف، وهو قوله قبل عن الإضافة ونويت.
﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَجُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس
أصحاب كسرى، وهم المجوس، وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قوله طائفة
كثيرة من العلماء، كابن عباس والثوري والسدي(٤) وغيرهم.
وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث
الأعمش عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب
ذلك المؤمنين ففرحوا به، وأنزل الله ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ
وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾(٥).
وقال الآخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية، قاله عكرمة والزهري وقتادة
وغير واحد(٦).
ووجه بعضهم هذا القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى
إيليا وهو بيت المقدس، شكراً لله تعالى ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منه حتى وافاه
كتاب رسول الله وَلل الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم
بصرى إلى قيصر، فلما وصل إليه سأل من بالشام من عرب الحجاز، فأحضر له أبو سفيان
صخر بن حرب الأموي في جماعة من كبار قريش، وكانوا بغزة، فجيء بهم إليه فجلسوا بين
يديه. فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا، فقال
لأصحابه وأجلسهم خلفه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه، فقال أبو سفيان،
(١) أي: مراهنة.
(٢) أخرجه الطبري والترمذي من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي به، وضعفه الألباني في ضعيف سنن
الترمذي (ح ٦٢٤).
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
(٤) تقدم تخريجه في بداية تفسير الآية.
(٥) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الروم ح ٣١٩٢)، والطبري، وفي سنده عطية وهو العوفي
وفيه مقال ويتقوى بما سبق من الروايات في بداية تفسير الآية ولهذا قال الألباني صحيح بما بعده (صحيح
سنن الترمذي ح ٢٥٥٠).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الزهري عزاه السيوطي إلى ابن
أبي حاتم.
٨٤
سُورَةُ الْرُوفِزْ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فواللهِ لولا أن يأثروا عليَّ الكذب لكذبت، فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن
قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها (١)؛ يعني: بذلك
الهدنة التي كانت قد وقعت بين رسول الله ص84* وكفار قريش عام الحديبية على وضع الحرب بينهم
عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية، لأن قيصر إنما وفى
بنذره بعد الحديبية، والله أعلم.
ولأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن
من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي له إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفى
بنذره، والله أعلم، والأمر في هذا سهل قريب، إلا أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء
ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس، فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب
في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: ﴿﴿ لَتَجِدَنَ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا
نَصَرَنَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِبِسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْرُونَ ﴿﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ
تَرَكَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ اَلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنَا فَكْنَبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
[المائدة]. وقال تعالى لههنا: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ جَ يِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ
اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلابي
قال: سمعت العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت
غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس، والروم كل ذلك في خمس عشرة سنة(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اٌلْعَزِيزُ﴾ أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده
المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنّا سننصر
الروم على فارس وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف ولا بدّ من كونه ووقوعه، لأن الله قد
جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ أي: بحكم الله في كونه، وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ◌َِهِرًا مِّنَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ أي: أكثر الناس ليس
لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه
مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة.
قال الحسن البصري: والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه
وما يحسن أن يصلي(٣).
(١) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ها (الصحيح، بدء الوحي باب رقم ٦ ح٧).
(٢) في متنه نكارة إذ خالف ما تقدم من الروايات الصحيحة بأن البضع ما بين ثلاث إلى تسع.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
٨٥
• سُورَةُ الْرُوفِزْ (٨، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَوَةِ الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ
٧
يعني: الكفار يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال(١).
- ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىّ وَإِنَّ
كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآَيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوْهَا وَجَنْهُ رُسُلُهُمْ بِلْبَيْنَتِّ فَمَا
﴿ ثُرَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَى أَنْ كَذَّبُواْ
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُّوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
بَِايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ
يقول تعالى منبهاً على التفكر فى مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره
ولا رب سواه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء
من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها
ما خلقت سدىً ولا باطلاً بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِقَآَيٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ .
ثم نبههم على صدق رسله فيما جاؤوا به عنه، بما أيدهم من المعجزات والدلائل الواضحات
من إهلاك من كفر بهم ونجاة من صدقهم، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: بأفهامهم
وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: ﴿فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ
كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم أيها المبعوث إليهم
محمد وَل وأكثر أموالاً وأولاداً، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكيناً لم تبلغوا
إليه وعمروا فيها أعماراً طوالاً، فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا
فلما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من
واقٍ، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما
كان الله ليظلمهم فيما أجل بهم من العذاب والنكال ﴿وَلَكِن كَانُّوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: وإنما
أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة
وتكذيبهم المتقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُزَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ أَنْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ
بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ
فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال
تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَوْ فَأَعْلَمْ أَنَّا يُرُبِدُ اللَّهُ أَن يُصِيَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وعلى هذا تكون السوأى
منصوبة مفعولاً لأساؤوا، وقيل: بل المعنى في ذلك ﴿ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَّ﴾ أي:
كانت السوأى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى
منصوبة خبر كان، هذا توجيه ابن جرير، ونقله عن ابن عباس وقتادة (٢)، ورواه ابن أبي حاتم
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
٨٦
• سُورَةُ الْرُوفِنْ (١١، ١٩)
00000000000000000000000000000000000 000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 00
عنهما، وعن الضحاك بن مزاحم (١)، وهو الظاهر - والله أعلم - [لقوله] (٢) ﴿وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾.
وَلَمْ
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
] ﴿اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْحَعُونَ
١٤
يَكُنْ لَّهُم مِّن شُرَّكَبِهِمْ شُفَعَكَوُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَبِهِمْ كَفِرِينَ ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنْفَرَّقُونَ
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا
وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (19])
يقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: ﴿وَبَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ
الْمُجْرِمُونَ
قال ابن عباس: ييأس المجرمون(٣).
وقال مجاهد: يفتضح المجرمون (٤)، وفي رواية يكتئب المجرمون(٥) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُم مِّن
شُرَّكَآَيِهِمْ شُفَعَؤًا﴾ أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وكفروا بهم
وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ﴾﴾ قال قتادة: هي والله الفرقة التي لا اجتماع
بعدها(٦)؛ يعني: أنه إذا رفع هذا إلى عليين وخفض هذا إلى أسفل سافلين، فذلك آخر العهد
بينهما، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
١٥
قال مجاهد وقتادة: ينعمون(٧).
وقال يحيى بن أبي كثير: يعني سماع الغناء والحبرة أعمُّ من هذا كله (٨)، قال العجاج:
موالي الحق(١٠) إن المولى شكر (١١)
(٩)
الحمد لله الذي أعطى الحبر"
﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
تُظْهِرُونَ ﴿ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخِيجُ اَلْمِّتَ مِنَ الْحَيّ وَيْحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ
١٧
هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات
(١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس والضحاك وقتادة.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والفريابي (ينظر تغليق التعليق ٢٧٩/٤)، والطبري كلهم بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٨) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(١٠) أي: أولياء الحق.
(١١) استشهد به الطبري، والبيت في ديوان العجاج ص٤.
(٩) أي: السرور.
٨٧
• سُورَةُ الْرُوفِزْ (١٧، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند
الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه. ثم اعترض بحمده مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال
تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض.
ثم قال تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ فالعشاء هو شدة الظلام، والإظهار قوة الضياء، فسبحان
خالق هذا وهذا، فالق الإصباح، وجاعل الليل سكناً، كما قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَّهَا ﴿ وَأَلَّيْلِ
إِذَا يَغْشَنَهَا ﴾﴾ [الشمس]، وقال تعالى: ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا يَغْشَىِ ﴿﴿ وَلَنَّهَارِ إِذَا تَّى ﴾﴾ [الليل]، وقال
تعالى: ﴿وَالضُّحَى
١) وَأَلَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾﴾ [الضحى] والآيات في هذا كثيرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا [زبّان](١) بن فائد، عن سهل بن
معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((ألا أخبركم لم سمَّى الله إبراهيم
خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تمسون وحين
تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون)) (٢).
وقال الطبراني: حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن
سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن [البيلماني](٣)، عن أبيه، عن
عبد الله بن عباس، عن رسول الله وَ﴿ قال: ((ومن قال حين يصبح ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (٣)﴾، الآية بكمالها أدرك ما
فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته))(٤). إسناده جيد ورواه أبو داود في
سننه(٥).
وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمِيْتَ مِنَ الْحَيّ﴾ هو ما نحن فيه من قدرته على خلق
الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلَّها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه
الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب والحب من
النبات، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة والنطفة من الإنسان،
والمؤن من الكافر والكافر من المؤمن.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً﴾ كقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمُ الْأَرْضُ الْعَنْتَةُ أَحْبَيْتَهَا وَأَخْرَجْنَا
مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ وَحَعَلْنَا فِهَا جَنَّتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ
(٣٤)
[يس]، وقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنَزْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ آَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَفْعَ بَهِيج
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِيِ الْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ ◌َاتِيَةٌ لَّا رَيَبَ فِيَهَا وَأَنَّ اللّهَ
يَبَّعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ ﴾﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ.
(١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: (ريان)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٨/٢٤ ح ١٥٦٢٤) وضعف سنده محققوه.
(٣) كذا في (ح) و(حم) والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل صُحف إلى: ((السلماني)).
(٤) المعجم الكبير (٢٣٩/١٢)، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، ولعل
الحافظ ابن كثير جود سنده بسابقه.
(٥) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (ح٥٠٧٦)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.
٨٨
• سُورَةُ الْرُوفِنْ (٢٠، ٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حَّةَ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا بِقَالًا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ فَيِّتٍ فَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَزَّنِ كَذَلِكَ تُخْجُ
(69)﴾ [الأعراف]، ولهذا قال لههنا: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .
اَلْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمـ
مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته، أنه خلق أباكم آدم من تراب
﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ﴾ فأصلكم من تراب ثم من ماءٍ مهين، ثم تصور فكان علقة ثم
مضغة، ثم صار عظاماً مشكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحماً، ثم نفخ فيه
الروح فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيراً ضعيف القوى والحركة، ثم كلَّما طال
عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آلَ به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في
أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة
وغور ودهاء ومكر ورأي وعلم واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه، فسبحان من أقدرهم
وسيرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكر،
والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ
مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنَشِرُونَ
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير، عن
أبي موسى قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء
بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب،
والسهل والحزن وبين ذلك))(١) ورواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به. وقال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ أي: خلق لكم من جنسكم إناثاً
يكن لكم أزواجاً ﴿لِتَسْكُنُوَاْ إِلَيْهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا
زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضلعه الأقصر
الأيسر، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكوراً وجعل إناثهم من جنس آخر إما من جان أو
حيوان، لما حصل هذا الإئتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نفرة لو كانت الأزواج
من غير الجنس، ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهنَّ
﴿َوَدَّةٌ﴾ وهي: المحبة، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ وهي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إنما لمحبته لها أو
لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾ .
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٣/٣٢ ح١٩٥٨٢)، وصحح سنده محققوه.
(٢) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر ٤٦٩٤، وسنن الترمذي، التفسير، سورة البقرة (ح٢٩٩٥).
٨٩
سُورَةُ الُوفِزْ (٢٢، ٢٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
.﴿وَمِنْ ءَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخِْلَفُ أَلْسِنَنِكُمْ وَأَلْوَيِّكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِلْعَلِمِينَ
وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَامُكُ بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبِغَا ؤُكُمْ مِّنْ فَضْلِهٍِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٣٣
٢٢
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ،﴾ الدالة على قدرته العظيمة ﴿خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلق
السموات في ارتفاعها واتساعها، وسقوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت
والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار، وقفار وحيوان
وأشجار.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ﴾ يعني: اللّغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم لغة
أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء
حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء
أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم
وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان
وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بدّ أن يفارقه بشيء
من السمت أو الهيئة أو الكلام ظاهراً كان أو خفياً يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته
وهيئته لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لا بدّ من فارق بين كل
واحد منهم وبين الآخر ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْعَلِمِينَ﴾ ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، مَنَامُكُم بِلَتْلِ وَالنَّهَارِ وَأَبْنِغَاؤُكُم مِّن
فَضْلِهٍِ﴾ أي: ومن الآيات ما جعل الله من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة
وسكون الحركة وذهاب الكلال والتعب. وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في
النهار وهذا ضد النوم ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يعون.
قال الطبراني: حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا
محمد بن عبد الله بن علاثة، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن
مروان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت عنه قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى
رسول الله 85* فقال: ((قل اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا
قيوم، أنم عيني وأهدئ ليلي)) فقلتها، فذهب عني (١).
﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحِ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ ﴿﴿ وَمِنْ ءَئِهِ أَن تَقُوَمَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا
دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُونَ (9)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿يُرِيِكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: تارة
تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي بعده
من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَيُحِى بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٢٤/٥ (ح٤٨١٧)، وسنده ضعيف، قال ابن عدي: تفرد به عمرو بن
الحصين وهو مظلم الحديث (الكامل ١٧٩٩/٥).
٩٠
• سُورَةُ الُوفِنْ (٢٧،٢٦)
أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
ككُلِّ زَوْجَ بَهِيج﴾ [الحج: ٥] وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا
قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ الشَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ
عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهٍِ﴾ [الحج: ٦٥] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].
وكان عمر بن الخطاب به إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض
بأمره؛ أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير
الأرض والسموات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال
تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ
بَحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴿6﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿فَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴿ فَإِذَا هُم
بِالسَّاهِرَةِ ﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ
[Or) ﴾ [يس].
﴿﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ
أَهْوَثُ عَلَيْةٍ وَلَهُ اٌلْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: ملكه وعبيده ﴿كُلٌّ لَّهُ قَلِنُونَ﴾ أي:
خاضعون خاشعون طوعاً وكرهاً.
وفي حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعاً ((كل حرف في القرآن يذكر فيه
القنوت فهو الطاعة))(١) .
وقوله: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ قال ابن أبي طلحة، عن ابن
عباس: يعني أيسر عليه (٢).
وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هيّن(٣). وكذا قال عكرمة(٤)
وغيره.
وروى البخاري: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة رضيه، عن النبي ◌َّر: ((قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم یکن له ذلك،
فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه
إياي فقوله اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)»(٥) انفرد
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١١٦.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عن عكرمة.
(٥) أخرجه البخاري بسنده بلفظ: ((لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد))، (الصحيح، التفسير، سورة ﴿قُلّ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ [الإخلاص ] ح ٤٩٧٤).
٩١
سُورَةُ الْرُوفِزْ (٢٨، ٢٩)
بإخراجه البخاري، كما انفرد بروايته أيضاً من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي
هريرة به (١). وقد رواه الإمام أحمد منفرداً به عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة: حدثنا أبو يونس
سليم بن جبير، عن أبي هريرة، عن النبي وَّه بنحوه أو مثله(٢).
وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء.
وقال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين(٣)، وكذا قاله الربيع بن خُثيم (٤)، ومال إليه ابن
جرير وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ إلى
الخلق؛ أي: وهو أهون على الخلق.
وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كقوله
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾(٥) [الشورى: ١١].
وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا ربَّ غيره (٦)، وقال مثل هذا ابن جرير، وقد أنشد
بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:
وجُنِّبَ أن يحركه النسيم
إذا سكن الغدير على صفاء
كذاك الشمس تبدو والنجوم
ترى فيه السماء بلا امتراء
يُرَى في صفوها الله العظيم
كذاك قلوبُ أرباب التجلي
وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه،
الحكيم في أقواله وأفعاله شرعاً وقدراً.
وعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنكدر في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَ﴾
قال: لا إله إلا الله(٧).
- ﴿ضَرَبَ لَّكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل ◌َّكُم مِّن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَكُمْ
) بَلِ أَتَّبَعَ الَّيْنَ
فَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَّخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٩
ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلٍَّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك
معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك
لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك(٨). فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾
أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ﴿هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّنِ شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ
(١) المصدر السابق (ح ٤٩٧٥).
(٢) المسند ٢/ ٣٥٠، وفي سنده ابن لهيعة ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن منذر الثوري عن الربيع بن خُثيم.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) سنده صحيح ويؤيد قول قتادة.
(٨) سيأتي تخريجه في الحديث التالي.
٩٢
• سُورَةُ الْرُوفِزْ (٣٠، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فِيهِ سَوَآءٌ﴾ أي: لا يرتضي أحدكم أن يكون عبده شريكاً له في ماله فهو وهو فيه على السواء
﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال.
قال أبو مِجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك، كذلك الله لا شريك
له (١)، والمعنى إن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله
تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] أي: من البنات حيث جعلوا الملائكة الذين هم
عباد الرحمن إناثاً، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بشر ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُمْ بِلْأُنثَى ظَلَّ
يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَّهِ مَا بُشِّرَ بِّهِ أَيُمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِىِ الْتُّابِ﴾
٥٨
وَجْهُمُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
[النحل: ٥٨، ٥٩] فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه
لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر، وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم
يأبى غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبده شريكه في ماله يساويه فيه ولو شاء
لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال الطبراني: حدثنا محمود بن الفرج الأصفهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا
حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان يلبي
أهل الشرك لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله
تعاليٍ: ﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم مِّنِ شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِفَتِكُمْ
(٢)
أَنفُسَكُمْ﴾(٢) .
ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونزاهته بطريق الأولى والأحرى. قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ثم قال تعالى مبيناً أن المشركين إنما عبدوا غيره سفهاً
من أنفسهم وجهلاً: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَِّينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: المشركون ﴿أَهْوَآءَهُم﴾ أي: في عبادتهم
الأنداد بغير علم ﴿فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم ﴿وَمَا
لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ أي: ليس لهم من قدرة الله منقذ ولا مُجير ولا مُحيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان
وما لم يشأ لم يكن.
] ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِّينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَِّى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ
مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا
اٌلْذِيبُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ بِشِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ فَرِحُونَ
تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقول تعالى: فسدِّد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم،
الذي هداك الله لها وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله
الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران، وهو ابن حدير السدوسي البصري (ينظر تهذيب التهذيب ٨/
١٢٥)، عن أبي مجلز.
(٢) (المعجم الكبير ٢٠/١٢ ح ١٢٣٤٨)، وسنده ضعيف لضعف حماد بن شعيب (مجمع الزوائد ٢٢٣/٣).
٩٣
• سُورَةِ الرُوفِزْ (٣٠، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بِرَبَّكُمْ
[الأعراف: ١٧٢]. وفي الحديث: ((إني خلقت
ـةٌ قَالُواْ بَلَ﴾
أَلَسْتُ
تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ
عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم)) (١).
وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان
الفاسدة كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
وقوله تعالى: ﴿لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله فتغيروا الناس عن
فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾
[آل عمران: ٩٧] وهو معنى حسن صحيح.
وقال آخرون: هو خبر على بابه ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة
المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس
وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدين الله(٢).
وقال البخاري: قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ لدين الله(٣)، خلق الأولين دين الأولين، الدين
والفطرة الإسلام.
حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن
أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَ ل : ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو
ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)) ثم يقول:
﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اَللَّهِّ ذَلِكَ الْذِيْنُ الْقَيِّمُ﴾(٤). ورواه مسلم من
حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به(٥)، وأخرجاه أيضاً من
حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة مظ لته، عن النبي وَلِيمٍ(٦).
وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع
التميمي.
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع قال:
أتيت رسول الله وَ ل﴿ وغزوت معه فأصبت ظهراً، فقتل الناس يومئذٍ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٧٢.
(٢) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول إبراهيم النخعي أخرجه آدم بن أبي إياس بسند
صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع ويتقوى بالسابق
واللاحق، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول
عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوى بعضها بعضاً، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول ابن زيد
أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٣) أخرجه البخاري في بداية الحديث التالي، ويشهد له ما سبق.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الروم، باب ﴿لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]
ح٤٧٧٥).
(٥) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح٢٦٥٨).
(٦) تقدم في تفسير سورة النساء آية ١١٩.
٩٤
• سُورَةُ الْتُوفِزْ (٣٢،٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وسلم فقال: ((ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟» فقال رجل: يا
رسول الله إنما هم أبناء المشركين؟ فقال: ((ألا إنما خياركم أبناء المشركين، ثم قال: لا تقتلوا
ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال: كل نسمة تولد على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها
يهودانها أو ينصرانها))(١). ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عن
يونس وهو ابن عبيد بن الحسن البصري به(٢).
ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، [حدثنا](٣) أبو جعفر،
عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَاير: ((كل مولود
يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً) (٤).
ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا
أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ضًا أن رسول الله ومقر سئل عن أولاد المشركين،
فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم)(٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر
جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً بذلك(٦).
وقد قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا حماد؛ يعني: ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي
عمار، عن ابن عباس قال: أتى عليّ زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع المسلمين، وأولاد
المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان أن رسول الله ولو سئل عنهم، فقال: ((الله
أعلم بما كانوا عاملين)). قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي (٧).
ومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام،
حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله وم طهر خطب ذات يوم، فقال في
خطبته: ((إن ربي ◌َك أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلته
عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم
وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله رؤيت نظر
إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك
وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان: ثم إن الله أمرني أن أحرق
قريشاً، فقلت: يا ربِّ إذاً يثلغ(٨) رأسي فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم
نغزك، وأنفق عليهم فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: ((ألا لا تقتلوا الذرية)). (المسند ٣٥٦/٢٤ - ٣٥٧ ح ١٥٥٨٩) قال
محققوه: رجاله ثقات، لكن سماع الحسن من الأسود بن سريع لا يثبت عند بعضهم. اهـ. وأخرجه الحاكم
من طريق يونس به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٣/٢) وقد صرح الحسن البصري بالتحديث عن
الأسود في رواية الحاكم، من أجل ذلك صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٤٠٢).
(٢) (السنن الكبرى ح ٨٦١٦).
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد.
(٤) (المسند ٣٥٣/٣) وسنده ضعيف لأن أبا جعفر وهو الرازي سيئ الحفظ.
(٥) (المسند ٣٢٨/١) وسنده صحيح.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٥.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١٥.
(٨) الثَّلغ: الشدخ، وقيل: هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ.
٩٥
• سُورَةُ الْرُوفِنْ (٣٠، ٣٢)
1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل
ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر (١) له
الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه،
ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)) وذكر البخيل أو الكذاب،
والشنظير: الفحاش(٢). انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به(٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: التمسك بالشريعة والفطرة السلمية هو الدين القيم
المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه
(1)﴾ [يوسف] وقال تعالى:
ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].
وقوله تعالى: ﴿مُنِينَ إِلَيْهِ﴾ قال ابن زيد وابن جريج: أي: راجعين إليه (٤).
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ وهي الطاعة العظيمة ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق، عن
يزيد بن أبي مريم قال: مرَّ عمر ◌َظُه بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث
وهن المنجيات: الإخلاص وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملَّة،
والطاعة وهي العصمة، فقال عمر: صدقت.
حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن [أبي قلابة] (6) أن عمر ظُله قال لمعاذ:
(٦)
.
ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه
﴾ أي: لا
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَتِهِمْ فَرِحُونَ
تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم؛ أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض،
وقرأ بعضهم: ﴿فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ فارقوا (٧) دينهم؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود
والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍّ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
﴾ [الأنعام]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم
تزعم أنهم على شيء، وهذه الأُمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم
أهل السُّنّة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسُنّة رسول الله وَّ، وبما كان عليه الصدر الأول
(٢) (المسند ١٦٢/٤) وسنده صحيح.
(١) الزبر: العقل والرأي.
(٣) صحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار
(ح ٢٨٦٥).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه بسند
ضعيف، فيه الحسين بن داود وهو ضعيف، عن ابن جريج.
(٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((أبي ذلامة)).
(٦) أخرجهما الطبري بسنديهما وهذان السندان يقوي أحدهما الآخر.
(٧) وهي قراءة متواترة.
٩٦
سُورَةُ الُوفِزْ (٣٣، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000208000000000000000000000000000000000000000
من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه
سئل رسول الله وَيقول عن الفرقة الناجية منهم فقال: ((ما أنا عليه وأصحابي))(١).
4] ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَهُم مُّنِيِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ
يُشْرِكُونَ ﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿ أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا
(﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةُ فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُنَ
أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٣٦
يقول تعالى مخبراً عن الناس أنهم في حال الإضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا
أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله ويعبدون معه غيره.
وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ هي لام العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين،
ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك، ثم توعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: والله لو
توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد لههنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟ ثم
قال: منكراً على المشركين فيما اختلقوه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ولا برهان ﴿أَمْ أَنزَلْنَا
عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أي: ينطق ﴿يِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ﴾، وهذا استفهام إنكار؛
أي: لم يكن لهم شيء من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْ بِهَاْ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
﴾﴾ هذا إنكار على الإنسان من حيث هو إلا من عصمه الله ووفقه، فإن الإنسان إذا أصابته
نعمة بطر. وقال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ﴾ [هود: ١٠] أي: يفرح في نفسه ويفخر
على غيره، وإذا أصابته شدة قنط وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية. قال الله تعالى: ﴿إلَّا
الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [هود: ١١] أي: صبروا في الضراء وعملوا الصالحات في الرخاء.
كما ثبت في الصحيح: ((عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء
شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُّ﴾ أي: هو المتصرف الفاعل لذلك
بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿ ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِيْنَ وَأَبْنَ اُلسَّبِيِلَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
وَمَآ ءَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَّبُواْ فِىّ أَقَوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِّ وَمَآ ءَانْتُم مِّنْ زَكَوْمَ نُرِدُونَ
الْمُفْلِحُونَ هَّـ
اللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْمِيكُمْ هَلْ مِن
وَجْهَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (
شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (®)﴾.
يقول تعالى آمراً بإعطاء ﴿ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ أي: من البر والصلة، ﴿وَاَلْمِسْكِينَ﴾ وهو الذي لا
(١) أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو رؤيتها وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٩/١)، وحسنه
الحافظ ابن حجر، (الكافي الشاق في تخريج أحاديث الكشاف ص٦٣).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣.
٩٧
• سُوْرَةُ الْرُوفِزْ (٣٨، ٤٠)
شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿وَأَبْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما
يحتاج إليه في سفره، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلِّينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾ أي: النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية
القصوى، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَّبُواْ فِىِّ أَمَوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللهِ﴾ أي: من أعطى عطية
يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله، بهذا فسره ابن عباس
ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي (١)، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا
ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله وَ ﴿ خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ
تَسْتَكْثِرُ ﴾﴾ [المدثر] أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه(٢).
وقال ابن عباس: الربا رباءان: فربا لا يصح؛ يعني: ربا البيع؟ وربا لا بأس به وهو هدية
الرجل يريد فضلها، وأضعافها، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَّبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ
عِندَ اللّهِ﴾(٣). وإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنْ زَّكَوْمِ نُرِيدُونَ
وَجْهَ اَللَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء. كما جاء في
الصحيح: ((وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها
لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد))(٤).
وقوله رَى: ﴿اَللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي: هو الخالق الرزاق، يخرج الإنسان من بطن أمه
عرياناً لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللِّباس
والمال والأملاك والمكاسب. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن
سلَام أبي شُرحبيل، عن حبَّة وسَواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي وَّ وهو يصلح شيئاً
فأعنَّاه، فقال: ((لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه
قشرة، ثم يرزقه الله ريك))(٥).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِنُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْمِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ﴾ أي: الذين تعبدونهم من دون الله ﴿مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن
شَىْءٍ﴾؟ أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله {قل هو المستقل بالخلق
والرزق والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة، ولهذا قال بعد هذا كلِّه: ﴿سُبْحَتَهُ
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويشهد له ما يليه.
وقول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه
عبد الرزاق والبستي بسند حسن من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٢) عزاه السيوطي إلى الفريابي وابن أبي شيبة والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك، وأخرجه
الطبري عن الضحاك مختصراً، وسنده ضعيف معضل لأن الضحاك وهو ابن مزاحم: تابع تابعي.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم دون ذكر تلاوة الآية.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧٦.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٦/٢٥ ح ١٥٨٥٥) وضعف سنده محققوه.
٩٨
سُورَةُ الْرُوفِنْ (٤١، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجلَّ وعزَّ عن أن يكون له شريك أو
نظير أو مساوٍ أو ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له
كفواً أحد.
﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ﴿﴿ قُلْ سِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ
٤٣
قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي وغيرهم: المراد بالبر لههنا الفيافي، وبالبحر
الأمصار والقرى.
وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر الأمصار، والقرى ما كان منهما على جانب نهر (١).
وقال آخرون: بل المراد بالبر هو البر المعروف، وبالبحر هو البحر المعروف.
وقال زيد بن رفيع: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر
تعمی دوابه، رواه ابن أبي حاتم(٢).
وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن
مجاهد ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد البحر أخذ السفينة
غصباً (٣) .
وقال عطاء الخراساني: المراد بالبر ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر جزائره(٤). والقول
الأول أظهر وعليه الأكثرون، ويؤيده ما قاله محمد بن إسحاق في السيرة: إن رسول الله وَلقول
صالح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره(6)؛ يعني: ببلده، ومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيَدِى النَّاسِ﴾ أي: بان النقص في الزروع والثمار بسبب المعاصي.
وقال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض
والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: ((لحدٍّ يُقام في الأرض أحبُّ إلى
أهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً))(٦). والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو
أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا تركت المعاصي كان سبباً في حصول البركات
من السماء والأرض. ولهذا إذا نزل عيسى ابن مريم ظلّ في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة
المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزير وكسر الصليب ووضع الجزية، وهو تركها، فلا يقبل إلا
الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض:
(١) قول ابن عباس عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسندين
يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٣) سنده حسن.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٥) سنده ضعیف لأنه لم یسنده، والخبر مشهور.
(٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بطه (المسند ٣٥١/١٤ ح ٨٧٣٨)، وضعف سنده محققوه،
وللمزيد ينظر تخريجه في تفسير سورة النور آية ٢.
٩٩
سُورَةُ الْرُوفِزْ (٤٣، ٤٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000000000000000 0
أخرجي بركتك، فيأكل من الرمانة الفئام(١) من الناس ويستظلون بقحفها (٢)، ويكفي لبن اللقحة
الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة محمد * فكلما أقيم العدل كثرت البركات
والخير. ولهذا ثبت في الصحيح: أن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر
والدواب(٣) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف، عن أبي قحذم قال:
وجد رجل في زمان زياد أو ابن زياد، صرَّة فيها حبُّ؛ يعني: من برّ، أمثال النوى عليه مكتوب:
هذا نبت في زمان كان يعمل فيه بالعدل (٤).
وروى مالك، عن زيد بن أسلم أن المراد بالفساد ههنا الشرك(٥)، وفيه نظر.
وقوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ﴾ الآية؛ أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس
والثمرات اختباراً منه لهم ومجازاة على صنيعهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن المعاصي، كما قال
تعالى: ﴿وَبَلَوْنَهُمْ بِلْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِ
اُلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبلكم ﴿كَنَ أَكْثَرُهُم مُشْرِكِينَ﴾ أي: فانظروا
ما حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.
مَن
﴿فَقِّرِ وَجْهَكَ لِلِينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَيِذٍ يَصَدَعُونَ
كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴿ لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلِّ
◌ِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِينَ ﴾
يقول تعالى آمراً عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته والمبادرة إلى الخيرات ﴿فَأَفِّرْ وَجْهَكَ
لِلِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة إذا أراد كونه فلا رادَّ له ﴿يَوْمَّدٍ
يَصَدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ
كُفْرَّةٌ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴿ لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ مِن فَضْلٍِ﴾ أي:
يجازيهم مجازاة الفضل، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿إِنَّهُ لَا يُحُبُّ
الْكَفِرِينَ﴾ ومع هذا هو العادل فیھم الذي لا يجور.
] ﴿وَمِنْ ءَلِّ أَنْ يُرْسِلَ الْرِيَجَ مُبَشِرَتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَلِتَجْرِىَ الْقُلْكُ بِأَمْرِهِ، وَلَبَغُواْ مِن فَضْلِهِ.
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمِ نَاءُ وهُرِ بَلْبَيْنَتِ فَأنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
﴾.
يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها،
(١) أي: الجماعة.
(٢) أي: بقشرها .
(٣) أخرجه البخاري (الصحيح، الرقاق، باب سكرات الموت ح ٦٥١٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ وُجدَ في زمان.
(المسند ٣٣١/١٣ ح٧٩٤٩)، وضعف سنده محققوه.
(٥) سنده صحيح.
١٠٠
سُورَةُ الُوفِزْ (٤٨، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد ﴿وَلِتَجْرِىَ
الْقُلْكُ بِأَمْرِوٍ﴾ أي: في البحر وإنما سيرها بالريح ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في التجارات
والمعايش والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر ﴿وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله على ما
أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ لَهُوُرِ بِالْبَيْنَتِ فَأنْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾، هذه
تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد وسيبأنه وإن كذّبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت
الرسل المتقدمون مع ما جاؤوا أممهم به من الدلائل الواضحات. ولكن انتقم الله ممن كذّبهم
وخالفهم وأنجى المؤمنين بهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هو حق أوجبه على نفسه
الكريمة تكرماً وتفضلاً، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث،
عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء به قال: سمعت رسول الله وعليه
يقول: ((ما من امرئ مسلم يُرَدّ عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يردَّ عنه نار جهنم
يوم القيامة)) ثم تلا هذه الآية ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(١).
42 ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْمِلُ الْرِيَحَ فَنُثِيُرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَبَجْعَلُهُ كِسَفًا فَرَى اُلْوَدْقَ
يَخْرُجُ مِنْ ◌ِلَلِهِ، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزََّ
فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اَللَّهِ كَيْفَ يُحِى الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمْلِسِينَ
(١)
﴿ وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ
لَمُحِ اَلْمَوْنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يُبين تعالى كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء، فقال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِيَحَ فَنُثِيرُ
سَحَابًا﴾ إما من البحر كما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله رَ ﴿فَيَبْسُطُهُ فِ السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾
أي: يمده فيكثره وينميه، ويجعل من القليل كثير، ينشئ سحابة ترى في رأي العين مثل الترس،
ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالاً مملوءة ماءً، كما
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَهُ
لِبَلَدٍ فَيِّتٍ فَلْنَا بِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّعَرَّتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(٥٧)
[الأعراف]، وكذلك قال لهُهنا: ﴿اَللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِىِ السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ
كِسَفًا﴾، قال مجاهد وأبو عمرو بن العلاء ومطر الوراق وقتادة: يعني قطعاً (٢).
وقال غيره: متراكماً، قاله الضحاك(٣).
وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهماً ثقيلاً قريباً من الأرض.
وقوله تعالى: ﴿فَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ أي: فترى المطر وهو القطر، يخرج من بين ذلك
(١) سنده ضعيف لأن ليث وهو ابن أبي سُليم، وشهر بن حوشب كلاهما فيهما مقال.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح
من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((القطر)).
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم عن الضحاك بلفظ: ((سماء دون سماء)).