Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
• سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ (١١١،١٠٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (وَل
قال: ((﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ قال: ((تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه،
وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته))(١)، ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن
المبارك به، وقال: حسن غريب(٢).
﴿أَلَمّ تَكُنْ ءَايَتِى تُنْلَى عَلَيْكُمْ فَكْتُم بِهَا تُكَذِبُونَ ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْمَا ضَآَلِينَ ﴿ رَبَّ أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ
هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم
التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَكُنْ ءَايَتِى تُثْلَى عَلَيْكُمْ فَكُتْتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ أي: قد
أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة، كما قال
تعالى: ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَّاً أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَ
قَدْ جَنَا نَذِيٌِّ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلِ كَبِيرٍ ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا
كَا فِ أَمْحَبِ السَّعِيرِ ﴿ فَأَعْتَفُواْ بِذَئِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك]، ولهذا قالوا: ﴿رَبَّنَا
غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِينَ﴾ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد
لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها .
ثم قالوا: ﴿رَبَّا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (3)﴾ أي: ردّنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى ما
سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قال: ﴿فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ
﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ اَلْكَبِيرِ
١٢
[غافر]، أي: لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحّده المؤمنون.
] ﴿قَالَ أَخْسَشُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿ إِنَّهُ كَنَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا
فَأَتَّخَذْتُمْ سِخْرِيًّا حََّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (٣) إِى جَزَيْتُهُمُ
الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوَاْ أَنَّهُمْ هُمُ الْفَإِرُونَ
وَأَرْجَنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار. يقول:
﴿أَخْسَنُواْ فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ أي: لا تعودوا إلى
سؤالكم هذا، فإنه لا جواب لكم عندي.
قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٠/١٨ ح١١٨٣٦)، وضعف سنده محققوه، ويتقوى بسابقه،
وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٥/٢).
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب (السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في
طعام أهل النار ح ٢٥٨٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ويشهد له ما تقدم موقوفاً وثابتاً عن
ابن مسعود.

٤٨٢
• سُورَةُ الْمُؤْمنُون (١١٢، ١١٦)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
كلامهم منه(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك،
عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أهل جهنم
يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يردُّ عليهم: إنكم ماكثون، قال: هانت دعوتهم واللهِ على
﴿ رَبِّآ
﴿رَبَنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِيْنَ
مالك وربِّ مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون:
﴾ [المؤمنون] قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم
أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَا ظَلِمُونَ
﴿أَخَْثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ قال: فواللهِ ما [نبس](٢) القوم بعدها بكلمة واحدة، وما هو إلا الزفير
والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق(٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا
سفيان، عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى
أن لا يخرج منهم أحداً - يعني من جهنم -، غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين
فيشفع فيقول: يا رب، فيقول الله: من عرف أحداً فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر
فلا يعرف أحداً، فيناديه الرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، قال: فعند ذلك يقولون:
﴿رََّآَ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (٧)) فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد (٤).
ثم قال تعالى مذكراً لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال
﴿ فَأَتَّخَذْتُمُ
تعالى: ﴿إِنَُّ كَانَ فَرِقٌّ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ
سِخْرِنًا﴾ أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إليّ ﴿حََّ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى﴾ أي: حملكم
بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُم مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال
﴾ [المطففين]
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُواْ بِهِمْ يَنَغَامَنُونَ
أي: يلمزونهم استهزاء: ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياؤه وعباده الصالحين، فقال تعالى:
﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: على أذاكم لهم واستهزائكم بهم ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَآِرُونَ﴾ بالسعادة
والسلامة والجنة والنجاة من النار. عياذاً بالله تعالى منها.
قَالُواْ لَبِغْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآَذِينَ
﴿قَلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (19)
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا
قَالَ إِن لَبِئْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْ تَعْلَمُونَ (19)
تُرجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ
يقول تعالى منبهاً لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((يبس)).
(٣) أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبي عروبة به، بدون قوله: ((فوالله ما نبست ... )) آخره، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٩٥/٢).
(٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وسنده صحيح.

٤٨٣
• سُوََّةُ المُؤْمِنُونَ (١١٢، ١١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحده، ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَلَ كُمْ لَبِثْتُمْ فِ الْأَرْضِ
عَدَدَ سِنِينَ (٣)﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا؟ ﴿قَالُواْ لَيْنَا يَمَّا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآدِينَ
(٣)﴾ أي: الحاسبين ﴿قَالَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيء، ولا
استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل
المؤمنون لفزتم كما فازوا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن [الوزير](١)، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان،
عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال: قال رسول الله وَله: ((إن الله إذا أدخل
أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا:
لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي
أمكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم قال: يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا
يوماً أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها
خالدین مخلدین))(٢) .
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبئاً بلا قصد ولا
إرادة منكم ولا حكمة لنا؟ وقيل: للعبث؛ أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا
عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله رَّ: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في
الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَيَخْسَبُ آلْإِنَنُ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى
[القيامة] يعني: هملاً .
وقوله: ﴿فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئاً عبئاً، فإنه الملك الحق المنزه عن
ذلك ﴿لَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيِ﴾ فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه
كريم؛ أي حسن المنظر بهي الشكل، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ﴾ [ق: ٧].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن
سليمان - شيخ من أهل العراق -، أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص
قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد؛ أيها
الناس إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل
بينكم، فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته، وحرم جنة عرضها السموات والأرض،
ألم تعلموا أنه لا يأمن عذاب الله غداً إلا من حذر هذا اليوم وخافه، وباع نافداً باقٍ وقليلاً بكثير
وخوفاً بأمان، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى
خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله رَك، قد قضى نحبه وانقضى
أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب
وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم؛ فاتقوا الله قبل
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((الدرير)).
(٢) سنده مرسل؛ لأن أيفع بن عبد تابعي.

٤٨٤
سُورَةُ المُؤْمنُونَ (١١٧، ١١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم، ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن نصير الخولاني، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة،
عن أبي هبيرة، عن [حسن](٢) بن عبد الله: أن رجلاً مصاباً مرَّ به عبد الله بن مسعود فقرأ فِي
أذنه هذه الآية ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُحَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ اَلْحَقُّ﴾
حتى ختم السورة فبرأ، فذكر ذلك لرسول الله وَ له، فقال رسول الله وَله: ((بماذا قرأت في أذنه؟))
فأخبره، فقال رسول الله وَله: ((والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأها على جبل لزال))(٣).
وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن
محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه قال: بعثنا رسول الله وَلتر في سرية وأمرنا أن نقول إذا
نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥)﴾ قال: فقرأناها
فغنمنا وسلمنا (٤).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المسيب سالم بن
سلام، حدثنا بكر بن حُبيش، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد الله بن عباس
قال: قال رسول الله وَله: ((أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة باسم الله الملك الحق، ﴿وَمَا
فَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتُ بِمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُنَ﴾ [الزمر: ٦٧]، ﴿يَسْمِ اللَّهِي ◌َجْرِبِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِمٌ﴾ [هود: ٤١]))(٥).
- ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ عِندَ رَبِِّدٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اَلْكَفِرُونَ (٣٧) وَقُل رَّتِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ
يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواه، ومخبراً أن من أشرك بالله لا برهان له؛
أي لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَآخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة
معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُ عِنْدَ رَبِّ﴾ أي: الله يحاسبه على ذلك، ثم أخبر
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة.
قال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله وَّه قال الرجل: ((ما تعبد؟)) قال: أعبد الله وكذا وكذا حتى عد
أصناماً، فقال رسول الله وَله: ((فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟)) قال: الله رَمّت، قال:
((فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟)) قال: الله ومك، قال: ((فما يحملك على أن تعبد
(١) سنده ضعيف لجهالة شيخ شعيب بن صفوان.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((حبيس)).
(٣) في سنده ابن لهيعة لم يتابع عليه؛ بل قد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: هذا موضوع من حديث
الكذابين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ترجمة سلام بن رزين (لسان الميزان ٣/ ٥٧).
(٤) أخرجه أبو نعيم في (معرفة الصحابة ح٧٢٦)، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن منده وقال: إسناده لا بأس
به (الإصابة ١٥/١)، وفي سنده خالد بن نزار: صدوق يخطئ (التقريب ص١٩١).
(٥) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس ﴿هًا، وفيه أيضاً نهشل بن سعيد، وهو متروك (مجمع الزوائد
١٠/ ١٣٢).

٤٨٥
• سُورَةُ المؤمنُونَ (١١٧، ١١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هؤلاء معه، أم حسبت أن تغلب عليه؟)) قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه، فقال رسول الله السيد:
((تعلمون ولا يعلمون)) فقال الرجل بعدما أسلم: لقيت رجلاً خصمني(١). هذا مرسل من هذا
الوجه .
وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسنداً عن عمران بن الحصين، عن أبيه، عن
رسول الله وَل*، نحو ذلك(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَأَرْحَرْ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّحِينَ (٣)﴾ هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا
الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محو الذنب وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده
ويوفقه في الأقوال والأفعال.
آخر تفسير سورة المؤمنون.
(١) سنده ضعيف؛ لأن قتادة أرسله.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق الحسن البصري عن عمران بن الحصين بنحوه (السنن، الدعوات، باب رقم ٧٠
ح٣٤٨٣)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي.

٤٨٦
• سُورَةُ النَّوْرِ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
POD
07 00000
سُورَةُ السّنّوزِ
وهي مدنية
بسم الله الرحمن الرحيم
] ﴿سُوَرَةُ أَنْزَلْتَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَلْنَا فِيهَآ ءَايَتٍ بَيْنَتٍ لَّعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ ﴾ الزِّيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ
د
مِنْهُمَا مِتَةَ جَدٍَّ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأَةٌ فِ دِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الَْخِرِّ وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ (®)).
يقول تعالى: هذه ﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا﴾ فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها ((وفرَّضناها)).
قال مجاهد وقتادة: أي بيَّنا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود(١).
وقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَهَا﴾(٢)، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم(٣).
﴿وَأَلْنَا فِيهَآ ءَلَتٍ بَيْنَتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَّةٍ﴾ هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني
في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكراً، وهو الذي لم
يتزوج، أو محصناً، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكراً لم
يتزوج، فإن حدَّه مائة جلدة كما في الآية، ويُزاد على ذلك أن يُغرَّب عاماً عن بلده عند جمهور
العلماء خلافاً لأبي حنيفة تَُّ، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرَّب وإن شاء لم
يغرِّب، وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللّذين أتيا رسول الله دولار،
فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً - يعني: أجيراً - على هذا، فزنى بامرأته،
فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب
عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله وَلقر: ((والذي نفسي بيده لأقضين بينكما
بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أُنيس
- لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها))، ((فغدا عليها فاعترفت فرجمها))(٤)،
(١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة
أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٢) القراءتان متواترتان.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور.
(٤) صحيح البخاري، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (ح٢٦٩٦)، وصحيح مسلم،
الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (ح١٦٩٨).

٤٨٧
• سُورَةُ النّورِ (١، ٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ففي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكراً لم يتزوج.
فأما إذا كان محصناً، وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فإنه يرجم،
كما قال الإمام مالك: حدثني محمد بن شهاب، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أن ابن عباس أخبره: أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس فإن الله
تعالى بعث محمداً ﴿ ﴿ بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها
ووعيناها، ورجم رسول الله و ﴿ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا
نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على
من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، النساء إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه
في الصحيحين من حديث مالك مطولاً(١)، وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا.
وروى الإمام أحمد: عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛
حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن أناساً
يقولون: ما بال الرجم في كتاب الله الجلد؟ وقد رجم رسول الله وَل ورجمنا بعده، ولولا أن
يقول قائل أو يتكلم متكلم: إن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه؛ لأثبتها كما نزلت به(٢).
وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به(٣)، وقد روى الإمام أحمد أيضاً، عن هشيم،
عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ◌َظُه فذكر
الرجم، فقال: لا تُخدعُنَّ عنه فإنه حدُّ من حدود الله تعالى، ألا وإن رسول الله وَّ قد رجم
ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من
المصحف، وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله چ قد
رجم ورجمنا بعده، ألا إنه سيكون من بعدكم قومٌ يكذبون بالرجم، وبالدجال وبالشفاعة،
وبعذاب القبر، ويقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا (٤).
وروى أحمد أيضاً، عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن
عمر بن الخطاب: ((إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم))(٥)، الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد،
عن عمر، وقال: صحيح(٦)، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله بن عمر
القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون - عن محمد هو: ابن سيرين -، قال: نبئت عن
كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ ((الشيخ والشيخة إذا
(١) صحيح البخاري، الحدود، باب الاعتراف بالزنا (ح٦٨٢٩)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم الثيب في
الزنا (ح ١٦٩١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٢٧/١ ح ١٩٧)، وصحح سنده محققوه.
(٣) السنن الكبرى (ح ٧١٥٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٦/١ ح١٥٦)، وضعف سنده محققوه لضعف علي بن زيد،
وهو ابن جدعان.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٢/١ ح٢٤٩)، وصحح سنده محققوه.
(٦) سنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم (ح١٤٣١).

٤٨٨
• سُورَُّ النَّوْزِ (٢،١)
زنيا فارجموهما البتة))، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن
الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال جاء رجل إلى النبي وَّ قال:
فذكر كذا وكذا وذكر الرجم، فقال: يا رسول اكتب لي آية الرجم، قال: ((لا أستطيع الآن)) هذا
أو نحو ذلك(١).
وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى، عن غُندر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن
جبير، عن كثير بن الصلت، عن زيد بن ثابت به (٢)، وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية
الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولاً به، والله أعلم.
وقد أمر رسول الله وعليه برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت
مع الأجير، ورجم رسول الله وَ﴿ ماعزاً والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله وَلهم أنه
جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على
رجمهم وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة
ومالك والشافعي - رحمهم الله -، وذهب الإمام أحمد تَُّ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني
المحصن بين الجلد للآية، والرجم للشُّنة.
كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ربه أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت
وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها
بسنة رسول الله ﴾(٣). وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة، عن
الحسن، عن حطّان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ويليه:
((خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب
بالثیب جلد مائة والرجم)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذُكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله؛ أي لا ترحموهما [وترأفوا
بهما](٥) في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي
تحمل الحاكم على ترك الحد، فلا يجوز ذلك.
قال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اَللَّهِ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام
ولا تعطل(٦)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح.
(١) سنده ضعيف الإبهام شيخ محمد بن سيرين.
(٢) السنن الكبرى (ح ٧١٤٥).
(٣) أخرجه البخاري بلفظ: ((حين رجم المرأة يوم الجمعة))، وقال: رجمتها بسُّنة رسول الله وَّر. دون ذكر
الجلد (الصحيح، الحدود، باب رجم المحصن ح ٦٨١٢)، وأخرجه البستي من طريق عمرو بن علي،
وسنده ضعيف؛ لأن عمرو لم يسمع من على (المراسيل لابن أبي حاتم ص١٢٢).
(٤) المسند ٣١٧/٥، وصحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنا (ح ١٦٩٠)، وسنن أبي داود، الحدود، باب
الرجم (ح٤٤١٥)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح١٤٣٤)، والسنن
الكبرى للنسائي، الرجم (ح٧١٤٢)، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب حد الزنا (ح ٢٥٥٠).
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((وترثوا لهما)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٤٨٩
• سُورَةُ النّورِ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد جاء في الحديث: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب))(١).
وفي الحديث الآخر: ((لحدُّ يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً))(٢).
وقيل: المراد ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِ اَللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحدَّ كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر
عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح.
قال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأَفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب(٣).
وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح(٤).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع
ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِمَا رَأْفَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم،
والجلد، يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر،
عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب
رجليها(٥)، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِ دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا
بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد
أوجعت حين ضربتها(٦).
وقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ أي: فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من
زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحاً ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في
المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: ((ولك في
ذلك أجر))(٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة
الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعاً وتوبيخاً
وفضيحة إذا كان الناس حضوراً.
قال الحسن البصري في قوله: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يعني علانية(٨).
(١) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ه (السنن، الحدود، باب العفو عن الحدود ما
لم تبلغ السلطان ح٤٣٧٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٨٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ته (المسند ٣٥١/١٤ ح ٨٧٣٨)، وضعف سنده محققوه، وكذا
أخرجه ابن ماجه (السنن، الحدود، باب إقامة الحدود ح٢٥٣٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح٢٠٥٧)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب ٢٤٦/٣.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن الشعبي.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق حجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن حماد.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث قرَّة المزني بظُه (المسند ٤٧٢/٣٣ ح ٢٠٣٦٣)، وصحح سنده محققوه،
وأخرجه البخاري بنحوه في الأدب المفرد (ح٣٧٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٨٧).
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن (المصنف ٦٠/١٠).

٤٩٠
سُورَةُ الّنُوزِ (٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: الرجل
فما فوقه(١) .
وقال مجاهد: الطائفة رجل إلى ألف(٢)، وكذا قال عكرمة(٣)، ولهذا قال أحمد: إن الطائفة
تصدق على واحد.
وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان(٤)، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير
﴿طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: يعني: رجلين فصاعداً (٥).
وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعداً (٦).
وقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب، عن الإمام مالك في قوله: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: الطائفة أربعة نفر فصاعداً (٧)، لأنه لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء
فصاعداً، وبه قال الشافعي(٨) .
وقال ربيعة: خمسة.
وقال الحسن البصري: عشرة.
وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين؛ أي نفر من المسلمين(٩) ليكون
ذلك موعظة وعبرة ونكالاً .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا بقية قال: سمعت نصر بن
علقمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما
ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة(١٠) .
﴿ الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِةٌ وَحُرِعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة؛ أي لا يطاوعه على مراده من
الزنا إلا زانية عاصيةٍ، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَِّيَّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَآٍ﴾ أي:
عاصٍ بزناه ﴿أَوْ مُشْرِلةٌ﴾ لا يعتقد تحريمه.
قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نظ ◌ُله :
(١) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر، وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن عطاء.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن يزيد وابن أبي ذئب عن الزهري.
(٧) أخرجه الشافعي بسند صحيح من طريق عبد الرزاق به (الأم ١٢٢/٦، ١٢٣).
(٨) الأم ٦/ ١٢٢.
(٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٤٩١
سُورَةُ النُّورِ (٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿اَلَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زانٍ
أو مشرك(١). وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضاً. وقد روي عن مجاهد
وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل بن حيان وغير واحد نحو
ذلك (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: تعاطيه والتزوج بالبغايا، أو تزويج العفائف
بالرجال الفجار.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: حرَّم الله الزنا على المؤمنين(٣).
وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرَّم الله على المؤمنين نكاح البغايا (٤)، وتقدم ذلك فقال:
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾
[النساء: ٢٥].
وقوله: ﴿مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ ... ) الآية [المائدة: ٥]، ومن ههنا ذهب
الإمام أحمد بن حنبل تَُّ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت
كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة
العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر بن سليمان، قال أبي: حدثنا الحضرمي، عن
القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو طه: أن رجلاً من المؤمنين استأذن رسول الله وَّر في
امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله واله
أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول الله وَّهِ ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِعُهَا
(٥)
إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِينَ (
وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي،
عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت
تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﴿ أن يتزوجها، فأنزل الله وَك: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق خالد بن الحارث عن حبيب بن أبي عمرة به، وسنده صحيح، وقد صححه
الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن هؤلاء بأسانيد ثابتة.
(٣) سنده حسن.
(٤) قول قتادة أخرجه الطبري معلقاً، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن
معروف عنه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/١١ ح ٦٤٨٠)، وضعف سنده محققوه لجهالة الحضرمي. قال
الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧٣)، وأخرجه الحاكم من طريق هشيم عن سليمان التيمي
عن القاسم بن محمد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٦/٢). ولعل الحضرمي خلط بين
الصحابيين فرواه تارة عن ابن عمر وتارة عن ابن عمرو.

٤٩٢
سُورَةُ النّورِ (٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّ زٍَ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِينَ
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا روح بن عبادة، عن عبيد الله بن الأخنس،
أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد،
وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال
لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى
انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي
تحت الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً،
هلم فبت عندنا الليلة، قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل
يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلت الخدمة فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه
فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا: فظل بولهم على رأسي، فأعماهم الله عني، قال: ثم
رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان رجلاً ثقيلاً حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه
أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله وَ له فقلت: يا رسول الله
أنكح عناقاً أنكح عناقاً - مرتين؟ -، فأمسك رسول الله وَّه فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت ﴿الَِّ
لَا يَنكِحُ إِلَّا زَإِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾، فقال
رسول الله وَله: (يا مرثد، ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَِّيَةُ لَا يَنَكِعُهَا إِلَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾
فلا تنكحها)). ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢)، وقد
رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسدد أبو الحسن، حدثنا عبد الوارث، عن حبيب
المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به قال: قال
رسول الله قال: ((لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله))(٤). وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن
مسدد وأبي معمر، عن عبد الله بن عمر كلاهما عن عبد الوارث، به(٥) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر، قال: أشهد لسمعت
سالماً يقول: قال عبد الله: قال رسول الله وَله: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم
القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة المتشبهة بالرجال، والديوث، وثلاث لا ينظر الله إليهم
يوم القيامة: العاقّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان بما أعطى))(٦). ورواه النسائي عن عمرو بن
(١) أخرجه الحاكم كما في سابقه.
(٢) السنن، التفسير، سورة النور (ح٣١٧٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٥٣٨)، وأخرجه
الحاكم من طريق عبيد الله بن الأخنس به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٦٦/٢).
(٣) سنن أبي داود، النكاح، باب قوله تعالى: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] (ح٢٠٥١) وسنن النسائي،
النكاح، باب تزويج الزانية ٦٦/٦.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) سنن أبي داود، النكاح، باب قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِعُ إِلَّا زَإِيَةً﴾ (ح٢٠٥٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢١/١٠، ٣٢٢ ح ٦١٨٠)، وحسّن سنده محققوه، وصححه =

٤٩٣
• سُورَةُ الَّنُوزِ (٣)
علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد الله بن يسار، به(١).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا الوليد بن كثير، عن قطن بن
وهب، عن عويمر بن الأجدع، عمّن حدثه، عن سالم بن عبد الله بن عمر؛ قال: حدثني
عبد الله بن عمر أن رسول الله وسلم قال: ((ثلاثة حرّم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقّ
لوالديه، والديوث الذي يقرّ في أهله الخبث))(٢).
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف، عن
محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله وَله: ((لا يدخل الجنة ديوث))(٣).
يستشهد به لما قبله من الأحاديث.
وقال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سلام بن سوار، حدثنا كثير بن سليم، عن
الضحاك بن مزاحم: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله وَ ل9 يقول: ((من أراد أن
يلقى الله وهو طاهر متطهر، فليتزوج الحرائر)) (٤)، في إسناده ضعف.
وقال الإمام أبو النصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة: الديوث
القُنذع، وهو: الذي لا غيرة له(٥).
فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا
محمد بن إسماعيل بن علية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة وغيره، عن هارون بن رئاب،
عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس.
- عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه -، قالا: جاء رجل إلى رسول الله وَّه فقال: إن
عندي امرأة هي من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس؟ قال: ((طلقها)) قال: لا صبر لي
عنها. قال: ((استمتع بها)). ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي،
وهارون أثبت منه، وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم(٦).
قلت: وهو: ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن
رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي، لكن قد رواه
النسائي في كتاب الطلاق، عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة،
عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسنداً، فذكره بهذا الإسناد،
= أحمد شاكر برقم ٦١٨٠، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٤٦/٤).
(١) سنن النسائي، الزكاة، باب المنان بما أعطى ٨٠/٨.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٩/٢)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ عويمر الأجدع، ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٦٤٢)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ شعبة، ويشهد له حديث
عبد الله بن عمر قبل السابق.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب تزويج الحرائر والولود ح ١٨٦٢)، وضعفه الألباني في
ضعیف سنن ابن ماجه.
(٥) الصحاح للجوهري ٢٨٢/١.
(٦) سنن النسائي، النكاح، باب تزويج الزانية ٦/ ٦٧، وقد أخرجه من طرق أخرى تقويه كما يليه.

٤٩٤
• سُورَةُالنّورِ (٤، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال: هذا خطأ والصواب مرسل(١)، ورواه
غير النضر على الصواب.
وقد رواه النسائي أيضاً وأبو داود، عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا
الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّر ...
فذكره(٢)، وهذا الإسناد جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعّف له كما تقدم
عن النسائي، ومنكر كما قال الإمام أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها
سخية لا تمنع سائلاً(٣)، وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال: وقيل: سخية تعطي، ورد
هذا بأن لو كان المراد لقال: لا ترَدّ يد ملتمس، وقيل: المراد أن سجيتها لا تردّ يد لامس لا أن
المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة، فإن رسول الله وهو لا يأذن في مصاحبة من هذه
صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوناً، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت
سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره رسول الله واله
بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها؛ لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها
متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم تَّتُهُ:
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة مولى ابن
عباس ظبه قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال: إني كنت ألمُّ بامرأة آتي منها ما
حرم الله ◌َ عليّ، فرزقني الله ◌َ من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني
لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، أنكحها فما كان من إثم
فعليّ(٤)، وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن
سيعد بن المسيب قال: ذكر عنده ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَلََِّةُ لَا يَنَكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ
مُشْرِكٌ﴾ قال: كان يقال: نسختها التي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوْ اَلْأَنَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] قال: كان يقال:
الأيامى من المسلمين(٥)، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ(٦) له
عن سعيد بن المسيب، ونصَّ على ذلك أيضاً الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (٧).
﴿وَلَّذِينَ يَزَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ ثُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًّا
وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (@)﴾.
هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف المحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان
(١) المصدر السابق ٦/ ١٧٠.
(٢) المصدر السابق ١٦٩/٦.
(٣) وهذا هو الّلائق بمقام الصحابية ـ
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٦) الناسخ والمنسوخ ص ١٠٠ رقم ١٧.
(٧) الأُم للشافعي ١٢/٥.

٤٩٥
سُوَرَّةُ النَّوْرِ (٦، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المقذوف رجلاً فكذلك يجلد قاذفه أيضاً، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فإن أقام القاذف بينة
على صحة ما قاله درأ عنه الحد، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدََّ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا
نَقْبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف، إذا لم يقم البينة على صحة ما قال:
ثلاثة أحكام:
(أحدها): أن يجلد ثمانين جلدة.
(الثاني): أنه ترد شهادته أبداً.
(الثالث): أن يكون فاسقاً ليس بعدل، لا عند الله، ولا عند الناس.
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِيْنَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ الآية. واختلف العلماء
في هذا الاستثناء: هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود
الشهادة دائماً وإن تاب؟ أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟
أما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب
الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونصَّ
عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين(١)، وجماعة من السلف أيضاً.
وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة،
ويبقى مردود الشهادة أبداً، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن
جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر(٢).
وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته، وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال
البهتان، فحينئذٍ تقبل شهادته (٣)، والله أعلم.
﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَلَهُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
ج وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ ﴿﴿ وَيَدَرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ
اُلصَدِقِينَ
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ
شَهَدَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِنَ ◌ّ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّبُ حَكِيمُ ﴾﴾.
هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسر عليه إقامة
البينة أن يلاعنها كما أمر الله ربك، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به،
فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: إنه لمن الصادقين؛ أي فيما رماها به
من الزنا ﴿ وَاَلْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَنَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ فإذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا
اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبداً، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب.
(٢) قول إبراهيم النخعي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأعمش عنه.
(٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن
أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.

٤٩٦
• سُوَرَّةُ النَّوْرِ (٦، ١٠)
حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله: ﴿أَرْبَعَ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ
لَمِنَ الْكَذِينَ﴾ أي: فيما رماها به ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ ولهذا
قال: ﴿وَيَدَرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِينَ ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ
غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ فخصَّها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم
فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت
الخامسة في حقٌّها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.
ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم
من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم ولشق عليكم كثير من
أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّبُ﴾ أي: على عباده، وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة
﴿حَكِيمُ﴾ فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه
الآية، وذكر سبب نزولها، وفيمن نزلت فيه من الصحابة.
فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قالٍ:
لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَ نَقْبَلُواْ لَمْ شَهْدَةً أَبَدًّا﴾
[النور: ٤] قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ظه: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال
رسول الله : ((يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟)) فقالوا: يا رسول الله لا تلمه
فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا أن
يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله،
ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً(١) قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه
حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته - قال: فما لبثوا إلا يسيراً - حتى
جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله
رجلاً، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله وَل* فقال: يا
رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره
رسول الله ◌َ﴿ ما جاء به واشتد عليه، واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال
سعد بن عبادة الآن، يضرب رسول الله #8# هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال
هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً. وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى
ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فواللهِ إن رسول الله ◌َ*هل يريد أن يأمر
بضربه؛ إذ أنزل الله على رسوله وَ﴾ الوحي.
وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد (٢) وجهه؛ يعني: فأمسكوا عنه حتى فرغ من
الوحي، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ ... ﴾
الآية، فسُريَّ عن رسول الله وَّ فقال: ((أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً)) فقال
هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي وم، فقال رسول الله وَله: ((أرسلوا إليها)) فأرسلوا إليها
(١) أي: حمقاء.
(٢) أي: تغير لون وجهه.

٤٩٧
سُورَةُ النُّورِ (٦، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فجاءت، فتلاها رسول الله - ﴿ عليهما، فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب
الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله تليفون:
((لاعنوا بينهما)) فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت
الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة
التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في
الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه
لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن
هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا
أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
ففرق رسول الله وَلول بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو
رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أن يفترقا من غير
طلاق ولا متوفى عنها، وقال: ((إن جاءت به أصيهب(١) أريسح(٢) حمس الساقين(٣)، فهو
لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الألیتین، فهو الذي رمیت به»
فجاءت به أورق(٤) جعداً(٥) جمالياً(٦) خدلج الساقين(٧) سابغ الأليتين، فقال رسول الله وَالآتى:
(لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)).
قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب(٨). ورواه أبو
داود، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به نحوه مختصراً (٩).
ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري:
حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، حدثني عكرمة، عن ابن
عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ◌َّل بشريك بن سحماء، فقال النبي ◌َّ: ((البينة
أوحد في ظهرك)) فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل
النبي * يقول: ((البينة وإلا حد في ظهرك)) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق
ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ
﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ فانصرف النبي ◌ََّ، فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي ◌َّل يقول:
((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟)) ثم قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة
وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت:
لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي وقالفيه: ((أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ
(١) أي: أشقر.
(٢) أي: أي: لا عجز له.
(٤) أي: أسمر.
(٣) أي: دقيق الساقين.
(٥) أي: جعد الشعر.
(٧) أي: عظيم الساقين.
(٦) أي: ضخم الأعضاء.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٦/٤ ح٢١٣١)، وحسنه محققوه، وله شواهد ستأتي.
(٩) سنن أبي داود، الطلاق، باب في اللعان (ح ٢٢٥٦).

٤٩٨
• سُوَّرَّةُ النّورِ (٦، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك ابن سحماء)) فجاءت به كذلك، فقال البني وية: ((لولا ما
مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن))(١)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير
وجه عن ابن عباس وغيره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا صالح
- وهو: ابن عمر -، حدثنا عاصم - يعني: ابن كليب -، عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء
رجل إلى رسول الله وَلّ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول الله وَلير، فلم يزل يردده حتى
أنزل الله تعالى: ﴿وَالَِّنَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآَهُ﴾ فقرأ حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما
فدعاهما فقال: ((إن الله تعالى قد أنزل فيكما)) فدعا الرجل فقرأ عليه، فشهد أربع شهادات بالله
إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له: ((كل شيء أهون عليه من لعنة الله))
ثم أرسله فقال: ((لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)) ثم دعاها فقرأ عليها، فشهدت أربع شهادات
بالله إنه من الكاذبين، ثم أمر فأمسك على فيها فوعظها وقال: ((ويحك كل شيء أهون من
غضب الله)) ثم أرسلها فقالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول الله وَ له: ((أما
والله لأقضين بينكما قضاء فصلاً)) قال: فولدت فما رأيت مولوداً بالمدينة أكثر غاشيةً منه، فقال:
((إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا)، فجاءت به يشبه الذي
قذفت به(٢) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال: سمعت
سعيد بن جبير قال: سُئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير؟ فما دريت ما أقول،
فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال:
سبحان الله، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يرى
امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت فلم يجبه.
فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله تعالى هذه الآيات في
سورة النور ﴿وَالَِّيْنَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّْدِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل
فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما
كذبتك، ثم ثنّى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
فقالت المرأة: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، قال: فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه
لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع
شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق
بينهما. رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به، وأخرجاه في
الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣).
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتٍ﴾ [النور: ٨] (ح ٢٦٧١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) (المسند ١٩/٢)، والسنن الكبر للنسائي (ح١٣٥٧)، وصحيح البخاري، الطلاق، باب إن أحدكما كاذب
(ح٥٣١٢)، وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٤٩٣).

٤٩٩
• سُورَّةُ النُّورِ (٦، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن
علقمة، عن عبد الله قال: كنا جلوساً عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا
إذا رأى مع امرأته رجلاً إن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله
لئن أصبحت صالحاً لأسألنَّ رسول الله وَّ، قال: فسأله، فقال: يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى
مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللَّهم احكم.
قال: فأنزلت آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من
طرق عن سليمان بن مهران الأعمش، به (١).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن
سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي(٢) فقال له: سل رسول الله وَالقول: أرأيت
رجلاً وجد رجلاً مع امرأته فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلّ فعاب
رسول الله وَ﴿ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت إنك لم تأتني
بخير، سألت رسول الله وَ﴿ فعاب المسائل، فقال عويمر: والله لآتين رسول الله وسلامه فلأسألنه.
فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما، قال: فدعا بهما فلاعن بينهما. قال عويمر: لئن انطلقت بها يا
رسول الله لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله وَلقر فصارت سنّة المتلاعنين،
وقال رسول الله وَالر: ((أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الأليتين، فلا أراه إلا
قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً)) فجاءت به على النعت المكروه.
أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن الزهري، به(٣).
ورواه البخاري أيضاً من طرق عن الزهري به، فقال: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا
فليع عن الزهري عن سهل بن سعد أن رجلاً أتى رسول الله وسلم فقال: يا رسول الله! أرأيت
رجلاً رأى مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله تعالى فيهما ما ذكر في
القرآن من التلاعن فقال له رسول الله وَ له: ((قد قضي فيك وفي امرأتك)) قال: فتلاعنا وأنا شاهد
عند رسول الله ﴿ مفارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنَين وكانت حاملاً فأنكر حملها
وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها (٤).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس بن
أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يُثيع، عن حذيفة ◌َُّه قال: قال رسول الله وَ له لأبي بكر: ((لو
رأيت مع أُم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟)) قال: كنت والله فاعلاً به شراً، قال: ((فأنت يا عمر؟))
قال: كنت والله فاعلاً، كنت أقول: لعن الله الأعجز فإنه خبيث. قال: فنزلت ﴿وَلَِّينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ
وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآَةُ إِلَّ أَنْفُهُهُمْ﴾. ثم قال: لا نعلم أحداً أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس بن أبي
(١) (المسند ٤٢١/١)، وصحيح مسلم، اللعان (ح١٤٩٥).
(٢) في هذه الرواية ورد ذكر عويمر في القصة، وفي الرواية السابقة هلال بن أمية، وقد جمع الحافظ ابن حجر
بأن يكون هلال سأل أولاً ثم سأل عويمر، فنزلت الآية في شأنهما معاً (فتح الباري ٤٥٠/٩).
(٣) (المسند ٣٣٤/٥)، وصحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿وَلَِّيْنَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَمْ شُهَدَآَهُ ... ﴾
[النور: ٦] (ح٤٧٤٥) وصحيح مسلم، اللعان (ح ١٤٩٢).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور (ح ٤٧٤٦).

٥٠٠
سُورَةُ النَّوْرٍ (١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، مرسلاً(١)، فالله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشام،
عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك رُبه قال: لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه
هلال بن أمية بامرأته، فرفعه إلى رسول الله وَّله فقال رسول الله وَلير: ((أربعة شهود، وإلا فحد في
ظهرك)) فقال: يا رسول الله إن الله يعلم إني لصادق، ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد،
فأنزل الله آية اللعان ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ ... ﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي وَلَّ فقال: (اشهد
بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا)) فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة:
((ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا)) ففعل، ثم دعاها رسول الله وَلل فقال:
(«قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا)) فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها
في الخامسة: ((وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا)) قال: فلما كانت الرابعة
أو الخامسة، سكت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت
على القول، ففرق رسول الله وَ ل﴿ بينهما، وقال: ((انظروا فإن جاءت به جعداً حمش الساقين، فهو
لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطاً قضيء العينين(٢)، فهو لهلال بن أُمية)) فجاءت به آدم
جعداً حمش الساقين، فقال رسول الله ويلر: (لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن))(٣).
2] ﴿إِنَّ الَّذِينَ بَءُو بَلِفِكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَبْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ أَمْرٍِ مِّنْهُم ◌َّا
أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (1)﴾.
هذه العشر آيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين وهنا حين رماها أهل الإفك والبهتان
من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله رَبّ لها ولنبيه صلوات الله وسلامه
عليه، فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله وَي﴿ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ
مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم، يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة
عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان
بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريباً من شهر حتى نزل
القرآن، وسياق ذلك في الأحاديث الصحيحة.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب
وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة
زوج النبي ◌ّ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من
حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت لها اقتصاصاً، وقد وعيت عن كل واحدٍ
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٣٧)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧٤/٧)، وفي
سنده يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي: صدوق يهم قليلاً (التقريب ص٦١٣) وأبوه مدلس ولم يصرح
بالسماع، وتارة يرويه مرسلاً، وتارة موصولاً .
(٢) أي: أقمر العينين.
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده بنحوه (المسند ٢٠٧/٥ ح ٢٨٢٤) وصححه محققه، وأخرجه مسلم من طريق هشام
به (الصحيح، اللعان ح١٤٩٦).