Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ • سُورَةِ طَفَا (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل، حملت بموسى ظلّ فوقع في قلبها الهمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا ابن جبير - ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها أن ﴿وَلَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليَّ من أن ألقيه إلى دوابّ البحر وحيتانه. فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرضَةٍ (١) مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه، فأردن أن يفتحن التابوت فقال بعضهنّ: إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملنّه كهيئته لم يخرجنّ منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاماً، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أُم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكُم، فأتت فرعون فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّ وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فقال فرعون: يكون لكِ فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله وسلم: ((والذي يحلف به لو أقرّ فرعون أن يكون قُرّة(٢) عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك))، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً (٣)، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها، فلم يقبل. وأصبحت أُم موسى والهاً فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً: أَحيّ ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به والجُنُب: أن يسمو بصر الإنسان إلا شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها فقالوا: ما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك ورجاء منفعة الملك فتركوها، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أُمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصَّه حتى امتلأ جنباه رياً، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئاً حبه قط. قالت أُم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت (٢) القُرة: كل شيء قرت به عينك؛ أي سُرَّت به. (١) فرضة النهر: مشرب الماء منه. (٣) أي: المرضعة غير ولدها . ٢٨٢ • سُورَةُ طَّفة (٤٠،٣٦) نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه(١) خيراً فعلت، فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أُم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت(٢) على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلى بيتها من يومها، وأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد قضى فيه. فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني فدعتها يوماً تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظؤرها وقهارمتها(٣): لا يبقينّ أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك، وأنا باعثة أميناً يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل(٤) تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها بجلته وأكرمته وفرحت به، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتينّ به فرعون فلينحلنّه وليكرمنّه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدَّها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به. وأريد به [فتوناً](٥) فجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال: ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني؟ فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً يعرف الحق به، انت بجمرتين ولؤلؤتين فقدمهنّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين، عرفت أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين، فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همَّ به، وكان الله بالغاً فيه أمره، فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى ظللا يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضباً شديداً؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الناس إلا إنما ذلك من الرضاع إلا أُم موسى إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره، فوكز(٦) موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله رَك والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُ تُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهْ إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]. فأصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار، فأتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من (١) أي: لا أمنعه خيراً ولا أقصّر في أمره. (٢) أي: اشتدت. (٣) القهرمان: هو المسيطر الحفيظ على من تحت يديه، وهو لفظ فارسي معرّب (لسان العرب ٤٩٦/١٢). (٤) أي: العطايا . (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٦) أي: ضربه بجُمع كفه (أساس البلاغة باب (وك ز)). ٢٨٣ • سُورَةَ طَّةَ (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم، فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغوه(١) مع قومه لا يستقيم له أن يقيد(٢) بغير بينة ولا ثبت(٣)، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتاً إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى فندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨]، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ ◌ُبِينٌ﴾ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي وقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا وانطلق الفرعوني، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿يَمُوسَى أَثْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمَسِّ﴾ [القصص: ١٩] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم(٤) يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره، وذلك من الفتون يا ابن جبير. فخرج موسى متوجهاً نحو مدين ولم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه ، وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً بربه وَق، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَّءَ السَّكِيلِ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٢، ٢٣] يعني بذلك: حابستين غنمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما نسقي من فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغترف في الدلو ماء كثيراً حتى كان أول الرعاء(٥)، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى لعلّلا فاستظل بشجرة وقال: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَا أَنزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً (٦)، فقال: إن لكما اليوم لشأناً، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: ﴿يَأَبَتِ اُسْتَشْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اُسْتَتْجَرْتَ الْقَوِىُّ اُلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فاحتملته الغيرة على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ فقالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوب رأسه(٧) فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت، فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَانَيْنِ (١) أي: ميله. (٣) أي: الحجة. (٥) جمع راعي. (٧) أي: خفض رأسه. (٢) من القود: وهو القصاص. (٤) أي: يمشون على رسلهم. (٦) أي: ممتلئة الضرع والبطون. ٢٨٤ سُورَةِ طَّة (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00 0 عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَوْجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اَللَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧]؟ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشراً. قال سعيد، وهو ابن جبير: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا، وأنا يومئذٍ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت له ذلك، فقال: أما علمت أن ثمانياً كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئاً، ويعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عدته التي كان وعده، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك، قلت: أجل وأولى، فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قصّ الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يحذر من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليّ﴿، فانطلقا جميعاً إلى فرعون، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] قال: فمن ربكما؟ فأخبراه بالذي قصَّ الله عليك في القرآن؟ قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت، قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معنا بني إسرائيل، فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة، فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني من غير برص، ثم ردَّها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَبَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣] يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة، فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا واللهِ ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى. قال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا ج)﴾ [الشعراء] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؟ فقالوا يا نَّجُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ( موسى - لقدرتهم بسحرهم -: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَن نَّكُونَ نَحْنُ اٌلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] قال: (٤)﴾ [الشعراء] فرأى موسى من بل ألقوا ﴿فَلْقَوَأْ حِبَالَهُمْ وَعْصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوَنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْعَلِبُونَ ٢٨٥ سُورَوَ طَّفة (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألقِ عصاك، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جزراً (١) إلى الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتعلته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله ريك، آمنا بالله وبما جاء به موسى من عند الله، ونتوب إلى الله مما كنا عليه، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق [الأعراف] وامرأة فرعون بارزة متبذلة (٢) وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمّها لموسى. فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفّها عنه ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلاً، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف(٣) مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل، فيصير عاصياً لله. فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى: إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفلق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفلق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا یکون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاکه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه، ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبِرٌ مَّا هُمْ فِهِ وَنَطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (3)﴾ [الأعراف] قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى منزلاً وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً، وقد صامهنَّ ليلهنَّ ونهارهنَّ، وكره أن یکلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت - وهو أعلم بالذي كان ؟، قال: يا ربِّ إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع فصم عشراً ثم ائتني. (١) أي: الشاة الصالحة للجزر؛ أي تذبح للأكل. (٣) أي: صوت هائل. (٢) أي: تاركة الزينة. ٢٨٦ • سُورَةِ ظَّفة (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ففعل موسى عليّا ما أمر به، فلما رأى قومه أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري(١) وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادّين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة، فمرَّ بهارون فقال له هارون ظل *: يا سامري ألا تلقي ما في يدك، وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك؟ فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح وله خوار. قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك، فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضلَّ الطريق، فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان، وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا، هذه أربعون يوماً قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلَّم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٦] فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم فنبذتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِ ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَ لَكَ فِ الْحَيَوْةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَةٌّ وَأَنْفُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَكِّقًا لَتْحَرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنَسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِّ نَسْفًا (٣)﴾ [طه]، ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض! فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَنِىِّ أَتْهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ (١) جمع عارية، وهو الشيء الذي يستعار من الغير. ٢٨٧ • سُؤْرَلاَ طَّفة (٣٦، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الأعراف: ١٥٥]، وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه مِنَّ﴾ به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُنَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِئَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف] فقال: يا رب سألتك التوبة لقومي، فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلّ أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى عليّ متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقرُّوا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون، ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون، خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: يا موسى إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون، قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم، من الجبارين آمنا بموسى وخرجا إليه فقالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهم من قوم موسى، فقال الذين يخافون من بني إسرائيل: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن ◌َّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴾ [المائدة] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسمّاهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذٍ، فاستجاب الله له وسمَّاهم كما سمَّاهم موسى فاسقين، وحرَّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، وظلَّل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلَى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من منقلة (١) إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي وَّ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به، ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ◌َ﴿ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره. (١) أي: مرحلة من مراحل السفر. ٢٨٨ • سُورَةَ طَّفة (٤٠، ٤٤) وهكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به (١)، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ها مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً. ﴿ أَذْهَبْ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ] ﴿فَلِئْتَ سِنِينَ فِيَّ أَهْلِ مَذْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى أَنْتَ وَلَخُوَكَ بِئَايَتِى وَلَا نَا فِ ذِكْرِى ﴿﴿ اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿ فَقُولَا لَهُ فَوْلَا لَيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (®﴾. يقول تعالى مخاطباً لموسى عليّ *: إنه لبث مقيماً في أهل مدين فارّاً من فرعون وملئه، يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسيّر عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ قال مجاهد: أي على موعد(٢). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ قال: على قدر الرسالة والنبوة (٣) . وقوله: ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ®﴾ أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي؛ أي: كما أريد وأشاء. وقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ الر قال: ((التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته مكتوباً عليّ قبل أن يخلقني، قال: نعم فحج آدم موسى)) أخرجاه(٤). وقوله: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَلَخُوَكَ بِثَايَتِ﴾ أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي. ﴿وَلَا ثَنِيَا فِى ذِكْرِى﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُبطئا(٥). (١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه بنحوه (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله: رَكْ ﴿وَفَكَ فُونًا﴾ [طه: ٤٠] ح١١٣٢٦)، وأخرجه الطبري وأبو يعلى من طريق يزيد بن هارون به (المسند ١٠/٥ ح ٢٦١٨)، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان (مجمع الزوائد ٧/ ٦٥)، وقد رجّح وقفه الحافظ ابن كثير والمزي علي ابن عباس رضي﴿ها، ولبعضه شواهد مرفوعة صحيحة. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ﴾﴾ [طه] (ح٤٧٣٦)، وصحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم موسى بالشالا (ح ٢٦٥٢). (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. ٢٨٩ سُورَلا طفة (٤٠، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال مجاهد، عن ابن عباس: لا تضعفا (١)، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله؛ بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له، كما جاء في الحديث: ((إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه))(٢). وقوله: ﴿اَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ لَغَى (٣)﴾ أي تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه ﴿فَقُولَا لَهُ فَوْلاً لَيْنَا لَّعَلَّمُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولًا لَهُ قَوْلاً لَِّنً﴾ يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟(٣). وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة. وعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَِّنَّ﴾ قال: لا إله إلا الله (٤). وقال عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري ﴿فَقُولَا لَهُ فَلاَ لَيْنَ﴾ أعذرا إليه قولاً له: إن لك رباً ولك معاداً، وإن بين يديك جنّةً وناراً(٥). وقال بقية، عن علي بن هارون، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم، عن النزال بن سبرة، عن علي في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُم قَوْلاً لَّا﴾ قال: كَنِّه(٦)، وكذا روي عن سفيان الثوري: كنِّه بأبي مرة(٧)، والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغٍ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ الآية [النحل: ١٢٥]. [وقوله](٨): ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى؛ أي: يوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: (لمن أراد أن يذكر أو يخشى) فالتذكر الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة. وقال الحسن البصري: ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون: أهلكه قبل أن أعذر إليه، وههنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمية بن أبي الصلت فیما ذكره ابن إسحاق: وأنت الذي من فضل منّ ورحمة بعثت إلى موسى رسولاً مناديا (١) لم أجده عن مجاهد عن ابن عباس، ولكن أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بسابقه . (٢) يعني: عند القتال، هكذا أكمله الترمذي ثم قال: ليس إسناده بالقوي (السنن، الدعوات، باب ١١٩ ح ٣٥٨٠). (٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٦) سنده ضعيف الإبهام الراوي عن الضحاك. (٧) عزاه السيوطي في الدر إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. (٨) زيادة من (ح) و(حم). ٢٩٠ • سُورَةٌ طَّفة (٤٥، ٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إلى الله فرعون الذي كان باغيا فقلت له: فاذهب وهارون فادعُوَا بلا وتد حتى استقلت كما هيا بلا عمد أرفق إذن بك بانيا منيراً إذا ما جنَّه الليل هاديا فيصبح ما مَسّت من الأرض ضاحيا فيصبح منه البقل يهتز رابيا ففي ذاك آيات لمن كان واعياً(١) فقولا له: هل أنت سويت هذه وقولا له: آأنت رفعت هذه وقولا له: آأنت سويت وسطها وقولا له: من يخرج الشمس بكرة وقولا له: من ينبت الحب في الثرى ويخرج منه حبة في رؤوسه؟ ] ﴿قَالَا رَبَّاً إِنََّ نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى (١٥) قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى ٤٦٦ فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمِّ قَدْ حِثْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ (٤٨) ٠. عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَى (٤) إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَى يقول تعالى إخباراً عن موسى وهارون ◌َلَه، أنهما قالا متسجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: ﴿إِنَّنَا تَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما، فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿أَنْ يَفْطَ﴾ يعجل(٢). وقال مجاهد: يبسط علينا(٣). وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعتدي (٤). ﴿قَالَ لَا تَخَافَآَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى ﴾﴾ أي: لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما بعث الله رَك موسى إلى فرعون قال: ربِّ أي: شيء أقول؟ قال: قل: هيا شراهيا. قال الأعمش: فسر ذلك: أنا الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء(٥). إسناده جيد، وشيء غريب. ﴿فَأَنْيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على بابه حيناً لا يؤذن لهما حتى أذن لهما بعد حجاب شدید. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه، وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني (١) السيرة النبوية لابن هشام ٢٢٨/١. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس ظُه، ومعناه صحيح. (٥) سنده ضعيف؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود ( ٢٩١ سُورَةُ طبة (٤٩، ٥٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك إن على بابك رجلاً يقول قولاً عجيباً، يزعم أن له إلهاً غيرك أرسله إليك. قال: ببابي؟ قال: نعم، قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون(١). وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه، وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل وهو: اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني. قال: افعل ما أمرك ربك، فذهبا وكان ذلك ليلاً، فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون، فغضب وقال: من يجترئ على هذا الصنيع الشديد، فأخبره السدنة والبوابون بأن ههنا رجلاً مجنوناً يقول: إنه رسول الله، فقال: علّي به، فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه(٢). وقوله: ﴿قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكٌ﴾ أي: بدلالة ومعجزة من ربك ﴿وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْمُدَىّ﴾ أي: والسلام عليك إن اتبعت الهدى؛ ولهذا لما كتب رسول الله وَّله إلى هرقل عظيم الروم كتاباً كان أوله («بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين))(٣)، وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله و 18 كتاباً صورته من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك؛ أما بعد، فإني قد أشركتك في الأمر، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريشاً قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ويلقى: ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)) (٤). ولهذا قال موسى وهارون ◌َّهِ لفرعون: ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوْجِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٨)﴾ أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب وَءَاثَرَ الْحَيَّوَةَ متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى الذُّنْيَا ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى (٣)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿فَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى ﴿ لَا يَصْلَهَا إِلَّا اُلْأَثْقَى ﴿ الَّذِىِ كَذَّبَ وَتَوَلَ (٣)﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَ صَلَّى ﴿ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَى [القيامة]؟ أي: كذب بقلبه، وتولى بفعله. (٣٢) قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴿﴾ قَالَ فَمَا بَالُ ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَمُوسَى الْقُرُونِ الْأُوْلَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُ رَبِ وَلَا يَنسَى يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى منكراً وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه (١) رواه ابن إسحاق بلاغاً كما صرح في هذه الرواية، وهي من الإسرائيليات. (٢) وهذا الخبر أيضاً من أخبار أهل الكتاب. (٣) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس عن أبي سفيان من صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ٦ (ح٧)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب كتاب النبي ◌َّ إلى هرقل (ح ١٧٧). (٤) أخرجه ابن سعد من طريق الواقدي (الطبقات ٢٠٩/١)، وأخرجه ابن إسحاق (السيرة النبوية ٦٠٠/٢). ٢٩٢ • سُورَا ظَفة (٥٣، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ومليكه، قال: ﴿فَمَنْ رَّبِّكُمَا يَمُوسَى﴾ أي: الذي بعثك وأرسلك من هو، فإني لا أعرفه وما علمت ٥٠ لكم من إله غيري ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول خلق لكل شيء زوجه (١). وقال الضحاك، عن ابن عباس: جعل الإنسان إنساناً، والحمار حماراً، والشاة شاة(٢). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته(٣). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سوّى خلق كل دابة (٤). وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئاً من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح(٥). وقال بعض المفسرين: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، كقوله تعالى: ﴿وَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى] أي: قدر قدراً وهدى الخلائق إليه؛ أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول ربنا الذي خلق الخلق وقدَّر القدر وجبل الخليقة على ما أراد ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى؛ أي: الذين لم يعبدوا الله؛ أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره، فقال له موسى في جواب ذلك، هم وإن لم يعبدوه فإن علمهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنسَى﴾ أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئاً يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئاً، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان: أحدهما عدم الإحاطة بالشيء، والآخر: نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك. ] ﴿الَّذِىِ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَّكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِّن تَّبَاتٍ شَقَّ كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَى @ ﴿ مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا ﴿ وَلَقَدْ أَرََّهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه رَّ حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] ثم [اعترض](٦) الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وليث فيه مقال، ويتقوى خبره بما يليه. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((أعرض)). ٢٩٣ سُؤَلاَ طَّةٌّ (٥٧، ٥٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 اُلْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وفي قراءة بعضهم ﴿مهاداً﴾(١) أي: قراراً تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُّلًا﴾ أي: جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فَِهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَى﴾ أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضراً ويبساً ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ﴾ أي: لدلالات وحججاً وبراهين ﴿لِأُوْلِى التُّهَى﴾ أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه ﴿﴿ مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾﴾ أي: من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض وفيها نعيدكم؛ أي وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها ية)﴾ [الإسراء] نخرجكم تارة أخرى ﴿َوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَظُنُّونَ إِن ◌َِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الأعراف] وفي وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ الحديث الذي في السنن أن رسول الله وَ﴿ حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: ((﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ﴾)) ثم أخذ أخرى، وقال: ﴿وَفِهَا نُعِيذُكُمْ﴾، ثم أخرى، وقال: ﴿وَمِنْهَا تُخْرِحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾(٢). وقوله: ﴿وَقَدْ أَرََّهُ ءَِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ (49)﴾ يعني: فرعون أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره فكذَّب بها وأباها كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٣٤)﴾ [النمل]. فَلَتَأْتِنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ] ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى ٣٥٧ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُ نَحْنُ وَلَّ أَنْتَ مَكَنَا سُوَّى ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَّى (٥٩) يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعباناً عظيماً، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء، فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك، وتكاثرنا بهم ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحراً مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَأَجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يوماً نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الْزِينَةِ﴾ وهو يوم عيدهم ونيروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء ومعجزات الأنبياء وبطلان معارضة السحر لخوارث العادات النبوية، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ أي: جميعهم ﴿ضُحَى﴾ أي: ضحوة من النهار، ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم بيّن واضح ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل: ليلاً، ولكن نهاراً ضحّى. (١) وهي قراءة متواترة. (٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ظله بنحوه، وضعف سنده محققوه (المسند ٥٢٤/٣٦ ح ٢٢١٨٧)، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤٣/٣). ٢٩٤ سُورَةً طَفة (٦٠، ٦٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء(١). وقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم(٢). وقال سعيد بن جبير: كان يوم سوقهم(٣)، ولا منافاة. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح(٤). وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه. قال موسى لم أومر بهذا إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له أن يجعل هو، قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوماً ففعل(٥). وقال مجاهد وقتادة: ﴿مَكَانَا سُوَى﴾ مكاناً سوى منصفاً(٦). وقال السدي: عدلاً (٧). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَكَانًا سُوَّى﴾ مستو بين الناس، وما فيه لا يكون صوب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى(٨) . ﴿فَتَوَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَ ﴿ قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا قَالُواْ إِنْ هَذَنٍ فَيُسْحِنَّكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى ﴿﴿ فَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَ (َ) لَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيِفَتِكُمُ الْمُعْلَىِ ﴿٣) فَأَبِعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ .(@) صَفَّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه لما [تواعد](٩) هو وموسى ظلَّلا إلى وقت ومكان معلومين تولى؛ أي شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى السحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيراً نافقاً جداً، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَنْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس: ٧٩] ﴿ثُمَّ أَ﴾؛ أي اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى - عليه الصلاة والسلام - متكئاً على عصاه ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفاً، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم، (١) عزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. (٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه: ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: وهو ضعيف. (٤) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس ﴿تها (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَجَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْبَحْرَ ... ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ح ٤٦٨٠). (٥) الخبر من الإسرائيليات. (٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيج عنه، وقول قتادة (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((توعد)). ٢٩٥ سُورَةُ طَّنة (٦٠، ٦٤) · ﴿3﴾ [الشعراء]، ﴿قَالَ ﴾ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرِِّينَ يقولون: ﴿أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ أي: يهلككم بعقوبة هلاكاً لا [بقية](١) له ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ أَفْتَرَى ﴿﴿ فَزَعُواْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى﴾ أي: تناجوا فيما بينهم ﴿قَالُواْ إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنٍ﴾ وهذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: ﴿إنَّ هذين لسامران﴾(٢) وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه. والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه ـ يعنون موسى وهارون - ساحران عالمان، خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده، فينصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم. وقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَ﴾ أي: ويستبدّا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَبَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَ﴾ يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِفَتِكُمُ الْمُعْلَ﴾ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما(٣). وقال مجاهد: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولو الشرف والعقل والأسنان(٤). وقال أبو صالح: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُلَ﴾ أشرافكم وسرواتكم(٥). وقال عكرمة: بخيركم(٦). وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذٍ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما(٧). وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُعْلَ﴾ بالذي أنتم عليه (٨). (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٢) القراءتان متواترتان. (٣) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق وهو الواسطي، وقيل: كوفي (التقريب ص٣٣٦). (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. ٢٩٦ • سُؤْرَةَ طَّفَةٌ (٦٥، ٧٠) 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 5 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ﴿وَأَحْعُوْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَثْتُواْ صَفًا﴾ أي: اجتمعوا كلكم صفاً واحداً، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى﴾ أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة. - ﴿قَالُواْ يَمُوسَىّ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا ◌ِبَالَهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ٦٥ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنَتَ آلْأَعْلَى ) فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى يُغَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّا تَتْعَى الَّ وَأَلْقِ مَا فِ يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُوَاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍّ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَىِ ﴿ فَأَلْفِى السَّحَرَةُ سُجَّدًّاً قَالُواْ ءَامَنَا بِرَبِّ هَذُونَ وَمُوسَى ◌َّ يقول تعالى مخبراً عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ظلّها، أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّ أَن تُلْفِىَ﴾ أي: أنت أولاً ﴿وَإِمَّ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴾ قَالَ بَلَّ أَلْقُواْ ﴾ أي: أنتم أولاً لنرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم ﴿فَإِذَا حِبَالُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِخِرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] وقال تعالى: ﴿سَحَرُوْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَّهُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا جَالهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كان حيلة، وكانوا جماً غفيراً وجمعاً كثيراً، فألقى كل منهم عصاً وحبلاً حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضاً. وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ، خِفَةً مُوسَى ﴾﴾ أي: خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ألقٍ ما في يمينك يعني عصاك، فإذا هي تلقف ما صنعوا وذلك أنها صارت تنيناً عظيماً هائلاً ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس(١)، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئاً إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عياناً جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق وبطل السحر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى الشيباني، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ - عن الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله وَّ: (إذا أخذتم - يعني الساحر - فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾ قال: لا يؤمن به حيث وجد)) وقد روى أصله الترمذي موقوفاً ومرفوعاً (٢). (١) هذا الخبر من الإسرائيليات. (٢) أخرجه الترمذي من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن به، ثم قال: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث .. والصحيح عن جندب موقوف (السنن، الحدود، باب ما جاء في حد الساحر، ح١٤٦٠)، وفي سنده أيضاً الحسن لم يسمع من جندب البجلي (المراسيل لابن أبي حاتم ص٤٢). ونبه الحافظ المزي أن هذا الحديث من مسند جندب الخير الأزدي لا من مسند جندب بن عبد الله البجلي ؤها (تحفة الأشراف ٤٤٦/٢)، وتبقى العلة قائمة لضعف إسماعيل بن مسلم، وعنعنة الحسن البصري، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح٢٤٤)، ولشطره الأول شواهد في الصحيح صريحة في قتل الساحر. ٢٩٧ • سُؤُرَأَ طَّةٌ) (٧١، ٧٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000003300000000000000 فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء: كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجّداً لله، وقالوا: ﴿ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (®٣)﴾ [الأعراف] ولهذا قال ابن عباس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة(١). وقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفاً، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفاً، وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفاً، وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء(٣). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خرَّ السحرة سجداً، رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها (٤). قال: وذُكر عن سعيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَأَلْقِىَ السَّحَرَةُ شُجَّدًا﴾ قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم(٥)، وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة. 42 ﴿قَالَ ءَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمّ إِنَّهُ لَكَبِرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّخْرِّ فَلَأُقَطِعَنَ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ ◌ِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى الْبَيْنَتِ وَالَّذِى فَطَرَفًّا فَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضِ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الدُّنيَا ﴿ إِنَّاَ ءَامَنَا بِرَبْنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَّآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّخْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَ يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم [وتوعدهم](٦) وقال: ﴿مَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: صدقتموه ﴿قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ أي: ما أمرتكم بذلك وافتتم علي في ذلك، وقال قولاً يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بُهت وكذب ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السّحْرِّ﴾ أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى (١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، كما سيأتي في تفسير هذه الآية. (٢) هذه الأقوال كلها من أخبار بني إسرائيل، وقد أخرج الطبري قول القاسم بن أبي بزة وقول السدي بأسانيد ثابتة، ورواية الثوري صحيحة الإسناد وإن تكلم في أبي ثمامة فلا يضر؛ لأنه يفسر ولم يرو. (٣) سنده حسن، ولكن تعيين العدد من الإسرائيليات. (٤) سنده مرسل. (٥) سنده ضعيف لأن روايته معلقة. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: (وعدهم)). ٢٩٨ سُورَةُ طَّفة (٧٤، ٧٦) رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَّرْتُمُوهُ فِ الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ثم أخذ يتهددهم فقال: ﴿فَلَأُقَطِعَنَّ أَدِيَّكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِنَّكُمْ فِي جُدُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: لأجعلنكم مثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم. قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة وأنتم مع موسى وقومه على الهدى، فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله وَ و﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ﴿وَالَّذِى فَطَرَنًا﴾ يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على ((البينات))؛ يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت ﴿فَقْضِ مَآ أَنَتَ قَاضٌٍ﴾ أي: فافعل ما شئت، وما وصلت إليه يدك، ﴿إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَيْنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَيَنَا﴾ أي: ما كان منا من الآثام خصوصاً ما أكرهتنا عليه من الحسر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّخْرِّ﴾ قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء، وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس: فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا: ﴿ءَامَّا بِرَيِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ﴾(١)، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٢). وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: خير لنا منك ﴿وَبْقَى﴾ أي: أدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا(٣). وهو رواية عن ابن إسحاق تَّتُهُ . وقال محمد بن كعب القرظي ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ أي: لنا منك إن أُطيع ﴿وَأَبْقَ﴾ أي: منك عذاباً، إن عُصي(٤). وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضاً. والظاهر أن فرعون - لعنه الله - صمم على ذلك، وفعله بهم رحمة لهم من الله، ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. ] ﴿إِنَُّ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فَِهَا وَلَا يَحْيَى وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ VE جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَنْ تَزََّى ◌َهُمُ الدَّرَحَتُ الْعُلَى بَِّ فَأُولَئِكَ الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ أي: (١) أخرجه الطبري من طريق نعيم بن حماد به، وسنده ضعيف لضعف أبي سعيد، وهو البقال. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، والخبر من الإسرائيليات. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق بنحوه. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، وفيه أبو معشر، وهو السندي: ضعيف. ٢٩٩ • سُورَةِ ظَّفة (٧٤، ٧٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَتََّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ كقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦] وقال: ﴿وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُتَ (١٩) ثُمَّ لَا يَعُوتُ فِيَهَا وَلَا يَخْتَ ﴾﴾ [الأعلى] وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيَّنَا رَبٌُّ قَالَ إِنَّكُم مَّكِنُونَ (19)﴾ [الزخرف]. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) فقال رجل من القوم: كأن رسول الله وَ له كان بالبادية(١)، وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به(٢) . وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي، حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله وَل خطب فأتى على هذه الآية ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَُّ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَّمَ لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحَْ ﴿4﴾ قال النبي ◌َّ: ((أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهراً يقال له: الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل))(٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ﴾ أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَحَتُّ الْعُلَى﴾ أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا همام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عُبادة بن الصامت، عن النبي وَل ري قال: ((الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)) (٤). ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون، عن همام، به (٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: كان يقال: الجنة مائة درجة في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد(٦). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٣٤/١٧ ح ١١٠٧٧). (٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار (ح١٨٥). (٣) سنده ضعيف؛ لأنه معلق. (٤) أخرجه الإمام بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٦٩/٣٨ ح٢٢٦٩٥). (٥) السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة (ح ٢٥٣١). (٦) سنده ضعيف لإرساله. ٣٠٠ • سُورَلاَ طَّفةًّا (٧٧، ٧٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي الصحيحين: ((إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء لتفاضل ما بينهم))، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، قال: ((بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»(١) . وفي السنن: ((وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما))(٢). وقوله: ﴿حَنَّتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى ﴿تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين أبداً ﴿وَذَلِكَ جَزَّآءُ مَن تَزَّكَ﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من خبر وطلب. ] ﴿وَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِ الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ اَلْيَّمِ مَا غَشِيَهُمْ ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى يقول تعالى مخبراً أنه أمر موسى عليّ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داعٍ ولا مجيب، فغضب فرعون غضباً شديداً، وأرسل في المدائن حاشرين؛ أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه(٣)، يقول: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْدِمَةٌ فَلِلُونَ ﴿﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَيِظُونَ ﴾﴾ [الشعراء]، ثم لما جمع جنده واستوسق(٤) له جيشه، ساق في طلبهم ﴿فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ ﴾ [الشعراء] أي: عند طلوع الشمس ﴿فَلَمَّا تَرََّ الْجَمْعَانِ﴾ أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر ﴿قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ (٣)﴾ [الشعراء] ووقف موسى ببني إسرائيل البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق عليَّ بإذن الله ﴿فَنْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلْطَوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يبساً كوجه الأرض، فلهذا قال: ﴿فَضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسًا لَا تَخَفُ دَرَكًا﴾ أي: من فرعون ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ يعني: من البحر أن يغرق قومك، ثم قال تعالى: ﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمْ﴾ أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى فَفَشَّنْهَا مَا غَشَى (@)﴾ [النجم] وقال الشاعر: (٥٣ أنا أبو النجم وشعري شعري أي الذي يعرف، وهو مشهور. وكما تقدم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلَّهم وما هداهم إلى (١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف (ح٢٨٣١). (٢) أخرجه أبو داود من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً مختصراً (السنن، الحروف والقراءات (ح٣٩٨٧)، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي، وأخرجه ابن ماجه من الطريق نفسه (السنن، المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله (يوليو ح٩٦)، وسنده ضعيف كسابقه. (٣) أي: القرى. (٤) أي: اجتمع.