Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سُورَةُ القَصَصِ (٣٦، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لا يفهمون(١)، فلما سأل ذلك موسى قال الله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقوي
أمرك، ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبياً معك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ
أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَدُرُونَ نِيََّ (69)﴾ [مريم]، ولهذا
قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّة على أخيه من موسى على هارون،بَّ هِ، فإنه شفع فيه
حتى جعله الله نبياً ورسولاً معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ
وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: حجة قاهرة ﴿فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَأْ بِثَايَتِنْأُ﴾ أي: لا
سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ
مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَّهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال
تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُِغُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِبًا
٣٩٠
[الأحزاب]؛ أي: وكفى بالله ناصراً ومعيناً ومؤيداً، ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما
في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ
لَأَضْلِبَتَ أَنَا وَرُسُلٍّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (4)﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ
ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
الدَّارِ (َ﴾﴾ [غافر].
ووجَّه ابن جرير على أن المعنى: ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما، ثم يبتدئ فيقول:
﴿أَنْثُمَا وَمَنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ﴾ تقديره أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا (٢)، ولا شك أن هذا المعنى
صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.
2- ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِثَايَئِنَا بَيِنَتٍ قَالُواْ مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِّ مَابَآَبِنَا
اُلْأَوَّلِينَ
وَقَالَ مُوسَى رَبِىّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِلْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ
يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من
المعجزات الباهرة، والدلالة القاهرة على صدقهما فيما أخبرا به عن الله رشمك من توحيده واتباع
أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم
وبغيهم إلى العناد والمباعتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
تُفْتَرَى﴾ أي: مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه فما صعد معهم ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىِّ ءَابَايِنَا اٌلْأَوَّلِينَ﴾، يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون:
ما رأينا أحداً من آبائنا على هذا الدين، ولم نرَ الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى، فقال
موسى عليّها مجيباً لهم ﴿رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِلْهُدَى مِنْ عِندِهِ﴾، يعني: مني ومنكم، وسيفصل
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق.
(٢) ذكره الطبري بنحوه.

٢٢
سُورَةُ القَصَصِ﴾ (٣٨، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000
بيني وبينكم، ولهذا قال: ﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: من النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لَا
يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون بالله رَ.
2] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكِكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ
وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى
فَأَجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُهُ مِنَ الْكَذِينَ
اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَانْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِعَّةُ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ لَا يُصَرُونَ
(٤٣)
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الذُّنْيَا لَغْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ
(٤١
يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعواه الإلهية لنفسه القبيحة لعنه الله، كما
قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ (@)﴾ [الزخرف]، وذلك لأنه
دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال:
﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾، وقال تعالى إخباراً عنه: ﴿فَحَشَرَ فَادَ ﴿٨) فَقَالَ
أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى
﴿أَ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ (٣٥) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَ (٣)﴾ [النازعات]، يعني:
أنه جمع قومه، ونادى فيهم بصوته العالي مصرحاً لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا
انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك،
فقال: ﴿لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الْطِينِ فَأَجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: أمر
وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، يعني يتخذ له آجراً لبناء الصرح
وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا
لَعَلِىِّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ﴿ أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ
لِفِرْعَوْنَ سُوَّهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِىِ تَبَابٍ ﴾ [غافر] وذلك لأن
فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب
موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: ﴿وَإِ لَأَظُنُهُ مِنَ الْكَذِينَ﴾ أي: في
قوله: إن ثم رباً غيري، لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع
جل وعلا، فإنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟ وقال: ﴿لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ
الْمَسْجُونِينَ﴾ وقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ وهذا قول ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَحُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ
أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ
سَوْطَ عَذَابٍ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ ﴾﴾ [الفجرا، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ
فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْيَمِّ﴾ أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبقَ منهم أحد ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً بَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: لمن سلك وراءهم وأخذ
بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُصَرُونَ﴾ أي: فاجتمع عليهم خزي
الدنيا موصولاً بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْنَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].

٢٣
• سُورَةُ الْقَضَصِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الذُّنْيَا لَعْنَةٌ﴾ أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون
على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله، كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء
وأتباعهم كذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ .
قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ
٩٩
[هود](١) .
﴿وَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى
وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (®)﴾.
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه أفضل الصلاة
والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى﴾ يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة
بعامة بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ
﴾ [الحاقة]، وقال ابن جرير: حدثنا ابن
فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ فَلَخَذَهُمْ أَخْذَةَ رَِّيَةً (
وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ
بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري
قال: ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه
الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ
بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَ﴾ الآية(٢)، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي [جميلة](٣)
الأعرابي بنحوه (٤)، وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى
القطان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفاً(٥)، ثم رواه عن نصر بن علي، عن
عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رفعه إلى النبي و لو قال: ((ما أهلك الله
قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى)) ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ
بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا اُلْقُرُونَ الْأُولَ﴾ الآية(٦).
وقوله: ﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: من العمى والغي، وهدى إلى الحق ورحمة؛
أي: إرشاداً إلى العمل الصالح ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعل الناس يتذكرون به ويهتدون بسببه.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) كذا في ابن أبي حاتم وهو الصواب كما في ترجمته، وفي الأصل صحف إلى: ((حميد))، وفي (حم):
حميلة، وفي (مح): حبيبة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هوذة بن خليفة عن عوف به، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٨/٢).
(٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ح٢٢٤٧ وذكر الهيثمي: إن رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد
٨٨/٧).
(٦) المصدر السابق ح ٢٢٤٨، والصحيح وقفه.

٢٤
• سُورَةُ القَصَصِ (٤٤، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا
33
42 ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ
قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّاً
مُرْسِلِينَ ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمًا مَّا أَنَهُم مِّن
تَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَوْلاً
٤٧
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى منبهاً على برهان نبوة محمد والر حيث أخبر بالغيوب الماضية خبراً كأن سامعه
شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أُمّ لا يقرأ شيئاً من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئاً من
ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَّ
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُّلُ مَرْيَمٌّ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخَْصِمُونَ ﴾﴾ [آل عمران]؛
أي: وما كنت حاضراً لذلك، ولكن الله أوحاه إليك، وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان
من إنجاء الله له وإغراق قومه.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذًا فَأَصْبِرٍّ
إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّفِينَ ﴾﴾ الآية [هود]، وقال في آخر السورة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكَ﴾
[هود: ١٠٠]، وقال بعد ذكر قصة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيِهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمُونَ (49)﴾ [يوسف]، وقال في سورة طه: ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَثْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ
وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَُّنَا ذِكْرًا (﴾﴾، وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها،
وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾
يعني: ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية
على شاطئ الوادي ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ﴾ لذلك ولكن الله ◌ُعَالَ أوحى إليك ذلك، ليكون حجة
وبرهاناً على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَارِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيَئِنَا﴾ أي: وما كنت مقيماً في
أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قال لقومه وما ردوا عليه: ﴿وَلَكِنَّا
كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك إلى الناس رسولاً ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبٍ
اُلْطُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ .
قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا عيسى بن
يونس، عن حمزة الزياد، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه
﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ قال: نودوا أن: يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني،
وأجبتكم قبل أن تدعوني، وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم(١) من حديث جماعة عن حمزة
وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن
(١) أخرجه النسائي (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٣٨٢)، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الأعمش به
وأخرجه الحاكم من طريق حمزة الزيات به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٨/٢).

٢٥
• سُوَدَّةُ القَصَصِ (٤٨، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة وهو: ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من
كلامه (١)، والله أعلم.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ اُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا
بك إذا بعثت(٢).
وقال قتادة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الُْورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى(٣). وهذا - والله أعلم - أشبه بقوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخصّ من
ذلك وهو النداء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [الشعراء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِذْ نَادَنُ رَبُُّ
بِالْوَدِ الْقُدَّسِ مُوَّى (٣)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّيْنَهُ نََّ (49)﴾
[مريم].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّيِّكَ﴾ أي: ما كنت مشاهداً لشيء من ذلك، ولكن الله
تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك والعباد وبإرسالك إليهم ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَّهُم مِّن
تَذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله رَّ ﴿وَلَوْلَآ أَن
تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَّوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية؛ أي: وأرسلناك
إليهم لتقيم عليهم الحجة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم
لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن ﴿أَن تَقُولُوا
إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَبُ عَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيَّنَا
الْكِتَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَءَكُمْ بَيْنَةٌ مِّن رَّيِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَنْ كَذَّبَ بِثَايَتِ
اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوَءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (19)﴾ [الأنعام]،
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥]،
وقال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَّدْ بَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَى فَتْرَةِ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُواْ مَا جَنَا مِنْ
بَشِيرٍ وَلَا نَذِيِّرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٣)﴾ [المائدة]، والآيات في هذا
كثيرة .
﴿فَلَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَا أُوْنِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَّا أُوْنَِ
مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ ﴿﴿ قُلْ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى
﴿ فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَشَّعُونَ أَهْوَءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ
مِنْهُمَآ أَنَّعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَمُمُ الْقَوْلَ
أَتَّعَ هَوَنَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّينَ
٥١
لَعَلَّهُمْ يَنَذَكُونَ
يقول تعالى مخبراً عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق صالح بن سعيد عن مقاتل بن حيان، وصالح قال عنه ابن أبي حاتم: شيخ
(الجرح والتعديل ٤ /٤٠٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٢٦
سُورَةُ القَصَصِ (٤٨، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يأتهم رسول أنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد بصل*، قالوا على وجه التعنت
والعناد والكفر والجهل والإلحاد: ﴿لَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَآ أُوْنِى مُوسَىَّ﴾ الآية، يعنون - والله أعلم -
من الآيات كثيرة مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وتنقيص الزروع
والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير
ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله تعالى على يدي موسىظلّلا حجة
وبرهاناً له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا
بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَلْءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا
اَلْكِبِيَُّ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ اٌلْمُهْلَكِينَ
٠
[المؤمنون]، ولهذا قال ههنا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوْنِيَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ أي: أولم يكفر
٤٨
البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا﴾ أي: تعاونا ﴿وَقَالُواْ إِنَّا
بِكُلِّ كَفِرُونَ﴾ أي: بكل منهما كافرون، ولشدة التلازم والتصاحب والمقاربة بين موسى وهارون،
دل ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:
فما أدري إذا يممت أرضاً
أريد الخير أيهما يليني
أي: فما أدري يليني الخير أو الشر.
قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشاً أن يقولوا لمحمد ◌َ لّ ذلك(١)، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ
يَكْفُرُواْ بِمَّ أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلٌ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ﴾ قال: يعني: موسى وهارون صلى الله
عليهما وسلم ﴿تَظَهَرًا﴾ أي: تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر؟ وبهذا قال سعيد بن
جبير وأبو رزين في قوله: ﴿ساحرَانٍ﴾ يعنون: موسى وهارون(٢)، وهذا قول جيد قوي، والله
أعلم.
وقال مسلم بن يسار عن ابن عباس: ﴿قَالُواْ ساحرَانِ تَظَهَرَا﴾ قال: يعنون: موسى ومحمداً
صلى الله عليهما وسلم(٣)، وهذه رواية الحسن البصري(٤).
وقال الحسن وقتادة: يعني: عيسى ومحمداً صلى الله عليهما وسلم(٥)، وهذا فيه بعد، لأن
عيسى لم يجر له ذكر ههنا، والله أعلم.
وأما من قرأ: ﴿سِحْرَانِ تَظَهَرَا﴾(٦) فقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يعنون:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول أبي
رزين أخرجه الطبري بسند صحيح كسابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم بن يسار به.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين بن داود، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول الحسن تقدم في سابقه.
(٦) كلتاهما قراءتان متواترتان.

٢٧
سُورَة القصَص (٤٨، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
التوراة والقرآن(١)، وكذا قال عاصم [الجحدري](٢) والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٣).
قال السدي: يعني: صدّق كل واحد منهما الآخر.
وقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي رزين (٤)، واختاره ابن جرير.
وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن(٥)، والله ◌ُ الَ أعلم بالصواب، والظاهر على قراءة
((سحران)) أنهم يعنون: التوراة والقرآن، لأنه قال بعده: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى
مِنْهُمَا أَتَّعْهُ﴾ وكثيراً ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ
الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهَذَا كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩١ - ٩٢]،
وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهَذَا كِنَبُ
أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَِّعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ (®﴾ [الأنعام]، قالت الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ
بَعْدِ مُوسَى مُصَدِقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي
(٦)
أنزل على موسى(٦).
وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتاباً من السماء فيما أنزل من الكتب
المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل
على محمد ◌َ﴿، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن
عمران علَّل*، وهو الكتاب الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدِّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبِِّيُونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءٌ﴾
[المائدة: ٤٤]، والإنجيل إنما أنزل متمماً للتوراة، ومحلاً لبعض ما حرم على بني إسرائيل، ولهذا
قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّعْهُ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: فيما
تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي: فإن لم يجيبوك عما قلت لهم، ولم يتبعوا الحق
﴿فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: بلا دليل ولا حجة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ
اللهِ﴾ أي: بغير حجة مأخوذة من كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال مجاهد: فصلنا لهم القول(٧) .
(١) كذا في الأصول الخطية وفي تفسير ابن أبي حاتم، والطبري بسند ثابت عن علي به بلفظ: التوراة
والفرقان، وأما قول العوفي عن عباس فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف بلفظ: ((هم أهل
الكتاب)).
(٢) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي النسخ الخطية صحف إلى: ((الجندي)).
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي رزين.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر عن الضحاك.
(٦) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله وَلّر ح٣، وصحيح
مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي ح ٢٥٢).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سُليم عن مجاهد وليث فيه مقال.

٢٨
• سُورَةُ القَصَصِ (٥٥،٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000
وقال السدي: بينا لهم القول(١).
وقال قتادة: يقول تعالى: أخبرهم كيف صنع بمن مضى، وكيف هو صانع(٢) ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾.
قال مجاهد وغيره: ﴿وَصَّلْنَا لَمُ﴾ يعني: قريشاً (٣)، وهذا هو الظاهر.
لكن قال حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفاعة، رفاعة هذا هو
ابن قرظة القرظي، وجعله ابن منده: رفاعة بن شموال خال صفية بنت حيي وهو الذي طلَّق تميمة
بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير(٤) [قال: نزلت
﴿وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنا أحدهم، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه](6) (٦).
﴿الَِّينَ ءَنْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِن
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّبِئَةَ وَمِمَّا
زَيِّنَآَ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ (9@
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَِعُواْ الَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى
اُلْجَهِلِينَ
يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَاوَيِ أُوْلَكَ يُؤْمِنُونَ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٩٩]، وقال تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَاْ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا (٦)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلّمَ مِن
قَبْلِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنَّاسِ عَدَوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
اَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَكَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ
(٨)﴾ [المائدة].
اُلَّمْعِ مِمَا عَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ
قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي وَليه
قرأ عليهم: ﴿يَسِ ﴾ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ [يس] حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت
فيهم هذه الآية الأخرى ﴿الَّذِينَ ءَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِ يُؤْمِنُونَ ﴾ وَإِذَا يُنثَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَّا بِهَ
يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي
(٧)
إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ زَيْئاً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ (﴾﴾()
موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُمْ فَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي:
هؤلاء المتصفون بهذا الصفة الذين أمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني، ولهذا مال ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي:
على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) زيادة من (ح) و(حم).
(٤) ينظر أسد الغابة ٢٢٨/٢، ٢٣٢.
(٦) أخرجه الطبري وابن حاتم كلاهما من طريق حماد بن سلمة به وسنده صحيح.
(٧) لم أجده عن سعيد بن جبير بهذا اللفظ، وعلى كل حال سنده ضعيف بسبب الإرسال.

٢٩
• سُورَةُ القَصَصِ} (٥٥،٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ورد في الصحيح من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري
قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن
بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدَّبها فأحسن تأديبها، ثم
أعتقها فتزوجها))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن
عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله وَّر يوم الفتح، فقال
قولاً حسناً جميلاً، وقال فيما قال: ((من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين وله ما لنا وعليه
ما علينا ومن أسلم من المشركين فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا))(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: لا يقابلون السيء بمثله، ولكن يعفون ويصفحون
﴿وَمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة
الأهليهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
﴿وَقَالُوْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ أي: إذا سفه عليهم سفيه وكلمهم
بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم
إلا كلام طيب، ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: ﴿لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى
اَلْجَاهِلِينَ﴾ أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.
قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله وَ ر وهو بمكة عشرون رجلاً أو
قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه
وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله وَله
عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من
الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره،
فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب،
بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده
حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال: قال: ما نعلم ركباً أحمق منكم، أو كما قالوا لهم فقالوا
لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيراً. قال:
ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ويقال - والله أعلم -
أن فيهم نزلت هذه الآيات ﴿الَّذِينَ ءَانَيْتَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ (19) إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِى
الْجَِهِلِينَ﴾ قال: وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت؟ قال: ما زلت أسمع من علمائنا
(١) صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله (ح٩٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب
الإيمان برسالة نبينا محمد ﴾ (ح ١٥٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٧٠ ح٢٢٢٣٤) وصححه محققوه بالمتابعات.

٣٠
• سُوْرَةُ الْقَصَصِّ (٥٧،٥٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00000000000 0 0 0 0 0 0 000
أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه ﴿ه، والآيات اللاتي في سورة المائدة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
قِسْبِسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [٨٢ - ٨٣](١).
وَقَالُواْ إِن
] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
الُْدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَّدُنَّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (﴾﴾.
يقول تعالى لرسوله وَ﴾: إنك يا محمد ﴿لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ أي: ليس إليك ذلك، إنما
عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَّآ أَكْثَرُ النَّاسِ
وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٨٣)﴾ [يوسف].
وهذه الآية أخصُّ من هذا كلِّه، فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء
وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ ﴾﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.
وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله وَّر، وقد كان يحوطه وينصره
ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبيعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه
رسول الله ﴿ إلى الإيمان والدخول في الإسلام. فسبق القدر فيه واختُطف من يده، فاستمر على
ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة.
قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن المخزومي رَُّه قال:
لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله وَّر، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن
أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله وَلجر: ((يا عمّ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها
عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم
يزل رسول الله وقوله: يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال: هو على ملة
عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله وَله: ((والله لأستغفرن لك ما لم أنه
عنك)) فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ﴾
[التوبة: ١١٣] وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ أخرجاه
من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في صحيحه(٢)، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن
أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله وَلّ فقال: ((يا عماه
قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة)) فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله
عليه إلا جزع الموت، لأقررتُ بها عينك، لا أقولها إلا لأقرّ بها عينك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّكَ
لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾﴾، وقال الترمذي: حسن
(١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣٩٢/١) وسنده ضعيف لإرساله.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة القصص، باب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٍ﴾ [القصص:
٥٦] (ح ٤٧٧٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (ح٢٤).

٣١
،سُورَةُ القَصَصِ (٥٩،٥٨)
غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان(١). ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد
القطان، عن يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة فذكره بنحوه(٢)، وهكذا قال ابن
عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله وَله
أن يقول: لا إله إلا الله، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي ملَّة الأشياخ، وكان آخر ما قاله
هو على ملَّة عبد المطلب(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن
عثمان بن خُيثم، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي، قال: كتب معي قيصر
إلى رسول الله ◌َلا كتاباً، فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره، ثم قال: ((ممن الرجل؟))
قلت: من [تنوخ](٤). قال: ((هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟)) قلت: إني رسول قوم وعلى
دينهم حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله وَليل ونظر إلى أصحابه، وقال: ((إنك لا تهدي من
أحببت ولكن الله يهدي من يشاء))(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نَّتَّعِ الْهُدَى مَعَكَ تُنَخَظّفْ مِنْ أَرْضِناً﴾ يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار
في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله وَله: ﴿إِن تََّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ تُنَخَطّفْ مِنْ أَرْضِناً﴾ أي: نخشى إن
اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى
والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيباً لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ يعني: هذا
الذي اعتذروا به كذبا وباطل؛ لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف
يكون هذا الحرم آمناً لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمناً لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟
وقوله تعالى: ﴿يُجّىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره،
وكذلك المتاجر والأمتعة ﴿رِزْفًا مِّنْ لَّدُنَا﴾ أي: من عندنا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ولهذا
قالوا ما قالوا.
وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي
مُليكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباسٍ، ولم يسمعه منه: إن الحارث بن عامر بن نوفل
الذي قال: ﴿إِن نَّعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَأَ﴾(٦) .
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِّنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِلاً
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِّ أُمِّهَا رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَِّنَأْ وَمَا
وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ (
﴾.
كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىِّ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ
يقول تعالى معرضاً بأهل مكة في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي:
(١) سنن الترمذي، التفسير، سورة القصص (ح ٣١٨٨). (٢) المسند ٤٣٤/٢.
(٣) هذه الآثار أخرجها الطبري وابن أبي حاتم ويشهد لها ما تقدم في الصحيحين.
(٤) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: (تيرح)).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن أبي راشد (لسان الميزان ٢٨/٣).
(٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، سورة القصص ح ١١٣٨٥)، وسنده ضعيف للانقطاع
بين عمرو بن شعيب وابن عباس، كما أشار الحافظ ابن كثير.

٣٢
• سُورَةُ القَصَصِ (٦٠، ٦١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى:
﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوْ يَصْنَعُونَ (٣) وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ
اَلْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [النحل]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا
قليلًا﴾ أي: دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِينَ﴾ أي: رجعت خراباً ليس فيها أحد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود أنه سمع كعباً يقول لعمر: إن سليمان علّلا قال
للهامة - يعني البومة -: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه، قال:
فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا
إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله تعالى، ثم تلا: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِنَ﴾(١).
ثم قال تعالى مخبراً عن عدله وأنه لا يهلك أحداً ظالماً له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام
الحجة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُنِّهَا﴾، وهي مكة ﴿رَسُولًا
يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَاً﴾ فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد ◌َّ المبعوث من أم القرى رسول
إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: ﴿لِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا﴾ [الشورى:
٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال:
﴿لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:
١٧]، وتمام الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا
عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِنَبِ مَسْطُورًا (٥)﴾ [الإسراء] الآية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية
قبل يوم القيامة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فجعل تعالى
بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في
الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه علي أنه قال: ((بعثت إلى الأحمر والأسود))(٢)، ولهذا ختم
به النبوة والرسالة، فلا نبيّ من بعده ولا رسول؛ بل شرعه باقٍ بقاء الليل والنهار إلى يوم
القيامة.
وقيل: المراد بقوله: ﴿حَّ يَبْعَثَ فِىِّ أُمِّهَا رَسُولًا﴾ أي: أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق
والأقاليم، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد.
أَفَمَنِ
- ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَاْ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَبَقَّ أَفَلاَ تَعْفِلُونَ
وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيهِ كَمَن مَّنَعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِنَ
يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق وفيه أيضاً رجل ضعيف وهو مالك بن سليمان (ينظر ميزان الاعتدال ٣/
٤٢٧).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.

٣٣
سُورَةُ القَصَصِ (٦٢، ٦٧)
أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ
يَنَفَذِّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وقال:
﴿وَمَا الْخَيَّةُ الدُّنْيَا فِ اَلَخِرَةِ إِلَّ مَتَعُ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنيَ ﴿ وَالْآَخِرَةُ
خَيَّرٌ وَأَبْقَ (٣)﴾ [الأعلى].
وقال رسول الله وَله: ((والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم،
فلينظر ماذا يرجع إليه))(١).
وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾؟ أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ
وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَن ◌َّثَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾﴾ يقول
تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه
لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً
قلائل: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: من المعذبين(٢).
ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله وَله وفي أبي جهل(٣).
وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل(٤)، وكلاهما عن مجاهد، الظاهر أنها عامة، وهذا كقوله
تعالى إخباراً عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات، وذاك في الدركات،
(٥)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
فقال: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨].
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ
2- ﴿وَبَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ الِّ
وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ
الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنًا تَبَأْنَا إِلَيْكٌَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَوْ الْعَذَابَّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴿ وَبَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴿ فَعَمِيَتْ
عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَّلُونَ ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَكِلِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ
الْمُفْلِحِينَ (بَلَّ﴾
يقول تعالى مخبراً عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ
الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد،
هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَكَّتُم مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ
فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ لَقَد تَّقَطَعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم ◌َّا كُمْ تَزْعُمُونَ (١)﴾ [الأنعام].
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٨٥.
(٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة
أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق أبان بن تغلب عن مجاهد، وهو مرسل.
(٤) ذكره الطبري دون أن ينسبه إلى أحد.

٣٤
• سُورَةُ القَصَصِ (٦٨، ٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ يعني: الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر ﴿رَبَّنَا مَنُؤْلَاءِ
الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيِنًا تَبَأْنَا إِلَيْكٌَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ فشهدوا عليهم أنه أغووهم
فاتبعوهم ثم تبرأوا من عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَالِهَةٌ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
٨١
كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٣)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا
مِن دُونِ اَللَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ (٢َ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ
أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقال الخليللعلّها لقومه: ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ
أَوْثَلَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
[العنكبوت] الآية، وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ
وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِينَ (٥ّ﴾
وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً
أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
فَقَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَزَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
١٦٧)
[البقرة]، ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكََّكُمْ﴾ أي: ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم
في الدار الدنيا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ اَلْعَذَابِّ﴾ أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا
محالة.
وقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: فوَدُّوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في
الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمُ قَّوْبِقًا (9﴾ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا
(٥)﴾ [الكهف].
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا
فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل
العبد في قبره: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن
محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير
السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، ولهذا قال تعالى:
﴿فَعَمِيَتْ عَتِهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَيِدٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ
قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ﴾(١) بالأنساب.
وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: في الدنيا ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ أي:
يوم القيامة وعسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنَّته لا محالة.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى
(٦٨
وَاْأَخِرَةِّ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (60)﴾ .
يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ أي: ما يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها
(١) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٥
• سُورَةِ القَصَصِ (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ج
خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نفي على أصح القولين،
كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
[الأحزاب: ٣٦] وقد اختار ابن جرير أن ﴿مَا﴾ ههنا بمعنى الذي تقديره: ويختار الذي لهم فيه
خيرة(١)، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها
نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس(٢)، وغيره أيضاً. فإن المقام في بيان انفراده تعالى
بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا
يُثْرِكُونَ﴾ أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾﴾ أي: يعلم ما تكن الضمائر،
وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق ﴿سَوَاءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ
وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِلنََّارِ ﴾﴾ [الرعد].
وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب
يخلق ما يشاء ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُولَى وَالْآَخِرَةَ﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود
عليه بعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ﴿وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ أي: جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم
خافية في سائر الأعمال.
] ﴿قُلْ أَهَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَّاْءٍ
أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿٨ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَاَ لِتَسَكُواْ فِهِ
يَأْتِيِكُمْ بِلِيلٍ تَسْكُنُنَ فِيَةِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ (49)
وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
يقول تعالى مُمتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن
أنه لو جعل الليل دائماً عليهم سرمداً إلى يوم القيامة، لأضرَّ ذلك بهم، ولسئمته النفوس
وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اَللَّهِ يَأَتِكُمْ بِضِيَّاْءٍ﴾ أي: تبصرون به
وتستأنسون بسببه ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟.
ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمداً؛ أي: دائماً مستمراً إلى يوم القيامة، لأضرَّ ذلك
بهم، ولتعبت الأبدان وكَلَّت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِكُم بِلِيلٍ تَسْكُنُونَ فِيةٍ﴾ أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (4) وَمِن
رَحْمَتِهِ﴾ أي: بكم ﴿جَعَلَ لَّكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: خلق هذا وهذا ﴿لِتَسْكُواْ فِهِ﴾ أي: في الليل
﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب
اللف والنشر.
(١) ذكره الطبري.
(٢) لم يرد في تفسير ابن أبي حاتم ما يفيد إنها نافية.

٣٦
سُورَةُ القَصَصِ (٧٤، ٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء
بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَكَّرَ أَوْ أَرَدَ شُكُورًا (49)﴾ [الفرقان]، والآيات في هذا كثيرة.
وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ
VE
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِمُوْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
وهذا أيضاً نداء ثانٍ على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب تعالى
على رؤوس الأشهاد فيقول: ﴿أَيْنَ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: في دار الدنيا ﴿وَنَزَعْنَا مِن
كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني: رسولاً (١).
﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ﴾ أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء ﴿فَعَلِمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾
أي: لا إله غيره، فلم ينطقوا ولم يحيروا جواباً ﴿وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهبوا فلم
ینفعوهم.
﴿﴿ إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَمَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ
بالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَجٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٨) وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآَخِرَةٌ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ اَلْفَسَادَ فِى
اُلْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
.
قال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّ قَرُونَ
كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾ قال: كان ابن عمه (٢)، وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن
الحارث بن نوفل وسماك بن حرب(٣)، وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن
عمِّ موسى ظَلَ(٤).
قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث(٥).
وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عمّ موسى بن عمران ظَلا.
قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه(٦)، والله أعلم.
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق الأعمش به، وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/
٤٠٩).
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بخمسة أسانيد يقوي بعضها
بعضاً .
(٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول مالك بن دينار أخرجه
الطبري عنه بلاغاً .
(٥) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٦) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.

٣٧
سُورَةُ القَصَصِ (٧٨)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عمّ موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته
بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله(١).
وقال شهر بن حوشب(٢): زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه.
وقوله: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ﴾ أي: الأموال ﴿مَّا إِنَّ مَفَاتِحَمُ لَنَنُوْأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾ أي: ليثقل
حملها الفئام من الناس لكثرتها(٣).
قال الأعمش، عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل
مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلاً أغرَّ محجلاً(٤)، وقيل: غير
ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: وعظه فيما هو فيه صالحو قومه،
فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال،
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قال ابن عباس: يعني: المرحين(٥).
وقال مجاهد: يعني: الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم(٦).
وقوله: ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَتَنْكَ اللَّهُ النَّارَ الْآَخِرَّةٌّ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ أي: استعمل ما
وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات،
التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس
والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك
عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ أي: أحسن إلى خلقه، كما
أحسن هو إليك ﴿ وَلَا تَبْع اُلْفَسَادَ فِ اَلْأَرْضِّ﴾ أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في
الأرض، وتسيء إلى خلق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
] ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُمُ عَلَى عِلْمٍ عِنِدِىَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُنْثَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه، وأرشدوه إلى الخير ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ
عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ أي: لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني
(١) ذكره الطبري دون سند عن ابن جريج.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق ليث، وهو ابن أبي سُليم، عن شهر وليث فيه مقال.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٨
سُورَةُ القَصَصِ (٧٨)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أستحقه ولمحبته لي، فتقديره إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ
الْإِنسَنَ ضُرِّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلَّمَّ﴾ [الزمر: ٤٩]؛ أي: على علم
من الله بي، وكقوله تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَذَقْتَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ﴾ [فصلت:
٥٠]؛ أي: هذا أستحقه.
وقد روي عن بعضهم أنه أراد ﴿إِنَّمَا أُوِتُهُ عَ عِلْمٍ عِندِىَّ﴾ أي: أنه كان يعاني علم الكيمياء،
وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل(١)، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد
عليها إلا الله وَّ، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِ﴾ [الحج: ٧٣].
وفي الصحيح أن رسول الله وَليقول قال: ((يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي،
فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة)) (٢)، وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد
الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى؟
هذا زور ومحال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة، وهي كذب
وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعاً لا محالة، ولم يثبت بطريق
شرعي أنه صحَّ مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأقَّاكون،
فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهباً
أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل
الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن
شريح المصري رحمه الله تعالى أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ
حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر،
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً يطول ذكرها.
وقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به فتمول بسببه. والصحيح
المعنى الأول، ولهذا قال الله تعالى رادًّاً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ اُلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً﴾ أي: قد
كان من هو أكثر منه مالاً، وما كان ذلك عن محبة منّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم
وعدم شكرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَ يُسْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: لكثرة ذنوبهم.
قال قتادة: ﴿عَى عِلْمٍ عِندِيَّ﴾ على خير عندي(٣).
وقال السدي: على علم أني أهل لذلك (٤).
وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَاً
أُوِّتُهُ عَى عِلْمٍ عِندِىٌّ﴾ قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ
(١) يقصد غير علم الكيمياء المعاصر.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحج آية ٧٣.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي بلفظ: ((علِمَ الله أني أهل لذلك)).

٣٩
• سُورَةُ الْقَضَضِ﴾ (٧٩، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ حَمْعًا وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾(١)،
[وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي](٢).
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوْقِىَ قَرُونُ
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَبُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحَاً
إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
١٨٠
وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّ الضَبِرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من
مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها
وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أُعطي قالوا: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوْقِىَ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو
حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي: ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم:
﴿وَيَكُمْ نَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في
الدار الآخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح ((يقول الله تعالى أعددت لعبادي
الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم ﴿فَلَا تَعْلَمُ
[السجدة])).
(٣)
نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَّةً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الضَبِرُونَ﴾ قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون (٤)، كأنه جعل
ذلك من تمام الكلام الذين أوتوا العلم.
قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار
الآخرة(٥). وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أولئك، وجعله من كلام الله رَك، وإخباره بذلك.
﴿يَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اُلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
وَأَصْبَحَ الَّذِيِنَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ
الْمُنْتَصِرِينَ
.(@
عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّا وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ
لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقّب ذلك بأنه خسف به
وبداره الأض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((بينما رجل يجرُّ إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم
القيامة)). ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر نحوه(٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه، (صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ
أَنْ يَُدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] ح ٨٤٩٨، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة ح ١٨٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٥) ذكره الطبري بنحوه.
(٦) صحيح البخاري، اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء (ح ٥٧٩٠).

٤٠
• سُورَةُ القَصَصِ (٨٢،٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ((بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين
يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) (١) تفرد به أحمد،
وإسناده حسن.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو يعلى بن منصور، أخبرني
محمد بن مسلم، سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك ظبه قال: قال رسول الله وَالآتى:
((بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو
يتجلجل فيها إلى يوم القيامة))(٢).
وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب ((العجائب الغريبة)» بسنده عن نوفل بن مساحق
قال: رأيت شاباً في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال:
ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال: فما زال
ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمِّه وذهب به.
وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله عليه، واختلف في سببه:
فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغياً مالاً على أن تبهت موسى بحضرة الملأ
من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى، فتقول يا موسى إنك فعلتَ بي كذا
وكذا، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى ظلَّا أرعد من الفرق، وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين
ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي
حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك
لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خرَّ موسى لله رَّ ساجداً، وسأل الله في قارون،
فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان
ذلك، وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب، وعليه
وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمرَّ في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى لعلَّا، وهو
يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه
موسى علَّلا، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة
فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن فلتدعونَّ عليَّ وأدعو عليك، فخرج موسى وخرج
قارون في قومه، فقال موسىظلِّ *: تدعو أو أدعو أنا، فقال: بل أدعو أنا، فدعا قارون فلم
يجب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم، فقال موسى: اللَّهم مُر الأرض أن تطيعني اليوم،
فأوحى الله إِليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إِلى أقدامهم ثم قال:
خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إِلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠/٣)، وحسن سنده الحافظ ابن كثير، ويشهد له سابقه.
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٧٩/٧ ح٤٣٠٢)، وسنده ضعيف لضعف زياد بن عبد الله النميري
(مجمع الزوائد ١٢٦/٥) ويتقوى بما سبق.