Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
• سُورَةُ الّنّورِ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن خازم، عن
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب - امرأة عبد الله بن
مسعود - عن زينب ﴿ٌّ، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق
كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه(١)، إسناده صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا
الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن [أبي عبيدة] (٢). قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس
وتكلم ورفع صوته(٣).
وقال مجاهد: ﴿حَ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، قال: تنحنحوا وتنخموا (٤).
وعن الإمام أحمد بن حنبل تَّهُ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك
نعليه، ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله وَر: أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقاً(٥). وفي
رواية: ليلاً يتخونهم(٦) .
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله وَ ل قدم المدينة نهاراً، فأناخ بظاهرها، وقال: ((انتظروا
حتى ندخل عشاء - يعني: آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة))(٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان،
عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة بن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا
رسول الله هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: ((يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة
ويتنحنح فيؤذن أهل البيت)»(٨)، هذا حديث غريب.
وقال قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له منهم فليرجع،
أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا
ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى
بالعذر(٩).
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنَا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول: حُيّيت صباحاً
وحُيّيت مساءً، وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحف إلى: ((أبي هبيرة)).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود
(٤) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن مجاهد.
(٥) صحيح البخاري، النكاح، باب لا يطرق أهله ليلاً ... (ح٥٢٤٣).
(٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهية الطروق ... (ح ٧١٥ / ١٨٤).
(٧) صحيح البخاري، النكاح، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثه (ح٥٢٤٧).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف واصل وأبي سورة، كما في التقريب. وضعف
سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/١١).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق محمد بن يسار عن قتادة.

٥٢٢
سُوَرَّةُ النّورِ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يقتحم ويقول: قد دخلت، ونحو ذلك، فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله، فغير الله
ذلك كله في ستر وعفة، وجعله نقياً نزهاً من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: ﴿يَأَيَُّا الَّذِينَ
ءَمَنُوْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُنَّا غَرَ بُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأِْسُواْ وَتُسَلِمُواْ عَلَى أَهْلِهَاً ... ) الآية(١).
وهذا الذي قاله مقاتل حسن، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يعني: الاستئذان خير لكم
بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَگَّرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وذلك لما فيه من التصرف
في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَ
لَكُمْ﴾ أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزَّكَ لَكُمْ﴾ أي: رجوعكم أزكى
لكم وأطهر ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
وقال قتادة: قال بعض المهاجرين؛ لقد طلبت عمري كله هذه الآية، فما أدركتها أن أستأذن
على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ أَرْجِعُواْ فَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمّ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(٢).
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَرْجِعُواْ﴾ أي: لا تقفوا على أبواب الناس(٣).
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَّرَ مَسْكُونَةٍ فِيَهَا مَتَعُ لَّكُمَّ وَاللَّهُ يَعْلَؤُ مَا تُبْدُونَ
وَمَا تَكْتُمُونَ (®)﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى
البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه
أول مرة کفی.
قال ابن جريج، قال ابن عباس: ((لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم؛ ثم نسخ واستثنى، فقال
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيَرَ مَسْكُوْنَةٍ فِيهَا مَتَحُ لَّكُمْ﴾(٤). وكذا روي عن عكرمة
والحسن البصري(٥) .
وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار(٦)، وبيوت مكة وغير ذلك، واختار
ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان لكنه معضل؛ لأن مقاتل بن
حيان تابع تابعي.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، وأخرجه
ابن الجوزي موصولاً بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس (نواسخ القرآن ص٤٠٧).
(٥) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، ولكنه توبع كما في رواية ابن الجوزي السابقة، وقول
الحسن ذكره النحاس بغير سند (الناسخ والمنسوخ ٥٤٥/٢).
(٦) أخرجه النحاس بسند جيد عن محمد بن علي بن الحنفية (المصدر السابق ٥٤٨/٢).

٥٢٣
سُوْدَةُ النّورِ (٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمَّ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا
إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على
محرم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعاً، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن
عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله
البجلي رُه قال: سألت النبي وله عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري(١). وكذا رواه
الإمام أحمد عن هشيم، عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه
أيضاً(٢).
وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم فقال: أطرق بصرك يعني: انظر إلى
الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا شريك، عن أبي ربيعة الإيادي،
عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَ ير لعلي: يا علي لا تتبع النظرة النظرة،
فإن لك الأولى وليس لك الأخرة، ورواه الترمذي من حديث شريك وقال: غريب لا نعرفه إلا
من حديثه(٣) .
وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: إياكم والجلوس على الطرقات قالوا:
يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله وَله: (إن أبيتم فأعطوا الطريق
حقه)) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ فقال:غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام،
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))(٤).
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضل بن جبير(٥)، سمعت أبا أمامة،
يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((اكفلوا لي ستاً أكفل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم فلا
يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضُّوا أبصاركم، وكفُوا أيديكم، واحفظوا
فروجکم)(٦) .
وفي صحيح البخاري: ((من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه، أكفل له الجنة))(٧).
(١) صحيح مسلم، الآداب، باب نظر الفجأة (ح٢١٥٩).
(٢) (المسند ٣٦١/٤)، وسنن أبي داود، النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر (ح٢١٤٨)، وسنن الترمذي،
الأدب، ما جاء في نظرة المفاجأة (ح٢٧٧٦)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٩٢٣٣).
(٣) سنن أبي داود، النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر (ح٢١٤٩)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء
في نظرة المفاجأة (ح٢٧٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٨٨١).
(٤) صحيح البخاري، المظالم، باب أفنية الدور والجلوس فيها (ح٢٤٦٥).
(٥) ((فضل بن جبير)) كذا في الأصل، وفي (ح) و(حم): (فضيل بن جبير) .
(٦) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق أبي القاسم البغوي به (تاريخ بغداد ٣٩٢/٧)، وأخرجه ابن حبان من
طريق فضال بن جبير به، وقال: فضال بن جبير لا يحتج به (المجروحين ٢٠٤/٢)، ولبعضه شواهد كما في
الحديث التالي.
(٧) صحيح البخاري، الرقاق، باب حفظ اللسان (ح٦٤٧٤).

٥٢٤
• سُورَةُ الّنُورِ (٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: كل ما عصي الله
به فهو كبيرة (١)، وقد ذكر الطرفين فقال: ﴿قُل لِلْمُؤْمِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبَصَرِهِمْ﴾ .
ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب،
ولذلك أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال تعالى:
﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
[المعارج]، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن:
((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك))(٢).
﴿ذَلِكَ أَزَّكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقَى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في
بصيرته، ویروی: في قلبه.
وروى الإمام أحمد: حدثنا عتاب، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن
عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ظُه، عن النبي وَلّ قال: ((ما
من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة - (أول مرة) - ثم يغضُّ بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد
حلاوتها))(٣)، وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة (٤) وعائشة ﴿ه، ولكن في إسنادها ضعف
إلا أنها في الترغيب، ومثله يتسامح فيه.
وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن [زحر](٥)، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة
مرفوعاً: (لتغضنّ أبصاركم، ولتحفظنُّ فروجكم، ولتقيمنّ وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم))(٦).
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن زهير [التستري] (٧) قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر
الضرير، المقري، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود نظرته قال: قال
رسول الله شير: ((إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد
حلاوته في قلبه))(٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ
(@)﴾ [غافر].
اَلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ
(١) سنده صحيح.
(٢) المسند ٣/٥، ٤، وسنن أبي داود، الحمام، باب ما جاء في التعري (ح٤٠١٧)، وسنن ابن ماجه، النكاح،
باب التستر عند الجماع (ح٤٩٢٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٣٩١)، وأخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٧٩/٤)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٨٥/١).
(٣) (المسند ٢٦٤/٥)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد، وهو الألهاني.
(٤) أخرجه الحاكم وضعفه الذهبي (المستدرك ٣١٤/٤).
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل خطأ بلفظ: ((يزيد)).
(٦) (المعجم الكبير ٢٤٦/٨)، وسنده ضعيف كرواية المسند المتقدمة.
(٧) في الأصل بدون نقط.
(٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢١٤/١٠)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق،
وهو الواسطي (مجمع الزوائد ٦٣/٨).

٥٢٥
• سُؤْرَةُ الْنُوزِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضيُعنه قال: قال رسول الله وَّه: ((كُتب على ابن آدم حظه من الزنا
أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين
البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنَى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)) رواه
البخاري تعليقاً، ومسلم مسنداً من وجه آخر بنحو ما تقدم (١).
وقد قال كثير من السلف: إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد، وقد شدّد كثير
من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في
ذلك كثيراً جداً .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدني، حدثنا عمر بن سهل المازني، حدثني عمر بن
محمد بن [صهبان] (٢)، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَليه: ((كل
عين باكية يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً يخرج
منها مثل رأس الذباب من خشية الله ريق))(٣).
] ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً
وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُوِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَّبِهِنَّ أَوْ ءَابَآِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْتَآِهِنَ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِىّ إِخْوَِنَّ أَوْ بَنِىّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ
أَوِ الَِّعِينَ غَيّرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِفْلِ الَّذِينَ لَمَّ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِيْنَ
بِأَنْهُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُواْ إِلَى الَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن
صفة نساء الجاهلية وفعال المشركين، وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال:
بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل
لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدوا ما في أرجلهن من الخلاخل،
وتبدو صدورهن وذوائبهن(٤) فقالت أسماء: ما أقبح هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ ... ) الآية(٥)، فقوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ أي: عما
حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن، ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة
أن تنظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً.
واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة: أنه
(١) صحيح البخاري، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (ح٦٣٤٣)، وأخرجه مسلم موصولاً بنحوه
(الصحيح، القدر، باب ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَجِعُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] ح ٢٦٥٧).
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ههيان.
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق عمر بن محمد بن صهبان به (الحلية ١٦٣/٣)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن
محمد بن صهبان (التقريب ص٤١٤).
(٤) أي: شعورهن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ مقاتل بن حيان.

٥٢٦
سُؤْرَةُ النُورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدث أن أُم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله وَ له وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن
أُم مكتوم، فدخل عليه وذلك بعدما أُمرنا بالحجاب، فقال رسول الله وَ له: (احتجبا منه) فقلت:
يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله وَله:«أَوَ عمياوان أنتما؟
أولستما تبصرانه؟ ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح(١).
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح
أن رسول الله وَهو جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة
أُم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملَّت ورجعت(٢).
وقوله: ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ؛ قال سعيد بن جبير: عن الفواحش(٣).
(٤)
وقال قتادة وسفبات: عما لا يحل لهن"
وقال مقاتل: عن الزنا (٥).
وقال أبو العالية، كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج، فهو من الزنا إلا هذه
الآية(٦). ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أن لا يراها أحد(٧).
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً﴾ أي: لا يظهرن شئاً من الزينة للأجانب
إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب(٨). يعني: على ما كان يتعاطاه نساء
العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب. فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا
يمكنها إخفاؤه ونظيره في زين النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن
مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي(٩) وغيرهم.
وقال الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾.
قال: وجهها وكفيها والخاتم(١٠). وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي
(١) سنن أبي داود، اللباس، باب قول الله وَل: ﴿ وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ﴾ [النور: ٣١] (ح١١٣)، وسنن
الترمذي، الأدب، باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال (ح٧٧٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح،
وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٣٨٧/١٢ ح ٥٥٧٥)، وقواه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٩/ ٣٣٧).
(٢) صحيح البخاري، الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد (ح ٤٥٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٤) قول سفيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن المبارك عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.
(٦) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٨) أخرجه البُستي والطبري وابن أبي حاتم والحاكم من طرق عن ابن مسعود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
(المستدرك ٣٩٧/٢)، وأخرجه الطبراني وقال الهيثمي: ورجال أحدها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨٢/٧).
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علقمة عن إبراهيم.
(١٠) هذا الطريق لم أجدهُ ولم يسم الحافظ ابن كثير الراوي عن الأعمش، وفرضاً لو صح فإنه مقيد في هذا
التفسير في بيتها، فقد أخرج الطبري بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فهذه تظهر
في بيتها لمن دخل من الناس عليها، وقد وضحه الزهري كما سيأتي بعد روايتين، علماً أن الطبري أخرجه
بلفظ: (الكحل والخاتم وفيه مسلم بن كيسان الملائي، وهو ضعيف التقريب ص ٥٣٠).

٥٢٧
• سُوْرَةُ النُّورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك(١)، وهذا يحتمل أن يكون تفسيراً للزنية
التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في
قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط والدملج والخلخال والقلادة(٢). وفي رواية عنه بهذا
الإسناد قال: الزينة زينتان؛ فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب
وهي الظاهر من الثياب(٣).
وقال الزهري: لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله من لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة
من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدين منها إلا الخواتم (٤).
وقال مالك، عن الزهري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ الخاتم والخلخال(٥).
ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور
عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه: حدثنا يعقوب بن كعب
الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن
خالد بن دريك، عن عائشة رضيها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي وَّر وعليها ثياب
رقاق فأعرض عنها وقال: ((يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا
هذا)) وأشار إلى وجهه وكفيه(٦)، لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هذا مرسل، خالد بن
دريك لم يسمع من عائشة رضيّا، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُوبِنَ﴾ يعني: المقانع يعمل لها صيقات ضاربات على
صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن
يفعلن ذلك؛ بل كانت المرأة منهن تمرُّ بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت
عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما
قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَهِنَ مِن جَبِيِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ
(١) قول ابن عمر لم أجده مسنداً، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأوزاعي عنه، وقول
سعيد بن جبير أخرجه البستي والطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد،
وعبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه،
وقول إبراهيم غير هذا فهو بلفظ "الثياب)) كقول ابن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علقمة
عن إبراهيم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حجاج بن أرطأ وهو صدوق كثير الخطأ، ويشهد لأخره ما تقدم عن ابن
مسعود.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب عن الزهري.
(٥) سنده صحيح وتقدم نحوه وزيادة في سابقه.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب فيما تبدي المرأة من زينتها ح٤١٠٤)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح٣٤٥٨)، والحق أنه ضعيف لثلاث علل: أولاً: ضعف سعيد بن بشير، ثانياً:
تدليس قتادة. ثالثاً: خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما نقل الحافظ ابن كثير، من أجل ذلك قول
الحافظ ابن كثير أن هذا الحديث يستأنس به، فيه نظر.

٥٢٨
• سُوْرَةُ النُّورِ (٣١)
يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوِنَّ﴾
والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به؛ أي يغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع.
قال سعيد بن جبير: ﴿وَلْيَضْرِيِّنَ﴾ وليشددن ﴿ِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوِنَ﴾ يعني: على النحر والصدر فلا
یری منه شيء.
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب، حدثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة
عن عائشة ◌ّا قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى
جُوِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت
شيبة؛ أن عائشة رضيّا كانت تقول لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوِنَّ﴾: أخذن
أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا الزنجي بن خالد،
حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرنا
نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضيثنا: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من
نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِيْنَ
بِحُرِهِنَّ عَلَى جُوبِنَّ﴾ انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على
امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت
به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحنَّ وراء رسول الله وَ ﴿ معتجرات كأن على
رؤوسهن الغربان(٣). ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بنت شيبة به (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب: أن [قرة](٥) بن عبد الرحمن أخبره عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِيِنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها، ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجهن ﴿أَوْ ءَبَبِهِرَ أَوْ ءَابَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِىّ إِخْوَذِهِنَّ أَوْ بَنِىّ أَخَوَيِهِنَّ﴾ كل هؤلاء
محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتضاد وتبهرج.
وقد روى ابن المنذر: حدثنا موسى - يعني: ابن هارون -، حدثنا أبو بكر - يعني: ابن أبي
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِنَّ﴾ [النور: ٣١] (ح ٤٧٥٨).
(٢) المصدر السابق (ح٤٧٥٩).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري كما في الحديثين السابقين.
(٤) السنن، اللباس، باب قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَبِيِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] (ح ٤١٠١)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٤٥٦).
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: (قرقرة)).
(٦) أخرجه الطبري وأبو داود، المصدر السابق (ح٤١٠٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٣٤٥٧).

٥٢٩
• سُورَةُ النّورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
شيبة -، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي، وعكرمة في هذه الآية
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَبَبِهِرَ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ﴾ حتى فرغ منها وقال: لم يذكر
العمَّ ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما
ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره (١).
وقوله: ﴿أَوْ نِسَآبِهِنَّ﴾ يعني: تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا
تصفهن لرجالهن. وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد،
فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع، وأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه، وقد قال
رسول الله وَالر: ((لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) أخرجاه في الصحيحين عن
ابن مسعود(٢).
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغار، عن عبادة بن
نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة:
أما بعد؛ فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من
قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها(٣).
وقال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ قال: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن،
وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة(٤)، وروى عبدٌ(٥) في تفسيره عن الكلبي، عن
أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿أَوْ نِسَابِهِنَّ﴾ قال: هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية
وهو: النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم(٦).
وروى سعيد، حدثنا جرير عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛
لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَآبِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن(٧) .
وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل (٨) النصرانية واليهودية والمجوسية
المسلمة (٩).
فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمير، حدثنا ضمرة قال: قال
ابن عطاء، عن أبيه قال: لما قدم أصحاب رسول الله وَّ بيت المقدس كان قوابل نسائهن
(١) سنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، النكاح، باب لا تباشر المرأة، المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها (ح ٥٢٤١).
(٣) أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور به (السنن الكبرى ٩٥/٧)، وسنده ضعيف؛ لأن نسي والد
عبادة: مجهول، وأخرجه الطبري من طريق عبادة بدون ذكر عن أبيه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده فيه ليث، وهو ابن أبي سُليم، وفيه مقال.
(٥) أي: عبد بن حميد الكشي، صاحب التفسير المشهور.
(٦) سنده ضعيف جداً لضعف الكلبي، وتصريحه بأن كل ما روى عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، كما
في تهذيب التهذيب في ترجمه محمد بن السائب الكلبي.
(٧) في سنده أيضاً ليث، وهو ابن أبي سُليم، وفيه مقال.
(٨) أي: تولد، بدليل ما يليه.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عبادة بن نسيّ، وذلك لضعف الحسين، وهو ابن داود.

٥٣٠
• سُورَةُ النُّورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اليهوديات والنصرانيات(١)، فهذا إن صحَّ فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب
الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن
تظهر زينتها لها(٢) وإن كانت مشركة لأنها أمتها، وإليه ذهب سعيد بن المسيب(٣)، وقال
الأكثرون: بل يجوز أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو
داود: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس: أن
النبي ﴿ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ
رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي ◌َّ ما تلقى، قال: ((إنه ليس
عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك)) (٤).
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية: أن عبد الله بن
مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي وَ الر وهبه لابنته فاطمة، فربته ثم
أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين، وكان من أشد الناس على عليّ بن
أبي طالب څُه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان، عن أُم سلمة، ذكرت أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه))(٥). ورواه أبو
داود عن مسدد، عن سفيان به (٦).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ الشَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني: كالأجراء والأتباع الذين ليسوا
بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وله وخَوَث، ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن، قال ابن
عباس: هو المغفل الذي لا شهوة له(٧) .
وقال مجاهد: هو الأبله(٨).
وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم ذكره(٩)، وكذلك قال غير واحد من السلف.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن عطاء؛ وهو عثمان وأبوه: صدوق يهم كثيراً.
(٢) ذكره الطبري بنحوه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب بلفظ: ((إنما يعني
ذلك: الإماء)» .
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، اللباس، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته ح ٤١٠٦)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٦٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٣/٤٤ ح ٢٦٤٧٣) وضعّف سنده محققوه، وأخرجه الترمذي من
طريق سفيان بن عيينة به، وقال: حسن صحيح، (السنن، البيوع، باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما
يؤدي ح١٢٦١).
(٦) السنن، العتق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته فيعجر أو يموت (ح٣٩٢٨).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه البستي والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.

٥٣١
سُورَةُ النّورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة، أن مخنثاً كان يدخل على أهل
رسول الله ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي وَ له وهو ينعت امرأة يقول: إنها
إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله وَالر: ((ألا أرى هذا يعلم ما
ههنا لا يدخلن عليكم)) فأخرجه، فكان بالبيداء(١) يدخل كل يوم جمعة ليستطعم(٢).
وروى الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي
سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: دخل عليها رسول الله وَ ل﴿ وعندها مخنث، وعندها عبد الله بن
أبي أُمية، والمخنث يقول: يا عبد الله بن أبي أمية، إن فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بابنة
غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، قال: فسمعه رسول الله وسلم فقال لأم سلمة: ((لا يدخلن هذا
عليك))(٣). أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن
عائشة ﴿يّا قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي وَلّ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي
الإربة، فدخل النبي ◌َّ وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت
بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي وي ليه: ((ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم
هذا)) فحجبوه(٥)، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به (٦).
وقوله تعالى: ﴿أَوِ اُلْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ اٌلِسَاءِ﴾ يعني: لصغرهم لا يفهمون
أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان
الطفل صغيراً لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء، فأما إن كان مراهقاً، أو قريباً منه،
بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد
ثبت في الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إياكم والدخول على النساء)) قيل: يا رسول الله،
أفرأيت الحمو؟ قال: ((الحمو(٧) الموت))(٨).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَ ... ) الآية، كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في
الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته، ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه،
(١) تعرف الآن بالعزيزية تقع في الشمال الغربي من المدينة المنورة.
(٢) أخرجه مسلم من طريق معمر عن الزهري به مختصراً (صحيح مسلم، السلام، باب منع المخنث من
الدخول على النساء الأجانب، ح٢١٨١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٩٠)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت (ح٥٨٨٧)، وصحيح مسلم، السلام،
باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب (ح ٢١٨٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٦)، وسنده صحيح.
(٦) وصحيح مسلم، الحديث السابق، وسنن أبي داود، اللباس، باب في قوله: ﴿غَيْرِ أُوْلِ الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]
(ح ٤١٠٨)، والسنن الكبرى للنسائي، عشرة النساء (ح ٩٢٤٦).
(٧) أي: أقارب الزوج.
(٨) صحيح البخاري، النكاح، باب لا يخلون رجل بمرأة إلا ذو محرم (ح ٥٢٣٢)، وصحيح مسلم، السلام،
باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها (ح ٢١٧٢).

٥٣٢
• سُورَةُ النّورِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستوراً فتحركت بحركة لتظهر
ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ... ﴾ إلى آخره، ومن ذلك
أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتمَّ الرجال طيبها، فقد قال أبو عيسى
الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن
غنيم بن قيس، عن أبي موسى ظه، عن النبي وَل و أنه قال: ((كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت
فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا)) يعني: زانية، قال: وفي الباب عن أبي هريرة: وهذا حسن
صحيح (١)، رواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به(٢).
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبيد مولى
أبي رُهم، عن أبي هريرة ◌َظُه قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار، فقال: يا أَمة
الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله تطيبت؟ قالت: نعم، قال: إني سمعت حبي
أبا القاسم ◌َ ل﴿ يقول: ((لا يقبل الله صلاة امرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من
الجنابة))(٣). ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان - هو ابن عيينة-، به (٤).
وروى الترمذي أيضاً من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن ميمونة بنت سعد:
أن رسول الله ﴿ قال: ((الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها))(٥)،
ومن ذلك أيضاً أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.
قال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز - يعني: ابن محمد -، عن أبي اليمان، عن
شداد بن أبي عمرو بن حمَّاس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أُسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع
رسول الله و98 يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال
رسول الله وَالله: ((استأخرن، فإنه ليس لكنَّ أن تحتضنّ الطريق، عليكن بحافات الطريق)) فكانت
المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا ما أمركم به
من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق
والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه، والله
تعالى هو المستعان.
(١) سنن الترمذي، أبواب الاستئذان، باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة (ح ٢٧٨٦).
(٢) سنن أبي داود، الترجل، باب ما جاء في المرأة تتطيب للخروج (ح٤١٧٣)، وسنن النسائي، الزينة، باب
ما يكره للنساء من الطيب ١٥٣/٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٥١٦).
(٣) المصدر السابق (ح٤١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥١٧).
(٤) السنن، الفتن، باب فتنة النساء (ح ٤٠٠٢).
(٥) السنن، الرضاع، باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة (ح١١٦٧)، وسنده ضعيف لضعف
موسی بن عبيدة، ویشهد له سابقه.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق ح ٥٢٧٢)،
وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٩٢).

٥٣٣
سُوْدَةُ النُّورِ (٣٢، ٣٤)
﴿وَنْكِحُواْ الْأَيَعَى مِنكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَّا بِكُمَّ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ
وَسِعُ عَلِيمٌ
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَمَا حَتَّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَالَّذِينَ يَبْنَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا
٣٢
مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ فَكَِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَانُوهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ وَلَ تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى
الِْغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَضُّنَا لِبََّغُواْ عَضَ اْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَلَقَدْ
(٣٤)
أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَتٍ مُّبِنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله
تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَعَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَابِكُمْ ... ﴾ إلى آخره، هذا أمر بالتزويج.
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه. واحتجوا بظاهر قوله عليهلا: ((يا
معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم
يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود (١).
وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله وَ لقر قال: «تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم
الأمم يوم القيامة))(٢). وفي رواية: ((حتى بالسقط))، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا
زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، سواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما،
حكاه الجوهري عن أهل اللغة (٣)، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم.
وقوله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِهِ ... ) الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن
ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى، فقال: ﴿إِن
يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اَللَّهُ مِن فَضْلِ﴾ (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد الأزرق، حدثنا عمر بن عبد الواحد،
عن سعيد - يعني: ابن عبد العزيز - قال: بلغني أن أبا بكر الصديق وظائبه قال: أطيعوا الله فيما أمركم
به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾(٥) .
وعن ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ﴾ رواه ابن جرير(٦)، وذكر البغوي عن عمر بنحوه(٧).
(١) صحيح البخاري، النكاح، باب من لم يستطع الباءة فليصم (ح ٥٠٦٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه (ح ١٤٠٠).
(٢) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، والنسائي (السنن،
النكاح، باب كراهية تزوج العقيم ٦٥/٦)، وأحمد (المسند ١٥٨/٣)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤/
٢٥٨)، وابن حبان (الإحسان ٣٣٨/٩ ح ٤٠٢٨)، وصححه محققه والضياء المقدسي (المختارة ٢٦٠/٥
ح١٨٨٨)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٢/٢)، وصححه
العراقي (تخريج إحياء علوم الدين ٩٧٠/٢)، وصححه الألباني بشواهده (الإرواء ١٩٥/٦ ح١٧٨٤).
(٣) الصحاح ١٨٦٨/٥.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع؛ لأن سعيد بن عبد العزيز رواه بلاغاً
عن أبي بكر ظ له.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق القاسم بن الوليد عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه.
(٧) أخرجه البغوي معلقاً بغير سند (التفسير ٣٤٢/٣)، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمر قال : =

٥٣٤
• سُوَرَّةُ الّنُوزِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رضي الله قال: قال
وعن الليث، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة
رسول الله ◌َ: ((ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء،
والغازي في سبيل الله)) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه(١).
وقد زوَّج النبي ◌َّر ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد،
ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن(٢). والمعهود من
كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه
حديث: ((تزوجوا فقراء يغنكم الله))(٣)، فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن،
وفي القرآن غنية عنه، وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها، ولله الحمد والمنّة.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَمًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى
لمن لا يجد تزويجاً بالتعفف عن الحرام، كما قال ◌َ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم
الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))
الحديث(٤)، وهذه الآية مطلقة، والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنَكِحَ الْمُحْصَنَتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] أي: صبركم
عن تزوج الإماء خير لكم؛ لأن الولد يجيء رقيقاً ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قال عكرمة في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه
يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في
ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هذا أمر
عجبت لرجل لا يطلب الغنى بالباءة (ينظر: المقاصد الحسنة ص٨٣)، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع من
=
عمر ته، وأخرجه عبد الرزاق بهذا السند والمتن، وكذلك أخرجه من طريق هشام بن حسان عن الحسن
عن عمر، ومن طريق هشام بن عروة عن عمر (المصنف ١٧٠/٦ - ١٧٣)، وهذه الطرق يقوي بعضها
بعضاً، وأخرجه البستي من طريق محمد بن عجلان عن عمر بلفظ: ((ابتغوا الغنى في النكاح))، ومحمد بن
عجلان لم يسمع من عمر، ولكن يتقوى بما سبق من الطرق.
(١) المسند ٤٩/١٣، وصحح سنده أحمد شاكر، وسنن الترمذي، وحسنه، كتاب، فضائل الجهاد، باب ما جاء
في المجاهد والناكح والمكاتب ... (ح١٦٥٥)، وسنن النسائي، الجهاد، باب فضل الروحه في سبيل الله
١٥/٦، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح٢٥١٨)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٣٣٩/٩
ح ٤٠٣٠)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٠/٢)، وحسنه البغوي (شرح السنة ٧/٩)،
وصححه السيوطي (الجامع الصغير مع شرح فيض القدير ٣١٧/٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن
الترمذي (ح ١٣٥٢).
(٢) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب (ح٥٠٣٠).
(٣) أخرجه البزار والدارقطني في العلل، والحاكم وابن مردويه والديلمي كلهم من رواية سلم بن جنادة عن أبي
أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة مرفوعاً: ((تزوجوا النساء، فإنهن يأتين بالمال))، قال الحاكم: تفرد به
سُلم وهو ثقة، وقال البزار والدارقطني: سلم يرويه مرسلاً (ينظر: المقاصد الحسنة للسخاوي ص٨٢).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية نفسها .
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني، وهو ضعيف.

٥٣٥
• سُورَةُ النّورِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة
وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا
الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب؛ بل السيد مخيّر إذا طلب منه عبده الكتابة،
إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه، قال الثوري عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم
یکاتبه(١).
وكذا قال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ
یکاتبه وإن يشأ لم یکاتبه(٢).
وكذا قال مقاتل بن حيان(٣) والحسن البصري.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب، منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذاً
بظاهر هذا الأمر.
وقال البخاري: وقال روح، عن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالاً أن
أكاتبه، قال: ما أراه إلا واجباً.
وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره
أن سيرين سأل أنساً المكاتبة، وكان كثير المال فأبى، فانطلق إلى عمر ظله، فقال: كاتبه، فأبى
فضربه بالدرة، ويتلو عمر رَّهِ ﴿فَكَلِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه. هكذا ذكره البخاري تعليقاً (٤)،
ورواه عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالاً أن أكاتبه؟
قال: ما أراه إلا واجباً وقال عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره من أحد؟ قال: لا(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن
أنس بن مالك: أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه فقال له عمر: لتكاتبنه(٦). إسناد صحيح.
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة (٧)، وهذا القول
القديم من قولي الشافعي، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ظلها: ((لا يحل مال امرئ
مسلم إلا بطيب من نفسه))(٨) .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده جابر، وهو الجعفي: ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن عطاء بن أبي رباح، وسيأتي
بسند صحيح عن عطاء.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.
(٤) صحيح البخاري، العتق، باب في المكاتب ونجومه في كل سنة نجم، قبل حديث رقم ٢٥٦٠، ووصله
إسماعيل بن إسحاق القاضي في ((أحكام القرآن)) عن علي بن المديني عن روح به (ينظر: فتح الباري ٥٪
١٨٦)، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٣٧١/٨)، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.
(٧) سنده ضعيف لضعف جويبر.
(٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عمِّ أبي حرَّة الرقاشي مطولاً (المسند ٢٩٩/٣٤ - ٣٠١ ح ٢٠٦٩٥)، وقال
محققوه: صحيح لغيره مقطعاً .

٥٣٦
• سُوَّرَةُ النَّوْزِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن وهب: قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك،
ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره أحداً على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله
تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب(١). وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن
أسلم وغيرهم(٢)، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ عِلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال بعضهم: أمانة(٣).
وقال بعضهم: صدقاً (٤).
وقال بعضهم: مالاً (٥). وقال بعضهم: حيلة وكسباً(٦).
وروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله وَلاته :
((فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً)) قال: ((إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلا على الناس))(٧).
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ اختلف المفسرون فيه:
فقال بعضهم: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، ثم قال بعضهم: مقدار الربع(٨)، وقيل:
الثلث، وقيل: النصف(٩)، وقيل: جزء من الكتابة من غير حد.
وقال آخرون: بل المراد من قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ هو النصيب الذي
فرض الله لهم من أموال الزكاة، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن
حیان(١٠)، واختاره ابن جرير.
وقال إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَءَاثُوهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ قال: حثَّ الناس عليه
مولاه وغيره(١١)، وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي(١٢) وقتادة، وقال ابن عباس: أمر الله
المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وقد تقدم في الحديث عن النبي ◌َّيقر أنه قال: ((ثلاثة حق على الله
عونهم ... )) فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر.
(١) الموطأ ٧٨٨/٢، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن الإمام مالك بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن، وإبراهيم النخعي.
(٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه.
(٧) سنده معضل؛ لأن يحيى ابن أبي كثير تابع تابعي.
(٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن علي
(٩) أخرجه البستي بسند ضعيف من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن عمر نظراته، والقاسم لم يسمع من عمر.
(١٠) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه ابن أبي
حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وقول مقاتل بن سليمان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من
طريق بكير بن معروف عنه.
(١١) أخرجه عبد الرزاق بسند ضعيف من طريق مغيرة عن إبراهيم (المصنف ٣٧٦/٨)، ورواية مغيرة عن إبراهيم
فيها مقال.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه.

٥٣٧
• سُوْرَّةُ النّورِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع، عن ابن شبيب، عن عكرمة،
عن ابن عباس، عن عمر: أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أُمية، فجاء بنجمه حين حلّ فقال: يا أبا
أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟
قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿فَكَِبُهُمْ إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ
ءَاتَنْكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان أول نجم(١) أُدّي في الإسلام(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس،
عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه مخافة
أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية ﴿وَءَاتُهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمَّ﴾ قال:
يعني ضعوا عنهم في مكاتبتهم(٤). وكذلك قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة وعبد الكريم بن
مالك الجزري والسدي (٥).
وقال محمد بن سيرين في قوله: ﴿ وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ كان يعجبهم أن يدع الرجل
المكاتبه طائفة من مكاتبته(٦)، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان المقري، أخبرنا
إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب: أن
عبد الله بن جندُب أخبره عن علي ◌َظُه، عن النبي ◌َّ قال: ((ربع الكتابة))(٧). وهذا حديث غريب
ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على علي حظوته، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي تَظُّهُ(٨).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة
أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين
عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة، فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف
والخلف في شأن عبد الله بن أبيّ بن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء طلباً
لخراجهنَّ، ورغبة في أولادهنَّ، ورياسة منه فيما يزعم.
ذكر الآثار الواردة في ذلك:
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار تَخَّتُهُ في مسنده: حدثنا أحمد بن
داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني: محمد بن الحجاج -، حدثنا محمد بن إسحاق،
(١) هو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين (النهاية ٢٢/٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرج بعضها الطبري وابن أبي حاتم، وتتقوى بسابقها .
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن سيرين (المصنف ٦/ ٣٧١).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه جندب: مستور، وعطاء بن السائب: صدوق اختلط،
والصواب وقفه كما تقدم.
(٨) تقدم تخريجه وثبوته عن علي ربه موقوفاً في تفسير الآية نفسها.

٥٣٨
• سُورَةُ الّنُوزِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ بن سلول، يقال لها: معاذة يكرهها على الزنا،
فلما جاء الإسلام نزلت ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ... ﴾ الآية(١).
وقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، قال:
نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ بن سلول يقال لها: مُسيكة، كان يكرهها على الفجور، وكانت لا بأس
بها فتأبى، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢). وروى النسائي من حديث ابن جريج: عن أبي الزبير، عن جابر نحوه(٣).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا علي بن سعيد، حدثنا الأعمش،
حدثني أبو سفيان، عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبيّ بن سلول، جارية يقال لها: مُسيكة،
وكان يكرهها على البغاء، فأنزل الله ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ
مِنْ بَعْدِ إِكْزَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على
بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة. حكاه البزار (٤).
وقال أبو داود الطيالسي، عن سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن
جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولاداً من الزنا، فقال لها ما لك: لا
تزنين، قالت: والله لا أزني؛ فضربها، فأنزل الله رَ: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ﴾(٥).
وروى البزار أيضاً: حدثنا أحمد بن داود الواسطي، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني:
محمد بن الحجاج -، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس ظبه قال: كانت جارية
لعبد الله بن أُبي، يُقال لها: معاذة، يكرهها على الزنا، فلما جاء الإسلام نزلت ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ
فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَّحَضُّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(٦).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري: أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر وكان عند
عبد الله بن أبيّ أسيراً، وكانت لعبد الله بن أُبيّ جارية يقال لها: معاذة وكان القرشي الأسير
يريدها على نفسها، وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على
ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ
فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَ﴾(٧) .
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢٢٤٠)، قال الهيثمي: فيه محمد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب
(مجمع الزوائد ٧/ ٨٣)، وفيه محمد بن إسحاق ولم يصرح بالسماع، والزهري أرسله، وكل ذلك لا يضر؛
لأنه في صحيح مسلم كما في الرواية التالية.
(٢) أخرجه مسلم من طريق الأعمش به (صحيح مسلم، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى
الْبِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣] ح ٣٠٢٩).
(٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٣٦٥)، وأبو الزبير توبع بواسطة أبي سفيان في رواية مسلم السابقة.
(٤) رواية مسلم السابقة تدل على سماع الأعمش من أبي سفيان طلحة بن نافع، ويبدو أن الحافظ ابن كثير لم
يطلع على رواية مسلم؛ لأن من منهجه إذا كانت الرواية في الصحيح عزاها إلى الصحيح.
(٥) سنده ضعيف فيه سماك وفي روايته عن عكرمة فيها اضطراب.
(٦) في سنده علتان تقدم ذكرهما في الرواية السابقة، وأصله في صحيح مسلم.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.

٥٣٩
• سورةالنورِ (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال السدي: أُنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين وكانت له
جارية تدعى: مُعاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له.
فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ظُله فشكت إليه، فذكره أبو بكر للنبي وَّ فأمره بقبضها فصاح
عبد الله بن أُبيّ من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا، فأنزل الله فيهم هذا(١)، وقال مقاتل بن
حيان: بلغني - والله أعلم - أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما
اسمها مسيكة وكانت للأنصار، وكانت أُميمة أُم مسيكة لعبد الله بن أُبيّ وكانت معاذة وأروى
بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأُمها النبي ◌َّ﴿ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ
عَلَى الِْغَاءِ﴾ يعني: الزنا(٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَّحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقوله تعالى: ﴿لِبََّغُواْ
عَرَضَ الخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: من خراجهن ومهورهن وأولادهن، وقد نهى رسول الله وسلّ عن كسب
الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن(٣)، وفي رواية: «مهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث،
وثمن الكلب خبيث)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: لهن كما تقدم في
الحدیث عن جابر.
وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من
أكرههن(٥)، وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة(٦).
وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عوف، عن الحسن في هذه الآية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال لهنَّ: والله لهنَّ والله(٧) .
وعن الزهري قال: غفور لهن ما أكرهن عليه.
وعن زيد بن أسلم قال: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ للمكرهات(٨)، حكاهن ابن المنذر في تفسيره
بأسانيده.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند مرسل عن السدي ويتقوى كسابقه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل، ولبعضه شواهد يتقوى بها.
(٣) أخرجه الشيخان من حديث عقبة بن عمرو ظته (صحيح البخاري، البيوع، باب ثمن الكلب ح ٢٢٣٧)،
وصحيح مسلم، المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب (ح ١٥٦٧).
(٤) أخرجه أبو داود من حديث رافع بن خديج ظه (السنن، البيوع، باب في كسب الحجام ح ٣٤٢١)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٩١٩).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء
الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان: ضعيف، وقول
الأعمش أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن نمير عن الأعمش، وقول قتادة أخرجه ابن أبي
حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة.
(٧) سنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

٥٤٠
• سُوَرَّةُ الَّنُورِ (٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني
عطاء، عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ((فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور
رحيم)) وإثمهن على من أكرههن(١)، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله وَّل أنه قال: ((رفع عن
أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(٢).
ولما فصَّل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَتٍ مُّبِيِّنَاتٍ﴾
يعني: القرآن فيه آيات واضحات مفسرات ﴿وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أي: خبراً عن الأمم
الماضية وما حلَّ بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا
لِلْأَخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]. ﴿وَمَوْعِظَةُ﴾ أي: زاجراً عن ارتكاب المآئم والمحارم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي:
لمن اتقى الله وخافه.
قال علي بن أبي طالب رَؤُه في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم وخبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم
وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله(٣).
اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ مَثَلُ نُورِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاحٌّ الْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّ
ج
كَوْكَبُ دُرِىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ
تُورٌّ عَلَى نُورٍّ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن ◌َشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْتَلَ لِلنَّاسِنَّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (9)﴾.
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يقول: هادي أهل
السموات والأرض(٤).
قال ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾: يدبر الأمر
فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حدثنا وهب بن راشد، عن فرقد،
عن أنس بن مالك قال: إن الله يقول: نوري هداي(٦). واختار هذا القول ابن جرير.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قوله
تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال: هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في
صدره فضرب الله مثله فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن
فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أُبيّ بن كعب يقرؤها ((مثل نور من آمن به))(٧)، فهو
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأن سعيد بن جبير لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة
شاذة تفسيرية .
(٣) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٧.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف؛ لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد وابن عباس
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف وهب بن راشد (لسان الميزان ٦/ ٢٣٠، ٢٣١)، ويشهد
له الرواية قبل السابقة.
(٧) وهي قراءة شاذة تفسيرية.