Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
• سُورَةُ لِلِّقُ (٧١، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدّرها وكتبها أيضاً، فما العباد
عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع
باختياره، وهذا يعصي باختياره، وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علماً، وهو سهل عليه يسير
لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَمَا لِلَّلِينَ مِن نَّصِيرٍ ()
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِ وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ
يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَاْ قُلْ أَفَأْتِئُكُمْ بِشَرٍ مِّن ذَلِكُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الّذِينَ كَفَرُواْ وَيْسَ الْمَصِيرُ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ﴿مَا لَمْ يُنْزِّلْ بِهِ،
سُلْطَانًا﴾؛ يعني: حجة وبرهاناً، كقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُ
عِندَ رَبِِّةٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ
[المؤمنون]، ولهذا قال ههنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَمَا
لَيْسَ لَمُ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه، وإنما هو أمر تلقّوه عن آبائهم
وأسلافهم بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوَّل لهم الشيطان وزيّنه لهم، ولهذا توعدهم تعالى
بقوله: ﴿وَمَا لِّلِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أي: من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب
والنكال.
ثم قال: ﴿وَإِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل
الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق وصدق ﴿يَكَادُونَ
يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَتِناً﴾ أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل
الصحيحة من القرآن، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء
﴿أَفَأُيِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق
وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا
أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.
وقوله: ﴿وَيَشَْ اُلْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار مقيلاً ومنزلاً ومرجعاً وموئلاً ومقاماً ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ
مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا (٣)﴾ [الفرقان].
- ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَأُسْتَمِعُواْ لَهُ، إِنَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا
◌َ مَا قَدَرُواْ
وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهِّ وَإِنِ يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنَقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الظَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ (وَم
يقول تعالى منبهاً على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي:
لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به ﴿فَأُسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ أي: أنصتوا وتفهموا ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَمِّ ﴾ أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من
الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام
أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي

٤٤٢
سُورَةُ الحِ﴾ (٧٥، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هريرة رفع الحديث قال: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة
أو حبة))(١). وأخرجه صاحبا الصحيح من طريق عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َّه قال: ((قال الله ريك: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا ذرة؛ فليخلقوا
شعيرة))(٢) ..
ثم قال تعالى أيضاً: ﴿وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسَتَنِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: هم عاجزون عن خلق
ذباب واحد؛ بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه لو سلبها شيئاً من الذي عليها
من الطيب، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك، هذا والذباب من أضعف
مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: الطالب:
الصنم، والمطلوب: الذباب(٣)، واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق.
وقال السدي وغيره: الطالب: العابد، والمطلوب: الصنم (٤).
ثم قال: ﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِيَةٍ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حین عبدوا معه غيره من هذه
التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق
كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧] ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ إِنَّهُ
هُوَ بُّدِيُ وَبُعِدُ ﴾ [البروج]، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ (@)﴾ [الذاريات].
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: قد عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه،
وهو الواحد القهار.
يَعْلَمُ مَا
﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِنَّ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
٠.
بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلاً فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم،
كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤](٥).
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ (®﴾ أي: يعلم ما يفعل رسله
فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ:
أَحَدًا (٣) إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨]، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد
على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر لجنابهم ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكٌ وَإِن لَّْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْتَ رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ ... ﴾ الآية [المائدة: ٦٧].
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩١/٢) وسنده حسن، ويشهد له ما يليه.
(٢) صحيح البخاري، اللباس، باب نقض الصور (ح٥٩٥٣)، وصحيح مسلم، اللباس والزينة، باب تحريم
الصور (ح ٢١١١).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٥) كذا بقراءة ((رسالاته)) وهي قراءة متواترة.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

٤٤٣
• سُورَةُ الرِّجُ (٧٧، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَّكُمْ وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴾ (٨) وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَنَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ قِلَّةَ
أَبِكُمْ إِنَزَهِيةَّ هُوَ سَمِّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى
النَّاسِنَّ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلَئِكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
اختلف الأئمة - رحمهم الله - في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود
فيها، أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر، عن النبي ◌َّ: ((فضلت
سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما))(١).
وقوله: ﴿وَجَهِدُواْ فِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهٍِ﴾ أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى:
﴿ أَثَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وقوله: ﴿هُوَ أَحْتَبَنكُمْ﴾ أي: يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم، وفضلكم
وشرفكم وخصَّكم بأكرم رسول وأكمل شرع ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِينِ مِنْ حَرَجَّ﴾ أي: ما كلفكم ما
لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً، فالصلاة التي هي أكبر
أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعاً، وفي السفر تقصر إلى اثنتين، وفي الخوف
يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث(٢)، وتصلى رجالاً وركباناً مستقبلي القبلة وغير
مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض،
فيصليها المريض جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في
سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال معلّلها: (بعثت بالحنيفية السمحة))(٣).
وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن ((بشّرا ولا تنفّرا ويسّرا ولا تعسّرا))(٤)،
والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِّيِنِ مِنْ حَرَجْ﴾
يعني: من ضيق(٥).
وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِكُمْ إِنَّهِيرٌ﴾ قال ابن جرير: نصب على تقدير ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ
حَرَجْ﴾ أي: من ضيق؛ بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم، قال: ويحتمل أنه منصوب على
تقدير: ألزموا ملة أبيكم إبراهيم(٦).
(قلت): وهذا المعني في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَبٍ إِلَى صِرَطِ تُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ
إَِّهِيمَ حَنِيفًا ... ) الآية [الأنعام: ١٦١].
وقوله: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا﴾ وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك، عن
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ قال: الله رَتْ(٧)،
(١) تقدم تخريجه في الآية ١٨ من هذه السورة.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٠٢.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٨٥.
(٤) تقدم تخريجه كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٦) ذكره الطبري بنحوه.
(٧) سنده صحيح، لأن عطاء هو ابن أبي رباح، كما صرح الطبري إذ أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء ابن
أبي رباح به، وأخرجه الطبري أيضاً بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

٤٤٤
• سُوَرَّةُ الرِّجُ (٧٧، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة(١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ يعني: إبراهيم، وذلك
قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآ أُمَُّ مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨](٢)، قال ابن جرير: وهذا
لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله
تعالى: ﴿هُوَ سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا﴾(٣)، قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل
في الكتب المتقدمة وفي الذكر (٤)، ﴿وَفِ هَذَا﴾ يعني: القرآن، وكذا قال غيره.
(قلت): وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ﴾
ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بأنه مِلَّة أبيهم إبراهيم
الخليل، ثم ذكر منِتَّه تعالى على هذه الأمة بما نوّه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر
وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هُوَ سَمَّنْكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن
قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن ﴿وَفِ هَذَا﴾.
وقد قال النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا
معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره، قال: أخبرني الحارث
الأشعري، عن رسول الله وَير قال: ((من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم)) قال رجل: يا
رسول الله وَ﴿ وإن صام وصلى؟ قال: ((نعم، وإن صام وصلى)) فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها
المسلمين المؤمنين عباد الله))، وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُوا
رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (*) من سورة البقرة(٥)، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسَِّ﴾ أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطاً عدولاً خياراً
مشهوداً بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لأن جميع الأمم
معترفة يومئذٍ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن
الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك، وقد تقدم الكلام على
هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾
[البقرة: ١٤٣]، وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته(٦).
وقوله: ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها فأدوا
حق الله عليكم في أداء ما افترض وطاعة ما أوجب وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة
(١) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح
الطبري باسم شيخه، ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((القرآن))، وأخرجه الطبري بسند
ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بلفظه، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٥) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١.
(٦) تقدم تخريجه في الآية ١٤٣ من سورة البقرة.

٤٤٥
• سُورَةُ الحِّةُ (٧٧، ٧٨)
DO000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وإيتاء الزكاة، وهو الإحسان إلى خلق الله بما أوجب للفقير على الغني من إخراج جزء نزر من
ماله في السنة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة(١).
وقوله: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ﴾ أي: اعتضدوا بالله واستعينوا به وتوكلوا عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ
مَوْلَئِكُمْ﴾ أي: حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم ﴿فَنَعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ يعني: نِعم
الولي ونعم الناصر من الأعداء.
قال وهيب بن الورد: يقول الله تعالى: ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا
أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك
لنفسك. رواه ابن أبي حاتم، والله أعلم (٢).
آخر تفسير سورة الحج، ولله الحمد والمنّة، والثناء الحسن، وأسأله التوفيق والعصمة في سائر
الأفعال والأقوال، وصلى الله على سيدنا محمد وسلّم.
(١) في الآية رقم ٦٠.
(٢) سنده معضل.

٤٤٦
سُوَّةُ الْمُؤْمِنُونَ (١، ١١)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
DOD
07 -00000
00000
سُورَةُ المُؤْمنُونَ
وهي مكية
بم ه الرحمن الرحيم
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِمْ خَشِعُونَ
٣
وَالَّذِينَ هُمْ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ
فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ
رَعُونَ ()
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ ﴿﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سُليم قال: أملى عليَّ يونس بن يزيد
الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري؟ قال: سمعت
عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على رسول الله وهو الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل،
فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه، وقال: ((اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا
ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا))، ثم قال: ((لقد أنزل عليَّ عشر آيات من
أقامهنَّ دخل الجنة)) ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ حتى ختم العشر (١). وكذا رواه الترمذي في
تفسيره، والنسائي في الصلاة من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي: منكر لا نعرف أحداً
رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه (٢).
وقال النسائي في تفسيره: أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران، عن يزيد بن
بابنوس قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله وَ﴾؟ قالت: كان خلق
رسول الله وَ﴿ القرآن، فقرأت ﴿قَدّ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ حتى انتهت إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ
يُحَافِظُونَ ﴾﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله وَاليوم (٣).
(١) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٥٠/١ - ٣٥١ ح٢٢٣) لجهالة يونس بن سُليم،
وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا
فقال: أظنه لا شيء (المستدرك ٣٩٢/٢).
(٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة المؤمنون (ح٣٧٢١)، والسنن الكبرى للنسائي، الوتر، باب رفع اليدين في
الدعاء (ح١٤٣٩).
(٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١١٣٥٠)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد
(ح٣٠٨)، وقال الألباني: صحيح لغيره (صحيح الأدب المفرد ح٢٣٤)، وأخرجه البستي والحاكم كلاهما
من طريق قتيبة بن سعيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٢).

٤٤٧
سُورَةِ الْمُؤْمنُون (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد وأبي العالية وغيرهم: لمّا خلق الله جنة عدن وغرسها
بيده نظر إليها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قال كعب الأحبار: لما أعد
لهم من الكرامة فيها (١). وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه(٢).
وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى،
حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال:
خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدّ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ فدخلتها الملائكة، فقالت: طوبى لك منزل الملوك(٣).
ثم قال: وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله [العمري](٤)، حدثنا عدي بن
الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي وَ لّ قال: ((خلق الله الجنة لبنة
من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك - قال البزار: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث -
حائط الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ﴾ فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك)) ثم قال البزار: لا نعلم أحداً رفعه إلا
عدي بن الفضل وليس هو بالحافظ(٥). وهو شيخ متقدم الموت.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية،
عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر: ((لما خلق الله جنة عدن
خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي،
فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾)) بقية عن الحجازيين ضعيف(٦).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا
حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس يرفعه: ((لما
خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل))(٧).
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزار، حدثنا محمد بن زياد الكلبي،
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات عن كعب، لكنه مرسل ويتقوى بما يليه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
وهو مرسل أيضاً ویتقوی بما يليه.
(٢) أخرجه الطبري وهو أيضاً مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق حماد بن سلمة عن الجريري به (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٨٠ ح٢٢٥٣)،
قال الهيثمي: ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقيف (مجمع الزوائد ١٠/
٣٩٧).
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((العبير)).
(٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح٢٢٢٥٤)، وسنده ضعيف؛ لأن عدي بن الفضل متروك
الحديث، كما قال ابن معين وأبي حاتم، نقله الذهبي في ميزان الاعتدال.
(٦) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٨٤/١١ ح١١٤٣٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير.
(٧) أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ٣٤٩/٥ ح٥٥١٨)، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح، وهو باذام مولى
أُم هانئ.

٤٤٨
، سُورَةُ المُؤْمنُونَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ضيعنه قال: قال
حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس
رسول الله وَل: ((خلق الله جنة عدن بيده: لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من
زبرجدة خضراء؛ ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي،
قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ فقال الله: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل)) ثم تلا
رسول الله وَهُ ﴿وَمَن يُوقَ شُعَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(١) [الحشر: ٩].
فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي: قد فازوا وسعدوا وحصلوا على الفلاح، وهم
المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿خَشِعُونَ﴾ خائفون: ساكنون (٢)، وكذا روي عن
مجاهد والحسن وقتادة والزهري (٣).
وعن علي بن أبي طالب ظُه: الخشوع خشوع القلب، وكذا قال إبراهيم النخعي(٤).
وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم وخفضوا الجناح(٥).
وقال محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله وَل يرفعون أبصارهم، إلى السماء في
الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ خفضوا
أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه،
فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم(٦). ثم روى ابن جرير عنه،
وعن عطاء بن أبي رباح أيضاً مرسلاً: أن رسول الله و # كان يفعل ذلك حتى نزلت هذه الآية.
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها،
وحينئذٍ تكون راحة له وقُرَّة عين، كما قال النبي ◌َ ◌ّ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد
والنسائي، عن أنس، عن رسول الله ◌َ ﴿ أنه قال: ((حُبب إليّ: الطيب، والنساء، وجعلت قرة
عيني في الصلاة))(٧) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد،
(١) أخرجه ابن أبي الدينا بسنده ومتنه (صفة الجنة ح ٢٠)، وسنده ضعيف لضعف محمد بن زياد الكلبي كما في
ميزان الاعتدال، وأخرجه الحاكم وصححه، وضعفه الذهبي (المستدرك ٣٩٢/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح
من طريق معمر عنه.
(٤) قول علي ظه أخرجه عبد الله بن المبارك (الزهد برقم ١١٤٨)، والطبري بسند ضعيف من طريق رجل
مبهم عنه، وأخرجه الحاكم من طريق صرح باسم الرجل المبهم، وهو عبيد الله بن أبي رافع عن علي ظـ
وصححه، ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٣/٢)، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه
الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له سابقه.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن شوذ، وهو عبد الله، عن الحسن البصري.
(٦) أخرجه البستي والطبري بسند رجاله ثقات عن محمد بن سيرين، لكنه مرسل.
(٧) (المسند ٣٠٥/١٩ ح١٢٢٩٣)، وحسنه محققوه، وسنن النسائي ٧/ ٦١.

٤٤٩
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن رجل من أسلم: أن رسول الله وَل﴿ قال: ((يا بلال، أرحنا بالصلاة))(١).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن
المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد؛ أن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من
الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح، فرآنا أنكرنا عليه
ذلك، فقال: سمعت رسول الله ◌َ﴾ يقول: ((قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة))(٢).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله
بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقفهم عن ذلك.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلْزَّكَوْةِ فَعِلُونَ ﴾﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ههنا: زكاة الأموال،
مع أن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي
فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجباً
بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِمْ﴾ [١٤١].
وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ههنا: زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ زَّكَّنَهَاَ ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا ﴾﴾ [الشمس]، وكقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ
الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت] على أحد القولين في تفسيرهما، وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً،
وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل
هذا وهذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُوبِينَ
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾﴾ أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلا
يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط، لا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها الله لهم، أو ما
ملكت أيمانهم من السراري ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال:
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ﴾ أي: غير الأزواج والإماء ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
أي: المعتدون.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن امرأة
اتخذت مملوكها وقالت: تأوّلت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ فأُتي بها عمر بن
الخطاب ظبه، وقال له ناس من أصحاب النبي بَله: تأوّلت آية من كتاب الله وَمَك على غير
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات (المسند ١٧٨/٣٨، ١٧٩ ح ٢٣٠٨٨)، ولم
يجزموا بصحته، وقد أخرجه أبو داود من طريق مسعر به (السنن، الأدب، باب في صلاة العتمة ح٤٩٨٥)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه كقولهم في سابقه، وأخرجه أبو داود من طريق إسرائيل به
(المصدر السابق ح٤٩٨٦)، وصححه أيضاً الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٧٢).

٤٥٠
• سُوَرَّةُ المُؤْمِنُونَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وجهها، قال: فغرَّب العبد وجزَّ رأسه، وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم (١). هذا أثر غريب
منقطع، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة، وهو ههنا أليق، وإنما حرمها على الرجال
معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
وقد استدل الإمام الشافعي تَخّْثُ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ قال: فهذا الصنيع خارج
عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾﴾، وقد
استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن
ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي وكل
قال: ((سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار
أول الداخلين إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن
الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره)) هذا
حديث غريب، وإسناده فيه مَن لا يعرف لجهالته(٢)، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالَّذيْنَ هُمْ لِأَمَنَنِتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴾﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا؛ بل يؤدونها إلى
أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك لا كصفات المنافقين الذي قال فيهم رسول الله ◌َالطيار:
((آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))(٣).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾﴾ أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن
مسعود: سألت رسول الله ﴿ فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة
على وقتها)). قلت: ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)). قلت: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)).
أخرجاه في الصحيحين(٤). وفي مستدرك الحاكم قال: ((الصلاة في أول وقتها))(٥).
وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ تُحَافِقُونَ ﴾﴾: يعني في مواقيت
الصلاة(٦)، وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة (٧).
وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها(٨).
وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة فدلَّ على أفضليتها كما
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه في سورة المائدة آية (٥) ٥٨٦/٩ رقم ١١٢٧٧، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع
الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير، وذلك أن قتادة لم يسمع من عمر رظُته.
(٢) وهو مسلمة بن جعفر وحسان بن حميد، كما صرح الذهبي في ميزان الاعتدال، فسنده ضعيف.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٣.
(٥) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٨٨/١).
(٦) قول ابن مسعود عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقول مسروق أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق أبي الضحى، وهو مسلم بن صُبيح، عن ابن مسعود.
(٧) قول أبي الضحى أخرجه الطبري بسند صحيح عن الأعمش عنه.
(٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

٤٥١
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال رسول الله وَله: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على
الوضوء إلا مؤمن))(١) .
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
١٠
وثبت في الصحيحين: أن رسول الله وَ ط﴿ قال: ((إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه
أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن)»(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَلور: ((ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل
في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُوْلَكَ
))))(٣).
١٠)
هُمُ الْوَرِثُنَ (
وقال ابن جريج، عن ليث، عن مجاهد ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ﴾﴾ قال: ما من عبد إلا وله
منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي
في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار(٤). وروي عن سعيد بن
جبير نحو ذلك(٥)، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك
له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا
له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم من؛ بل أبلغ من هذا أيضاً، وهو ما ثبت
في صحيح مسلم عن أبي بُردة عن أبي موسى عن أبيه، عن النبي وَّ قال: ((يجيء ناس يوم
القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى))(٦).
وفي لفظ له: قال رسول الله وَّر: ((إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهودياً أو نصرانياً،
فيقال: هذا فكاكك من النار)) فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو
ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله وسلّم بذلك، قال: فحلف له(٧).
قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا (®﴾ [مريم]،
وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (®)﴾ [الزخرف]، وقد قال مجاهد
(١) أخرجه الإمام أحمد من حديث ثوبان ظُه، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال
الصحيح، (المسند ٦٠/٣٧ ح ٢٢٣٧٨).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٣.
(٣) سنده صحيح، وأخرجه ابن ماجه من طريق أحمد بن سنان به (السنن، الزهد، باب صفة الجنة ح ٤٣٤١)،
وصححه البوصيري والحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤٤٢/١١)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه في
آخر حديث من السنن.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به ويشهد له سابقه.
(٥) یشهد له حديث أبي هريرة څبه.
(٦) أخرجه مسلم (الصحيح، التوبة، باب قبول توبة القاتل ح ٤٩/٢٧٦٧).
(٧) المصدر السابق (٥٠/٢٧٦٧).

٤٥٢
سُوْدَةُ المؤمنُون (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس(١).
وقال بعض السلف: لا يسمى البستان: الفردوس، إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ ﴿٤ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ ثُمَ خَلَقْنَا
اُلُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَمًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَآخَرَ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴿٨ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسُِّونَ ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ
يقول تعالى مخبراً عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم ظلَّلا خلقه الله من
صلصال من حما مسنون.
وقال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس ﴿مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾
قال: من صفوة الماء(٢).
وقال مجاهد: ﴿مِنْ سُلَلَةٍ﴾ أي: من مني آدم(٣).
وقال ابن جرير: إنما سمّي آدم طيناً؛ لأنه مخلوق منه (٤).
وقال قتادة: استلَّ آدم من الطين(٥).
وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق، فإن آدم عليَّ* خلق من طين لازب، وهو الصلصال
من الحمل المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ
ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَتَشِرُونَ ﴾﴾ [الروم].
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى،
عن النبي ◌ّ﴾ قال: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر
الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك))(٦)، وقد
رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح(٧).
﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ
خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴿٣ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن ◌َّهِ مَهِينٍ ﴾﴾ [السجدة] أي: ضعيف، كما
قال: ﴿أَلَ نَخْلُفْكُمْ مِّنِ مٍَّ مَّهِيرٍ (٣٥) فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ (4)﴾ يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له ﴿إِلَ
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وأخرجه البستي بسند صحيح
عن ابن جريج بدون ذکر مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، عن أبي معاوية عن الأعمش به. وسنده
ضعيف، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق المنهال عن أبي يحيى، بدون ذكر ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة: والسهل والحزن، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٥٣/٣٢ ح ١٩٥٨٢).
(٧) سنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح٤٦٩٣)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٥٥)،
وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٦١/٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٣٩٢٦).

٤٥٣
سُوْدَةُ الْمُؤْمِنُونَ (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قَدَرٍ مَّعْلُومٍ
[المرسلات] أي: مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم
فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَدِرُونَ
٢٢
وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة، ولهذا قال ههنا: ﴿ثُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ﴾ أي: ثم
صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره، وترائب المرأة،
وهي عظام صدرها، ما بين الترقوة إلى السرة، فصارت علقة حمراء على شكل العلقة
مستطيلة.
قال عكرمة: وهي: دم(١). ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قطعة كالبضعة من اللّحم لا شكل
فيها ولا تخطيط ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها
وعصبها وعروقها .
وقرأ آخرون: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾(٢). قال ابن عباس: وهو عظم الصلب.
وفي الصحيح من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم:
((كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب))(٣).
﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَخْمًا﴾ أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَآخَرَّ﴾
أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقاً آخر، ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب
﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان،
حدثنا النضر - يعني: ابن كثير مولى بني هاشم -، حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي
طالب به قال: إذا نمت النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكاً فنفخ فيها الروح في ظلمات
ثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَآخَرْ﴾(٤) يعني: نفخنا فيه الروح، وروي عن أبي سعيد
الخدري أنه نفخ الروح، قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرَ﴾ يعني: فنفخنا فيه الروح (٥)،
وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن
زيد(٦)، واختاره ابن جرير.
وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ﴾ يعني: ننقله من حال إلى حال إلى أن
خرج طفلاً ثم نشأ صغيراً، ثم احتلم ثم صار شاباً، ثم كهلاً ثم شيخاً ثم هرماً (٧). وعن قتادة
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) وهي قراءة متواترة.
(٣) صحيح البخاري، التفسير سورة المرسلات، باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (49)﴾ [المرسلات] (ح ٤٩٣٥).
(٤) سنده ضعيف لضعف النضر بن كثير (التقريب ص ٥٦٢).
(٥) أخرجه البستي والطبري من طريق الحجاج بن أرطأة عن عطاء عن ابن عباس، وفيه الحجاج كثير الخطأ
والتدليس، ويتقوى بما يليه.
(٦) قول عكرمة أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عنه، ولم أقف على ترجمة عبد الرحمن
وبقية رجاله ثقات، وقد روي من طرق صحيحة فأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد،
وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق
الربيع بن أنس عن أبي العالية، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بمعناه.

٤٥٤
سُوْدَةُ المُؤْمنُونَ (١٢، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والضحاك نحو ذلك(١)، ولا منافاة فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات
والأحوال، والله أعلم.
قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن
عبد الله - هو ابن مسعود نظبه - قال: حدثنا رسول الله وَله، وهو الصادق المصدوق: ((إن
أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة
مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله،
وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه
وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل
أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة
فيدخلها)) أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة
قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود -: إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر
وظفر، فتمكث أربعين يوماً، ثم تعود في الرحم فتكون علقة (٣).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا [أبو كدينة] (٤)، عن عطاء بن السائب،
عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله وَل وهو يحدث
أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي، فقال: لأسأله عن شيء لا يعلمه إلا
نبي، قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد، ممّ يخلق الإنسان؟ فقال: ((يا يهودي من كل يخلق
من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة
المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم)) [فقال: هكذا كان يقول من قبلك](٥) (٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أُسيد الغفاري
قال: سمعت رسول الله * يقول: ((يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين
ليلة، فيقول: يا رب ماذا؟ أشقي أم سعيد، أذكر أم أُنثى؟ فيقول الله، فيكتبان، ويكتب عمله
وأثره ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص))(٧). وقد رواه مسلم
في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو - هو: ابن دينار - به نحوه، ومن طريق أخرى
عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أُسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه(٨)، والله أعلم.
(١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن
من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٤.
(٣) سنده صحيح ويشهد له سابقه.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((أبو لدينة)).
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٤٣٧/٧ ح ٤٤٣٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/٤)، وسنده صحيح.
(٨) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي ... (ح ٢٦٤٤).

٤٥٥
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ (١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي
بكر، عن أنس: أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((إن الله وكل بالرحم ملكاً، فيقول: أي رب نطفة، أي رب
علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله خلقها قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق
والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه)) (١). أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به(٢).
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال
إلى حال وشكل إلى شكل حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق،
قال: ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا
علي بن زيد، عن أنس قال: قال عمر - يعني: ابن الخطاب ◌َظُبه -: وافقت ربي ووافقني في
أربع: نزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ الآية، قلت أنا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ
أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِفِينَ﴾(٣).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن جابر الجعفي، عن عامر
الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملي علي رسول الله بَار هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِنِسَنَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَلْقَا ءَآخَرَ﴾ فقال معاذ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾
فضحك رسول الله سر، فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: ((بها ختمت فتبارك الله
أحسن الخالقين)) (٤)، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جداً، وفي خبره هذا نكارة
شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام
معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضاً، فالله أعلم.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسُِّونَ﴾ يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى
الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يعني: النشأة الآخرة ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّقْأَةَ الْآَخِرَةُ﴾
[العنكبوت: ٢٠] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح إلى الأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفّى كل
عامل عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَفِلِينَ
لما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيراً ما يذكر تعالى خلق
السموات والأرض مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
اَلنَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وهكذا في أول ﴿الّّ ﴾﴾ السجدة التي كان رسول الله وَله يقرأ بها
صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين،
وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد.
(١) سنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي ... (ح٢٦٤٦).
(٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد.
(٤) سنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، كما قرر الحافظ ابن كثير، إذ ضعفه سنداً ومتناً.

٤٥٦
• سُورَةُ المؤمنُون (١٨، ٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿سَبْعَ طَرَّبِقَ﴾ قال مجاهد: يعني: السموات السبع(١)، وهذه كقوله تعالى: ﴿ُيِّحُ لَهُ
السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿أَلَ تَرَوْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا (٣)﴾ [نوح]
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ لِعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾﴾ [الطلاق]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ
الْخَلْقِ غَفِلِينَ ﴾﴾ أي: و﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِ الْأَرْضِ وَمَا يَخُْ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَِّ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء ولا
أرض أرضاً، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في
الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار والأشجار ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى
◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِتَبِ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
فَأَنشَأْنَا لَ
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِىِ الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَى ذَهَارٍ إِ لَقَدِّرُونَ
جَثَتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَغْتَبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ (٨) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْئَةَ تَنْبُهُ
بِالدُّهْنِ وَصِيْعٍ لِلْأَكِينَ ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَِ لَعِبْرَةٌ نُقِيَكُم مِمَا فِىِ بُطُونِهَا وَلَكُمْ فَِهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
تَأْكُونَ ﴿٨َ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء ﴿بِقَدَرٍ﴾ أي:
بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار؛ بل بقدر
الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا
تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر ويقال
لها: الأرض الجُرز، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان
أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر فيسقي أرض مصر ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه؛
لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور.
وقوله: ﴿فَأَسْكَتَّهُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا
في الأرض قابلية له تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى.
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ بِه لَقَدِرُونَ﴾ أي: لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم
إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجاً لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا،
ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها
يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من
السحاب عذباً فراتاً زلالاً، فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار
ويسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون منه
وتتنظفون، فله الحمد والمنة.
(١) أخرجه أبو الشيخ بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (العظمة ١٣٨/٣ رقم ٥٦٠)، وأخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

٤٥٧
• سُؤَدَّةُ المُؤْمِنُونَ (١٨، ٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُ بِهِ جَثَاتٍ مِّن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء
﴿جَاتٍ﴾؛ أي بساتين ﴿حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] أي: ذات منظر حسن.
وقوله: ﴿مِّنْ تَّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ﴾ أي: فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز ولا
فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم
ما يعجزون عن القيام بشكره.
وقوله: ﴿لَّكُمْ فِيَهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُثْبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرَعَ وَالزَّيْتُونَ
وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ [النحل: ١١]. وقوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على
شيء مقدر تقديره تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون.
وقوله: ﴿وَشَجَرَّةٌ تَّخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْنَةَ﴾ يعني: الزيتونة، والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما
يسمى طوراً إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها سمي جبلاً لا طوراً، والله أعلم، وطور سيناء هو
طور سينين، وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمرانلعلَّلا، وما حوله من الجبال التي
فيها شجر الزيتون. وقوله: ﴿تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره تنبت الدهن، كما
في قول العرب: ألقى فلان بيده؛ أي يده، وأما على قول من يضمِّن الفعل، فتقديره تخرج
بالدهن أو تأتي بالدهن، ولهذا قال: ﴿وَصِيْغٍ﴾ أي: أدم، قاله قتادة(١): ﴿لِلَّكِينَ﴾ أي: فيها ما
ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عبد الله بن عيسى، عن
عطاء الشامي، عن أبي أسيد واسمه: مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ظُه قال: قال
رسول الله ◌َ﴾: ((كلوا الزيت وادَّهنوا به، فإنه من شجرة مباركة))(٢).
وقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم،
عن أبيه، عن عمر: أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((ائتدموا بالزيت وادَّهنوا به فإنه يخرج من شجرة
مباركة))(٣)، ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف
إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر، وربما لم يذكره(٤).
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن
عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نميلة، عن أبيه، عن جده قال: ضفت عمر بن
الخطاب له ليلة عاشوراء فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتاً، وقال: هذا الزيت
المبارك الذي قال الله لنبيه ملاقيه(٥)
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ الْأَنْعَِ لَعِبْرَةٌ نُشِفِيَكُم مِّمَا فِىِ بُطُونِهَا وَلَكُ فِيهَا مَنَفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٩٧/٣)، وأخرجه الحاكم من طريق عطاء الشامي به، وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٧/٢، ٣٩٨) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٣٧٩).
(٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ١٣)، وسنده صحيح.
(٤) سنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في أكل الزيت (١٨٥١)، وسنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الزيت
(ح٣٣١٩)، وصححه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٦٨٢).
(٥) وفي سنده الصعب وأبوه مقبول، وشريك: مستور، كما في تراجمهم في التقريب.

٤٥٨
• سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ (٣٠،٢٣)
(٣) يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم
وَعَلَهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحُمَلُونَ
يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها
وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثِّقال إلى البلاد النائية عنهم،
كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَئِلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِِّ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ
رَّحِيمٌ ﴾﴾ [النحل]، وقال تعالى: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّعَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًّا فَهُمْ لَهَا
﴿ وَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَّكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (٣) وَكُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ
مَلِكُونَ
[یس].
فَقَالَ
﴿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا نَنَّقُونَ (٣)
الْمَلُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَّ شَآءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَبِكَةً مَّا
سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ◌َبَآَيْنَا اُلْأَوَِّينَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ
يخبر تعالى عن نوح لعلّله حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن
أشرك به وخالف أمره وكذب رسله ﴿فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهِ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَّقُونَ﴾ أي: ألا
تخافون من الله في إشراككم به؟ ﴿فَقَالَ الْمَلَؤُّ﴾ وهم السادة والأكابر منهم: ﴿مَا هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يعنون يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف
أوحي إليه دونكم؟ ﴿وَلَّ شَآءَ اَللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَبِّكَةً﴾ أي: لو أراد أن يبعث نبياً لبعث ملكاً من عنده
ولم يكن بشراً ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾؛ أي ببعثة البشر ﴿فِىّ ءَابَآَيِنَا الْأَوَِّينَ﴾، يعنون بهذا أسلافهم
وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌّ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: مجنون فيما يزعمه من
أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي ﴿فَتَرَتَّصُواْ بِهِ، حَتَّى حِينٍ﴾ أي: انتظروا به ريب
المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه.
﴿قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا
وَفَارَ الثَّتُوُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوَّلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَطِبْنِ
فِ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم مُّغْرَفُونَ ﴿ فَإِذَا أَسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْمَدُ لِلَّهِ الَّذِى تَنَا مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴿ وَقُل رَّتِّ أَنِ مُنَزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنِلِينَ ﴿٨ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
يخبر تعالى عن نوح عليه أنه دعا ربه ليستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبراً عنه في الآية
الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ﴾﴾ [القمر]، وقال ههنا: ﴿رَبِّ أَنْصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فعند
ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين؛ أي
ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إِلَّا
مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اُلْقَوَّلُ﴾ أي: من سبق عليه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من
أهله كابنه وزوجته، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا تُخَطِبْنِى فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم ◌ُغْرَقُونَ﴾ أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك

٤٥٩
سُورَة المؤمنُون (٣١، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما
هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا .
وقوله: ﴿فَإِذَا أُسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الَْدُ لِلَّهِ الَّذِىِ نَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (®)﴾، كما
قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَّكَبُونَ ﴿﴿ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ
عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴿ وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
[الزخرف]. وقد امتثل نوح علّ هذا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِبِهَا
وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١]، فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّتٍّ أَنِلْنِىِ
مُنْزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
وقوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي: إن في هذا الصنيع، وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين،
﴿لَيَتٍ﴾؛ أي لحججاً ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاؤوا به عن الله تعالى، وأنه
تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء.
وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.
فَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
﴿ثُرَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ
أَفَلَاَ نَتَّقُونَ ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا
وَلَيِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ بَأْكُلُ مِمَا تَأْكُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (9َّ)
◌َ إِنْ هِىَ
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ
أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمَا أَنَّكُم ◌ُخْرَجُونَ
٣٤٦
إِلَّا حَيَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُ أَفْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّصْبِحُنَّ نَدِمِينَ ﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
٣٩٦
بِمُؤْمِنِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ
بِلْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُنَ فَبَعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرناً آخرين، قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين
بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ وأنه تعالى أرسل فيهم
رسولاً منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه
بشراً مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد
الجثماني وقالوا: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ وَكُمْ قُرَبًا وَعِظَامًا أَنَّكُ مُخْرَجُونَ ﴿ ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا
تُوعَدُونَ (٣)﴾ أي: بعيد بعيد ذلك ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلُّ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ أي: فيما جاءكم به
من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٤٨ قَالَ رَبِّ أَنْصُرْنِ بِمَا كَذَّبُونِ (3)﴾
أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّصْبِحُنَّ نَكِمِينَ
﴿ فَأَخذتَهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ أي: وكانوا يستحقون
أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به
ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم، والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف
القوي الباردة ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَى إِلَّا مَسَكِنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. وقوله:
﴿فَجَعَلْنَهُمْ غُثَاءُ﴾ أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا
ينتفع بشيء منه، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الَّالِمِينَ

٤٦٠
سُورَةُ المؤمنُون (٤٢، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[الزخرف] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم.
﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوْنَا ءَاخِينَ ﴿٨ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَْخِرُونَ (٨٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا
وُلَنَا تَبْراً كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولِهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعَنَا بَعْضَهُم بَعْضَا وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ فَبَعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
٤٤
يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوْنَاءَاخَرِينَ ﴾﴾ أي: أُمماً وخلائق ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا
وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ ﴾﴾ يعني: بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ، وعلمه
قبلٍ كونهم أُمة بعد أُمة، وقرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وخلفاً بعد سلف، ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
تَتْرًا﴾ .
قال ابن عباس: يعني: يتبع بعضهم بعضاً، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَسُولًا
أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم ◌َّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَهُ﴾ [النحل: ٣٦].
وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَّةَ أُمَّةُ رَسُولُهَا كَذَّبُوهٌ﴾ يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى
اَلْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٣)﴾ [يس].
وقوله: ﴿فَتْبَغْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا﴾ أي: أهلكناهم كقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ﴾
[الإسراء: ١٧].
وقوله: ﴿وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ﴾ أي: أخباراً وأحاديث للناس، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْتَهُمْ
كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].
- ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٌ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَأُسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ
قَوْمًا عَالِينَ
﴿ فَقَالُواْ أَنْؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَبِدُونَ
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ
﴿ وَلَقَدْ
ءَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ لَعَلَّهُمْ يَهْنَدُونَ
يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى ظلّله وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج
الدامغات والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما
لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم فأهلك الله
فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة، فيها
أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن
أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة؛ بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
مُؤْسَ الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ
(٤٣)
[القصص] .
] ﴿وَعَلْنَا أَبْنَ مَرَْمَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةٌ وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ
۵٠
يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ظلَّه أنه جعلهما آية للناس؛ أي
حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أُم، وخلق حواء من
ذكر بلا أُنثى، وخلق عيسى من أُنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: