Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ سُورَةُ طبة (١٣٣، ١٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وإنما ذكرههنا أعظم الآيات التي أعطيها عليّها، وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه ومقرر في مواضعه. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه كما قال: ﴿فَنَِّعَ ءَلِئِكَ مِن قَبْلٍ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ يبيّن تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون ﴿وَلَوَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (49)﴾ [يونس]، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿ أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَلَى طَآَيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِينَ ﴿ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ ◌َكُم بَيِّنَةُ مِّن زَيّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَكِنَا سُوَءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ([®)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَتِهِمْ لَيِنِ جَهُمْ (3)﴾ [فاطر] وقال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ نَذِيِرٌ لَّكُنُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَِّّ فَلَمَّا جَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِن جَاءَتْهُمْ ءَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِّ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (19)﴾ [الأنعام]. ٠٩ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ﴿كُلُّ مُتَرَيِّصٌ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَرَُّواْ﴾ أي: فانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ﴾ أي: الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اُهْتَدَى﴾ إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ اُلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]، وقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الْأَثِرُ [القمر]. آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنّة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . ٣٢٢ • سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءِ (١، ٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 PoD 000 سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وهي مكية قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأُوَل، وهن من تلادي(١). بير هم الرحمن الرحيم ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمُّ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَّاً إِلََّّ بَشَرٌ مِثْلُكُمَّ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿ قَالَ رَبِى يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ ﴿﴿ بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ افْتَنَّهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بَِايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَُّونَ مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَاْ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ هذا تنبيه من الله ريك على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها؛ أي لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها . وقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي وَِّ ﴿فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: ((في الدنيا))(٢). وقال تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقال: ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ وَإِنِ يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِرُّ ﴾﴾ [القمرآ، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول(٣): وَرَحا المنيَّة تطحن الناس في غَفَلاتِهم فقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال: من قول الله تعالى: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾. [وروى في ترجمة عامر بن ربيعة من طريق موسى بن عبيد الآمدي، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم (١) تقدم تخريجه ومعناه في مطلع تفسير سورة الإسراء. (٢) السنن الكبرى - التفسير - سورة الأنبياء ١٠٤/٢ وأخرجه الطبري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ورجاله ثقات وسنده صحيح. (٣) ديوانه ص٤٢٩. ٣٢٣ سُورَةُ الإِنْبِيَاءِ (١، ٦) عامر مثواه، وكلَّم فيه رسول الله هير فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت من رسول الله وَ ل﴿ وادياً في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾](١)(٢). ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار، فقال: ﴿مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّيِّهِم تُحْدَثٍ﴾ أي: جديد إنزاله ﴿إِلَّا اُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم، وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرؤونه محضاً لم يشب. رواه البخاري بنحوه(٣). وقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: قائلين فيما بينهم خفية: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمَّ﴾ يعنون رسول الله و 18 يستبعدون كونه نبياً لأنه بشر مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم؟ ولهذا قال: ﴿أَقْتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيباً لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب ﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوالكم والعليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعید. وقوله: ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ بَلِ اُفْتَرَهُ﴾ هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحراً، وتارة يجعلونه شعراً، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اٌلْأَوَّلُونَ﴾ يعنون: كناقة صالح وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانِيْنَ ثَهُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةٌ فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي: ما آتينا قرية من القرى التي بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا، فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا، بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٨) وَلَوَ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَ يَرَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣)﴾ [يونس] هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول الله وير ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء، (١) زيادة من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي. (٢) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٣) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ويجر: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)) (ح ٧٣٦٣). ٣٢٤ سُورَةُ الأَتْبِيَاءِ (٧، ٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 صلوات الله وسلامه عليهم [أجمعين](١). قال ابن أبي حاتم تَُّ: ذُكر عن زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد ومعنا أبو بكر الصديق ظُه يُقرئ بعضُنا بعضاً القرآن، فجاء عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه نمرقة(٢) وزربية(٣)، فوضع واتكأ، وكان صبيحاً فصيحاً جدلاً، [فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون، جاء موسى بالألواح، وجاء] (٤) دواد بالزبور، وجاء صالح بالناقة، وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة، فبكى أبو بكر ◌ُبه، فخرج رسول الله وَّ فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله و ﴿ نستغيث به من هذا المنافق، فقال رسول الله وقد يقول: ((إنه لا يقام لي إنما يقام لله ◌َ)) فقلنا: يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق، فقال: ((إن جبريل قال لي: اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمّي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأمدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أكثر الحياض يوم القيامة وروداً، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعون رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفاً من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحلَّ لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا))(٥). وهذا الحديث غريب جداً. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيّ إِلَيْهِمِّ فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًّا لَّا يَأْكُلُنَ اَلَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ ﴿ ثُمَّ صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ فَأَجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ يقول تعالى راداً على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ﴾ أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالاً من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ اَلْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿قُلّ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم؛ لأنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ مَّدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشراً أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشراً، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه إذ بعث فيهم رسولاً منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ﴾ أي: بل قد كانوا أجساداً يأكلون الطعام كما (١) زيادة من (ح) و(حم). (٣) أي: البساط المخملي. (٢) أي: وسادة صغيرة. (٤) زيادة من (ح) و(حم). (٥) سنده ضعيف الإبهام الراوي عن عبادة بن الصامت ظه، واستغرب متنه الحافظ ابن كثير. ٣٢٥ سُورَةُ الأَنْيَاءِ (١٥،١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الَطَعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَانِ﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: قد كانوا بشراً من البشر يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة وليس ذلك بضارٍّ لهم ولا ناقص منهم شيئاً، كما توهمه المشركون في قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقٌّ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُنَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (ج)﴾ [الفرقان]. وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ خَلِينَ﴾ أي: في الدنيا؛ بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدٌ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله ، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه، وقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين صدقهم الله وعده وفعل ذلك، ولهذا قال: ﴿فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المكذبين بما جاءت الرسل به. وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَتِ كَانَتْ ظَالِمَةً ﴿لَقَدْ أَزْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُّكُمْ أَفَلاَ تَعْفِلُونَ وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَالخَرِينَ ﴿﴿ فَلَّآ أَحَسُّواْ بَأَسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَكُونَ ﴿﴿ لَا تَرْكُوْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ مَا زَالَتَ تِلْكَ دَعْوَنُهُمْ حَّ قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ أَثْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِّنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشَْلُونَ (٣) جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ( يقول تعالى منبِّهاً على شرف القرآن ومحرِّضاً لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم(١). وقال مجاهد: حدیثکم(٢). وقال الحسن: دينكم(٣). ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذه النعمة، وتتلقونها بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْشَلُونَ ﴾﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةٌ﴾ هذه صيغة تكثير، كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]، وقال تعالى: ﴿فَكَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (®)﴾ [الحج]. وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: أمة أخرى بعدهم ﴿فَلَمَّآ أَحَسُواْ بَأَسَنَآَ﴾ أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُم مِنْهَا يَكُونَ﴾ أي: يفرون هاربين ﴿لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ﴾ هذا تهكّم بهم نزراً، أي قيل لهم: نزراً لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاء بهم . (١) أخرجه البيهقي من طريق سليمان عن أبيه عن ابن عباس (شعب الإيمان رقم ١٦١٦)، ولم يسم والد سليمان. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٣٢٦ • سُورَةُ الأَنْبَاءِ (١٦، ٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ﴾ أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم ﴿قَالُواْ يَوَيِّلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَدُهُمْ حَتَى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ١٥) أي: ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم هجّيراهم حتى حصدناهم حصداً، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خموداً . ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَنِعِينَ ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَِّذَ لَوَّا لََّتَّخَذْتَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ ﴿﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْنِيَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ ﴿ وَلَهُ مَنْ يُسَبِّحُونَ اُلَّيْلَ وَالنََّارَ لَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (4) يَفْتُرُونَ (®َا﴾ يخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق؛ أي: بالعدل [والقسط](١)، ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وأنه لم يخلق ذلك عبئاً ولا لعباً كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَّا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (®﴾ [ص]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَّخِذَ لَوَّ لَأَتَّخَذْنَهُ مِن لَُّنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ ( ٠١٧ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَّفِذَ لَوَّ لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّ﴾ يعني: من عندنا(٢)، يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَّخِذَ لَوَّ﴾ اللهو: المرأة، بلسان أهل اليمن(٣). وقال إبراهيم النخعي: ﴿لََّتَّخَذْتَهُ﴾ من الحور العين (٤). وقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو ههنا الولد(٥)، وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر: ٤] فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقاً، ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزير أو الملائكة ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَا كَبِيرًا (®)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم: أي ما كنا فاعلين (٦) وقال مجاهد: كل شيء في القرآن ﴿إِن﴾ فهو إنكار (٧). (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((أي بالقسط)). (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٣) قول الحسن أخرجه الطبري من طريق عقبة بن أبي جسرة عنه، بلفظ: ((اللهو: المرأة))، وسنده حسن ترجمة، ويتقوى بقول قتادة الذي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٥) قول عكرمة عزاه السوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٧) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ٣٢٧ • سُوَّرَّةُ الأَنْبَاءِ (٢٣،٢١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿بَلِّ نَقْذِفُ بِلَلَّ عَلَى الْبَطِلِ﴾ أي: نبين الحق فيدحض الباطل، ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب مضمحل ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي: أيها القائلون لله ولد ﴿مَِّا نَصِفُونَ﴾ أي: تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلاً ونهاراً، فقال: ﴿وَلَهُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني: الملائكة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: ﴿لَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَ الْمَلَئِكَةُ الْقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ. وَيَسْتَكْبِ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَميعًا (٣٦)﴾ [النساء]. وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يتعبون ولا يملون ﴿يُسَبِّحُونَ اَلَيْلَ وَاَلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٣)﴾ فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً، مطيعون قصداً وعملاً، قادرون عليه، كما قال تعالى: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دُلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله وَلو بين أصحابه إذ قال لهم: ((هل تسمعون ما أسمع؟)) قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله إليه: ((إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)) (١) غريب، ولم يخرجوه، ثم رواه - أعني ابن أبي حاتم - من طريق يزيد بن [زريع](٢)، عن سعيد، عن قتادة مرسلاً(٣). وقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ الَتْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾﴾ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل. فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي ثم قال: يا بني إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟ (٤)(٥). ، لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَإِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ فَسُبْحَنَ اللَّهِ ﴿أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُشِرُونَ رَبِّ الْعرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ٢١ ـن اتخذ من دونه آلهة فقال: ﴿أَمِ أَتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؛ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله نداً وعبدوها معه؟ ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السموات والأرض، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ﴾ أي: في السموات والأرض ﴿لَفَسَدَنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا (١) في سنده عبد الوهاب بن عطاء، وهو الخفاف: صدوق ربما أخطأ (التقريب ص٣٦٨)، وأظنه هو الذي رفعه، وإلا في الرواية التالية مرسلة. (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((رافع)). (٣) رجاله ثقات لكنه مرسل. (٤) أخرجه الطبري من طريق يقوي أحدهما الآخر. (٥) الروايات الثلاث وردت في الأصل في تفسير الآية التالية. ٣٢٨ • سُورَةُ الانبياء (٢٤، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أَّخَذَ اَللَّهُ مِن ◌َدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ إِلَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَمٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وقال ههنا: ﴿فَسُبْحَنَ اٌللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عما يقولون أنَّ له ولداً أو شريكاً ﴿ وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علواً كبيراً. وقوله: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾﴾ أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه وعلمه وحكمته وعدله ولطفه ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ أي: وهو سائل خلقه عما يعملون كقوله: (@)﴾ [الحجر]، عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ، مَاِهَةٌ قُلْ هَاتُواْ بُهَتَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن شَعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِيِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقُّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ يقول تعالى: ﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِ: ◌َاِهَةٌ قُلْ﴾ يا محمد ﴿هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ أي: دليلكم على ما تقولون ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ نَفِىَ﴾ يعني: القرآن ﴿وَذِّرُ مَن قَبْلِ﴾ يعني: الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولون وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أُرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا (٥) كما قال: ﴿وَسَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن نُوجِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الزخرف]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد. وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْتَنُ وَلَدَّأْ سُبْحَتَهُمْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ يَعْمَلُونَ ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتِ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ ٢٨ ٢٩ يقول تعالى ردًّاً على من زعم أن له تعالى وتقدس ولداً من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله فقال: ﴿سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ تُكْرَمُونَ﴾ أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولاً وفعلاً ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (4)﴾ أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به؛ بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم فلا يخفى عليه منهم خافية ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ . وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّقَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٣] في آيات كثيرة في معنى ذلك وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّتَ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ ﴾ أي: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْبَتِهِ﴾ أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ (٨) ٣٢٩ • سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءِ (٣٠، ٣٣) من ادعى منهم أنه إله من دون الله؛ أي مع الله ﴿فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الَّالِمِينَ﴾ أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ [الزخرف]، وقوله: ﴿لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. الْعَِدِينَ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَ رَتْفًا فَفَنَقْنَهُمَّا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَجَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَِهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَِّ كُلُّ فِىِ فَلَيٍ يَسْبَحُونَ يقول تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات، فقال: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوَا﴾ أي: الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره، أو يشرك به ما سواه؟ ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً؟ أي: كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السموات سبعاً، والأرض سبعاً، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء. ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد قال سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السموات والأرض حين كانتا رتقاً هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل (١) قبل النهار (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا حاتم، عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلاً أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما. قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال: فذهب إلى ابن عباس فسأله فقال ابن عباس: نعم، كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: صدق هكذا كانت، فقال ابن عمر: قد كنت أقول ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن علمت أنه قد أوتى فى القرآن علماً (٢ . وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت هذه رتقاً لا تنبت فأنبتت(٣). (١) أخرجه الثوري، ومن طريقه أخرجه عبد الرزاق والبستي والطبري، وسنده صحيح. (٢) سنده ضعيف لضعف حمزة بن أبي محمد (التقريب ص ١٨٠). (٣) سنده ضعيف لضعف الرواة عن عطية العوفي. ٣٣٠ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٣٠، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ كَانَا رَتْقَا فَفَنَقْنَهُمَّاً﴾ قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين(١). وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين(٢). وقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه (٣). وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً ففصل بينهما بهذا الهواء(٤). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيَّ﴾ أي: أصل كل الأحياء منه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن [بشير](٥)، حدثنا قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله إذا رأيتك قرَّت عيني وطابت نفسي، فأخبرنا عن كل شيء قال: ((كل شيء خلق من ماء))(٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: ((كل شيء خلق من ماء)) قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة، قال: ((أفشِ السلام، وأطعم الطعام، وصلِ الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام))(٧). ورواه أيضاً عن عبد الصمد وعفان وبهز، عن همام(٨)، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلاً، والله أعلم. وقوله: ﴿وَحَعَلْنَا فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ﴾ أي: جبالاً أرسى الأرض بها وقررها وثقلها لئلا تميد بالناس؛ أي: تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها؛ لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع. فإنه بادٍ للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: لئلا تميد بهم. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ أي: ثغراً في الجبال يسلكون فيها طريقاً من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. (١) أخرجه البستي بسند حسن من طريق مالك بن سعيد عن إسماعيل به. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى أبي الشيخ. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن وقتادة. (٥) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: ((سعيد بن نفير)). (٦) سنده ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير. (٧) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣١٤/١٣ ح ٧٩٣٢)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح خلا أبي ميمونة وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٦/٥). (٨) المسند ٣٢٣/٢، ٣٢٤. ٣٣١ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٣٠، ٣٣) وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَحْفُوظَا﴾ أي: على الأرض وهي كالقبة عليها، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٣)﴾ [الذاريات] وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا ﴿3﴾ [الشمس] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوَقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوجِ ﴾﴾ [ق]، والبناء هو نصب القبة، كما قال رسول الله قال: ((بني الإسلام على خمس)) (١) أي: خمسة دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب. ﴿يَحْفُوظَا﴾ أي: عالياً محروساً أن ينال. وقال مجاهد: مرفوعاً (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث - يعني: ابن إسحاق القمي -، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال: ((موج مكفوف عنكم)) (٣). إسناده غريب. وقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ ءَيَِهَا مُعْرِضُونَ﴾ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ®﴾ [يوسف] أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكامله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها . وقد ذكر ابن أبي الدنيا تَّتُهُ في كتابه التفكر والاعتبار: أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، فلم يرَ ذلك الرجل شيئاً مما كان يحصل لغيره، فشكى ذلك إلى أمه فقالت له: يا بني فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا والله ما أعلمه، قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا ولا هممت، قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم كثيراً، قالت: فمن ههنا أتيت. ثم قال منبهاً على بعض آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الََّّلَ وَالتَّهَارَ﴾ أي: هذا في ظلامه وسكونه وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر ﴿ وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمِّرَ﴾ هذه لها نور يخصها وفلك بذاته وزمان على حدة وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر ﴿وَكُلُّ فِىِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] أي: يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة(٤). قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس (١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﴿يا (صحيح البخاري، الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم (ح٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أركان الإسلام، ١٩). (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) وقفه أصح، ولعل جعفر رفعه لأنه يهم، ولهذا استغرب سنده الحافظ ابن كثير. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف بلفظ: ((فلك السماء))، فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف. ٣٣٢ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٣٤، ٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن(١)، كما قال تعالى: ﴿فَلِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اَلَيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَّقْدِيرُ الْغَيِزِ الْعَلِيمِ (٨)﴾ [الأنعام]. كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْثِّ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلُدِّ أَفَإِيْن ◌ِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ () ٣٥ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُحَعُونَ يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ أي: يا محمد ﴿الْخُدَّ﴾ أي: في الدنيا؛ بل ﴿كُلُّ مَنْ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن] وقد استدل بهذه الآية الكريمة من عَلَيْهَا فَانٍ ذهب من العلماء إلى أن الخضرلعلّ مات وليس بحي إلي الآن؛ لأنه بشر سواء كان ولياً أو نبياً أو رسولاً. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدِّ﴾ . وقوله: ﴿أَفَإِئْنِ مِتَ﴾ أي: يا محمد ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك لا يكون هذا بل كل إلى الفناء، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقد روي عن الشافعي تَظّتُهُ أن أنشد واستشهد بهذين البيتين: فتلك سبيل لست فيها بأوحد تمنى رجال أن أموت وإن أمت تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد(٢) فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى وقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِلشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ أي: نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنَبِّلُوكُمْ﴾ يقول: نبتليكم ﴿بِالشَرِّ وَالْخَيَرِ فِتْنَةٌ﴾ بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة(٣). وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: فنجازيكم بأعمالکم. ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ سَأُؤْرِيكُمْ ءَايَتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ بِذِكْرِ الَّهَنِ هُمْ كَفِرُونَ () يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني: كفار قريش كأبي جهل وأشباهه ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا﴾ أي: يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال تعالى: ﴿وَهُم بِذِكْرِ الرَّحَْنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسول الله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبْنَا عَلَيْهَاْ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ [الفرقان]. (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((فلك كهيئة حديدة الرّحى)). (٢) ذكر البيتين ابن أبي حاتم الرازي (مناقب الشافعي ص١١٩). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. ٣٣٣ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءٌ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 وقوله: ﴿خُلِقَ اُلْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا﴾ [الإسراء: ١١] أي: في الأمور. قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار من يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي - وقبض أصابعه يقللها - فسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه))، قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم (٢). قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَلٍ سَأُوْرِيِكُمْ ءَايَتِ فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣)﴾ والحكمة في ذكر عجلة الإنسان ههنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: ﴿سَأُؤْرِيكُمْ ءَايَقٍ﴾ أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونٍ﴾ . لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن ككُنْتُمْ صَدِقِينَ يَكُفُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةُ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضاً بوقوع العذاب بهم تكذيباً وجحوداً وكفراً وعناداً واستبعاداً، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ ﴾﴾ قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ﴾ أي: لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به. ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿لَّم مِّن فَوْقِهِمْ تُطلَلُ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَخْنِهِمْ تُظَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] ﴿لَهُ مِن جَهَتََّ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ﴾ [الأعراف: ٤١]، وقال في هذه الآية: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾، وقال: ﴾ [إبراهيم] فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم ٥٠ ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَعْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴿وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ناصر لهم، كما قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]. وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً﴾ أي: تأتيهم النار بغتة أي: فجأة، ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أي: تذعرهم، (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل، والخبر عليه أمارات الإسرائيليات. (٢) أخرجه مسلم مقتصراً على شطره الأول (الصحيح، الجمعة، باب فضل يوم الجمعة ح٨٥٤)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٧٨/١). ٣٣٤ سُورَةُ الأَنْبَيَاءٌ (٤١، ٤٧) فيستسلمون لها حائرين ولا يدرون ما يصنعون، ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ أي: ليس لهم حيلة في ذلك، ﴿وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة. قُلْ ٤١ ] ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِيِنَ سَخِرُواْ مِنْهُم ◌َا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ مَنْ يَكْلَوُكُمْ بَِتْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم ◌ُعْرِضُونَ ﴿٨ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾﴾. يقول تعالى مسلياً لرسوله عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِئُونَ ﴾﴾ يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حََّ أَنَّهُمْ نَصْرَّاً وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ الَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن تَبَِى الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الأنعام]، ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: ﴿قُلّ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ﴾ أي: بدل الرحمن يعني غيره، كما قال الشاعر(١): ـتقا ولم [تذق] (٢) من البقول جارية لم تلبس المرققا أي: لم تذق بدل البقول الفستق. وقوله تعالى: ﴿بَّ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِم ◌ُعْرِضُونَ﴾ أي: لا يعترفون بنعمة الله عليهم وإحسانه إليهم؛ بل يعرضون عن آياته وآلائه، ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ؛ أي ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم. وقوله: ﴿وَلَ هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ . قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَا هُم مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ أي يُجارون(٣). وقال قتادة: لا يصبحون من الله بخير(٤). وقال غيره: ﴿وَلَا هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون. 62 ﴿بَلَّ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم بِالْوَحْيِّ وَلَا يَسْمَعُ الضُُّ الدُّعَلَّ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ٤٥ وَلَيْن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ لَيَقُولُنَ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَّوْرِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ٤٧ يقول تعالى مخبراً عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم متعوا في الحياة الدنيا ونُعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظاً لهم ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه (١) هو أبو نخيلة يعمر بن حزن، وذكره ابن هشام في مغني اللبيب ص٣٥٥. (٢) كذا في (ح) و(حم) ومغني اللبيب، وفي الأصل صحفت إلى: ((تدرمي)). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن عباس، وليس عن طريق العوفي، كذا في الأصل ولعل الأولى ((من)). (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٣٣٥ ، سُوَرَّةُ الأَنْبَيَاءِ (٤١، ٤٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 في سورة الرعد(١) وأحسن ما فسر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا اُلْأَيَتِ ٢٧﴾ [الأحقاف]. لَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر(٢). والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإنجائه لعباده المؤمنين، ولهذا قال: ﴿أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون والأرذلون. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِلْوَحِيَّ﴾ أي: إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذرتكم به من العذاب والنكال، ليس ذلك إلا عمّا أوحاه الله إليّ، ولكن لا يجدي هذا عمَّن أعمى الله بصيرته وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الضُّةُ الدُّعَلَّ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَلَيْن ◌َسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴾﴾ أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفنَّ بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا . وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَّوَّمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئً﴾ أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه . وقوله: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ ﴾ [النساء]، وقال لقمان: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةِ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ [لقمان]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله مصر: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن ليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله وَلجر: ((إن الله وَك يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربِّ. قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فيبهت الرجل فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: بلى إنَّ لك عندنا حسنة واحدة لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة (١) في الآية ٤١. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٤١. (٣) صحيح البخاري، الدعوات، باب فضل التسبيح (ح٦٤٠٦)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح (ح ٢٦٩٤). ٣٣٦ • سُورَةُ الأَنَاءِ (٤٨، ٥٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فيقول: أحضروه، فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظلم قال: فتوضع السجلات في كفة قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال: ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم))(١)، ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن غريب (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ويلشير: ((توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان قال: فيبعث به إلى النار قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن رَك يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا له إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان))(٣) . وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو نوح [قُراه](٤)، أنبأنا ليث بن سعد، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رجلاً من أصحاب رسول الله وَ ل جلس بين يديه، فقال يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله وَلجر: ((يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتصُّ لهم منك الفضل الذي بقي قبلك)»، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله وَله ويهتف، فقال رسول الله وَله: (ما له لا يقرأ كتاب الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوَمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَةٍ مِّنْ خَرَدَلٍ أَنْيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (®))))، فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد شيئاً خيرٌ من فراق هؤلاء - يعني: عبيده -، إني أشهدك أنهم أحرار كلُّهم(٥). الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ ] ﴿وَلَقَدْ ءَتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءٍ وَذِكْرَاً لِلْمُنَّقِينَ ﴾ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴿ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنَزَلْنَهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنِكِرُونَ قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ اُلْفُرْقَانَ﴾ . (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وقال محققوه: إسناده قوي (المسند ٥٧١/١١ ح ٦٩٩٤). (٢) سنن الترمذي، الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (ح٢٦٣٩)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (ح ٤٣٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٤٦٩). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسنه محققوه (المسند ٦٣٧/١١ ح٧٠٦٦) وهو كما قالوا، فإن رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة قديمة قبل احتراق الكتب، وحسنه أيضاً الهيثمي (مجمع الزوائد ٨٥/١٠). (٤) كذا في المسند، وفي الأصل صحفت إلى: ((قراءة))، وفي (ح) و(م): ((مراراً)). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٤٠٦/٤٣، ٤٠٧ ح ٢٦٤٠١). ٣٣٧ • سُورَةُ الأنبيَاءِ (٥١، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 قال مجاهد: يعني: الكتاب(١). وقال أبو صالح: التوراة (٢). وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل (٣). وقال ابن زيد: يعني: النصر(٤). وجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضّلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نوراً في القلوب وهداية وخوفاً وإنابة وخشية، ولهذا قال: ﴿اُلْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ﴾ أي: تذكيراً لهم وعظة. ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبٍ﴾ كقوله: ﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَّمَ بِقَلْبٍ تُنِيبٍ (٤)﴾ [ق]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِلْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾﴾ [الملك]. ﴿وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ أي: خائفون وجلون، ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ﴾ يعني: القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُمْ مُنِكِرُونَ﴾ أي: أفتنكرونه وهو في غاية [الجلاء](٥) والظهور؟ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ ﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ (@) 6) قَالَ لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَابَاؤُكُمْ فِ الَّمَائِلُ الَّيِ أَنْتُّمْ لَا عَكِّفُونَ ﴿ قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآَمَنَا لَمَا عَبِدِينَ قَالَ بَلَ رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى ضَلٍ مُّبِينٍ ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَّعِينَ (@) .(@) فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ يخبر تعالى عن خليله إبراهيم ظلّ أنه آتاه رشده من قبل؛ أي من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [الأنعام: ٨٣] وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصّر فيها، وما قصَّه كثير من المفسرين وغيرهم فعامَّتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم، قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئاً من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه؛ بل نجعله وقفاً، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخصَّ كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد، ويشهد له ما يلي. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بمعناه. (٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. ٣٣٨ • سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءٌ (٥٧، ٦٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروَج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة. والمقصود ههنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل؛ أي: من قبل ذلك. وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ﴾ أي: وكان أهلاً لذلك، ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَِّ أَنْتُمْ لَهَا عَكِّفُونَ (63)﴾ هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله ◌َ، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّ أَنْتُمْ لَمَا عَكِّقُونَ﴾ أي: معتكفون على عبادتها . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا سعيد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: مَرَّ [عليٍّ ◌ُه](١) على قوم يعلبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يَمسَّ أحدكم جمراً حتى يطفأ، خير له من أن يمسّها(٢). ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَمَا عَبِدِينَ (٥٣)) لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُمْ أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِ ضَلَلِ تُّبِينٍ﴾ أي: الكلام مع آبائكم الذي احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم، فلما سفه أحلامهم وضلل آباءهم واحتقر آلهتهم ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَِّينَ ﴾﴾ يقولون: هذا الكلامِ الصادر عنك تقوله لاعباً أم محقّاً فيه، فإنا لم نسمع به قبلك ﴿قَالَ بَل رَّبِّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُربَ﴾ أي: ربكم الذي لا إله غيره، وهو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذَا إِلَّا كَبِيرًا لَُّمْ لَعَلَّهُمْ ٥٧) ﴿وَتَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدِيِرِينَ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ اُلَّلِمِينَ ﴿ قَالُواْ سَمِعْنَا فَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: ٥٨ قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ إِنْزَهِيمُ ﴾ قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِفُونَ (َ)) ثم أقسم الخليل قسماً أسمعه بعض قومه ليكيدنَّ أصنامهم؛ أي ليحرصنَّ على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يولوا مدبرين؛ أي إلى عيدهم، وكان لهم عيد يخرجون إليه. قال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا، فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال: إني سقيم فجعلوا يمّرون عليه وهو صريع فيقولون: مه، فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿ثَاللهِ لَّأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعه أولئك(٣). (١) زيادة من (ح) و(حم). (٢) سنده ضعيف جداً؛ لأن الأصبغ بن نباتة متروك، رمي بالرفض (التقريب ص ١١٣). (٣) الخبر من الإسرائيليات، ويشهد له قول ابن مسعود التالي. ٣٣٩ • سُورَةُ الأنبيَاءِ (٥٧، ٦٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مرّوا عليه، فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم، وقد كان بالأمس، قال: ﴿تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُم بَعْدَ أَن تُولُّأْ مُدْبِرِينَ ﴿6﴾ فسمعه ناس منهم (١). وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَدًا﴾ أي: حطاماً كسرها كلَّها، إلا كبيراً لهم؛ يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ﴿فَرَغَ عَيْهِمْ ضَرْيَا بِلْيَمِينِ ﴿4﴾ [الصافات]. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنفَ أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسَّرها ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا ◌ِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ ﴾ أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال لَمِنَ الظَّالِمِينَ الدال على عدم إلهيتها وعلى سخافة عقول عابديها ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا ◌ِخَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الَِّلِينَ ®﴾ أي: في صنيعه هذا ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ ﴾﴾ أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم: ﴿سَمِعْنَا فَتَى﴾؛ أي شاباً، ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَّهُ: إِنْزَهِيمُ﴾ . قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس، [عن أبيه] (٢)، عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبياً إلا شاباً ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِبْرَهِيمُ ﴾﴾(٣). وقوله: ﴿قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَىَّ أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي: على رؤوس الأشهاد في الملأ الأكبر بحضرة الناس كلِّهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليّ أن يبيَّن في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضراً، ولا تملك لها نصراً، فكيف يطلب منها شيء من ذلك؟ ﴿قَالُواْ ءَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ ﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ يعني: الذي تركه لم يكسره ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾ وإنما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، وأن هذا لا يصدر عن هذا الصنم لأنه جماد. وفي الصحيحين من حديث هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله ◌َير قال: ((إن إبراهيم ظلّ لم يكذب غير ثلاث: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] قال: وبينا هو يسير في أرض جبار من الجبابرة ومعه سارة، إذ نزل منزلاً فأتى الجبار رجل فقال: إنه قد نزل ههنا رجل بأرضك معه امرأة أحسن الناس، فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلي، فانطلق إلى سارة فقال: إن هذا الجبار قد سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك، فانطلق بها إبراهيم ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها فأُخذ أخذاً شديداً، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت له، فأرسل فأهوى إليها، فتناولها فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل (١) سند صحيح، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط. (٣) سنده ضعيف؛ لأن قابوس فيه لين (التقريب ص٤٤٩). ٣٤٠ • سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءِ (٦٤، ٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ذلك الثالثة، فأخذ فذكر مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك، فدعت له فأرسل، ثم دعا أدنى حجابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، ولكنك أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر. فأخرجت وأعطيت هاجر فأقبلت، فلما أحسَّ إبراهيم بمجيئها، انفتل من صلاته، وقال: مهيم؟ قالت: كفى الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر)). قال محمد بن سيرين: فكان أبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: تلك أمكم يا بني ماء السماء(١). ] ﴿فَرَجَعُوْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَِّمُونَ ﴿٦ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَلُلَاءٍ يَنْطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴾ أُنٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . يقول تعالى مخبراً عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿فَرَجَعُواْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: ثم أطرقوا في الأرض، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ . [قال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء،](٢)(٣)، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ . وقال السدي: ﴿ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: في الفتنة(٤). وقال ابن زيد: أي في الرأي(٥)، وقول قتادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزاً، ولهذا قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ﴾ فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأنت تعلم أنها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُنِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ﴾ أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله؟ ﴿أُفٍ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِنْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهَ ... ) الآية [الأنعام: ٨٣]. قُلْنَا يَنَارُ كُنِ بَدًا وَسَلَمًا عَلَىَ ﴿قَالُوْ حَرِّقُوهُ وَأَنْصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن ككُنُمْ فَعِلِينَ وَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾﴾. إِبْرَهِیمَ لما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه (١) أخرجه البخاري من طريق أيوب عن محمد بن سيرين به (الصحيح، النكاح، باب اتخاذ السراري ح٥٠٨٤)، وكذا أخرجه مسلم (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل ◌َلوح ٢٣٧١). (٢) زياد من (ح) و(حم). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.