Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ سُوَرَّةُ النَّصْلِ (٧، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 - ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارً سَنَاتِكُ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ ءَاتِكُمْ بِشِهَادٍ قَبَسِ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَّلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿﴿ يَمُوسَىّ إِنَّهُ، أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ ﴾ وَأَلْقِي عَصَالْ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَىَّ اَلْحَكِيمُ ( الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ ظَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿﴿ وَأَدْخِلْ يَدَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِ نِسْعِ ءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَّوْمِّ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَِقِينَ ﴿ فَمَّا جَاءَتْهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ ١٤ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ تُبِينٌ (4) يقول تعالى لرسوله محمد رَ﴿ مذكِّراً له ما كان من أمر موسى فعلا، كيف اصطفاه الله وكلمه وناجاه أعطاه من الآيات العظيمة الباهرة والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِ﴾؛ أي: اذكر حين سار موسى بأهله فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور ناراً؛ أي: رأى ناراً تتأجَّج وتضطرم، فقال: ﴿لِأَهْلِ، إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا سَائِكُ مِنْهَا بِخَرٍ﴾؛ أي: عن الطريق ﴿أَوْ مَتِيَّكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَعَلَّكُنْ تَصْطَلُونَ﴾؛ أي: تستدفئون به وكان كما قال. فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نوراً عظيماً، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: فلما أتاها ورأى منظراً هائلاً عظيماً حيث انتهى إليها والنار تضطرم في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا توقداً، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه، فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: لم تكن ناراً، وإنما كانت نوراً يتوهج. وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين(١)، فوقف موسى متعجباً مما رأى ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾. قال ابن عباس: تقدس(٢) ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: من الملائكة، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى ظاه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل))، زاد المسعودي ((وحجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه كل شيء أدركه بصره)). ثم قرأ أبو عبيدة ﴿أَنَّ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾(٤). وأصل الحديث مخرج في صحيح مسلم من حديث عمرو بن مرة به(٥). (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية إلا قول ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله وَّر: ((إن الله لا ينام)) (ح١٧٩). ٦٦٢ • سُوَرَّةُ النَّصْلِ (٧، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم المباين لجميع المخلوقات، ولا تكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد المنزه عن مماثلة المحدثات. وقوله تعالى: ﴿يَمُوسَىّ إِنَّهُ: أَنَا اللَّهُ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ أعلمه أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الذي عزَّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أقواله وأفعاله، ثم أمره أن يلقي عصاه من يده ليظهر له دليلاً واضحاً على أنه الفاعل المختار القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة مع ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا تَهَزُّ كَنَّهَا جٌَّ﴾ والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطراباً. وفي الحديث نهي عن قتل جنان(١) البيوت(٢)، فلما عاين موسى ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبُ﴾؛ أي: لم يلتفت من شدة فرقه(٣) ﴿يَمُوسَى لَا تَّخَفْ إِ لَا يَخَفُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولا وأجعلك نبياً وجيهاً . وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نُرَّ بَدَّلَ حُسْنَا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيء ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله (٨٢) ﴾ [طه]، وقال يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٣٥)﴾ [النساء]، والآيات في هذا كثيرة جداً . وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءُ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ﴾ هذه آية أخرى ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدق من جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يدخل يده في جيب درعه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة قمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف. وقوله تعالى: ﴿فِي تَسْعِ ءَيَتٍ﴾؛ أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن وأجعلهن برهاناً لك إلى فرعون وقومه ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَنِقِينَ﴾ وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَىْ تِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَةٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] كما تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله تعالى: ﴿فَمَّا جََّتْهُمْ ءَيَنُنَا مُبْصِرَةً﴾؛ أي: بينة واضحة ظاهرة ﴿قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا﴾ في ظاهر أمرهم ﴿وَأَسْتَيْقَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها ﴿ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾؛ أي: ظلماً من أنفسهم سجية ملعونة، وعلواً؛ أي: استكباراً من اتباع الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة أمرهم في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة، وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد، (١) جمع جان وهي: الحية الصغيرة. (٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الجن وثوابهم، وصحيح مسلم، قتل الحيات. (٣) أي: خوفه. ٦٦٣ سُورَةُ النَّهُلِ (١٥، ١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأخرى، فإن محمداً صلوات الله وسلامه عليه أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدلّ وأقوى من برهان موسى بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام. ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ١٥ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنِطِقَ الَّيْرِ وَأُوْتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿ حَتَّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿﴿ فَنَبَّمَ ضَاحِكًا مِن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىِّ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بَحْمَتِكَ فِ عِبَادَِ الصَّالِحِينَ يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه: داود وابنه سليمانعَلَّهِ، من النعم الجزيلة والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والمُلك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ ١٥ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام، أخبرني أبي، عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عبده نعمة فيحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمًاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ ﴾﴾؛ فأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان ◌َلَّهُ(١). وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٌ﴾؛ أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لدواد مائة امرأة، ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك رسول الله وَّ في قوله: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة))(٢) وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾؛ أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى إنه سخر له الإنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضاً، وهذا شيء لم يعطه أحد من البشر فيما علمناه مما أخبر الله به ورسوله، ومن زعم من الجهلة والرعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود، كما قد يتفوه به كثير من الناس، فهو قول بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، وليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خلقت إلى زماننا هذا على (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه معلق. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٦. ٦٦٤ • سُوَرَّةُ النَّهُلَِّ (١٥، ١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 هذا الشكل والمنوال. ولكن الله سبحانه كان قد أفهم سليمان ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِنَا مِن كُلِّ شَىٍّ﴾؛ أي: مما يحتاج إليه الملك ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الظاهر البين الله علينا . قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن [عمرو](١) بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة به أن رسول الله وَ له قال: ((كان داودعلّ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وأغلقت الأبواب، فأقبلت امرأة تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحنَّ بداود، فجاء داود لعلَّل فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ فقال: الذي لا يهاب الملوك ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت إذاً والله ملك الموت مرحباً بأمر الله، فتزمل(٢) داود مكانه حتى قبضت نفسه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان علّ للطير: أظلي داود، فظللت عليه الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحاً جناحاً)) قال أبو هريرة: يا رسول الله كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله يده وغلبت عليه يومئذ المضرحيَّة(٣). قال أبو الفرج بن الجوزي: المصرحية هنَّ: النسور الحُمُر. وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (٣)﴾؛ أي: وجمع لسلمان جنوده من الجن والإنس والطير؛ يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإنس وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حر أظلته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾؛ أي: يكف أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة يردون أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما يفعل الملوك اليوم (٤). وقوله: ﴿حََّ إِذَا أَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾؛ أي: حتى إذا مرّ سليمان عليَُّ بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وأورد ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب(٥)؛ أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنهم، (١) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صُحفت إلى: ((عمر))). (٢) تزملَّ فلان: التفَّ بثوبه. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٥٤/١٥ ح ٩٤٣٢)، وضعفه محققوه لأن المطلب لم يسمع من أبي هريرة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) سنده ضعيف جداً لأن إسحاق بن بشر متروك (ينظر لسان الميزان ٣٥٤/١). ٦٦٥ سُورَةُ النَّصْلِ (٢١،٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ففهم ذلك سليمان عليّ منها ﴿فَنَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَّ وَعَلَى وَالِدَكَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنهُ﴾؛ أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها عليّ من تعليمي منطق الطير والحيوان. وعلى والديَّ بالإسلام لك، والإيمان بك ﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنهُ﴾؛ أي: عملاً تحبه وترضاه ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾؛ أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك، ومن قال من المفسرين أن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وأن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها . وعن نوف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذياب(١)، هكذا رأيته مضبوطاً بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان ظلَّلُ فهم قولها وتبسم ضاحكاً من ذلك، وهذا أمر عظيم جداً. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان بن داود ◌َّاهُ يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم (٢). وقد ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّار قال: ((قرصت نبياً من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلًا نملة واحدة؟))(٣). لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا ﴿وَتَفَقَّدَ اَلَّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَىَ الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ شَدِيدًا أَوْ لَ اذْبَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندساً يدل (٤) سليمان علَّل على الماء إذا كان بأرض فلاة طلبه، فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلَّهم عليه، أمر سليمان ظلل الجان فحفروا له ذلك المكان حتى يستنبط الماء من قراره، فنزل سليمان ظلّ* يوماً بفلاة من الأرض فتفقد الطير ليرى الهدهد فلم يره ﴿فَقَالَ مَالِى لَا أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمَّ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ﴾ حدث يوماً عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج يقال له نافع بن الأرزق وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا ابن عباس غلبت اليوم، قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ تراباً، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ فيصيده (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحكم بن الوليد عن نوف. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل ومن أخبار أهل الكتاب. (٣) صحيح مسلم، قتل الحيات، باب النهي عن قتل النمل (ح٢٢٤١). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف معلق. ٦٦٦ • سُوَّرَةُ النَّصْلِ (٢٠، ٢١) الصبي، فقال ابن عباس، لولا أن يذهب هذا فيقول رددت على ابن عباس لما أجبته، ثم قال له: ويحك إنه إذا نزل القدر عمي البصر وذهب الحذر، فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبداً (١) . وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البرزي من أهل برزة في غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم الإثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد أنه سأله عن سبب عوره، فامتنع عليه، فألَّح عليه شهوراً، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن وادٍ بها فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخوراً كثيراً حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يعزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع وعيناها تتوقدان مثل الدينار(٢)، فاستبشرا بها عظيماً، وقالا الحمد لله الذي لم يخيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذ الحية، فأدخلا في عينها ميلاً فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بدّ من ذلك وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة أنظر ما تحتها كما ترى المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلاً، فسرت معهما وهما يحدثاني حتى إذا بعدت عن القرية أخذاني فكتفَّاني(٣)، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها ورمى بها ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفاً حتى مرَّ بي نفر ففك وثاقي، فهذا ما كان من خبر عيني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان لعلّل* عنبر (٤). وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان ظلّل إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نوب من كل صنف من الطير كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلِّها من حضره إلا الهدهد ﴿فَقَالَ مَالِىَ لَا أَرَى اُلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآِينَ﴾ أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر(٥). وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه(٦). وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه (٧)، وكذا قال غير واحد من السلف أنه نتف (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه سعيد بن بشير، ولكنه توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٠٥، ٤٠٦). (٢) لأنه من الذهب وفيه بريق. (٣) أي: ربطوا يداه ببعضهما. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة صدقة بن عمرو كما في التقريب. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، والرواية من الإسرائيليات. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش به. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سفيان بن عيينة عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن شداد. ٦٦٧ سُورَةُ النَّهُلِ (٢٢، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ريشه وتركه ملقى بأكله الذر والنمل(١). وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْتَجَنَّهُ﴾ يعني قتله ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بعذر بيّن واضح، وقال سفيان بن عيينة وعبد الله بن شداد: قدم الهدهد قالت له الطير: ماخلفك؟ فقد نذر سليمان دمك، فقال: هل استثنى؟ قالوا: نعم. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَ أَذْجَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قال: نجوت إذاً. قال مجاهد: إنما دفع الله عنه ببرِّه بأمه(٢) . - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِبَلٍ يَقِينٍ ﴿ إِنِ وَجَدَتُ ﴿﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ آَمْرَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَّتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٥ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( يقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: غاب زماناً يسيراً، ثم جاء فقال لسليمان: ﴿أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾؛ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنَاٍ يَقِينٍ﴾؛ أي: بخبر صدق حق يقين، وسبأهم حمير وهم ملوك اليمن، ثم قال: ﴿إِنّ وَجَدتُّ آمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ. وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة من بيت مملكة(٣). وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية(٤). وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ وأُمها: بلتعة(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة سليمان ألف قيل(٦)، تحت كل قيل مائة ألف مقاتل(٧) . وقال الأعمش: عن مجاهد كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل تحت كل قيل مائة ألف مقاتل(٨). وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنِّ وَجَدَثُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً، كل رجل منهم على عشرة آلاف (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه ليث وهو ابن أبي سليم عن مجاهد، وليث فيه مقال. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، والخبر من الإسرائيليات. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير، والخبر كسابقه. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن جريج، والخبر كسابقه. (٦) هو الملك النافذ أو الوزير (ينظر ترتيب القاموس المحيط ٧١٨/٣). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن نمير عن الأعمش به، وسنده صحيح. ٦٦٨ • سُورَةُ النَُّلَِّ (٢٢، ٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رجل، وكانت بأرض يقال لها مأرب على ثلاثة أميال من صنعاء (١)، وهذا القول هو أقرب على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم. وقوله: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾؛ أي: من متاع الدنيا مما يحتاج إليه الملك المتمكن ﴿وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ﴾ يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب وأنواع الجواهر واللآلئ. قال زهير بن محمد: كان من ذهب وصفحاته مرمولة بالياقوت والزبرجد طوله ثمانون ذراعاً، وعرضه أربعون ذراعاً(٢). وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، ولها ستمائة امرأة تلي الخدمة. قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، وكان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من مشرقه ومثلها من مغربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها فيسجدون لها صباحاً ومساءاً(٣)، ولهذا قال: ﴿وَجَدَثُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن طريق الحق ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ . وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾ معناه ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾؛ أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرَّ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (*)﴾ [فصلت]، وقرأ بعض القراء ((ألا يا اسجدوا لله))(٤) جعلها ألا الإستفتاحية، ويا للنداء، وحذف المنادى تقديره عنده ألا يا قوم اسجدوا لله. وقوله: ﴿الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض(٥)، وكذا قال عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد(٦). وقال سعيد بن المسيب: الخبء الماء(٧)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [خبء](٨) السموات والأرض ما جعل فيهما من الأرزاق، المطر من السماء والنبات من (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به وسنده صحيح. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وهذه الأخبار كلها إسرائيلية. (٤) قراءة متواترة. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٦) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف ويشهد له سابقه ولا حقه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد وقتادة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي يزيد التيمي عن سعيد بن المسيب، وأبو يزيد لم أعرف من هو. (٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((خبا)). ٦٦٩ سُورَةُ النَّصْلِ (٢٧، ٣١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الأرض(١). وهذا مناسب من كلام الهدهد الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض وداخلها . وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه من الأقوال والأفعال، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنََّارِ ﴾﴾ [الرعد]. وقوله: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ ﴾﴾؛ أي: هو المدعو وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعياً إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة رضيه قال: نهى النبي وله عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد (٢)، وإسناده صحيح. أُذْهَب ◌ِّكِتَبِى هَذَا فَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ ﴿ قَالَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ بَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلْفِىَ إِلَىَ كِنَبُ كَرِمُ ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣ أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ يقول تعالى مخبراً عن قيل سليمان للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم ﴿#* قَالَ سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِينَ ﴾﴾؛ أي: صدقت في إخبارك هذا ﴿أَمَّ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾ في مقالتك لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك؟ ﴿أَذْهَب ◌ِّكِتَبِى هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَأَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٨) وذلك أن سليمان ظلَّ كتب كتاباً إلى بلقيس وقومها. وأعطاه ذلك الهدهد فحمله، قيل في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل بمنقاره، وجاء إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها فألقاه إليها من كوة هنالك بين يديها، ثم تولي ناحية أدباً ورياسة، فتحيرت مما رأت وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ◌َّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ (4)﴾ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم ﴿يَأَيُّهَا الْمَلَؤُاْ إِنَّ أُلْفِىَ إِلَ كِنَبُ كَرِيمُ﴾ تعني: بكرمه ما رأته من عجيب أمره كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدباً، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ فعرفوا أنه من نبي الله سليمان علّ*، وأنه لا قبل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حصل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها . (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن. (٢) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة (السنن، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله ح٣٢٢٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٦٠٨)، وأخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس (المسند ٥٪ ١٩٢ ح٣٠٦٦)، وصحح سنده محققوه، وكذا أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في قتل الذر ح ٥٢٦٧). ٦٧٠ سُورَةُ النَّهُل (٣٢، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال العلماء: لم يكتب أحد بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان ثـ وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً في تفسيره حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الخياط. حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، عن عبد الكريم أبي أُمية، عن، ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله وسلم فقال: ((إني أعلم آية لم تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود)) قلت: يا نبي الله أي آية؟ قال: ((سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد)) قال: فانتهى إلى الباب فأخرج إحدى قدميه، فقلت نسي ثم التفت إلي وقال: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(١) وهذا حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: أن رسول الله وَلّ يكتب: باسمك اللَّهم حتى نزلت هذه الآية. فكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(٢). وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَّ﴾ قال قتادة: يقول لا تجبروا علي ﴿وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي وأتوني مسلمين(٤). قال ابن عباس: موحدين(٥) . وقال غيره: مخلصين(٦). وقال سفيان بن عيينة: طائعين (٧) . ) قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ ] ﴿قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَؤُّأْ أَفْتُونِى فِىَّ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَّ حَتَّى تَشْهَدُونِ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ ١٣٥ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ لما قرأت عليهم كتاب سليمان، استشارتهم في أمرها وما قد نزل بها، ولهذا قالت: ﴿قَالَتْ يَّأَتُها الْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمَّ حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣)﴾؛ أي: حتى تحضرون وتشيرون ﴿قَالُواْ نَحُْ أُؤْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: منوا إليها بعددهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾؛ أي: نحن ليس لنا عاقة ولا بنا بأس إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة عنه. وبعد هذا فالأمر إليكِ مُري فينا رأيك نمتثله ونطيعه. قال الحسن البصري تخّتُهُ: فوّضوا أمرهم إلى علجَة (٨) تضطرب [ثدياها](٩) (١٠)، فلما قالوا لها (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الكريم بن أبي أمية كما في التقريب، وضعفه ابن كثير سنداً ومتناً . (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ميمون بن مهران، وسنده ضعيف لإرسال ميمون. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ألا تخالفوا عليَّ. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد. (٧) أخرجه ابن أبي حاتمٍ بسند جيد من طريق مهران عن سفيان. (٨) العلج: الرجل من كُفَّار العجم. (٩) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: ((ثديها)). (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي أيوب السختياني عن الحسن. ٦٧١ • سُؤَدَّةُ النَُّلَِّ (٣٦، ٣٧) ما قالوا، كانت هي أحزم رأياً منهم وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده وجيوشه وما سخر له من الجن والإنس والطير. وقد شاهدت من قضية الكتاب مع الهدهد أمراً عجيباً بديعاً، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه فيقصدنا بجنوده ويهلكنا بمن معه ويخلص إليَّ ﴿ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ﴾ قال وإليكم الهلاك والدماء دون غيرنا. ولهذا قالت: ابن عباس: أي إذا دخلوا بلداً عنوة أفسدوه؛ أي: خربوه(١) ﴿ وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَِلَّةٌ﴾؛ أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود فأهانوهم غاية الهوان إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عباس: قالت بلقيس ﴿إِنَّ الْمُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ﴾ قال الربُّ رَى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾(٢). ثم عدلت إلى المصالحة والمهادنة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾؛ أي: سأبعث إليه بهدية تليق بمثله وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجاً نحمله إليه في كل عام ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا . قال قتادة تَخَّتُهُ: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعاً من (٣) . الناس(٣ وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه (٤). ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْعِدُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَآ ءَاتَنْكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَتِكُمْ نَفْرَحُونَ أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْنِيَنَّهُم بِحُدٍ لََّ قِبَلَ لَهُ بِهَا وَلَنُخْرِجَهُ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ٣٦١ ذكر غير واحد من المفسرين من السلف وغيرهم أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك(٥). وقال بعضهم: أرسلت بلبنة من ذهب(٦)، والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب. قال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري فقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي، قالوا: فأمرهم سليمان فتوضؤوا، فجعلت الجارية تفرغ على يدها من الماء وجعل الغلام يغترف فميزهم بذلك، وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن يدها قبل ظاهرها والغلام بالعكس (٧)، وقيل: بل جعلت الجواري يغسلن من أكفهن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم، وهو ابن صُبيح، عن ابن عباس. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قيس بن خالد الأزدي عن قتادة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ثابت البناني. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة بنحوه. ٦٧٢ • سُوَّةُ النََّ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى كفوفهم ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها ففعل ذلك والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات، والظاهر أن سليمانعَلَّلا، لم ينظر إلى ما جاؤوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. وقال منكراً عليهم ﴿أَتْمُِّونَنِ بِمَاٍ﴾؟ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟ ﴿فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِنَآ ءَاتَنَكُمْ﴾؛ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه ﴿بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَهُونَ﴾؛ أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف. قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة، فلما رأت رسلها ذلك، قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا(١) . وفي هذا جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: بهديتهم ﴿فَأَنِنَّهُمْ بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَمُ بِهَا﴾؛ أي: لا طاقة لهم بقتالهم ﴿وَلَنُخْرِجَهُ مِنْهَا أَذِلَّهُ﴾؛ أي: ولنخرجنهم من بلدتهم أذلة ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾؛ أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلها بهديتها وبما قال سليمان سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظّمة لسليمان ناوية متابعته في الإسلام، ولما تحقق سليمان لعلّها قدومهم عليه، وووفودهم إليه فرح بذلك وسرَّه. ] ﴿قَالَ يَّهَ اٌلْعَلَوُاْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسِْمِينَ ﴿ قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ لَلِنِ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُوَ مِن مَّقَامِكٌ وَإِى عَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِيْنٌّ ◌َ قَالَ الَّذِىِ عِندَهُ عٌِّ مِنَ الْكِنَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ فَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِى لِيَبْلُوَنِىِّ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ ﴾﴾. قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد واللهِ عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة وما نصنع بمكابرته شيئاً، وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك، ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه. وكان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى آتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلٍ من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل منهم ألوف كثيرة فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة حتى إذا دنت جمع من عنده من الجن والإنس ممن تحت يده فقال: ﴿قَالَ يَأَيُّهَ اٌلْمَلَؤُّأْ أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴾﴾(٢). (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وسنده حسن. والخبر من الإسرائيليات. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، والخبر من الإسرائيليات. ٦٧٣ • سُورَةُ النَّصْلِ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه. وكان من ذهب وقوائمه لؤلؤ وجوهر. وكان مستراً بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم ودماؤهم، فقال: ﴿يَأَّا الْمَلَوْا أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ (®﴾(١) وهكذا قال عطاء الخراساني والسدي وزهير بن محمد ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ سُْلِمِينَ﴾ فتحرم على أموالهم بإسلامهم(٢). ﴿قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ اَلْنِّ﴾ قال مجاهد: أي مارد من الجن(٣). قال شعيب الجبائي: وكان اسمه: كوزن(٤)، وكذا قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان(٥)، وكذا قال أيضاً وهب بن منبه. قال أبو صالح وكان كأنه جبل(٦). ﴿أَنَاْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ قال ابن عباس ◌َظُه: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك(٧). وقال مجاهد: مقعدك (٨). وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام، من أول النهار إلى أن تزول الشمس(٩) . ﴿وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: أي: قوي على حمله أمين على ما فيه من الجوهر(١٠)، فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: أريد أعجل من ذلك(١١)، ومن ههنا يظهر أن سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهب الله له من الملك، وما سخر له من الجنود الذي لم يعطه أحد قبله ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه، هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان أريد أعجل من ذلك ﴿قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلٌْ مِنَ اُلْكِتَبِ﴾ قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخياء. وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم(١٢). (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، والخبر من الإسرائيليات. (٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول زهير بن محمد فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عن زهير. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع مجاهداً. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مجاهد عن ابن عباس. (٨) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي بنحوه. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عن السدي. (١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به. ٦٧٤ سُوَدَّةُ النَّمْلِ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: كان مؤمناً من الإنس واسمه آصف(١)، وكذا قال أبو صالح(٢) والضحاك وقتادة أنه كان من الإنس، زاد قتادة من بني إسرائيل (٣). وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قتادة في رواية عنه: كان اسمه بليخا(٤)، وقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس يقال له: ذو النور(٥). وزعم عبد الله بن لهيعة أنه الخضر (٦)، وهو غريب جداً. وقوله: ﴿أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْقَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾؛ أي: ارفع بصرك وانظر، مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك. وقال وهب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتى آتيك به(٧)، فذكروا أنه أمره أنه ينظر نحو اليمين التي فيها هذا العرش المطلوب ثم قام فتوضأ ودعا الله تعالى. قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام(٨). وقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. قال: فمثل بین یدیه (٩) قال مجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق وزهير بن محمد وغيرهم: لما دعا الله تعالى وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس، وكان في اليمن وسليمان فظلّ ببيت المقدس غاب السرير، وغاص في الأرض ثم نبع من بين يدي سليمان(١٠) . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه، قال وكان هذا الذي جاء به من عباد البحر فلما عاين سليمان وملؤه ذلك ورآه مستقراً عنده ﴿قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّ﴾؛ أي: هذا من نعم الله عليّ ﴿ِبْلُوَنِ﴾(١١)؛ أي: ليختبرني ﴿وَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرٌّ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، وكقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن عثمة، وهو محمد بن خالد صدوق يخطئ كما في التقريب. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عن زهير. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب. (٨) أخرجه آدم وابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق عثمان بن مطر عن الزهري لضعف عثمان. (١٠) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول محمد بن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه، وقول زهير بن محمد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الوليد بن مسلم عنه. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن. ٦٧٥ • سُورَةُ الْتَصْلِ (٤١، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾؛ أي: هو غني عن العباد وعبادتهم كريم؛ أي: كريم في نفسه وإن لم يعبده أحد فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. وفي صحيح مسلم: ((يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه))(١). ﴿قَالَ نَكْرُواْ لَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ فَمَّا جَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَّ وَأُوِيَنَا أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِينَ ﴿﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾ قِيلَ لَا أَدْخُلِى الضَّرْجِّ فَلَمَّا رَأَنْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْجُ مُعَزَّدٌ مِّن ٤٤ فَوَرِيرُّ قَالَتْ رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ لما جيء سليمان ظلّ بعرش بلقيس قبل قدومها أمر به أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس بعرشها فقال: ﴿نَكْرُوْ لَهَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنْنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ . قال ابن عباس: نزع منه فصوصه ومرافقه(٢). وقال مجاهد: أمر به فغير ما كان فيه أحمر جُعل أصفر، وما كان أصفر جُعل أحمر، وما كان أخضر جُعل أحمر غير كل شيء عن حاله(٣) . وقال عكرمة زادوا فيه ونقصوا (٤). وقال قتادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره وزادوا فيه ونقصوا(٥). ﴿فَلَمَّا جَآَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكٍ﴾؛ أي: عرض عليها عرشها وقد غُيِّر ونُكِر وزِيدَ فيه ونقص منه فكان فيها ثبات وعقل، ولها لب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن غير وبدل ونكر فقالت: ﴿كَنَُّ هُوْ﴾؛ أي: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم. وقوله: ﴿وَأُوِنَا أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِينَ﴾ قال مجاهد: يقوله سليمان(٦). وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَِّّ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾﴾ هذا من تمام كلام (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٨. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي سعد عن عكرمة. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٦٧٦ • سُؤَدَّةُ النَّصْلِ (٤١، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سليمان عليّل في قول مجاهد وسعيد بن جبير رحمهما الله؛ أي: قال سليمان: ﴿وَأُوْتِنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَا مُسْلِينَ﴾(١) وهي كانت قد صدها؛ أي: منعها من عبادة الله وحده ﴿مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْرِ كَفِرِينَ﴾ وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد: حسنٌ وقاله ابن جرير أيضاً. ثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون في قوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾ ضمير يعود إلى سليمان أو إلى الله رَّ تقديره ومنعها ﴿مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: صدها عن عبادة غير الله ﴿إِنَّا كَانَتْ مِن قَوٍْ كَفِرِينَ﴾(٢). قلت: ويؤيد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي. وقوله: ﴿قِيلَ لَا أَدْخُلِ الضَّرْعِّ فَلَّا رَأَتَهُ حَسِبَتْهُ لُبِجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ وذلك أن سليمان ظلَّ أمر الشياطين فبنوا لها قصراً عظيماً من قوارير؛ أي: من زجاج، وأجري تحته الماء فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ظلّ إلى اتخاذه فقيل: إنه لما عزم على تزوجها واصطفائها لنفسه، ذكر له جمالها وحسنها لكن في ساقيها هلب(٣) عظيم ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ هكذا قول محمد بن كعب القرظي وغيره. فلما دخلت وكشفت عن ساقيها رأى أحسن الناس ساقاً وأحسنهم قدماً ولكن رأى على رجليها شعراً لأنها ملكة وليس لها زوج فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها: الموسى فقالت: لا أستطيع ذلك. وكره سليمان ذلك وقال للجن: اصنعوا شيئاً غير الموسى يذهب بهذا الشعر فصنعوا له النورة. وكان أول من اتخذت له النورة(٤)، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والسدي وابن جريج وغيرهم(٥). وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان ثم قال لها: ادخلي الصرح. ليريها ملكاً هو أعزّ من ملكها وسلطاناً هو أعظم من سلطانا، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وحده، وعاتبها في عبادة الشمس من دون الله(٦). وقال الحسن البصري: لما رأت العلجة الصرح عرفت والله أن قد رأت ملكاً أعظم من ملكها . وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضاً ثم أرسل الماء تحته ثم وضع له فيه سريره (١) قول مجاهد تقدم في الرواية السابقة وقول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند. (٢) ذكره الطبري بنحوه. (٣) الهُلْبُ: ما غَلُظَ وصَلُب من الشّعر. (٤) النورة: هو حجر يحرق يحلق به شعر العانة. (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق إسباط عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عنه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به. ٦٧٧ سُؤَدَّةُ الْتَصْلِ (٤١، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس ثم قال لها: ادخلي الصرح. ليريها ملكاً هو أعز من ملكها وسلطاناً هو أعظم من سلطانها ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: ﴿إِنَّهُ صَرْعُ مُمَرٌَّ مِّن فَوَارِيرٌ﴾(١). فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله رَم وحده وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجداً إعظاماً لما قالت وسجد معه الناس فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك ماذا قلت؟ قالت: أُنسيت ما قالت، فقالت: ﴿رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فأسلمت وحسن إسلامها(٢). وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثراً غريباً عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن علي عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدثنا مجاهد ونحن في الأزد قال: حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان علّ يجلس على سريره ثم توضع كراسي حوله فيجلس عليها الإنس ثم يجلس الجن ثم الشياطين ثم تأتي الريح فترفعهم ثم تظلهم الطير ثم يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهراً ورواحها شهرٌ، قال فبينما هو ذات يوم في مسير له إذ تفقد الطير ففقد لَأَعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ ٢٠ الهدهد فقال: ﴿مَالِ لَّ أَرَىَ اُلْهُدْهُدَ أَمَّ كَانَ مِنَ الْغَابِينَ لَأَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾﴾ [النمل] قال: وكان عذابه إياه أن ينتفه ثم يلقيه في الأرض فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض. قال عطاء وذكر سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل حديث مجاهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] فقرأ حتى انتهى إلى قوله: ﴿سَنَظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ أَذْهَب ◌ِكِتَِّى هَذَا﴾ [النمل: ٢٧، ٢٨] وكتب بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس ﴿أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ • [النمل] فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها ألقي في روعها أنه كتاب كريم وأنه من سليمان وأن لا تعلوا علي وائتوني مسلمين، قالوا: نحن أولوا قوة قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال ارجع إليهم فلما نظر إلى الغبار أخبرنا ابن عباس قال وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء ومجاهد حينئذٍ في الأزد. قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين ﴿قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ اَلِنِّ أَنَاْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما يجلس الأمراء ثم يقوم. فقال: ﴿أَنَأْ عَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامٌِ﴾ [النمل: ٣٩] قال سلمان: أريد أعجل من ذلك، فقال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفك قال فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه ردَّ سليمان بصره، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله ثم يصعد إلى السرير، قال: فلما رأى سليمان عرشها قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾ [النمل: ٤٠]، ﴿قَالَ نَّكْرُواْ لَهَا (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم وهو تتمة لقبل الأثر السابق. ٦٧٨ • سُوَّرَةُ النَّمِ (٤٥، ٤٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عَرْشَهَا﴾ فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو قال: فسألته حين جاءته عن أمرين قالت لسليمان: أريد ماء ليس من أرض ولا سماء. وكان سليمان إذا سئل عن شيء سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين قال: فقالت الشياطين هذا هين أجر الخيل ثم خذ عرقها ثم املأ منه الآنية. قال فأمر بالخيل فأجريت ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية، قال: وسألت عن لون الله رَق، قال فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقال: يا ربِّ لقد سألتني عن أمر إنه ليتكايد (١) في قلبي أن أذكره لك، فقال: ارجع فقد كفيتكهم قال: فرجع إلى سريره قال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء، قال: ونسوه كلهم. قال: وقالت الشياطين: إن سليمان يريد أن يتخذها لنفسه فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد لم ننفك من عبوديته، قال: فجعلوا صرحاً ممرداً من قوارير فيه السمك قال: فقيل لها: ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي شعراء. فقال سليمان: هذا قبيح فما يذهبه؟ قالوا: يذهبه الموسى فقال: أثر الموسى قبيح قال: فجعلت الشياطين النورة. قال: فهو أول من جعلت له النورة، ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث(٢). قلت: بل هو منكر غريب جداً ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة. أصل الصرح في كلام العرب هو القصر وكل بناء مرتفع، قال الله ◌ُعَلَ إخباراً عن فرعون أَسْبَابَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَ لعنه الله أنه قال لوزيره هامان: ﴿أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِيّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] الآية. والصرح قصر في اليمن عالي البناء، والممرد المبني بناءً محكماً أملس ﴿مِّن قَوَارِيرٌ﴾؛ أي: زجاج، وتمريد البناء تمليسه، ومارد: حصن بدومة الجندل، والغرض أن سليمان ظلّ اتخذ قصراً عظيماً منيفاً من زجاج لهذه الملكة ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله تعالى وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، وأسلمت الله رَ، وقالت: ﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِىٍ﴾؛ أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾؛ أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً. جَ قَالَ 2- ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالُواْ أَطَّيَّرْنَا بِكَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِلسَِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَّةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٦) وَبِمَن ◌َّعَكَّ قَالَ طَيُِكُمْ عِندَ اللَّهِّ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ (®)﴾ . يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح نِالَّلا حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى (١) في حاشية الأصل يعني: (يتعاظم)). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي شيبة به. وضعفه الحافظ ابن كثير. ٦٧٩ • سُوْدَةُ النَّمْلِ (٤٨، ٥٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال مجاهد: مؤمن وكافر كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعَلَمُونَ أَنَ صَلِحًا مُرْسَلٌ مِّن رَّيِّدٍ﴾؟ ﴿قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُزْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبُوَاْ إِنَّا بِلَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ (®®)﴾ [الأعراف]. ﴿قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَّةِ﴾؛ أي: لم تدعون بحضور العذاب ولا تطلبون من الله رحمته ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٨ قَالُواْ أَطَبَّرْنَا بِكَ وَيَمَن مَعَكَّ﴾؛ أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيراً، وذلك أنهم لشقائهم كان لا يصيب أحداً منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم(١). وهذا كما قال الله تعالي إخباراً عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَبِّئَةٌ يَطَّيَُّوا بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]؛ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِكْ قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]؛ أي: بقضائه وقدره، وقال تعالى مخبراً عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَّيَّرْنَا بِكُمّ لَيِن لَّمْ تَنْتَهُواْ لَتَّجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِمٌ ﴿ قَالُواْ طَيِّكُم ◌َعَكُمْ﴾ الآية [يس: ١٨ - ١٩]، وقال هؤلاء: ﴿أَتَّرْنَا بِكَ وَبِمَن ◌َّعَكَّ قَالَ طَيِرُكُمْ عِندَ الهِ﴾؛ أي: الله يجازيكم على ذلك ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ . قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية(٢ والظاهر أن المراد بقوله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾؛ أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا ٤٩ لَتُبَِّنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِدِفُونَ مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (49) وَكَانُواْ يَتَّقُونَ يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلال والكفر وتكذيب صالح، وآلَ بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة وهموا بقتل صالح أيضاً، بأن يبيتوه في أهله ليلاً فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم الصادقون فيما أخبروهم به من أنهم لم يشاهدوا ذلك فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: مدينة ثمود ﴿نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾؛ أي: تسعة نفر ﴿يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود، لأنهم كانوا كبراءهم ورؤساءهم. (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٦٨٠ • سُورَةُ النَّمْلِ (٤٨، ٥٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال العوفي، عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة (١)؛ أي: الذين صدر ذلك عن رأيهم ومشورتهم قبحهم الله ولعنهم، وقد فعل ذلك. وقال السدي، عن أبي مالك عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: رعمي، ورعيم، وهرما، وهريم، وداب، وصواب، ورياب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة(٢)؛ أي: الذي باشر ذلك بيده، قال الله تعالى: ﴿فَدَوْ صَاحِهمْ فَعَطَى فَعَقَرَ ﴿4﴾ [القمر]، وقال تعالى: ﴿إِذِ اُنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا (١)﴾ [الشمس]. وقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء - هو ابن أبي رباح - يقول: ﴿وَكَانَ فِ اٌلْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ اٌلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (®)﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم(٣)، يعني: أنهم كانوا يأخذون منها وكأنهم كانوا يتعاملون بها عدداً كما كان العرب يتعاملون. وقال الإمام مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض(٤). وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أن رسول الله وَلل نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس(٥). والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة كان من صفاتهم الإفساد في الأرض، بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح فعلا من لقيه ليلاً غيلة، فكادهم الله وجعل الدائرة عليهم. قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين(٦). وقال قتادة: تواثقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هو معانيق(٧) إلى صالح ليفتكوا به إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم(٨). قال العوفي، عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها: لنبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئاً، وما لنا به من علم فدمرهم الله أجمعين(٩). (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف معلق. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفيه يحيى بن ربيعة ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٩/ ١٤٤). (٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، البيوع، باب بيع الذهب بالفضة ح٣٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق مالك به، وسنده صحيح. (٥) سنن أبي داود، البيوع، باب في كسر الدراهم (ح٣٤٤٩)، وسنده ضعيف لأن فيه محمد بن فضاء وهو ضعيف (التقريب ص٥٠٢). (٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أي: يمشون بتبختر (ينظر ترتيب القاموس المحيط ٣٢٩/٣). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.