Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ • سُورَةُ القَصَصِ (٨٢،٨١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بها حتى نظروا إليها، ثم أشار موسى بيده، ثم قال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض (١). وعن ابن عباس قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة(٢). وقال قتادة: ذُكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة(٣)، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة (٤)، وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحاً. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ أي: ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصراً لنفسه، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَثَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] فلما خسف به أصبحوا يقولون: ﴿وَيْكَنَ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌ﴾ أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود ((إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب))(٥). ﴿لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّ﴾ أي: لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا ودِدنا أن نكون مثله ﴿وَيُكَنَُّ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ يعنون أنه كان كافراً، ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا: [ويكأنَّ](٦) فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم، وهذا القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم. وقيل: معناها: ويكأن أي: ألم تر أن؟ قاله قتادة. وقيل: معناها: وي كأن، ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه، وكأن بمعنى أظن وأحسب. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنما بمعنى ألم تر أن (٧)، واستشهد بقول الشاعر: (١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه بنحوه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه لكنه مرسل، والخبر عنهما من الإسرائيليات. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي نصر، وهو الكوفي الأسدي، عن ابن عباس، وأبو نصر مجهول كما في التقريب. (٣) أي: قامة الرجل؛ أي: بطوله. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكن قتادة لم يصرح باسم شيخه . (٥) تقدم تخريجه في تفسيره سورة البقرة آية ٢٦٧. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((ويك أن)). (٧) ذكره الطبري بنحوه. ٤٢ • سُورَةُ الْقَصَصِ (٨٣، ٨٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قلّ ما لي جئتماني بنُكر سألتاني الطلاق أن رأتاني يُحبَب ومن يفتقر يعش عيش ضُرّ(١) ويكأن من يكن له نشب من ] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ بَآءَ بِالْحَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٨٤ يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علواً في الأرض؛ أي: ترفعاً على خلق الله وتعاظماً عليهم وتجبراً بهم ولا فساداً فيهم، كما قال عكرمة العلو: التجبر(٢). وقال سعيد بن جبير: العلو البغي (٣). وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق، والفساد أخذ المال بغير حق(٤). وقال ابن جريج: ﴿لَا يُرِيِدُونَ عُلُوَّا فِ الْأَرْضِ﴾ تعظماً وتجبراً ﴿وَلَا فَسَاءًا﴾ عملاً بالمعاصي(٥). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوَّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّفِينَ (@)(٦). وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ◌ّطهر أنه قال: ((إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد)»(٧). وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحبُّ أن يكون ردائي حسناً ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: ((لا، إن الله جميل يحب الجمال))(٨) . وقال تعالى: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ أي: ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافاً كثيرة، وهذا مقام الفضل ثم قال: ﴿وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى (١) نسبه سيبويه إلى زيد بن عمرو بن نفيل (الكتاب ١٥٥/٢)، واستشهد به الطبري. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق زياد بن أبي زياد عن عكرمة، وزياد ضعيف كما في التقريب، ومعناه صحیح. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أشعث، سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢٧٧/٢). (٧) أخرجه مسلم من حديث عياض بن حمار ظه (الصحيح، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ح٢٨٦٥). (٨) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود، الإيمان، باب تحريم الكبر (ح٩١). ٤٣ سُورَةُ القَصَصِ﴾ (٨٨،٨٥) الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَن جَاءَ بِلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ [النمل]، وهذا مقام الفضل والعدل. وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿إِنَّ الَّذِىِ فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاذُكَ إِلَى مَعٍَّ قُل رَبِّ أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿ وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّا رَحْمَةُ مِّن رَبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا لِلْكَفِرِينَ ،وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَهُ وَدْعُ إِلَى رَبِكٌَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ وَلَا تَدْعُ M) رمَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَةٌّ لَهُ الْحُكْرُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبراً له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَاٍَّ﴾ أي: افترض عليك أداءه إلى الناس ﴿لَرََّدُكَ إِلَى مَعَاٍ﴾ أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُرٌ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَجَأْعَّ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي. وقال أبو سعيد(١) مثلها . ﴿لَرَتُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ قال: إلي يوم وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس القيامة (٢)، ورواه مالك عن الزهري (٣). وقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَرَاتُكَ إِلَى مَعَاٍ﴾ إلى الموت(٤)، ولهذا طرق عن ابن عباس ﴿هَا، وفي بعضها لرادُك إلى معدنك من الجنة(٥). وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة(٦)، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح(٧). وقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعاداً فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة(٨). (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق السدي به، وسنده ضعيف لأن أبا صالح وهو باذام أو باذان: ضعيف، والسدي لم يسمع من أبي سعيد وهو الخدري وقد صرح ابن أبي حاتم بأنه الخدري. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وحفص ضعيف كما في التقريب. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن والزهري. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن الأعمش به، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده لا بأس به (فتح الباري ٥١٠/٨). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه خُصيف وهو صدوق سيء الحفظ. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) قول أبي مالك وأبي صالح والحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن قتادة عن الحسن البصري. ٤٤ سُورَةُ القَصَصِ (٨٨،٨٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿لَرَاذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى مكة (١)، وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه(٢)، وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي، عن ابن عباس ﴿لَرَاذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها(٣). وقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: ﴿لَرَاذُكَ إِلَى مَعَلٍَّ﴾ إلى مولدك بمكة(٤). وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك(٥) . وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي ◌َ﴿ من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة(٦). وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكياً، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَرَاتُكَ إِلَّى مَعَاٍَّ﴾ قال: هذه مما کان ابن عباس یکتمها(٧). وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: ﴿لَرََّذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلى بيت المقدس(٨)، وهذا - والله أعلم - يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي ◌َّ، كما فسر ابن عباس سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا ﴾ فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرَةُ إِنَّهُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (@) كَانَ تَوَّابًا ﴾﴾ [النصر]، أنه أجل رسول الله وَ لهل نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم(٩)، ولهذا فسر ابن عباس (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة القصص باب ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ﴾ [القصص: ٨٥] الآية ح ٤٧٧٣). (٢) السنن الكبرى، التفسير (ح١١٣٨٦)، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري من الطريقين والأول يقوي الثاني وهو طريق عطية العوفي. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يسمع من مجاهد، ولم يصرح بالسماع منه، ويتقوى بما سبق. (٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ويشهد لهم ما تقدم في الصحيح. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معضل. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة ولكن ابن عباس صرح بتفسيرها إنه إلى مكة كما تقدم في الرواية السابقة في صحيح البخاري، فلعل قتادة لم يبلغه تفسير ابن عباس (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُريز بن عثمان عن نعيم القارئ. (٩) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النصر. ٤٥ • سُورَةُ القَصَصِ (٨٨،٨٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تارة أخرى قوله: ﴿لَرََّذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق. وقوله تعالى: ﴿قُل ◌َّ أَعْلَمُ مَن ◌َجَآءَ بِلْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ﴾ أي: قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى مذكِّراً لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْفَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ﴾ أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن زَّيِّدٌ﴾ أي: إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة ﴿فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيْرًا﴾ أي: معيناً ﴿لِّلْكَفِرِينَ﴾، ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم. ﴿وَلَا يَصُدُّتَكَ عَنْ مَايَتِ الَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله، فإن الله معلٍ كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَدْعُ إِلَى رَبِّكٌَ﴾ أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له ﴿وَلَا تَكُونَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته. وقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كَلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن]، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾ أي: إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطلٌ(١) وقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمٌ﴾: أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له(٢). قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أستغفر الله ذنباً لست محصيه ربّ العباد إليه الوجه والعمل(٣) (١) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية (ح٣٨٤١، وصحيح مسلم، كتاب الشعر ح٢٢٥٦). (٢) أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، تفسير سورة القصص قبل حديث ٤٧٧٢)، ووصله ابن أبي حاتمٍ من طريق خُصيف عن مجاهد، وخصيف صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ووصله ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عطاء بن مسلم الحلبي عن الثوري، وعطاء هذا: صدوق يخطئ كثيراً كما في التقريب. (٣) ذكره الطبري بلفظ: ((واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر)) ... فذكر الشعر. ٤٦ سُورَةُ القَصَصِ (٨٨،٨٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب ((التفكر والاعتبار)): حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمْ﴾(١). وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الملك والتصرف ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ ثُجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، والله سبحانه أعلم. [آخر تفسير سورة القصص](٢). (١) سنده ضعيف لجهالة أبي الوليد (التقريب ص٦٨٢). (٢) زيادة من (حم) و(ح). ٤٧ سُورَةُ الْجَنْكُوتِ (٧،١) 00000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00000 00000 سُورَةُ الجَنْكُتِ [وهي](١) مكية بسم الله الرحمن الرحيم ـ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٣ ] ﴿الَّ لَ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِينَ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِنَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ . أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾﴾ استفهام إنكار، ومعناه أن الله ◌ُعَلَّ لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء))(٢)، وهذه الآية كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣)﴾ [آل عمران] ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْ حَ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُرٍ مَ نَصْرُ اللهِّ أَّ إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ ﴿﴾ [البقرة] ولهذا قال ههنا: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمّ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اُلْكَذِبِينَ ﴾﴾ أي: الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ما يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السُّنَّة والجماعة، وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] إلا لنرى. وذلك لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعمُّ من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾﴾ أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطمّ، ولهذا قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيْئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَاً﴾ أي: يفوتونا ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما يظنون. - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ الَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴿﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اُلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ V يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا ما (١) زيادة من (ح) و(حم). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٨٣. ٤٨ سُوَرَّةُ الْجَنَكُوتِ (٨، ٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سیحقق له رجاءه ویوفیه عمله کلاماً موفراً، فإن ذلك کائن لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات، ولهذا قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآَنَّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ،﴾ كقوله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ،﴾ [فصلت: ٤٦] أي: من عمل صالحاً فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يوماً من الدهر بسيف(١). ثم أخبر تعالى أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع برِّه وإحسانه بهم، يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أن يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَُّنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا (٣)﴾ [النساء] وقال لهُهنا: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ اَلَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ] ﴿وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًّاً وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاْ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُبِّئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَتُدْخِلَنَّهُمْ فِ الصَّالِحِينَ يقول تعالى آمراً عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، ولهذا قال تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا فَلاَ تَقُل لَُّمَا أُفٍ وَلَا نَهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ أَرْحَمْهُمَا كما رَبََّنِى صَغِيرًا ﴾ [الإسراء] ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَاً﴾ أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، فلا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب؛ أي: حباً دينياً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُدِْنَّهُمْ فِ الصَّلِينَ وقال الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، فذكر قصته وقال: قالت أُم سعد: أليس الله قد أمرك بالبر؟ والله (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بشير الحلبي عن الحسن البصري. ٤٩ سُورَةُ الْعَنْكُتُوتِ (١٠، ١١) لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها، فنزلت: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً وَإِن جَهَدَالَكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمَاً﴾ الآية(١)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي أيضاً(٢). وقال الترمذي: حسن صحيح. ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَّنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اَللَّهِ وَلَيِن جَآءَ نَصْرٌ مِّنِ زَّيِكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورِ الْعَلَمِينَ ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ ﴾﴾. يقول تعالى مخبراً عن صفات قوم من المكذبين الذي يدَّعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدُّوا عن الإسلام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِىِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ . قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتدَّ عن دينه إذا أوذي في الله(٣)، وكذا قال غيره من علماء السلف(٤)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَرُّ الْمَنَّ بِهٌ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾﴾ [الحج]. ثم قال رَّ: ﴿وَلَيْنِ جَءَ نَصْرٌ مِّنِ زَئِكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك يا محمد، وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم؛ أي: إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَّبَُّونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحُ مِّنَ اَللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿فَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقال تعالى مخبراً عنهم لههنا: ﴿وَلَيْنِ جََّ نَصْرٌ مِّنِ زَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ الْعَلَمِينَ﴾ أي: أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكثُّه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ ﴾﴾ أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، من يطيع الله في الضراء والسراء، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ (١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة العنكبوت ح٣١٨٩)، وسنده صحیح. (٢) المسند ١٨١/١، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب الانفال (ح٣٤/١٧٤٨)، وهو طرف من حديث أطول من المذكور، وليس فيه المتن المذكور، وأخرجه أبو داود، السنن، الجهاد، باب في النفل (ح٢٧٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٣٧٨)، ولفظه كلفظ مسلم. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما يليه. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق آدم بن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ٥٠ سُورَةُ الْعَنكُتُوتِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [محمد]. وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الَّيْبٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُوْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّنِ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿﴿ وَلَيَحِلُنَ أَثْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ اٌلْقِيمَةِ عَمَّا . كَانُواْ يَفْتَرُونَ يقول تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَئِكُمْ﴾ أي: وآثامكم إن كانت لكم آثام في ذلك علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، قال الله تعالى تكذيباً لهم: ﴿وَمَا هُم بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَيَهُم مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: فيما قالوه إنهم يحتملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثَّقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ﴾ [فاطر: ١٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْئَلُ حَيْهُ حَيمًا ﴾ يُصَرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُنَ أَتْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌ﴾ إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزاراً أُخر بسبب ما أضلَّوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئاً، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية [النحل: ٢٥]، وفي الصحيح: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئاً))(١). وفي الصحيح: ((ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من (٢) سن القتل)»(٢) . وقوله تعالى: ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَكَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون ويختلقون من البهتان. وقد ذكر ابن أبي حاتم لههنا حديثاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا [عثمان أبو حفص ابن أبي العاتكة] (٣)، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة له أن رسول الله و ﴿ بلغ ما أرسل به، ثم قال: ((إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي وجلالي لا يجوزني اليوم ظلم ثم ينادي منادٍ فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الرحمن رَك، ثم يأمر المنادي فينادي: من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان بن فلان فهلم، فيقبلون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي، فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول: خذوا لهم من حسناته، فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى منها حسنة، وقد بقي من (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٢. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣٠. (٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم هو الصواب كما في ترجمته (في تهذيب التهذيب ١٢٤/٧)، وفي الأصل صحف إلى: ((عثمان بن حفص بن أبي العاملة)). ٥١ • سُوَّرَةُ الْجَنْكُوتِ (١٤، ١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي، فيقولون: لم يبق له حسنة، فيقول خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه)) ثم نزع النبي وَ ﴿ بهذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيَحْيِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْفَالِهِمّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْفِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾﴾(١). وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه: ((إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا، وأخذ من مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم تبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم فطرح عليه)). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة الثمالي، عن معاذ بن جبل ظبه قال: قال لي رسول الله وَلاير: ((يا معاذ إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفينَّك تأتي يوم القيامة وأَحدٌ أسعدُ بما آتاك الله منك))(٢). ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَيْثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُوَفَاتُ وَهُمْ فَأَنْجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ (9)﴾. ظَالِمُونَ هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد وَ له، يخبره عن نوح علا أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فراراً عن الحق وإعراضاً عنه وتكذيباً له، وما آمن معه منهم إلا قليل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلِثَ فِيهِمْ أَفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنتَ يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر، وإليه ترجع الأمور ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٧) وَلَوْ جَمَّتَهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٢﴾﴾ [يونس]، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوك ويكبتهم، ويجعلهم أسفل السافلين. قال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ستين عاماً حتى كثر الناس وفشوا(٣) وقال قتادة: يقال: إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عاماً لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاثمائة سنة، ولبث بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين عاماً، وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عثمان أبو حفص بن أبي العاتكة (ينظر تهذيب التهذيب ١٢٤/٧). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي حمزة الثمالي واسمه: ثابت بن أبي صفية (التقريب ص١٣٢). (٣) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم كلاهما من طريق حماد بن سلمة به، وسكت عنه الحاكم والذهبي (المستدرك ٥٤٥/٢)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان. ٥٢ • سُورَةُ الچنكُوتِ (١٦، ١٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عون بن أبي شداد: إن الله تعالى أرسل نوحاً إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم عاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة، وهذا أيضاً غريب، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١). وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم. وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا(٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾ أي: الذين آمنوا بنوح لعلّا، وقد تقدم ذكر ذلك مفصلاً في سورة هود، وتقدم تفسيره بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهَآ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ أي: وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها، كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق كيف أنجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: ﴿وَءَيَّةٌ لَّمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ اَلْمَشْخُونِ وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِثْلِهِ، مَا يَكَبُونَ ﴿﴿ وَإِن تَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَ صَرِيَخَ لَمُمْ وَلَا هُمْ يُقَذُونَ (١٣) إِلَّا رَحْمَةً مِّنَا ٤١ وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ (﴾﴾ [يس] وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَلَّمُ حَمَلْنَكُمْ فِي الْجَرِيَّةِ ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً (١٧)﴾ [الحاقة] وقال ههنا: ﴿فَجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ وَتَعَيَمَآ أُذُنُّ وَعِيَةٌ وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الذُّنَا بِمَصَِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلِشَيَطِيْنِّ﴾ [الملك: ٥] أي: وجعلنا نوعها رجوماً فإن التي يرمى بها ليست هي زينة للسماء، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَّةٍ مِن طِينٍ ﴿٨ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِى قَارِ مَّكِينٍ ٠ [المؤمنون]، ولهذا نظائر كثيرة. وقال ابن جرير: لو قيل إن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهَا﴾ عائد إلى العقوبة لكان وجهاً، والله أعلم. ] ﴿وَإِنَزَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَاْ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُوَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ وَإِن تُكَذِبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمُ مِن ﴾. قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ الْمُبِينُ يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له والإخلاص له في التقوى وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر، فإنه المشكور على النعم لا مسدي لها غيره، فقال لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوةٌ﴾ أي: أخلصوا له العبادة والخوف ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة، ثم أخبر تعالى أن الأصنام التي (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نوح بن قيس عن عون بن أبي شداد. (٢) سنده صحيح. ٥٣ • سورة العنكبوت (١٩، ٢٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يعبدونها لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء فسميتموها آلهة وإنما هي مخلوقة مثلكم، هكذا رواه العوفي عن ابن عباس(١)، وبه قال مجاهد(٢) والسدي. وروى الوالبي، عن ابن عباس: وتصنعون إفكاً(٣)؛ أي: تنحتونها أصناماً، وبه قال مجاهد في رواية(٤)، وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم(٥)، واختاره ابن جرير رَّتُهُ. وهي لا تملك لكم رزقاً ﴿قَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ [الفاتحة]، ﴿رَبِّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] ولهذا قال: ﴿فَابْنَغُواْ﴾ أي: فاطلبوا ﴿عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئاً ﴿وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ﴾ أي: كلوا من رزقه واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تُكَذِّبُوْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَُّ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ يعني: إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء. وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَرٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ قال: يُعزي نبيه وَّةَ (٦)، وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول واعترض بهذا إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾﴾ [الكهف: ٢٤] وهكذا نصَّ على ذلك ابن جرير(٧) أيضاً. والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل علّلها، يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾﴾ والله أعلم. - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِى اُلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ يُعَذِّبُ مَن ◌َّهُ وَرْحَمُ مَن يَشَةٌ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴿ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِيْنَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُم ،وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآَبِهِ، أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَقِ مِّن دُونِ اَللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ وَأُوْلَكَبِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يقول تعالى مخبراً عن الخليل عليهلا أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، ثم وجدوا وصاروا أناساً سامعين (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: (إفكاً)). (٢) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت صحيح من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو لم يسمع من ابن عباس. (٥) قول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٧) ذكره الطبري بنحوه. ٥٤ • سورة الچنكوٹ (٢٤، ٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه، ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد، وجبال، وأودية وبراري وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِ الْأَرَضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَّ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿سَخِرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِى أَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] وكقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ (٢٦)﴾ [الطور]. أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ هُمُ الْخَلِقُونَ وقوله تعالى: ﴿يُعَذِبُ مَن يَشَآءُ وَيَرَّحَمُ مَن يَشَاءٌ﴾ أي: هو الحاكم المتصرف الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر مهما فعل فعدل، لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: ((إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم)) ولهذا قال تعالى: ﴿يُعَذِبُ مَن يَشَّهُ وَيَّحَمُ مَن يَشَاءٌ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾﴾ أي: ترجعون يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِنَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ أي: لا يعجزه أحد من أهل سمواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء خائف منه فقير إليه، وهو الغني عما سواه. ﴿وَمَا لَكُمْ مِّنِ دُونِ اللَّهِ مِن وَإٍِ وَلَا نَصِيرٍ ﴿﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَلِقَآَبِهِ:﴾ أي: جحدوها وكفروا بالمعاد ﴿أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَقٍ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ﴿ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَكِيرٌ﴾ أي: موجع شديد في الدنيا والآخرة. ﴿ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ ﴾﴾. يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم ودفعهم الحق بالباطل، أنهم ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان: ﴿إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم ﴿قَالُواْ أَبُواْ لَهُ بُلَيْنًا فَأَلْقُوهُ فِ الْجَحِيمِ ﴿﴿ فَأَرَادُواْ بِهِ، كَيْدَاً لَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ٩٨ [الصافات] وذلك أنهم حشدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحوَّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عنان السماء، ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوه فيها، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وخرج منها سالماً بعد ما مكث فيها أياماً، ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماماً، فإنه بذل نفسه للرحمن، ٥٥ • سُورَةُ الچنكتوت (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان. وقوله تعالى: ﴿فَنْجَنَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ أي: سلَّمه منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً ﴿إِنَّ فِى ، وَقَالَ إِنَّمَا أُتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا قَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾، ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَّ يقول لقومه مقرعاً لهم وموبخاً على سوء صنيعهم في عبادتهم للأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، وهذا على قراءة من نصب ﴿قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع(١)، فمعناه إنما اتخاذكم هذا لتحصل لكم المودة في الدنيا فقط ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضاً وشنآناً ثم ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ﴾ أي: تتجاحدون ما كان بينكم ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَمَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٦)﴾ [الزخرف] [الأعراف: ٣٨] وقال تعالى: ﴿اَلْأَخِلَُّ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ اُلْمُثَّفِينَ وقال لهُهنا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ﴾ الآية؛ أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله، وهذا حال الكافرين، وأما المؤمنون فبخلاف ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل [الأحمسي](٢)، حدثنا أبو عاصم الثقفي، الربيع بن [إسماعيل](٣)، عن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي، عن أبيه، عن جده، عن أم هانئ أُخت علي ابن أبي طالب قالت: قال لي النبي ◌ّ: ((أخبرك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان؟ قالت: الله ورسوله أعلم، ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون - قال أبو عاصم يرفعون رؤوسهم - ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم، قال: فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا - يعني المظالم - ثم ينادي: يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب)) (٤). جَ وَوَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ فَقَامَنَ لَهُ لُوطُ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم أنه آمن له لوط، يقال إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو لوط بن هاران بن آزر؛ يعني: ولم يؤمن به، من قومه سواه وسارة امرأة إبراهيم الخليل، لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الوارد في الصحيح أن إبراهيم حين مرَّ على ذلك الجبار (١) القراءتان متواترتان. (٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((الأحمصي)). (٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((سليمان)). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا عاصم الربيع بن إسماعيل منكر الحديث كما قال أبو حاتم، (ينظر لسان الميزان ٤٤٤/٢). ٥٦ • سورة العنكبوت (٢٧،٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فسأل إبراهيم عن سارة ما هي منه، فقال: أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له إنك أختي فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الدين(١)؟ وكأن المراد من هذا - والله أعلم - أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطاً عَل آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلى أهل سدوم وأقام بها، وكان من أمرهم ما تقدم وما سيأتي. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ يحتمل عود الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ﴾ على لوط. لأنه هو أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم. قال ابن عباس والضحاك(٢): وهو المكنى عنه بقوله: ﴿فَامَنَ لَهُمْ لُوطٌ﴾ أي: من قومه، ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، الحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية. وقال قتادة: هاجروا جميعاً من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى الشام. قال: وذُكِر لنا أن نبي الله وَّ قال: ((إنها ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم، وتقذرهم روح الله ، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير (٣)، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم)). وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث فرواه مطولاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل فانتبذ الناس وعليه خميصة، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله و 98 يقول: ((إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضهم تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، فتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف منهم)) قال: وسمعت رسول الله ◌َّلل يقول: ((سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع - حتى عدها زيادة على عشرين (٤) مرة - كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في بقيتهم))(٥). ورواه الإمام أحمد، عن أبي داود وعبد الصمد كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة به (٦)، وقد رواه أبو (١) صحيح مسلم، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل وَاو (ح ٢٣٧١). (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٣) قول قتادة ذو شقين: الأول أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، والشق الثاني فيه وذکر لنا فإنه مرسل. (٤) كذا في النسخ الخطية، وفي مسند الإمام أحمد بلفظ: ((عشرة مرات)). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الفرق المتقدم (المسند ٤٥٥/١١، ٤٥٦ ح ٦٨٧١)، وضعفه محققوه. (٦) (المسند ٥٤١/١١، ٥٤٢ ح ٦٩٥٢)، وضعف سنده محققوه وذكروا لبعضه شواهد. ٥٧ سُودَةُ الچنكتُوثِ (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 داود في سننه فقال في كتاب الجهاد (باب ما جاء في سكنى الشام): حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، وتقذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير))(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ( يقول: ((لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمكم الله مذلة في أعناقكم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله تعالى)) وسمعت رسول الله وسلم يقول: ((لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها))، ولقد سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((يخرج قوم من أمتي يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم - قال يزيد: لا أعلمه إلا قال - يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قتله الله)) فردّد ذلك رسول الله وَّ عشرين مرة وأكثر، وأنا أسمع(٢). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حدثنا أبو الحسن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع، وقال أبو النضر: عمن حدثه، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَّر قال: ((سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلّا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم))(٣) غريب من حديث نافع، والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ. (١) السنن (ح٢٤٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مقطعاً (المسند ٣٩٥/٩ - ٣٩٨ ح٥٥٦٢)، وقطعة محققوه إلى قسمين فضعفوا القسم الأول وذكروا له شواهد، ثم صححوا القسم الثاني وذكروا له شواهد، والسند واحد، والشواهد لمعظمه. وقال الهيثمي فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢٥١/٥) وقال الحافظ ابن حجر: سنده لا بأس به (فتح الباري ٣٨٠/١١). (٣) أخرجه البيهقي (الأسماء والصفات ٩٧١)، وضعفه الحافظ ابن كثير. ٥٨ • سُوَّدَةُ الجَنْكُوتِ (٢٦، ٢٧) وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُؤْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿فَلَمَّا أُعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (﴾﴾ [مريم] أي: أنه لما فارق قومه، أقرَّ الله عينه بوجود ولد صالح نبيٍ، وولد له ولد صالح نبي في حياة جده، وكذلك قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةُ﴾ [الأنبياء: ٧٢] أي: زيادة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يولد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقرُّ به أعينكما، وكون يعقوب ولد لإسحاق نصّ عليه القرآن وثبتت به السُّنَّة النبوية، قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة]. وفي الصحيحين: ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام)) (١). فأما ما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ، إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال: هما ولدا إبراهيم(٢). فمعناه أن ولد الولد بمنزلة الولد، فإن هذا الأمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾ هذه خلعة سنية عظيمة مع اتخاذ الله إياه خليلاً، وجعله للناس إماماً أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم علَلا إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشراً بالنبي العربي القرشي الهاشمي خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العرباء من سلالة إسماعيل بن إبراهيم بالتّالا، ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَؤُ فِ الذُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ﴾ أي: جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم(٣)، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَقَ (4)﴾ [النجم] أي: قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ اَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِتَزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِفًا وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣ شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ أَجْتَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرٍَ (١﴾ [النحل]. ،وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَيِنَ الصَِّلِحِينَ مُسْتَقِيمٍ (٦) (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٤٩. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق علي بن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. ٥٩ • سورة العنكبوت (٢٨، ٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ٢٨ ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ اْلْعَلَمِينَ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَن قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ يقول تعالى مخبراً عن نبيه لوط عليّلا، أنه أنكر على قومه سوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسله، ويخالفون ويقطعون السبيل؛ أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم ﴿ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئاً من ذلك، فمن قائل كانوا يأتون بعضهم بعضاً في الملأ، قاله مجاهد(١). ومن قائل: كانوا يتضارطون ويتضاحكون، قالته عائشة (٢) والقاسم. ومن قائل كانوا يناطحون بين الكباش ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك يصدر عنهم وكانوا شراً من ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صَغيرة، حدثنا سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن أُم هانئ قالت: سألت رسول الله وص له عن قوله تعالى: ﴿ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ قال: ((يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه))(٣). ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن أبي يونس القشيري، عن حاتم بن أبي صغيرة به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صَغيرة عن سماك(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن مجاهد ﴿ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ قال: الصفير ولعب الحمام والجلاهق(٥) والسؤال في المجلس، وحلّ أزرار القباء(٦) (٧). وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: ﴿رَبٍ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ . (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بخمسة أسانيد بعضها صحيح وبعضها دون ذلك يقوي بعضها بعضاً. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما بسند ضعيف جداً من طريق عمر بن مصعب عن عائشة، وقد ذكره العقيلي وقال الحافظ ابن حجر باطل وذلك في ترجمة عمر بن مصعب. (ينظر لسان الميزان ٣٣١/٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٩/٤٤ ح٢٦٨٩١)، وضعف سنده محققه. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة العنكبوت ح ٣١٩٠)، وسنده ضعيف كسابقه لضعف أبي صالح مولى أم هانئ، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح٦٢٣)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد بن أسامة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٩/٢). (٥) قال في القاموس: الجُلاهِقُ - كعُلابط - البندق الذي يرمى به. (٦) القَبَاء: هو ثواب يلبس فوق الثياب أو القميص، ويحاط بنطاق. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. ٦٠ • سُورَةُ الْجَنْكُوتِ (٣١، ٣٧) 00000000000000000000000000000000000 0000000 0000000000000000 0000000 0 0 0 0 0 000 00 0 0 0 0 0 0 0 ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ (٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَّا قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيَّا لَنُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ اُلْغَيِينَ وَلَمَّا أَنْ جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىءَ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُواْ لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنٌ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَنَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (﴿ وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٣٥ لما استنصر لوط لعلَّا بالله وَك عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمرُّوا على إبراهيم عليّله في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رآهم أنه لا هِمَّة لهم إلى الطعام، نكرهم وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة، وكانت حاضرة، فتعجبت من ذلك كما تقدم بيانه في سورة هود والحجر، فلما جاءت إبراهيم البشرى وأخبروه بأنهم أُرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنْظَرون لعلَّ الله أن يهديهم، ولما قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْتُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَّا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴾﴾ أي: من الهالكين، لأنها كانت تمالئهُم على كفرهم وبغيهم ودبرهم، ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حِسان، فلما رآهم كذلك ﴿سِيَّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: اغتمَّ بأمرهم إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة ﴿وَقَالُواْ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنَّ إِنَّا مُتَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا آَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَبِنَ ﴿﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ وذلك أن جبريل علَّ اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل الله مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بِنَةً﴾ أي: واضحة ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ كما وَبِلَيْلِ أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ (٣٨)﴾ [الصافات]. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُرْ لَمُونَ عَلَيْهِم ◌ُصْبِحِينٌ ] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِى فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب الثلا، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: ﴿يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ اَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ . قال ابن جرير: قال بعضهم معناه واخشوا اليوم الآخر(١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُوأ اَللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثم نهاهم عن العبث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله (١) ذكره الطبري بلفظه.