Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ • سُورَةُ الْجَنْكُتُوتِ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظُلَّة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم، وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف وهود والشعراء. وقوله: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ قال قتادة: ميتين(١). وقال غيره: قد ألقى بعضهم على بعض. ] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَاْ وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴿ وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنٌ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَاسْتَكْبَرُوا ﴿ فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةِ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، وأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود ◌ُلِّل كانوا يسكنون الأحقاف، وهى قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح كانوا يسكنون الحجر قريباً من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيداً، وتمرُّ عليها كثيراً، وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله تعالى ورسوله وَ له ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهٍ﴾ أي: كانت عقوبته بما يناسبه ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية الهبوب جداً، تحمل عليهم حصباء الأرض فتلقيها عليهم، وتقتلعهم من الأرض، فترفع الرجل منهم من الأرض إلى عنان السماء، ثم تنكسه على أُم رأسه فتشدخه، فيبقى بدنا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة مثل ما سألوه سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحاً ومن آمن معه وتوعدوهم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات. ﴿وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الربَّ الأعلى، ومشى في الأرض مرحاً، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ وهو فرعون ووزير هامان وجنودهما عن آخرهم أغرقوا في صبيحة واحدة فلم ينجُ منهم مخبر ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: فيما فعل بهم ﴿وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقاً بما كسبت أيديهم. وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة. (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٦٢ • سُورَةُ الجِنكُوتِ (٤١، ٤٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةٍ﴾ أي: من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهت على هذا لأنه قد روى ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال: قوم لوط، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال: قوم نوح(١). وهذا منقطع عن ابن عباس: فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وأطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق. وقال قتادة: ﴿فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قال قوم لوط(٢): ﴿وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قوم شعيب، وهذا بعيد أيضاً لما تقدم، والله أعلم. ] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْمَنكَبُونِ اتَّخَذَتْ بَيْنًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿٨ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَالِمُونَ هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفهم ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم، إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه الله وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها . ثم قال تعالى متوعداً لمن عبد غيره وأشرك به، إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم، ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾﴾ أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه. قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عمرو بن العاص ◌ُبه قال: عقلت عن رسول الله وَ ر ألف مثل(٣). وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص به حيث يقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلِمُونَ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان، عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأنني ﴾ (٤) سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِّمُونَ (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، كما قرر الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((قوم فرعون)). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤١/٢٩ ح ١٧٨٠٦)، وضعف سنده محققوه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. ٦٣ سورة العنكبوت (٤٤، ٤٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 أَتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيَّكَ ] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ إِنَ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَ الضَلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَّرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ يقول تعالى مخبراً عن قدرته العظيمة أنه خلق السموات والأرض بالحق؛ يعني: لا على وجه العبث واللعب ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]، ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿إِنّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية. ثم قال تعالى آمراً رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس ﴿وَأَقِمِ الضَّلَوَّةٌ إِنَّ اُلْضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَّرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يعني: أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات؛ أي: مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعاً: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعداً))(١). ذكر الآثار الواردة في ذلك: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين قال: سئل النبي ◌َّ عن قول الله: ﴿إِنَّ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ قال: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له)) (٢). وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي، حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعداً)(٣) ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية(٤). وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعداً (6)، فهذا موقوف. قال ابن جرير: وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي والقر أنه قال: ((لا صلاة لمن لم يطع الصلاة)) وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر (٦). (١) الحديث المرفوع ضعيف من الروايتين كما سيأتي تفصيله في الأحاديث الستة التالية. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهاله عمر بن أبي عثمان (الجرح والتعديل ١٢٣/٥). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ليث وهو: ابن أبي سُليم. (٤) (المعجم الكبير ٥٤/١١ ح١١٠٢٥) وسنده كسابقه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ العلاء بن المسيب. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جويبر والحسين وهو ابن داود، والضحاك لم يلق ابن مسعود. ٦٤ سُورَةُ الْجَنْكُبُوتِ (٤٤، ٤٥) قال: قال سفيان: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] قال: فقال سفيان: إي والله تأمره وتنهاه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله قال: قال رسول الله (ص 1 - وقال أبو خالد مرة عن عبد الله -: ((لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر))(١) والموقوف أصح، كما رواه الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعبد الله: إن فلاناً يطيل الصلاة، قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها (٢). وقال ابن جرير: حدثنا علي، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن قال: قال رسول الله ◌َّل: ((من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعداً))، والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود وابن عباس والحسن وقتادة والأعمش(٣) وغيرهم، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، أنبأنا جرير - يعني: ابن عبد الحميد - عن الأعمش، عن أبي صالح قال: أراه عن جابر، شك الأعمش، قال: قال رجل للنبي وقلت: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق. قال: ((سينهاه ما تقول))(٤). وحدثنا محمد بن موسى الجرشي، أخبرنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، عن النبي وَ﴿ بنحوه، ولم يشك، ثم قال: وهذا الحديث قد رواه عن الأعمش غير واحد، واختلفوا في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو غيره. وقال قيس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال جرير وزياد، عن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر(٥) . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، أخبرنا الأعمش، قال: أخبرنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي وَله فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال: ((إنه سينهاه ما تقول)) (٦). وتشتمل الصلاة أيضاً على ذكر الله تعالى وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم من الأول ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: يعلم جميع أعمالكم وأقوالكم. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف كسابقه في الكلام عن جويبر والضحاك. (٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق الأعمش به (الزهد ص١٥٩)، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق شقيق عن ابن مسعود بنحوه (المصنف ٢٩٨/١٣). (٣) قول ابن مسعود وابن عباس والأعمش تقدم، وقول الحسن وقتادة، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن. (٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٧٢١) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٢٥٨/٢) لكنه معضل فإن الأعمش لم يدرك أحداً من الصحابة، ويتقوى برواية الإمام أحمد التالية. (٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٧٢٢)، ويتقوى بما يليه. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٨٣/١٥ ح٩٧٧٨)، وصحح سنده محققوه. · سُورَةُ الچنكُوتِ (٤٤، ٤٥) ٦٥ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال، فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخصال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله، فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه(١) . وقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة، فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر(٢). وقال حماد بن أبي سليمان: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ يعني: ما دمت فیھا . وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ يقول: ولذكر الله لعباده أكبر إذا ذكروه من ذكرهم إياه (٣)، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، [وبه قال مجاهد وغيره(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن رجل، عن ابن عباس](٥) ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك، قلت: فإن صاحباً لي في المنزل يقول غير الذي تقول، قال: وأي شيء يقول؟ قلت: يقول الله تعالى: ﴿فَذْكُرُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه، قال: صدق(٦). قال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إیاکم أعظم من ذکرکم إياه(٧) . قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلت نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولاً عجيباً وما هو كذلك ولكنه إنما يقول ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه(٨). وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس، وروي أيضاً عن ابن مسعود وأبي الدرداء وسلمان (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد في تفسيره. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه آدم والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ داود. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وإسماعيل هو ابن علية، وخالد هو الحذاء. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة عبد الله بن ربيعة (التقريب ص٣٠٢)، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم من الطريق نفسه. ٦٦ سُورَةُ الْعَنكُوتِ (٤٦) 00000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 الفارسي وغيرهم(١)، واختاره ابن جرير. وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمٌّ وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَّهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ([6]﴾ قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف (٢). وقال آخرون: بل هي باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم في الدين(٣)، فيجادل بالتي هي أحسن ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنَّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهٌِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْنَدِينَ (٣٥)﴾ [النحل]، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (@)﴾ [طه] وهذا القول اختاره ابن جرير، وحكاه عن ابن زيد(٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ أي: حادوا عن وجه الحق، وعموا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذٍ ينتقل من الجدال إلى الجلاد ويقاتلون بما يمنعهم ويردعهم، قال الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَلْنَا اَلَْدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُؤُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ، إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ [الحديد] قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف. قال مجاهد: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ يعني: أهل الحرب، ومن امتنع منهم من أداء . (٥) الجزية (٥) . وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوَاْ ءَامَنَّا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ يعني: إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقاً، ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلاً، ولكن نؤمن به إيماناً مجملاً معلقاً على شرط وهو أن يكون منزلاً لا مبدلاً ولا مؤولاً . قال البخاري كَّلُهُ: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ظُه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ويتليفون: ((لا تصدقوا أهل (١) قول عبد الله بن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق شقيق عنه (المصنف ٢٩٨/١٣) وقول أبي الدرداء أخرجه الطبراني بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سلمان الفارسي أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام الراوي عن سلمان (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن الرحمن بن زيد بن أسلم .. (٤) رجحه الطبري وقول ابن زيد تقدم تخريجه في الرواية السابقة. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق خُصَيف عن مجاهد، وخُصيف سيئ الحفظ. ٦٧ • سُوَرَّةُ الْجَنكُتِ (٤٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الكتاب ولا تكذبوهم))، ﴿وَقُولُوَاْ ءَمَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحٌِ وَفَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(١)) وهذا الحديث تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمرو، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة، أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله وَيقر جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله وَليقول: ((الله أعلم)) قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ويلي: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم)) (٢) . (قلت): وأبو نملة هذه هو عمارة. وقيل عمار: وقيل عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحاً. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال(٣). وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن [عبيد الله بن عبد الله](٤)، عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول الله وَل أحدث تقرءونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدَّلوا وغيَّروا وكتبوا بأيديكم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم(٥). وقال البخاري: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني [حميد بن عبد الرحمن](٦) أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا - مع ذلك - لنبلو عليه الكذب(٧). (١) أخرجه البخاري بسنده ولفظه باختصار الآية (الصحيح، التفسير، سورة البقرة) باب ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (ح ٤٤٨٥). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٦/٤)، وفي سنده ابن أبي نملة مقبول كما في التقريب، وأخرجه أبو داود (السنن، العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب ح٣٦٤٤) من طريق الزهري به ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود، والشطر الثاني من الحديث يتقوى بسابقه في صحيح البخاري. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة حريث بن ظهير (التقريب ص١٥٦). (٤) كذا في صحيح البخاري وفي الأصل: و(ح) و(حم) و(مح) صحف إلى: ((عبد الله بن عبد الله)). (٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الإعتصام، باب قول النبي ◌ّطاهر: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) ح ٧٣٦٣). (٦) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل حُرف إلى: عبيد بن عبد الرحمن. (٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٧٣٦١). ٦٨ • سُوَّرَّةُ الْجَنْكُبُوتِ (٤٧، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (قلت): معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد، لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملَّتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيم، ومع ذلك وقرب العهد، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا الله رَك، ومن منحه الله تعالى علماً بذلك كل بحسبه، ولله الحمد والمنة. . ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانِيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِ، وَمَا يَحْمَدُ بِشَايَدِنَآ إِلَّ الْكَفِرُونَ ( وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخْعُهُ بِيَمِنِكٌَ إِذَا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ . بَلْ هُوَ ءَايَتْ بَبِنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَتِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ قال ابن جرير: يقول الله تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب، وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد (١). وقوله تعالى: ﴿فَِّنَ ءَانِيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِهٌِ﴾ أي: الذين أخذوه فتلوه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، وكعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وأشباههما . وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ،﴾ يعني: العرب من قريش وغيرهم ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِحَايَدِنَآ إِلَّا اَلْكَفِرُونَ﴾ أي: ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل وهيهات. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِينَبٍ وَلَا تَّخْتُمُ بِيَمِنِكٌَ﴾ أي: قد لبثت في قومك يا محمد من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمراً لا تقرأ كتاباً ولا تحسن الكتابة بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وهكذا كان رسول الله وَ ل ◌ّر دائماً إلى يوم الدين، لا يحسن الكتابة ولا يخُ سطراً ولا حرفاً بيده، بل كان له كُتَّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه ظلّله كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالاً وخطبوا به في محافلهم، وإنما أراد الرجل - أعني الباجي - فيما يظهر عنه(٢)، أنه كتب ذلك على وجه المعجزة لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال وهو إخباراً عن الدجال: ((مكتوب بين عينيه كافر))(٣) وفي رواية: ((ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن)) (٤). (١) ذكره الطبري بلفظه. (٢) ذكر الحافظ رأي الباجي وبعض الأناشيد. (ينظر فتح الباري ٧/ ٥٠٣). (٣) أخرجه البخاري من حديث أنس ظته (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال ح٧١٣١). (٤) أخرجه مسلم من حديث أنس مظله (الصحيح، الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه ح ٢٩٣٣). ٦٩ • سُودَةُ الجنكتُوتِ (٤٧، ٤٩) 000000000000000000000000000000000000000000000000 0 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت به حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل(١) له، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ﴾ أي: تقرأ ﴿مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ﴾ لتأكيد النفي ﴿وَلَا تَّخُهُ بِينِكٌَ﴾، تأكيد أيضاً، وخرج مخرج الغالب كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿إِذَّا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس، فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء مع أنهم قالوا: ذلك مع علمهم بأنه أُمي لا يحسن الكتابة ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَصِيلًا ﴾﴾ قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِزَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقال لهُهنا: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ﴾ أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمراً ونهياً وخبراً، يحفظه العلماء يسره الله عليهم حفظاً وتلاوة وتفسيراً، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ ﴾﴾ [القمر]. وقال رسول الله وَ﴾: ((ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً))(٢). وفي حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم يقول الله تعالى: ((إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً»(٣) أي: لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، لأنه قد جاء من الحديث الآخر: ((لو كان القرآن في إهاب ما أحرقته النار)) (٤)، ولأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظاً ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المتقدمة في صفة هذا الأمة أناجيلهم في صدورهم. واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتٌ بَيْنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ﴾ بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتاباً، ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، ونقله عن قتادة وابن جريج(٥)، وحكي الأول، عن الحسن البصري فقط (٦) . قلت: وهو الذي رواه العوفي، عن ابن عباس(٧)، وقاله الضحاك(٨) وهو الأظهر والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَئِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ﴾ أي: ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون؛ أي: المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ (١) عزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن أبي شيبة وعمر بن شبة وضعف سنده لأنه مرسل. (ينظر فتح الباري ٥٤/٧). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٣١. (٣) أخرجه مسلم (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح ٢٨٦٥). (٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٥١/٤) وسنده حسن. (٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. ٧٠ • سُورَة العنكبوت (٥٢،٥٠) ١٩٧ ﴿ وَلَوَ جَمَتْهُمْ كُلُّ ◌َيَةٍ حَقَّ يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [یونس]. ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِكَ عَلَيْهِ ءَايَتُ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنََّا أَنْ نَذِيٌِّ مُبِينُ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ ٥٠ يُؤْمِنُونَ ﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضُِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِالَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات، يعنون ترشدهم إلى أن محمداً رسول الله كما أتى صالح بناقته، قال الله تعالى: ﴿قُلٌ﴾ يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن هذا سهل عليه يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنكم إنما قصدتم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَنْ تُرْسِلَ بِالْأَيَتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَّ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَّمُواْ بِهِأَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقوله: ﴿وَإِنَّمَآ أَنَّْ نَذِيرٌ مُِّيرٌ﴾ أي: إنما بعثت نذيراً لكم بين النذارة، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ثم قال تعالى مبيناً كثرة جهلهم وسخافة عقلهم حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد بن ﴿ فيما جاءهم، وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحداً من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى ببيان الصواب مما اختلفوا فيه وبالحق الواضح البين الجليّ، كما قال [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِيْنَا تعالى: ﴿أَوَلَ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً أَنْ يَعَلَهُ عُلَمَلُاْ بَىّ إِسْرَةِيلَ بِشَةٍ مِّن رَّبِّهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَهُ مَا فِ الصُّحُفِ اَلْأُولَى (®)﴾ [طه]. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ته قال: قال رسول الله وسلم: ((ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) (١) أخرجاه من حديث الليث(٢). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في هذا القرآن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤١/٢) وسنده صحيح. (٢) تقدم تخريجه في تفسير الآية ٤٩ من هذه السورة الكريمة. ٧١ سورة العنكبوت (٥٣، ٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الرحمة؛ أي: بياناً للحق وإزاحة للباطل، وذكرى بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين لقوم يؤمنون. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه بأنه أرسلني، فلو كنت كاذباً عليه لانتقم مني، ® ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَقِينَ ﴾ فَمَا لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ٤٤ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوََّ عَلَيْنَا بَعْضَ اْأَقَوِيلِ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ ﴾﴾ [الحاقة] وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات والدلائل القاطعات ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي: لا تخفى عليه خافية ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي: يوم القيامة سيجزيهم على ما فعلوا ويقابلهم على ما صنعوا في تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، فسيجزيهم على ذلك إنه حكيم علیم . (٥٣) ﴿وَسْتَعْمِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَّ أَجَلٌ مُسَمَّى لَّةَ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْبِطُونَكَ بِلْعَذَابٍ وَلِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِرِينَ ﴿﴿ يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى مخبراً عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم وبأس الله أن يحلَّ عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ الشَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [الأنفال] وقال لهُهنا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَمَّى لَّمَ هُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريباً سريعاً كما استعجلوه، ثم قال: ﴿وَلَأْتِنَّهُمْ بَغْنَةً﴾ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿﴿ يَسْتَعِْطُونَكَ بِلْعَذَابٍ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة. قال شعبة: عن سماك، عن عكرمة: قال في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ قال: البحر(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِلْكَفِرِينَ﴾ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه، وتكور فيه الشمس والقمر، ثم يوقد فيكون هو جهنم(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الله بن أُمية، حدثني محمد بن حيي، أخبرني صفوان بن يعلى، عن أبيه أن النبي ◌َّ قال: ((البحر هو جهنم)) قالوا ليعلى: فقال: ألا ترون أن الله تعالى يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩] قال: لا والذي نفس يعلى (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من شعبة به. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن عمر بن إسماعيل بن مجالد، متروك (التقريب ص ٤١٠). ٧٢ • سُوَرَّةُ الْجَنْكُوْتِ (٥٦، ٦٠) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 بيده، لا أدخلها أبداً حتى أعرض على الله ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله تعالى(١)، هذا تفسير غريب، وحديث غريب جداً، والله أعلم. ثم قال رَق: ﴿يَوْمَ يَغْشَُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿لَهُ مِّنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١] وقال تعالى: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ ◌ُظَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩] فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسيّ. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴿٨ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدٍَ ٤٩ ﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَظُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَقًّا ﴿ هَذِهِ النَّارُ الَِّى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤ أَفَسِحْرُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَ نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوَاْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوَنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (بَ﴾ [الطور]. كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْنِّ ثُمَّ إِلَيْنَا ﴿بَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ تُجَعُونَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوْتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا اُلْأَنْهَُ خَالِدِينَ فِيهَاً وَكَأَبِّنْ مِّنِ دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللَّهُ يَرْزُقُهَا ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَّكَُّونَ (@) نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ وَإِنَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ هذا أمر من الله تعالى المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَىَ فَأَعْبُدُونِ (٥٦) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله وَله: (البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيراً فأقم))(٢). ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا خير المنزلين هناك: أصحمة النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، فآواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سيوماً (٣) ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول الله وَليه والصحابة الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة. ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (60)﴾ أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بدّ منه ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له جازاه أفضل الجزاء، ووفاه أتم الثواب ولهذا قال (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٧٨/٢٩ ح ٧٩٦٠)، وضعف سنده محققوه لجهالة محمد بن حي. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/٣ ح ١٤٢٠)، وضعف سنده محققوه لوجود ثلاثة مجاهيل. (٣) أي: آمنين وهي كلمة حبشية وتروى بفتح السين، وقيل سيوم: دمع سائم أي: تسومون في بلدي كالغنائم السائمة لا يعارضكم أحد (النهاية ٤٣٤/٣، ٤٣٥). ٧٣ سُورَةُ الجِنكُوت (٥٦، ٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوِتَنَّهُم مِّنَ اُلْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ أي: لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً ﴿نِعْمَ أَجْرُ اَلْعَمِلِينَ﴾ نعمت هذه الغرف أجراً على أعمال المؤمنين ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على دينهم. وهاجروا إلى الله ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده وتصديق موعوده. وقال ابن أبي حاتم تَخْلُهُ: حدثنا أبي، أخبرنا صفوان المؤذن، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معاوية الأشعري، أن أبا مالك الأشعري حدثه، أن رسول الله مل*، حدثه أن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وتابع الصلاة والصيام، وقام بالليل والناس نيام(١). ﴿وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَُّونَ﴾ في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْيِلُ رِزْقَهَا﴾ أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تدخر شيئاً لغد ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال تعالى: وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَفَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَبٍ تُّبِينٍ (٦)﴾ [هود]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد يعني: ابن هارون، حدثنا الجراح بن منهال الجزري - هو أبو العطوف -، عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله * حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: ((يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟)) قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: ((لكني أشتهيه، وهذا صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟)) قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت ﴿وَ كَأَيِّنِ مِّن دَابَةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ فقال رسول الله وَله: ((إن الله رقم لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية، فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز ديناراً ولا درهماً ولا أخبأ رزقاً لغد))(٢). هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف، وقد ذكروا أن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري به (المسند ٥٣٩/٣٧ ح ٢٢٩٠٥)، وقال محققوه: إسناده حسن إن كان ابن معانق سمعه من أبي مالك. اهـ. ويتقوى بمتابعة أبي معاوية الأشعري المتقدمة، وله شاهد أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو خيًا (المسند ١٧٣/٢)، وبمجموع طرقه يكون حسناً. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن عمر طها. وضعف سنده الحافظ ابن كثير لضعف أبي العطوف. ٧٤ • سُوْدَةُ الچنكُوتِ (٦١، ٦٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الغراب إذا فقس عن فراخه البيض خرجوا وهم بيض، فإذا رآهم أبواهم كذلك نفرا عنهم أياماً حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحاً فاه يتفقد أبويه فيقيض الله تعالى طيراً صغاراً كالبرغش(١)، فيغشاه فيتقوت به تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر: يا رازق النعاب(٢) في عشه وجابر العظم الكسير المهيض (٣) وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقوله النبي ◌َّ ى: ((سافروا تصحوا وترزقوا)) (٤). قال البيهقي: أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سنان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن [رداد](6) شيخ من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((سافروا تصحوا وتغنموا))(٦) قال: ورویناه عن ابن عباس(٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن دراج، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا))(٨) وقد ورد مثل حديث ابن عمر، عن ابن عباس مرفوعاً، وعن معاذ بن جبل موقوفاً، وفي لفظ: ((سافروا مع ذوي الجد والميسرة)) (٩) قال: ورويناه عن ابن عباس. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم. ثَ اللَّهُ ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَنَّى يُؤْفَكُونَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُْ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ يقول تعالى مقرراً أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض، والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم، فتفاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلاً منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك، فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد (١) البرغش: البعوض اللساع. (٣) أي: المكسور بعدما كاد ينجبر. (٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: (دراد)). (٦) أخرجه البيهقي (السنن الكبرى ١٠٢/٧) قال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث منكر (العلل ٣٠٦/٢). (٧) أخرجه ابن عدي بسند فيه نهشل بن سعيد وهو متروك. (الكامل في الضعفاء ٧/ ٢٥٢١). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بلفظ: ((واغزوا تستغنوا)). (المسند ٥٠٧/١٤ ح٨٩٤٥) وضعف سنده محققوه. (٩) أخرجه الديلمي (مسند الفردوس ح ٣٣٨٧) من حديث معاذ الله وسنده ضعيف أيضاً فيه إسماعيل بن زياد وهو ضعيف وضعف سنده السيوطي والمناوي كما في فيض القدير شرح الجامع الصغير، ٤/ ٨٢، ٨٣. (٢) أي: فرخ الغراب. (٤) سيأتي تخريجه وضعفه في الرواية التالية. ٧٥ • سُورَةُ الجَنْكُوتِ (٦٤، ٦٩) الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. - ﴿﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْاَ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبَّ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ فَإِذَا رَحِكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الِّينَ فَلَمَّا نَجَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٤ ج ◌َِكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى، ثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائماً ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اُلْذِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُهُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَُّ فَمَّا تَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال لههنا: ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل، أنه لما فتح رسول الله وَ لخير مكة ذهب فارّاً منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربهم الدعاء، فإنه لا ينجي لهُهنا إلا هو، فقال عكرمة: والله لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البر أيضاً غيره، اللَّهُمّ لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فكان كذلك(١). وقوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَّيْنَهُمْ وَلِيَتَمَنَّعُواْ﴾ هذه اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة، لأنهم لا يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل، وقد قدمنا تقرير ذلك في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنًا﴾ [القصص: ٨]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنَا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفِاَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَةِ الهِ يَكْفُرُونَ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ افْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ، أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَدِيَّهُمْ سُبْلَأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ لِلْكَفِرِينَ يقول تعالى ممتناً على قريش فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، ومن دخله كان آمناً فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿لِإِلَفِ قُرَيْشٍ ﴾ إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿ الَّذِى أَطْعَمَهُم ◌ِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش]. (١) سنده ضعيف للانقطاع بين ابن إسحاق وعكرمة، ويتقوى بما تقدم في تفسير سورة الإسراء آية ٦٧ فقد صحت القصة . ٧٦ • سُوَّرَّةُ الْجَنَكُوتِ (٦٧، ٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 وقوله تعالى: ﴿أَفَاَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد و﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه، وأخرجوه من بين أظهرهم، ولهذا سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، ثم صارت الدولة (١) لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَ عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ﴾ أي: لا أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله، فقال: إن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله، وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر والثاني مكذب، ولهذا قال تعالى: ﴿أَسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِيِنَا﴾ يعني: الرسولِ وَّه وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ﴿لَنَهَدِيَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ أي: لنبصرنهم سبلنا؛ أي: طرقنا في الدنيا والآخرة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، أخبرنا عباس الهمداني أبو أحمد من أهل عكا في قول الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري: ١٦٩ فحدثت به أبا سليمان الداراني، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حتى وافق ما في نفسه. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر قاضي الري، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن المغيرة، عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم علَ *: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك(٢)، والله أعلم. [آخر تفسير سورة العنكبوت. ولله الحمد والمنة] (٣). (١) الدولة: الغلبة. (٢) أخرج ابن أبي حاتم الروايتين، وسند الثانية مرسل، لأن ما يروى عن الأنبياء لا بدّ أن يكون بحديث مرفوع أو له حكم الرفع. (٣) زيادة من (مح). ٧٧ • سُورَةِ الْرُوفِزْ (١، ٧) 0000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 ٥٥ 07 00000 سُورَةُالْرُوفِ [وهي](١) مكية بسم الله الرحمن الرحيم فيِ يِضْعِ ﴿الَّ ؟ غُلِتِ الرُّومُ ب ◌ِ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) سِنِينَةُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَجُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم. واضطره هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عَمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿الّ ﴾ غُلِيَتِ الرُّومُ ﴾ فِّ أَدْنَ اَلْأَرْضِ﴾ قال: غُلِبت وغَلَبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله وَ له، فقال رسول الله وَليقول: ((أما إنهم سيغلبون)) فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي وَّ، فقال: ((ألا جعلتها إلى دون - أراه قال: العشر -)) قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر، ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله: ﴿الَّّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ فِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَيْهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ فِ بِضْعِ سِنِينَُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ ٣ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾(٢) هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن الحسين بن حريث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري به. وقال الترمذي: حسن غريب إنما نعرفه من حديث سفيان، عن حبيب(٣)، ورواه ابن أبي حاتم، عن (١) زيادة من (حم). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٦/٤ - ٢٩٧ ح٢٤٩٥)، وصحح سنده محققوه. (٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الروم (ح٣١٩٣)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح١١٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٥١). ٧٨ سُورَةُ الْتُومِنْ (١، ٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 محمد بن إسحاق الصاغاني، عن معاوية بن عمرو به، ورواه ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن سعيد أبو سعيد [التغلبي] (١) الذي يقال له أبو سعد من أهل طرسوس، حدثنا أبو إسحاق الفزاري فذكره، وعندهم قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر(٢). حديث آخر: قال سليمان بن مهران الأعمش: عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين، الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم، أخرجاه(٣). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر - هو الشعبي -، عن عبد الله بن مسعود به قال: كان فارس ظاهراً على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت ﴿الّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴾ فِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنَ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فيِ بِضْعِ سِنِينٌ﴾ قالوا: يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟ قال: صدق. قالوا: هل لك أن نقامرك؟ فبايعوه على أربع قلائص (٤) إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك، وشق على المسلمين، فذكر ذلك للنبي وَ ل﴿ فقال: ((ما بضع سنين عندك؟)) قالوا: دون العشر. قال: ((اذهب فزايدهم، وازدد سنتين في الأجل)) قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله تعالى: ﴿الَّ ﴾ غُلِتِ الرُّوُ ﴾﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَمُ﴾(٥) . حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت ﴿الّ ﴾ غُليَتِ الرُّومُ ﴾) فِّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾﴾ قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك يزعم أن الروم تغلب فارس؟ قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك(٦)؟ فجعل بينه وبينهم أجلاً، فحلَّ الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي وَّ فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: ((ما دعاك إلى هذا؟)) قال: تصديقاً لله ولرسوله. قال: ((تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين)) فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية، فجاء أبو بكر إلى النبي و 8﴿ فقال: هذا السحت، قال: ((تصدق به))(٧). حديث آخر: قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي (١) كذا في (حم) و(ح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((الثعلبي)). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٣) أخرجه الشيخان من طريق الأعمش به. (صحيح البخاري، التفسير، سورة الدخان ح ٤٧٦٧، وصحيح مسلم، صفة القيامة والجنة، باب الدخان ح٢٧٩٨). (٤) أي: أربع من الإبل الشابة. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال ويتقوى بالروايات التالية. (٧) سنده حسن. (٦) أي: نراهنك (ينظر لسان العرب ٢٥١/٤). ٧٩ سُورَةُ الْرُوفِزْ (١، ٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أويس، أخبرني ابن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّوُ جَ فِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَيْهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فيِ يِضْعِ سِنِنٌَّ﴾ فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية، خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة ﴿الَمـ @) غُلِبَتِ الزُّوُ ﴾ فِّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَيِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِ يِضْعِ سِنِينٌَ﴾ قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينكم، زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلاك نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسمِّ بيننا وبينك وسطاً ننتهي إليه؟ قال: فسمّوا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس: فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال: لأن الله قال في بضع سنين، قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير. هكذا ساقه الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد(١). وقد روي نحو هذا مرسلاً عن جماعة من التابعين مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وقتادة والسدي والزهري وغيرهم(٢)، ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال: حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عكرمة قال: كان في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك، فأشيري علي أيهم أستعمل؟! فقالت: هذا فلان وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر، وهذا فرخان وهو أنفذ من سنان، وهذا شهريراز وهو أحلم من كذا، تعني أولادها الثلاثة، فاستعمل أيهم شئت، قال: فإني قد استعملت الحليم، فاستعمل شهريراز، فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم وخرب مدائنهم، وقطع زيتونهم، قال أبو بكر بن عبد الله: فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت: لا، قال: أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع، فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته. قال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلاً يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهريراز فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم فغلبتهم فارس، ففرحت بذلك كفار قريش، وكرهه المسلمون، قال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي ◌َّ﴿ وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أُميون، وقد ظهر إخوانكم من أهل فارس على إخواننا من أهل الكتاب، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن علیکم، (١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير باب ومن سورة الروم ح٣١٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٥٢). (٢) معظم هذه المراسيل أخرجها الطبري وهي تشد بعضها بعضاً وتتقوى بما سبق. ٨٠ سُورَةُ الْرُوفِزْ (٧،١) ) في يِضْع فأنزل الله تعالى: ﴿الَّ ﴾ غُلِبَتِ الرُّومُ جَ فِّ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ سِنِينَءُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ جَ يِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءٌ﴾ فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا وَل﴿، فقام إليه أُبي بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أُنَاحِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإِن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، ثم جاء أبو بكر إلى النبي وسل﴿ فأخبره، فقال: ((ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل)) فخرج أبو بكر فلقي أُبياً، فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون. قال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز، فقال: لأصحابه: لقد رأیت کأني جالس علی سریر کسری، فبلغت کسری، فکتب کسری إلی شھریراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان له نكاية وصوت في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه، فعجل إلي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فارس: إِني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان، ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفةٍ صغيرة، فقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد إليه أخوه، فأعطه هذه، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان، ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهريراز، وقدمه ليضرب عنقه، قال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا بالسفط(١) فأعطاه الصحائف، قال: كل هذا راجعت فيك كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فردَّ الملك إلى أخيه شهريراز، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البُرُد(٢)، ولا تحملها الصحف فألقني ولا تلقني إلا في خمسين رومياً، فإني ألقاك في خمسين فارسياً، فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلاً، ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين فدعیا ترجماناً بينهما، فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني وقد خلعناه جميعاً، فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فشا، قال: أجل، فقتلا الترجمان جميعاً بسكينيهما، فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله وَ طلو يوم الحديبية، ففرح والمسلمون معه (٣). فهذا سياق غريب وبناء عجيب. (١) السفط: الذي يعبي فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء. (٢) جمع برید. (٣) أخرجه الطبري من طريق سنيد به، وعزاه الزيلعي إلى تفسير سنيد (تخريج أحاديث الكشاف ٥٤/٣). وسنید فیه مقال، وضعفه متنه الحافظ ابن کثیر.