Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
سُوَدَّةُ الأَنْبِيَاءِ (٩٥، ٩٧)
[المؤمنون: ٥١، ٥٢] وقال رسول الله ﴾: ((نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد))(١)،
يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بِيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم
ومكذب، ولهذا قال: ﴿كُلّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيجازي كل بحسب عمله، إن
خيراً فخير وإن شراً فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: قلبه مصدق
وعمل صالحاً ﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ،﴾ كقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]
أي: لا يكفر سعيه وهو عمله؛ بل [يشكر فلا](٢) يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ
كَئِبُونَ﴾ أي: يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه منه شيء.
حَتَّ إِذَا فُتِحَتْ بَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ وَهُم
] ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَّجِعُونَ
، وَأَقْتَرَبَ اُلْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَنْوَيِّلَنَا
كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ
ـن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
٤٢٠
يقول تعالى: ﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: وجب(٣)؛ يعني: قد قدر أن أهل كل قرية
أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر
وقتادة وغير واحد(٤). وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون؛ أي لا يتوبون(٥)، والقول
الأول أظهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿حَّ إِذَا فُتِحَتْ بَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ قد قدمنا أنهم من سلالة آدم عليَّ؛ بل هم من نسل
نوح أيضاً من أولاد يافث؛ أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو
القرنين، وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعَدُ رَبِّ جَعَلَهُ دَكََّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍ حَقًّا ﴿﴾ وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ
يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَثُفِخَ فِى الْصُورِ لَعْنَهُمْ جمعًا ﴾﴾ [الكهف]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿حَقَّ إِذَا
فُنِحَتْ بَأْجُوجُ وَمَأْجُوُجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾﴾ أي: يسرعون في المشي إلى الفساد،
والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم(٦)،
وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] هذا
إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض لا إله إلا هو.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن
(١) تقدم تخريجه في سورة الأنعام آية ١٥٩.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) هذا التفسير على قراءة ((حرم)) وهي قراءة متواترة، وهذا التفسير أخرجه ابن أبي حاتم من طريق داود بن
أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس (ينظر: فتح الباري ٥٠٣/١١).
(٤) ما ورد عن أبي جعفر الباقر هو سؤال جابر الجعفي عن الرجعة، فأجابه بقراءة هذه الآية، وسنده ضعيف
لضعف جابر الجعفي وتشیعه.
(٥) أخرجه الثوري والطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
٣٦٢
سُورَةُ الإِنْبِيَاءِ (٩٥، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبياناً ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا
يخرج يأجوج ومأجوج(١).
وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية.
فالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن
عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله وَ له يقول:
(«تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله رَبّ: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَدٍ
يَنْسِلُونَ﴾)) فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم
مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمرّ بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابساً، حتى
أن مَن بعدهم ليمرّ بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا
أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء، قال: ثم
يهزُ أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينما هم على
ذلك إذ بعث الله وك دوداً في أعناقهم كنغف (٢) الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا
يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد
رجل منهم محتسباً نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي:
((يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله وم قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنھم وحصونهم،
ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم كأحس ما شكرت عن شيء من
النبات أصابته قط))(٣)، ورواه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [به](٤)(٥) .
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني
عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال:
ذكر رسول الله ور الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا
إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه
ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: ((غير الدجال أخوفني عليكم. فإن يخرج وأنا فيكم
فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل
مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية(٦)، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً
وشمالاً يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: ((أربعون يوماً، يوم
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم (النهاية ٨٧/٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٢٥٦/١٨ - ٢٥٨ ح ١١٧٣١).
(٤) زيادة من (ح) و(حم).
(٥) سنن ابن ماجه، الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (ح٤٠٧٩)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح
سنن ابن ماجه (ح ٣٣٠٧).
(٦) أي: مرتفعة عن محلها .
٣٦٣
سُؤَدَّةُ الأَنْبِيَاءٌ (٩٥، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كسنة، ويوم كشهر، يوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)) قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي هو
كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: ((لا اقدروا له قدره)) قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في
الأرض؟ قال: كالغيث اشتد به الريح، قال: فيمر بالحيّ فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء
فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم(١) وهي أطول ما كانت ذرى(٢)، أمده خواصر،
وأسبغه ضروعاً، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين(٣)
ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب
النحل (٤)، قال: ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين(٥) رمية الغرض، ثم يدعوه
فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله ربك المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة
البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين(٦) واضعاً يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند
باب لُّد الشرقي، قال: فبينما هم كذلك إذ أوحى الله رحمك إلى عيسى ابن مريم علا أني قد
أخرجت عباداً من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله دم يأجوج
ومأجوج، كما قال تعالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله رَّك،
فيرسل عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا
يجدون في الأرض بيتاً إلا قد ملأه زهمهم (٧) ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ربك،
فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله)).
قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل (٨).
قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس.
قال: ((ويرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوماً، فيغسل الأرض حتى يتركها
كالزلقة؛ ويقال للأرض: أنبتي ثمرك ودرِّي بركتك، قال: فيومئذٍ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون
بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر
تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله مق
ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم - أو قال: كل مؤمن - ويبقى شرار
الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة))(٩).
انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، ورواه مع بقية أهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح(١٠).
(١) أي: ماشيتهم.
(٢) جمع ذروة، وهي: أعلى سنام البعير.
(٣) أي: مجدبین.
(٤) جمع يعسوب، وهو: أمير النحل؛ أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها .
(٥) أي: قطعتين.
(٦) أي: بين حُلّتين شبيهتين بالمصبوغ بالهرد، والهرد: عرق، وقيل: الثوب المهرود الذي يصبغ بالورس ثم
بالزعفران.
(٧) أي: دسمهم.
(٨) أي: الهوة الذاهبة في الأرض.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٧٢/٢٩ - ١٧٥).
(١٠) صحيح مسلم، الفتن، باب ذكر الدجال وصفته (ح ٢١٣٧)، وسنن الترمذي، الفتن (ح ٢٢٤٠).
٣٦٤
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٩٥، ٩٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000000000000000001
(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، [عن](١)
ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله وَ ل﴿ وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال:
((إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض
الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف (٢)، من كل حدب ينسلون؛ كأن وجوههم المجان
المطرقة))(٣).
وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة
المدلجي، عن خالة له، عن النبي وَالر ... فذكره مثله سواء(٤).
(الحديث الرابع): قد تقدم في آخر تفسير سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد عن هشيم،
عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود ظُه، عن رسول الله وَله
قال: ((لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى لها قال: فتذاكروا أمر الساعة فردُوا أمرهم
إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردُوا
أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال
خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن
الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس
إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون،
فيطئون بلادهم، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرُّون على ماء إلا شربوه، قال: ثم
يرجع الناس إليّ يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم،
وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان
كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلاً أو نهاراً»(٥).
ورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به نحوه،
وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله رَى: ﴿حَّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوِجُ وَهُم
(@)، ورواه ابن جرير ههنا من حديث جبلة به (٦)
مِّنِ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
والأحاديث في هذا كثيرة جداً والآثار عن السلف كذلك. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم
من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الضيف قال: قال كعب: إذا
كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل
ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج، فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد
فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل
(١) كذا في (ح) و(حم) المسند، وفي الأصل صحفت إلى: ((بن)).
(٢) أي: شُقر الشعور.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ١٩/٣٧ ح٢٢٣٣١).
(٤) سنده ضعيف كسابقه.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.
(٦) تقدم تخريجه کسابقه.
٣٦٥
سُورَةُ الانْبيَاءِ (٩٨، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه
كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمرُّ الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمرُّ الزمرة
الثانية فيلحسون طينها، ثم تمرُّ الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا
يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل
الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم فعلا، فيقول: اللَّهم لا طاقة ولا يد لنا
بهم، فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دوداً يقال له: النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله
عليهم طيراً تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها: الحياة، يطهر الله
الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، وقيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت،
قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، قال: فيبعث عيسى ابن مريم
طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحاً يمانية طيبة
فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة
كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع، قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئاً أو بعد علمي هذا
شيئاً فهو المتكلف(١)، وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار.
وقد ثبت في الحديث: أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن
داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَليه :
((ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج))(٢). انفرد بإخراجه البخاري(٣).
وقوله: ﴿وَأَقْتَرَبَ اٌلْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ يعني: يوم القيامة إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلابل،
أزفت الساعة واقتربت فإذا كانت ووقعت، قال الكافرون: ﴿هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٨]، ولهذا قال
تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام
﴿يَيْلَنَا﴾ أي: يقولون: يا ويلنا ﴿قَدْ كُنَّا فِ عَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ أي: في الدنيا ﴿بَلْ كُنَّا
ظَالِمِينَ﴾ يعترفون بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك.
﴿ لَوْ كَانَ
- ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ
هَؤُلَاءِ ءَلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴿﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (٣) إِنَّ
◌َ لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا أَشْتَهَتْ
الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ ﴿َ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَقَّئُهُمُ الْمَلَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ
تُوعَدُونَ (عِشَا)﴾
يقول تعالى مخاطباً لأهل مكة من مشركي قريش ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان:
(١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي الضيف به، وأخرجه الطبري من طريق معمر عن غير واحد
عن أبي الضيف به، وفي الحالتين الخبر من الإسرائيليات ولبعضه شواهد.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/٣)، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ أَلْبَيْتَ
الْحَرَامَ ... ﴾ بسورة المائدة ٩٧ - ح ١٥٩٣).
٣٦٦
• سُورَةُ الأَنْبَاءِ (٩٨، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونٍ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: أي: وقودها(١). يعني:
كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقال ابن عباس أيضاً: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: شجر جهنم (٢)، وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ
(٣)
يعني: حطب جهنم بالزنجية
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها(٤)، وهي كذلك في قراءة علي وعائشة طه(٥).
وقال الضحاك: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ أي ما يرمى به فيها (٦)، وكذا قال غيره، والجميع قريب.
وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ أي: داخلون ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ يعني: لو
كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهة صحيحة لما وردوا النار وما
دخلوها ﴿وَكُلُّ فِيَهَا خَلِّدُونَ﴾ أي: العابدون ومبعوداتهم كلهم فيها خالدون ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾
كما قال تعالى: ﴿لَمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيٌ﴾ [هود: ١٠٦] والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج
أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ .
قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا
عبد الرحمن - يعني: المسعودي -، عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار
جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم
. ورواه ابن جرير من حديث
تلا عبد الله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ
حجاج بن محمد، عن المسعودي، عن يونس بن خبّاب، عن ابن مسعود ... فذكره(٨) .
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ قال عكرمة: الرحمة(٩).
وقال غيره: السعادة ﴿ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم
بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة
وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]
٢٠﴾ [الرحمن] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله
وقال: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ
مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حريقها في الأجساد.
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة
أخرجه البستي بسند صحيح من طريق عبد الملك بن أبجر الكوفي عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه.
(٥) ذكره الطبري تعليقاً، وذكره الفراء (معاني القرآن ٢١٢/٢).
(٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٧) سنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن يونس لم يسمع ابن مسعود، ويتقوى بسابقه.
(٩) لم أجد من أخرجه، ومعناه صحیح فصيح.
٣٦٧
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٩٨، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة،
عن أبيه، عن الجريري، عن أبي عثمان ﴿لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ قال: حيات على الصراط
تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حسَ حَس(١).
وقوله: ﴿وَهُمْ فِى مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِّدُونَ﴾ فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم
المطلوب والمحبوب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي
يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سُليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال:
وسمر مع علي ذات ليلة، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو
قال: سعد منهم، قال: أقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ
حَسِيسَهَا﴾(٢).
وقال شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت علياً يقول
في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ﴾ قال: عثمان وأصحابه، ورواه ابن أبي حاتم
أيضاً، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد، وليس بابن ماهك، عن محمد بن حاطب،
عن علي ... فذكره ولفظه: عثمان منهم(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:
: فأولئك أولياء الله يمرون على
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (®)﴾
الصراط مراً هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثياً(٤). فهذا مطابق لما ذكرناه، وقال
آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزير والمسيح، كما قال حجاج بن محمد
الأعور، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُنِ اللَِّ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَِّينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا
اٌلْحُسْنَ﴾ فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله من(٥)، وكذا قال
عكرمة والحسن وابن جريج(٦).
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ قال: نزلت في
عيسى ابن مريم وعزير ◌ِالشَّاهُ(٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن
(١) سنده مرسل.
(٢) في سنده ليث فيه مقال، ومتنه فيه غرابة؛ لأنه يستبعد أن يقول الصحابي الجليل النعمان بن بشير تظله: أنا
منهم.
(٣) أخرجه الطبري من طريق أبي بشر عن يوسف بن سعد به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن
یوسف بن سعد به، وسنده صحيح.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) سنده حسن بما يليه، وقوله: ((هم الملائكة وعيسى)) له شاهد، أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) قول عكرمة والحسن أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف.
(٧) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
٣٦٨
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٩٨، ١٠٣)
ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن علي في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى
ابن مريم. إسناده ضعيف(١) .
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة(٢).
وقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر، وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي
صالح وغير واحد(٣).
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي،
حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، حدثنا الليث بن أبي سُليم عن مغيث، عن أبي هريرة، عن
النبيِ وَّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (®﴾ قال: عيسى
وعزير والملائكة (٤).
وذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن
علي بن سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، حدثنا
يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم - يعني: ابن أبان -، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء
عبد الله بن الزبعري إلى النبي ◌ّ﴿ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْجُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (®﴾ فقال ابن الزبعري: قد عبدت
الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت
{ وَلَمَّ
ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ ﴿﴿ وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً
[الزخرف] ثم نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا
بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ (@)﴾
مُبْعَدُونَ (®)﴾(٥). رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان - يعني: الثوري -، عن
الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴾﴾ قال المشركون: فالملائكة وعزير وعيسى يعبدون من
دون الله، فنزلت ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ الآلهة التي يعبدون ﴿وَكُلُّ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾(٦) .
(١) بل ضعيف جداً؛ لأن سعد بن طريف متروك (التقريب ص٢٣١).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة، وقول أبي صالح أخرجه
الطبري بسند ضعيف فيه إسماعيل بن سيف، وهو ضعيف، ويتقوى بسابقيه.
(٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن مسلمة بن عبد الملك (التقريب ص٢٤١).
(٥) أخرجه ابن مردويه بسنده ومتنه كما نقله الحافظ ابن حجر وحسنه (موافقة الخُبر الخَبر ١٧٢/٢)، وأخرجه
الحاكم من طريق الحسين بن واقد النحوي عن عكرمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٤/٢،
٣٨٥).
(٦) سنده ضعيف لجهالة أصحاب الأعمش، ويتقوى بسابقه ولاحقه.
٣٦٩
• سُورَةُ الإنْبِيَاءِ (٩٨، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك
وقال: فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (٣)﴾(١).
وقال محمد بن إسحاق بن يسار تَخْتُ في كتاب السيرة: وجلس رسول الله وَ ل* فيما بلغني يوماً
مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير
واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله وَ﴿ فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله وأَ لجم
حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَرِدُونَ ﴿ لَوْ كَانَ هَكُلَاءِ وَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلُّ فِيهَا خَلِّدُونَ ﴿﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا
لَا يَسْمَعُونَ ﴾﴾ ثم قام رسول الله وَّر وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم،
فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطب آنفاً
ولا قعد، وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري:
أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمداً كل ما يُعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن
نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن
كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك
لرسول الله ﴿ فقال: ((كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون
اُلْحُسْنَ أَوْلَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا
نَّ الَّذِينَ
الشيطان ومن أمرهم بعبادته))، وأنزل الله
لَا يَشَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (٣)﴾ أي عيسى وعزير ومن عبدوا
من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً
﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا
من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله
﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إَِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ
(٨) إلى قوله:
سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ
جَهَنَّهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ (﴾ [الأنبياء]، ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من
ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ
لِمَّا
دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته ﴿
وَقَالُواْ ءَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴿ إِنْ هُوَ
مِنْهُ يَصِدُّونَ
إِلَّا عَبْدَّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيَّ إِسْرَِّيلَ ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةُ فِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾ [الزخرف] أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى
وإبراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة، يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونَ هَذَا صِرَطٌ
مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١](٢).
وهذا الذي قاله ابن الزبعري خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطاباً لأهل مكة في عبادتهم
الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعاً وتوبيخاً لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ فكيف يورد على هذا المسيح وعزير ونحوهما ممن له عمل
(١) أخرجه الطبري من طريق الحسن بن الحسين الأشقر عن أبي كدينة به، وفي سنده عطاء بن السائب: صدوق
اختلط (التقريب ص ٣٩٠)، ويتقوى إذ توبع في رواية ابن مردويه.
(٢) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٣٥٨/١)، وسنده ضعيف معضل، ويشهد لبعضه ما تقدم في رواية ابن
مردویه.
٣٧٠
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (١٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
صالح ولم يرضَ بعبادة من عبده، وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن ﴿مَا﴾ لما لا
يعقل عند العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعري بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وقد
كان يهاجي المسلمين أولاً ثم قال معتذراً:
يا رسول المليك إن لساني
رائق ما فتقت إذ أنا بور
ومن مال ميله مثبور (١)
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي
وقوله: ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ﴾ قيل: المراد بذلك: الموت، رواه عبد الرزاق عن
يحيى بن ربيعة، عن عطاء. وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور، قاله العوفي عن ابن
عباس(٢)، وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره، وقيل: حين يؤمر
بالعبد إلى النار، قاله الحسن البصري(٣)، وقيل: حين تطبق النار على أهلها، قاله سعيد بن جبير
وابن جريج(٤)، وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار، قاله أبو بكر الهذلي(٥) فيما رواه ابن
أبي حاتم عنه، وقوله: ﴿وَنَذَلَقَّنْهُمُ الْمَئِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوُعَدُونَ﴾ يعني: تقول لهم
الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُعَدُونَ﴾
أي: فأملوا ما يسركم.
] ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِّ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ نُعِيدُؤٍ وَعْدًا عَلَيْنَأَ إِنَا
كُنَّ فَعِلِين
يقول تعالى: هذا [كائن](٦) يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَلَيّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كما قال
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ فَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتْ بِيَمِينِهِ،
سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (﴾﴾ [الزمر].
وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي: القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ◌َ* قال: ((إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون
السموات بيمينه)) انفرد به من هذا الوجه البخاري تَّتُهُ(٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن
سلمة، عن أبي الواصل، عن أبي المليح الأزدي، عن أبي الجوزاء الأزدي، عن ابن عباس
قال: يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي
(١) اسشتهد به ابن هشام (السيرة النبوية ٤١٩/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن الحسن.
(٤) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه، وقول ابن جريج أخرجه
الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.
(٥) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة عن أبي بكر الهذلي.
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((كان)).
(٧) أخرجه البخاري بسنده بنحوه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: ٧٥] ح ٧٤١٢).
٣٧١
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (١٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يديه بمنزلة خردلة(١).
وقوله: ﴿كَلَيّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قيل: المراد بالسجل: الكتاب(٢)، وقيل: المراد بالسجل
ههنا: ملك من الملائكة(٣)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن
العلاء، حدثنا [يحيى بن يمان] (٤)، حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله
تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السََّاءَ كَلَيّ السِّجِلِ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل: ملك، فإذا صعد بالاستغفار
قال: أكتبها نوراً، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان، به(٥).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين: أن السجل ملك(٦).
وقال السدي في هذه الآية: السجل ملك موكل بالصحف فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى
السجل، فطواه ورفعه إلى يوم القيامة (٧) .
وقيل: المراد به اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ◌ّ الوحي، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو
زرعة، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا نوح بن قيسٍ، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء،
عن ابن عباس ﴿يَوَمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَلَيِّ السِّلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجل هو الرجل: قال نوح:
وأخبرني يزيد بن كعب - هو العوذي -، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال:
السجل: كاتب للنبي ◌َ﴾(٨). وهكذا رواه أبو داود والنسائي، كلاهما عن قتيبة بن سعيد، عن نوح بن
قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ظ﴿ه قال: السجل
كاتب للنبي وَ﴾(٩)، ورواه ابن جرير، عن نصر بن علي الجهضمي، كما تقدم(١٠)، ورواه ابن عدي
من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان
لرسول الله وَّ كاتب يسمى السجل، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَاءَ كَلَيّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال:
كما يطوى السجل الكتاب كذلك تطوى السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ (١١).
(١) يشهد له رواية البخاري السابقة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الثوري عن السدي، ومن طريق الثوري أخرجه الطبري، والثوري لم يسمع من السدي، وأخرجه
البخاري (التاريخ الكبير ٤٣٣/١) من طريق ابن السدي عن السدي، وكذا أخرجه البستي وابن السدي هو
إسماعيل: مجهول، كما في التقريب.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((يحيى بن أبان)).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً؛ لأن أبا الوفاء الأشجعي، واسمه جعفر بن ميسرة، وهو
منكر الحديث (لسان الميزان ١٢٩/٢).
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والطبري، والذي في الطبري مختصر كما تقدم قبل ثلاث روايات.
(٨) الشطر الأول سنده حسن، وأما الشطر الثاني في سنده يزيد بن كعب العوذي: مجهول (التقريب ص٦٠٤).
(٩) سنن أبي داود، الخراج والأمارة، باب في اتخاذ الكاتب (ح٢٩٣٥)، والسنن الكبرى (ح١١٣٣٥)، وسنده
ضعيف كسابقه.
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه كما تقدم تحسينه في رواية ابن أبي حاتم.
(١١) أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ٢٠٥/٧)، وسنده ضعيف لضعف يحيى بن عمرو بن مالك
ويقال: إن حماد بن زيد كذبه (التقريب ص٥٩٤).
٣٧٢
• سُورَةُ الأَنْبَيَاءٌ (١٠٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب
الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد، حدثهم عن عبد الله بن نمير،
عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: السجل: كاتب للنبي وَل(١)، وهذا منكر
جداً من حديث نافع، عن ابن عمر لا يصح أصلاً، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي
داود وغيره لا يصح أيضاً، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود
منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج - المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله، وختم له
بصالح عمله -، وقد أفردت لهذا الحديث جزءاً على حده، ولله الحمد.
وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث، وردَّه أتمَّ رد، وقال: لا
يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتّاب النبي ◌َّلإر معروفون، وليس فيهم أحد اسمه
السجل، وصدق تَكْثُ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في
أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره، والله أعلم، والصحيح عن ابن
عباس: أن السجل هي الصحيفة، قاله علي بن أبي طلحة(٢)، والعوفي عنه(٣)، ونص على ذلك
مجاهد وقتادة وغير واحد(٤)، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى
الكلام يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب؛ أي على الكتاب بمعنى: المكتوب، كقوله:
﴾ [الصافات] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ مَـ
وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدٍُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾ يعني: هذا كائن لا محالة يوم
يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً كما بدأهم هو القادر على إعادتهم. وذلك واجب الوقوع لأنه من
جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّ فَعِلِينَ﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر وعفان المعني قالوا: حدثنا شعبة، عن المغيرة بن
النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله وَّ بموعظةٍ: فقال: ((إنكم
محشورون إلى الله رَ حفاة عراةً غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا، إنا كنا فاعلين ... )) وذكر
تمام الحديث(٥)، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ذكره البخاري عند هذه الآية في كتابه (٦).
وقد روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عائشة، عن رسول الله وَ ل أو نحو ذلك(٧)، وقال
العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كَمَا بَدَأَنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: يهلك كل شيء كما كان
أول مرة(٨).
(١) تاريخ بغداد ٨/ ١٧٥.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق على به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٥/١)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، التفسير باب ﴿وَكُنْتُ عَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] (ح٤٦٢٥)، وصحيح
مسلم، كتاب الجنة مصنفة نعيمها، باب فناء الدنيا (ح ٢٨٦٠).
(٧) أخرجه الطبري من طريق ليث، وليث فيه مقال، ومجاهد لم يسمع من عائشة، ويشهد لبعضه ما تقدم في
الصحیحین.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما تقدم في الصحيحين.
٣٧٣
• سُورَةِ الانْبيَاءِ (١٠٥، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
١٥ إِنَّ فِي
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ
هَذَا لَبَلَغَّا لِقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴿﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ
يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة ووراثة
الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
اُلْأَشْهَدُ (@)﴾ [غافر] وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا
اُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ ... ﴾ الآية [النور: ٥٥].
وأخبر تعالى أن هذا مسطور في الكتب الشرعية والقدرية وهو كائن لا محالة، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّرِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ .
[قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَغَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ﴾](١) فقال: الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن(٢).
وقال مجاهد: الزبور: الكتاب (١).
وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر:
التوراة(٤).
وعن ابن عباس: الزبور: القرآن(٥).
وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء(٦).
وقال مجاهد: الزبور: الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله(٧)، واختار ذلك ابن
جرير كَّلُهُ، وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول(٨).
وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء، والذكر: أمّ
الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك(٩) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أخبر الله 348 في التوراة والزبور وسابق علمه قبل
أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد ﴿ الأرض، ويدخلهم الجنة وهم
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه الثوري عن الأعمش به، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) قول الشعبي أخرجه الطبري والحاكم من طريق داود بن أبي هند عنه، وسكت عنه الحاكم والذهبي
(المستدرك ٥٨٧/٢) وسنده حسن، وقول قتادة عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه بمعناه.
(٩) أخرجه الطبري كسابقه.
٣٧٤
• سُورَةُ الإنْبيَاءِ (١٠٥، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصالحون(١).
وقال مجاهد، عن ابن عباس ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ قال: أرض الجنة(٢)، وكذا قال
أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري(٣).
وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون (٤).
وقال السدي: هم المؤمنون.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَغَّا لِّقَوْمٍ عَبِدِينَ ﴾﴾ أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على
عبدنا محمد ﴿ لبلاغاً: لمنفعةً وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه
ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان، وشهوات أنفسهم.
وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ (4)﴾ يخبر تعالى أن الله جعل محمداً وَل رحمة
للعالمين؛ أي أرسله رحمةً لهم كلهم فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ
والآخرة، ومن ردَّها وجحدها خسر فى الدنيا والآخرة كما قال تعالى:
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٣)﴾ [إبراهيم] وقال
٢٨
نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ اَلْبَوَارِ
تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيَّ ◌َاذَانِهِمْ وَقَّرٌ
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان،
عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين. قال: ((إني لم أبعث
لعّاناً، وإنما بعثت رحمة)) انفرد بإخراجه مسلم(٥).
وفي الحديث الآخر: ((إنما أنا رحمة مهداة)) رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره، عن وكيع، عن
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعاً. قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن
وكيع، فلم يذكر أبا هريرة (٦). وكذا قال البخاري وقد سئل عن هذا الحديث، فقال: كان عند
حفص بن غياث مرسلاً.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد به، وفي سنده أبي يحيى: لين الحديث (التقريب
ص٦٨٦)، ويشهد له الآثار التالية.
(٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم.
(٤) أخرجه البخاري من طريق ميسرة مولى فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء (التاريخ الكبير ٣٧٥/٧ - ٣٧٦)
هكذا ذكر معلقاً .
(٥) صحيح مسلم، البر والصلة، باب النهي عن لعن الدواب (ح٢٥٩٩).
(٦) أخرجه أبو الحسن السكري من طريق عبد الله بن أبي عرابة به، في الفوائد المنتقاة كما ذكر الألباني
وصححه (السلسلة الصحيحة ح ٤٩٠)، وأخرجه البيهقي من طريق وكيع به بدون ذكر أبي هريرة (دلائل النبوة
١٥٧/١)، ونسبه الهيثمي إلى البزار وقال: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٥٧/٨)، وصححه
السيوطي في الجامع الصغير ٣٤٨/١.
٣٧٥
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (١٠٥، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سُعير بن [الخمس] (١)، عن الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً، ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم،
كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي
أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((إنما أنا رحمة مهداة))(٢). ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود، عن سفيان بن
عيينة، عن مسعر، عن سعيد بن خالد، عن رجل، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله
بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين))(٣)
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح
قال: وجدت كتاباً بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن
عمر بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عمرو بن عوف، عن محمد بن صالح التمار، [عن ابن
شهاب](٤)، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن
حمزة: يا معشر قريش إن محمداً نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئاً،
فاحذروا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم لأنكم نفيتموه نفي
القردان عن المناسم(٥)، واللهِ إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحداً من أصحابه إلا رأيت معهم
الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة - يعني: الأوس والخزرج -، فهو عدو استعان بعدو،
فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم والله ما رأيت أحداً أصدق لساناً، ولا أصدق موعداً من
أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم، فكونوا أكفَّ الناس عنه، قال [أبو سفيان](٦) بن
الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلّا ولا ذمة، وإن
أطعتموني ألجأتموهم حير كنانة أو تخرجوا محمداً من بين ظهرانيهم، فيكون وحيداً مطروداً،
وأما [ابنا قيلة فوالله ما هما وأهل دهلك(٧)] (٨) في المذلة إلا سواء وسأكفيكم حدهم، وقال:
على ما كان من قرب وبعد
سأمنح جانباً مني غليظاً
إذا ما كان هزل بعد جد
رجال الخزرجية أهل ذل
فبلغ ذلك رسول الله وَّر فقال: ((والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم
كارهون، إني رحمة بعثني الله ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء أنا محمد
وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي،
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الحميص)).
(٢) أخرجه البيهقي من طريق مالك بن سُعير الخمس به (دلائل النبوة ١٥٨/١)، وأخرجه الحاكم من الطريق
نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥/١).
(٣) تاريخ دمشق ٣٤١/٥٧، وهذا الحديث الأخير ضعيف لجهالة الراوي عن ابن عمر .
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٥) القردان واحدة قُراد، وهو: دويبة تعض الإبل والمناسم جمع منسم، وهو: طرف خفِّ البعير.
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٧) دهلك: هي جزيرة جنوب البحر الأحمر، تقع بين اليمن والحبشة.
(٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض، ثم: ((وأهل وأهل لك)).
٣٧٦
• سُورَةُ الإِنْبِيَاءٌ (١١٢،١٠٨)
وأنا العاقب)) وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحاً (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس، عن
عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله وَله، فجاء
حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة إن رسول الله وَ ر كان يغضب فيقول ويرضى فيقول،
لقد علمت أن رسول الله * خطب فقال: ((أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته
لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، إنما بعثني الله رحمة للعالمين فأجعلها
صلاة عليه يوم القيامة))(٢) .
ورواه أبو داود، عن أحمد بن يونس، عن زائدة(٣).
فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا
إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق، عن المسعودي، عن رجل يقال له: سعيد، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ قال: من آمن
بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما
أصاب الأمم من الخسف والقذف(٤)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي عن أبي
سعد وهو سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... فذكره بنحوه(٥)،
والله أعلم، وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان بن أحمد، عن عيسى بن يونس الرملي، عن
أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم
يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف(٦).
] ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىّ إِلَىَ أَنَمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ فَهَلْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ ﴿ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ
ءَذَنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِىَ أَقَرِيبُ أَمْ بَعِيِدٌ مَّا تُوعَدُونَ ﴿٦ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ
◌َ قَلَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَيُّ وَرَبْنَا الرَّهْنَنُ
مَا تَكْتُمُونَ ﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ
الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
يقول تعالى آمراً رسوله صلواته وسلامه عليه أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَىَ أَنَّمَاً
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢٣/٢ ح ١٥٣٢)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طريق
أحمد بن صالح وجادة، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده صحيح إن صحَّ سماع عمرو بن أبي قرة من سلمان
(المسند ١١٠/٣٩ ح ٢٣٧٠٦).
(٣) سنن أبي داود، السنة، باب النهي عن سب أصحاب رسول الله وهلير (ح٤٦٥٩)، وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح ٣٨٩٤).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد، وهو ابن المرزبان البقال، وقد توبع كما سيأتي
فيرتقي إلى الحسن لغيره.
(٥) سنده كسابقه.
(٦) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٣/١٢ ح ١٢٣٥٨)، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق
المسعودي عن أبي سنان، وهو ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير به (المختارة ٣٩٧/١٠)، وسنده حسن.
٣٧٧
• سُورَةُ الأَنْبِيَاءٌ (١٠٨، ١١٢)
إَِهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌّ فَهَلْ أَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي: متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنِ
تَوَلَّوْ﴾ أي: تركوا ما دعوتهم إليه ﴿فَقُلْ مَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما
أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني، كقوله: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِّيِ عَمَلِىِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمّ
أَنْتُم بَرِيّقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [يونس]، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْرٍ خِيَانَةً فَأَنَبِذْ
إِلَيْهِمْ عَلَ سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا
﴿فَإِنِ تَوَلَّوْ فَقُلْ ءَاذَنُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك.
وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبُ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي
بقربه ولا ببعده ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (13)﴾ أي: إن الله يعلم الغيب
جميعه ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم
ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل.
وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ (®﴾ أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم
ومتاع إلى حين.
قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى(١)، وحكاه عون، عن
ابن عباس، فالله أعلمٍ.
﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُرُ بِاَلْحَقِّ﴾ أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق.
قال قتادة: كانت الأنبياء * يقولون: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْقَئِحِينَ﴾
[الأعراف: ٨٩] وأمر رسول الله وَالقر أن يقول ذلك(٢).
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله وَ ﴿ إذا شهد قتالاً قال: ((﴿رَبِّ أَحْكُ
بِآلْبُّ﴾(٣).
وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب،
ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك.
والحمد لله وحده.
(١) ذكره الطبري بنحوه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) سنده معضل.
٣٧٨
• سُورَةُ الحِجُ (١، ٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00
7
00
سُورَةُ الحَرْجُ
(١)
[وهي مكية]
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٍ عَظِيمٌ ﴾ يَوَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ
كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى
وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾.
يقول تعالى آمراً عباده بتقواه ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازها
وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة: هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم
نشورهم إلى عرصات القيامة، أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجدائهم؟ كما
(٣)﴾ [الزلزلة]، وقال تعالى:
، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا
قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا
﴿وَُِلَتِ الْأَرَضُ وَلْجِبَالُ فَدُكَّنَا دَّكَّةً وَحِدَةً ﴿ فَيَؤْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴾﴾ [الحاقة]، وقال تعالى: ﴿إِذَا
· [الواقعة].
رُخَّتِ الْأَرْضُ رَبَّا جَ وَيُسَّتِ الْجِبَالُ بَشَّا جَ فَكَانَتْ هَبَآءَ مُمْبَثًاً
فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن علقمة .. في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال: قبل الساعة(٢)، ورواه ابن أبي
حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة فذكره(٣)، قال: وروي
عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك. وقال أبو كُدينة، عن عطاء عن عامر الشعبي
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ﴾﴾ قال: هذا في الدنيا قبل يوم
القيامة(٤) .
وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية
إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن
كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقول: ((إن الله لما فرغ من خلق
السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش
ينتظر متى يؤمر)) قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الصور؟ قال: ((قرن)). قال: فكيف هو؟ قال:
(١) زيادة من (حم).
(٣) سنده كسابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن الصلت عن أبي كُدينة به، ويشهد له سابقه.
٣٧٩
• سُورَةُ الحِجُ (١، ٢)
((قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة
القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى؛ فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل
السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله
تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقِ (6)﴾ [ص] فيُسيِّر الله الجبال فتكون
سراباً، وترجّ الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ - تَعُهَا الرَّادِفَةُ
>
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةُ ﴾﴾ [النازعات] فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج
تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل
المراضع وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها
الملائكة فتضرب في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهي التي
يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّنَادِ ﴿٣ يَوْمَ تُولُونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ الَّهِ مِنْ عَاصِةٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ
هَادٍ (®﴾ [غافر] فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، ورأوا أمراً عظيماً،
فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف
شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله وَلجر: ((والأموات لا يعلمون
بشيء من ذلك)).
قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ
اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال: ((أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم
يرزقون، وقاهم الله شرَّ ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي
يقول الله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ
كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى
وَلَكِنَّ عَذَابَ الَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾))(١).
وهذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولاً جداً (٢)،
والغرض منه أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة لقربها منها،
كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم.
وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبِلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من
القبور. واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث:
(الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن
حصين: أن رسول الله وَلو قال وهو في بعضٍ أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير رفع بهاتين
الآيتين صوته: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ
كُلُ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن محمد بن كعب، وقال فيه الطبري: في
إسناده نظر.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.
٣٨٠
• سُورَةُ لُِّ (١، ٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000
وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾ فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي(١)، وعرفوا أنه عند قول
يقوله، فلما تأشبوا (٢) حوله قال: ((أتدرون أي يوم ذاك؟ ذاك يوم ينادي آدم ظلئلا فيناديه ربه ربك،
فيقول: يا آدم ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف
تسعمائة وتسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة)) قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا
بضاحكة(٣)، فلما رأى ذلك قال: ((أبشروا واعملوا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين
ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس)) قال: فسرُّي
عنهم، ثم قال: (([اعملوا وأبشروا](٤)، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة
في جنب البعير أو الرقمة في ذراع الدابة))(٥) .
وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار، عن يحيى
- وهو: القطان -، عن هشام - وهو: الدستوائي -، عن قتادة، به بنحوه، وقال الترمذي: حسن
(٦)
صحيح(٦).
(طريق آخر): لهذا الحديث: قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة،
حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن النبي ◌َّ قال لما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في
سفر، فقال: ((أتدرون أي يوم ذلك؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((ذلك يوم يقول الله لآدم:
ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد
إلى الجنة)) فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلجر: ((قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط
إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمّت، وإلا كملت من
المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة (٧) في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير))
ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة))، فكبروا ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا ثلث
أهل الجنة))، فكبروا ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة))، فكبروا، ثم قال: ولا
أدري قال: الثلثين أم لا؟(٨).
وكذا رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة به(٩). ثم قال الترمذي أيضاً: هذا حديث حسن
صحيح. [وقد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين](١٠).
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن
(١) أي: الدواب.
(٢) أي: تدانوا وتضامُّوا.
(٣) بضاحكة واحدة الضواحك وهي أربعة، وسُميت ضواحك لأنها تظهر عند الضحك.
(٤) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: ((أبشروا واعلموا)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٣٤/٣٣، ١٣٥ ح ١٩٩٠١).
(٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحج (ح٣١٦٩)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب
سورة الحج (ح ١١٣٤٠).
(٧) الرقمة: الهنَة الناتئة في ذراع الدابة من داخل (النهاية ٢٥٤/٢).
(٩) المسند ٤٣٢/٤.
(٨) المصدر السابق (ح٣١٦٨).
(١٠) كذا في (حم)، وفي الأصل: ((وقد روي عن عروبة عن الحسن عن عمران بن الحصين)).