Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
• سُوَرَّةُ الْكَهْفَِّ (٤٥، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الخمس(١) .
وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصلحات سبحان الله،
والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (٢)، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن
الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا
حيوة، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان ته يقول: جلس عثمان يوماً
وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ ثم قال: رأيت
رسول الله ◌َي* يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: ((من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر
غفر له ما كان بينها وبين الصبح. ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب
غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ
ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات
يذهبن السيئات)) قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: لا إله إلا الله،
وسبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(٣). تفرد به.
وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات
الصالحات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٤).
وقال محمد بن عجلان، عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات،
فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهنَّ
الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا
بالله(٥).
وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن نافع بن سرجس أنه أخبره أنه سأل
ابن عمر عن الباقيات الصالحات. قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، [وسبحان الله، ولا حول ولا
قوة إلا بالله.
قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك(٦).
وقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند
ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عنه، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الملك العرزمي عن عطاء به، وأخرجه من طريق عبد الله بن
مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير به، وقد توبع عبد الله بن مسلم بواسطة عبد الملك العرزمي.
(٣) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة هود آية ١١٤.
(٤) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، القرآن، باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى ٢١٠/١ ح٢٣)
وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن عجلان به، ويشهد له سابقه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده جيد.
١٦٢
• سُورَةُ الكَهْفِظَ (٤٥، ٤٦)
0000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أكبر](١) (٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْنَقِيَتُ الصَّلِحَتُ﴾ قال:
لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هن الباقيات الصالحات(٣).
قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن
عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّ: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات
الصالحات)»(٤).
قال: وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن
أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله وَّر قال: ((استكثروا من الباقيات الصالحات)) قيل: وما
هن يا رسول الله قال: ((الملة)) قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((التكبير، والتهليل، والتسبيح،
والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله))(٥). وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به(٦).
قال ابن وهب: أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه
قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له القني عند زاوية القبر،
فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات
الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له
سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو
ثلاثاً فلم ينزع، قال: فأثبت؟ قال سالم: أجل فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع
رسول الله صل وهو يقول: ((عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم علا، فقال: يا جبريل من هذا
الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مُر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن
تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله))(٧).
(١) ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و(حم).
(٢) أخرجه الثوري عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن مجاهد، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق داود بن بلال عن عبد العزيز بن مسلم به (المعجم
الصغير ١٤٥/١) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير داود بن بلال وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/
٩٢)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٤١/١)،
وقال المنذري: إسناده جيد قوي (الترغيب والترهيب ٤٣٢/٢) ويشهد له ما تقدم.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم ويشهد له ما سبق.
(٦) المسند ٧٥/٣ وسنده كسابقه ويتقوى بالشواهد المتقدمة.
(٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حيوة عن أبي صخر به
مختصراً، وضعف سنده محققوه لجهالة حال عبد الله بن عبد الرحمن (المسند ٥٣٣/٣٨ ح ٢٣٥٥٢)،
وأخرجه ابن حبان من طريق أبي صخر مختصراً (الإحسان ١٠٣/٣ ح٨٢١) وقال الهيثمي: ورجال أحمد
رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة، لم يتكلم فيه أحد،
ووثقه ابن حبان (مجمع الزوائد ١٠٠/١٠) وتوثيق ابن حبان في هذا المقام لا يكفي، وحسنه المنذري
(الترغيب ٤٤٥/٢).
·
سورة الكهفٹ (٤٥، ٤٦)
١٦٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل
النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله وَلهم ونحن في المسجد بعد
صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم
قال: ((أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم،
فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا
وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي
سلام، عن مولى لرسول الله وَ ل﴿ أن رسول الله وَ له قال: (بخ بخ(٢) لخمس ما أثقلهنَّ في
الميزان: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده
- قال -: بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقناً بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة
.
والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب))(٣)
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن
أوس رُّبه في سفر، فنزل منزلاً فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما
تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا
ما أقول لكم: سمعت رسول الله * يقول: ((إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء
الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك
حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ
بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب)). ثم رواه أيضاً النسائي من
وجه آخر عن شداد بنحوه (٤) .
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا
عمي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ظُه قال: كنت في أول من أتى
النبي ◌َّل﴿ من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر،
فتصاعدت في الجبل: ثم هبطت فأتيت النبي ◌َّ، فأسلمت وعلمني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ و﴿إِذَا
زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: ((هن
الباقيات الصالحات))(٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٧/٤، ٢٦٨)، وفي سنده إبهام شيخ العوام، ويشهد لآخره
الروايات السابقة.
(٢) بخ بخ: يقال عند المدح والرضا بالشيء، ويكرر للمبالغة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي
لم يسمَّ هو أبو سلمى راعي رسول الله وَّر (المسند ٤٣٠/٢٤ ح ١٥٦٦٢)، وهذا التصحيح بالشواهد
والمتابعات.
(٤) تقدم تخريجه وبيان غريبه في تفسير سورة التوبة آية ٣٥.
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥١/٦ ح٥٤٨٣)، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن الحسن
العوفي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ١٦٩/٧)، والروايات السابقة تشهد لآخره.
١٦٤
• سُوَرَُّ الكَهْفَ (٤٧، ٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وبهذا الإسناد: ((من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة،
والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها
لا تبطل)»(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالْبَقِيتُ الصَّالِحَتُ﴾ قال: هي ذكر الله قول:
لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله،
وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق،
والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة
ما دامت السموات والأرض(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: هُنَّ الكلام الطيب(٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها(٤)، واختاره ابن
جرير نَخْذَُّهُ(٥).
﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْحِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْتَهُمْ فَ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًّا (﴿ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا
لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَ بَّ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيَِّنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا وَوَجَدُواْ مَا
عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٣)﴾
يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ
[الطور] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى:
٠
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيِّ
السَّمَهُ مَوْرًا جَ
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةٌ وَهِىَ تَهُوُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ
فَيَذَرُهَا قَامًا
كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾﴾ [القارعة] وقال: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِ نَسْفًا (49)
﴾ [طه] يذكر تعالى أنه تذهب الجبال، وتتساوى
لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا (
صَفْصَفًا بِشَـ
المهاد، وتبقى الأرض قاعاً صفصفاً، أي سطحاً مستوياً لا عوج فيه ولا أمتاً، أي لا وادي ولا
جبل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان
يواري أحداً، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.
قال مجاهد: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾](٦) لا خَمَر فيها ولا غيابة(٧). قال قتادة: لا بناء ولا
شجر(٨).
(١) أخرجه الطبراني (المعجم ٦/ ٥٢ ح ٥٤٨٤) وسنده كسابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٥) اختاره مستدلاً برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
(٦) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
١٦٥
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٤٧، ٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: وجمعناهم الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم
أحداً لا صغيراً ولا كبيراً، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينَ (@)
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِقَتِ يَوْمِ مَعْلُوم
﴾ [الواقعة] وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُوٌ﴾ [هود].
وقوله: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله
صفاً واحداً، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الزُُّعُ وَالْمَلَكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا
﴾ [النبأ] ويحتمل أنهم يقومون صفوفاً، كما قال: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣)﴾ [الفجر].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُوْنَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] هذا تقريع للمنكرين للمعاد،
وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطباً لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ تَجْعَلَ لَكُمْ قَوْعِدًا﴾
أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.
وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير،
والصغير والكبير، ﴿فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ﴾ أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة
﴿وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنَنَا﴾ أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةٌ وَلاَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَاً﴾ أي: لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولا عملاً وإن صغر، إلا
أحصاها، أي ضبطها وحفظها .
وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله وَلايه
من غزوة حنين، نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي وَلا ير: ((اجمعوا من وجد عوداً
فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به)) قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً، فقال
النبي وسلم: ((أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله
رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه))(١) .
وقوله: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرً﴾ أي: من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا
عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًّا وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال
تعالى: ﴿يُبِّ الْإِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٣)﴾ [القيامة]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَ السََّآبِرُ جَ﴾ [الطارق]
أي: تظهر المخبآت والضمائر.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ◌َّ قال:
((لكل غادر لواء يوم القيامة [يعرف به))(٢). أخرجاه في الصحيحين(٣)، وفي لفظ: ((يرفع لكل
غادر لواء يوم القيامة] (٤) عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان))(٥).
(١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٥٢/٦ ح ٥٤٨٥) وسنده ضعيف أيضاً فيه الحسين بن الحسن بن عطية وهو
ضعيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٢/٣) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر للبر والفاجر (ح٣١٨٧)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم
الغدر (ح ١٧٣٧).
(٤) زيادة من (ح) و(حم).
(٥) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر (ح٣٦٨٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر
(ح١٧٣٨).
١٦٦
• سُوَرَّةُ الْكَهْفِ (٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعاً، ولا يظلم أحداً من
خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من
الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم
الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ
مِن لَُّنَّهُ أَبْرًّا عَظِيمًا (®﴾ [النساء]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَّوَمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً
وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ (﴾﴾ [الأنبياء] والآيات في هذا
كثيرة .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي،
عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه
عن النبي ◌َليو، فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلاً، فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام،
فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم،
فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله وَّ في
القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله وَل* يقول:
((يحشر الله ثم الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلاً بهما)) قلت: وما بهما؟ قال: ليس
معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديَّان لا
ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصّه منه، ولا
ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصّه منه حتى
اللّطمة: قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله رَ حفاة عراة غرلاً بهما؟ قال: ((بالحسنات
والسيئات)) (١).
وعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان ظ به أن رسول الله وَله
قال: ((إن الجماء(٢) لتقتص من القرناء يوم القيامة))(٣) رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وله شواهد
من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِيْنَ اٌلْقِسْطَ لِيَّوَمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ
شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّ أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ
يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ اسْجُدُوْ لَِدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّةٍ
أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِْسَ لِلَِّمِينَ بَدَّلًّا
يقول تعالى منبهاً بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعاً لمن اتبعه منهم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند/ ٤٣١ - ٤٣٣ ح ١٦٠٤٢)، وأخرجه
البخاري من طريق عبد الله بن عقيل به (الأدب المفرد ح ٩٧٠)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد
ح٤٦ ٧.
(٢) أي: الشاة الجماء وهي التي لا قرن لها (النهاية ٣٠٠/١).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٣٩.
١٦٧
سُورَةُ الكَهْفِ (٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وخالف خالقه ومولاه، وهو الذي أنشأه وابتداه وبألطافه رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى
إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ﴾ أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول
سورة البقرة ﴿أَسْجُدُواْ لَِدَمَ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
لِلْمَلَئِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْئُونٍ لَّـ
سَجِدِينَ (٣)﴾ [الحجر].
وقوله: ﴿فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار،
وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﴿يها، عن رسول الله وَالقيل أنه
قال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم))(١)
فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال
الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة، ونبه تعالى ههنا
على أنه من الجن؛ أي: على أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْذَنِ مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن
◌ِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن
آدم ثالثا أصل البشر(٢)، رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن،
خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازناً من خزان الجنة،
وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج
من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت(٣). وقال الضحاك أيضاً عن ابن
عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان
السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفاً
على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، واستخرج الله ذلك الكبر منه حين
أمره بالسجود لآدم فاستكبر، وكان من الكافرين.
قال ابن عباس قوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنّ﴾ أي: من خزان الجنان، كما يقال للرجل مكي ومدني
وبصري وكوفي(٤). وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك(٥)، وقال سعيد بن جبير عن ابن
عباس، قال: هو من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا، رواه ابن جرير من حديث
الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد به(٦). وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة
(١) صحيح مسلم، الزهد، باب في أحاديث متفرقة (ح٢٩٩٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، والضحاك لم يلق ابن عباس، وفي سنده أيضاً بشر بن
عمارة وهو ضعيف.
(٤) تخريجه كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وفي سنده شيخ الطبري سفيان بن وكيع فيه مقال.
١٦٨
• سُورَةُ الكَهْفِظَ (٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سماء الدنيا(١).
وقال ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن
يركب المعصية من الملائكة اسمه: عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة
اجتهاداً وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جناً (٢).
وقال ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن
عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء
والأرض، فعصى، فسخط الله عليه فمسخه شيطاناً رجيماً، لعنه الله ممسوخاً، قال: وإذا كانت
خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصية فارجُه(٣).
وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنة(٤)، وقد روي في هذا
آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير
منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من
الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس
لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من
الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا
الحديث، وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومکذوبه،
وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب
النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر # أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما
ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل.
وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِةٍ﴾ أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال:
فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث
والفساد، ثم قال تعالى مقرعاً وموبخاً لمن اتبعه وأطاعه ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ﴾
الآية، أي بدلاً عني، ولهذا قال: ﴿يِْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة
وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس ﴿وَآَمْتَلُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ قُبِينٌ ﴾ وَأَنِ أَعْبُدُونِيْ هَذَا
٢٦٣
وَلَقَدْ أَضَلَ مِنْكُمْ جِلًا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
] ﴿﴿ مَّ أَشْهَدُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اَلْمُضِلِينَ عَضُدًا
٥١
يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئاً، ولا
أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وفيه شيخ الطبري محمد بن
حميد الرازي وهو ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وفي سنده عنعنة ابن جريج، والحسين هو ابن داود: ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
١٦٩
سُورَةُ الكهف (٥٢، ٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير،
كما قال: ﴿قُلِ أَدْعُوْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ
وَمَا لَّمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْءٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ ﴿ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ الآية
[سبأ: ٢٢، ٢٣]، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ اٌلْمُضِلِينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعواناً(١).
٥٢٦
- ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآَوِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْهُم ◌َّوْيِقًا
وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (@)﴾.
يقول تعالى مخبراً عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعاً لهم
وتوبيخاً ﴿نَادُواْ شُرَكَِّىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: في دار الدنيا ادعوهم اليوم ينقذوكم مما أنتم فيه قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُزَدَىُ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَكَُّمُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ
شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (®﴾ [الأنعام]
وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ كما قال: ﴿وَقِلَ أَدْعُواْ شُرَكَهُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ الْعَذَابُّ
لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴾ الآية [القصص]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ
لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَنُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ
[الأحقاف]، وقال تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةُ لِيَكُونُوْ لَهُمْ عِزَّا (٨ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ
وَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (3﴾﴾﴾ [مريم].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم قَّوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهاداً(٢).
وقال قتادة: ذُكر لنا أن عمر البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو وادٍ عميق فرق به
يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة (٣). وقال قتادة: ﴿قَوْبِقًا﴾ وادياً في جهنم(٤).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم،
سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ قال: وادٍ في جهنم من قيح
دم(٥).
وقال الحسن البصري: موبقاً: عداوة(٦)، والظاهر من السياق ههنا أنه المهلك، ويجوز أن
يكون وادياً في جهنم أو غيره، والمعنى أن الله تعالى بيّن أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه بلفظ: ((هلاکا)).
(٣) أخرجه الطبري والبيهقي (البعث والنشور ٥٢١) كلاهما من طريق قتادة به وسنده ضعيف لإبهام شيخ قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وليس عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الصمد به (الزهد ص٣١١، ٣١٢) وسنده
ضعيف لضعف يزيد بن درهم قال فيه ابن معين: ليس بشيء، وساق ابن حجر هذا الأثر بعد قول ابن معين
(لسان الميزان ٢٨٤/٦).
(٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.
١٧٠
سُورَةُ الكَهْفِ (٥٤)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا
خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير. وأما إن جعل
الضمير في قوله عائداً إلى المؤمنين والكافرين كما قال عبد الله بن عمرو إنه يفرق بين أهل
الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ (®]﴾ [الروم] وقال:
﴿يَوْمَيِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿ وَأَمْتَنُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (3)﴾ [يس]، وقال تعالى:
﴿وَبَوْمَ تَخْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَرَبِّنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُ إِنَّانَا
تَعْبُدُونَ اللَّـ
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ
فَكَفَ بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَفَفِينَ
أَسْلَفَتْ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [يونس].
وقوله: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا (3﴾﴾ أي: أنهم لما
عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك(١) فإذا رأى
المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم،
فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي: ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بدّ لهم منها.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن
أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَّ ر أنه قال: [(إن الكافر ليرى جهنم فيظن](٢) أنها
مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل
في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة))(٤).
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا
يقول تعالى: ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن
الحق ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة
والمخاصمة المعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة.
(١) حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ظله مرفوعاً (صحيح مسلم، الجنة، باب في شدة حر
نار جهنم ح٢٨٤٢).
(٢) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري وفي الأصل حُرِّفت إلى: ((إن الكافرين في جهنم فيظن)).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم، وله شاهد إذ أخرجه الإمام .
أحمد (المسند ٧٥/٣)، وابن حبان (الإحسان ٣٤٩/١٦ ح٧٣٥٢)، وحسنه محققه، وأخرجه الحاكم كلهم
من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ الحديث التالي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٥٩٧)
وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٢٣٦/١٠)، فيكون الإسناد حسناً لغيره.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حسن لغيره، (المسند ٢٤٢/١٨ ح١١٧١٤) وينظر أقوال
النقاد في الرواية السابقة.
١٧١
• سُورَّةُ الكَهْفِّ (٥٩،٥٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الإمام أحمد: حدثنا [أبو اليمان](١)، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني علي بن
الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره، أن رسول الله وَ فيه طرقه
وفاطمة بنت رسول الله ◌َ﴿ ليلة، فقال: ((ألا تصليان؟)) فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله،
فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مولِّ
يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾(٢) أخرجاه في الصحيحين(٣).
] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَن تَأْنِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ أَوْ
يَأَنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُحَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ
◌ِهِ الْحَقِّ وَأَخَذُوَاْ ءَايَنِيِ وَمَا أُنْذِرُواْ هُوَا (ِ﴾﴾.
يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما
يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا
العذاب الذي وعدوا به عياناً، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ
﴾ [الشعراء] وآخرون قالوا: ﴿أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ [العنكبوت:
الصَّدِقِينَ
٢٩] وقالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ
أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ لَوْ مَا تَأْتِنَا
بِالْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ [الحجر] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم قال: ﴿إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ اٌلْأَوَِّينَ﴾ من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، ﴿أَوَ يَأْنِهُمُ
الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي: يرونه عياناً مواجهة ومقابلة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ
وَمُنذِرِينَ﴾ أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم.
ثم أخبر عن الكفار بأنهم يجادلون بالباطل ﴿لِيُدْحِضُواْ بِهِ لَلَقَّ﴾ أي: ليضعفوا به الحق الذي
جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، ﴿وَاَّخَذُوَاْ ءَايَتِى وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوا﴾ أي: اتخذوا الحجج
والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب
أي: سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب.
- ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَنْ ذُكِّرَ بِّايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ءَاذَانِمْ وَقْرًّاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَّا أَبَدًا ﴿﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ
يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَىّ
أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها؛ أي: تناساها وأعرض
(١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل: ((أبو اليماني)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٢/١) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، التهجد، باب تحريض النبي ◌َ﴿ على صلاة الليل والنوافل ... (ح ١١٢٧)، وصحيح
مسلم، صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح (ح٧٧٥).
١٧٢
• سُوَدَّةُ الْكَهْفِ (٦٠، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالاً، ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي: من الأعمال السيئة والأفعال
القبيحة، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب هؤلاء ﴿أَكِنَّةٌ﴾ أي: أغطية وغشاوة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾
أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان ﴿وَفِيِّ ءَاذَاِمْ وَقْرًا﴾ أي: صمماً معنوياً عن الرشاد ﴿وَإِن نَدْعُهُمْ
إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ .
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا
كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ﴾ كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن
دَابَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:
٦] والآيات في هذا كثيرة.
ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم
فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِنْ
دُونِهِ، مَوْيلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل.
وقوله: ﴿وَتِلْكَ اُلْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ أي: الأمم السالفة والقرون الخالية، أهلكناهم
بسبب كفرهم وعنادهم. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا
يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم
أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.
] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُّبًا (٥) فَلَمَّا
بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوْتَهُمَا فَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَّبًّا ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنُهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا
مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴿ قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ
ـ) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَارْتَدًا عَلَىَّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا
أَذَّكْرَةٍ وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ اَلْبَحْرِ عَبَ ◌َ
مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا عِلْمًا (٥٥)﴾
سبب قول موسى لفتاه وهو يوشع بن نون، هذا الكلام أنه ذكر له أن عبداً من عباد الله بمجمع
البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه(١)، وقال لفتاه ذلك ﴿لَآ
أَبْرَجُ﴾ أي: لا أزال سائراً ﴿حَّ أَبَّلُغَ مَجْمَعَ اٌلْبَحْرَيْنِ﴾ أي: هذا المكان الذي فيه مجمع
البحرين، قال الفرزدق(٢):
ببطحاء ذي قار (٣) [عياب] (٤) اللطائم(٥)
فما برحوا حتى تهادت نساؤهم
قال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب (٦).
(١) هذا طرف من حديث صحيح سيأتي في تفسير هذه الآية.
(٢) البيت ورد في ديوانه ٢١٧/٢، واستشهد به الطبري.
(٣) منطقة بين واسط والكوفة في جنوب العراق، وسميت محافظة ذي قار باسمها .
(٤) عياب اللطائم: أوعية المسك.
(٥) كذا في ديوان الفرزدق وتفسير الطبري و(ح) و(حم) وفي الأصل صحفت إلى: ((عات)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه آدم بن أبي أياس والطبري بسند صحيح من =
١٧٣
سُورَةُ الكَهْفِظَ (٦٠، ٦٥)
وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة (١)، يعني في أقصى بلاد المغرب،
فالله أعلم.
وقوله: ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ أي: ولو أني أسير حقباً من الزمان.
قال ابن جرير تَخَّلهُ: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة (٢)، ثم
روى عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة(٣).
وقال مجاهد: سبعون خريفاً (٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ قال: دهراً (٥)، وقال قتادة
وابن زيد مثل ذلك(٦).
وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا تَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه،
وقيل له: متى فقدت الحوت، فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها
عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب وكان في مكتل مع
يوشع عليها، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع عليله وسقط الحوت في البحر فجعل
يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده (٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ
سَرَبًا﴾ أي: مثل السرب في الأرض.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر(٨).
وقال العوفي، عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون
صخرة (٩) .
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي بن
كعب قال: قال رسول الله ولو حين ذكر حديث ذلك: ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير
مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا
.ج.
نَبْغَ﴾(١٠).
وقال قتادة: سرب من البحر حتى أفضى إلى البر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك طريقاً فيه إلا
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وأبو معشر هو السندي وكلاهما ضعيف.
(٢) ذكره الطبري وقد نقله عن الفراء كما في معاني القرآن ١٥٤/٢.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥). أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) وقول قتادة وابن زيد بلفظ: ((زمانا))، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن
زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٧) هذا النص طرف من حديث سيأتي ذكره كاملاً ومكرراً.
(٨) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. وهاتان الروايتان لهما شواهد تالية.
(١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وله شاهد سيأتي برواية صحيحة.
١٧٤
سُورَةُ الْكَهْفِ (٦٠، ٦٥)
صار ماء جامداً (١).
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما وإن كان
(W)﴾ [الرحمن] وإنما يخرج من
يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وَالْمَرْحَابُ
المالح على أحد القولين.
فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَنُهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن
سَفَرِنَا هَذَا﴾ أي: الذي جاوزا فيه المكانِ ﴿نَصَبًا﴾ يعني: تعباً ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِ
تَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: (ما أنسانيه أن أذكره
إلا الشيطان)(٢). ولهذا قال: ﴿وَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي: طريقه ﴿فِى الْبَحْرِ عَ (٨٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا
نَّعْ﴾ أي: هذا هو الذي نطلب ﴿فَأَرْتَدًا﴾ أي: رجعا ﴿عَ ءَاثَارِهِمَا﴾ أي: طريقهما ﴿قَصَصًا﴾ أي:
يقصان آثار مشيهما ويقفوان أثرهما ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَّا
عِلْمًا (٥) وهذا هو الخضرلعلها، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله وَله.
قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جبير،
قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ظلَّلا، ليس هو موسى
صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أُبي بن كعب ◌َُّّ أنه سمع
رسول الله 90 يقول: ((إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا،
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قال موسى: يا ربِّ وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت
فهو ثم، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عل*، حتى إذا أتيا
الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ
سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ،
نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى
لفتاه: ﴿وَإِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي
أمره الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ
أَذَكْرَهُ وَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَمَا﴾ قال: فكان الحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال: ﴿ذَلِكَ مَا
كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل
مسجى(٣) بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال:
موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
[الكهف] يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله
علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْضِى لَكَ أَقْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]
قال له الخضر: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠].
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية.
(٣) أي: مغطى.
١٧٥
• سُورَةُ الكهف (٦٠، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر
فحملوهم بغير نول(١)، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة
بالقدُّوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد
جئت شيئاً إمراً ﴿قَالَ أَمَّ أَقُلْ إِنََّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ
أَمْرِى عُسْرًا (٣)﴾ [الكهف] قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، فكانت الأولى
من موسى نسياناً، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين
فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان،
فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًّاً
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٣٥)﴾ [الكهف] قال: وهذه أشد من الأولى، ﴿قَالَ إِن
VE
فَأَنَطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا
سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّكُنِى عُذْرًا
فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف] أي: مائلاً، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَةٌ﴾
فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (* قَالَ هَذَا فِرَاقُ
بَيْنِ وَبَّنِكَّ سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا (٣٨)﴾ [الكهف] فقال رسول الله بَّه: ((وددنا أن موسى
كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما)) قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ (وكان أمامهم
ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً) وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)(٢).
ثم رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة فذكر نحوه، وفيه: فخرج موسى ومعه فتاه
يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه
فنام، قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب
من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل
البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا﴾ قال: وساق الحديث، ووقع عصفور على
حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق
في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه(٣).
وقال البخاري أيضاً: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم
قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، يزيد أحدهما على صاحبه،
وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال سلوني،
فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاصّ يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى
بني إسرائيل، أما عمرو فقال لي قال: كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس: حدثني
أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((موسى رسول الله ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون
(١) أي: بغير أجرة.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنُهُ﴾ [الكهف: ٦٠] (ح ٤٧٢٥) والقراءة
الشاذة تفسيرية .
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيَّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] (ح ٤٧٢٧).
١٧٦
سُورَةُ الكَهْفِ (٦٠، ٦٥)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورقّت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا،
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال أي ربِّ، وأين؟ قال: بمجمع البحرين،
قال: أي ربِّ اجعل لي علماً أعلم ذلك به. قال لي عمرو: قال حيث يفارقك الحوت، وقال لي
يعلى: خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك
إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيراً، فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِفَتَنُهُ﴾ يوشع بن نون - ليست عند سعيد بن جبير - قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان
ثريان (١) إذ يضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه، لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره،
ويضرب الحوت حتى دخل في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كأن أثره في حجر، قال:
فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر، وحلق بين إبهاميه واللتين تليهما، قال: ﴿لَقَدْ لَفِينَا مِن
سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال: وقد قطع الله عنك النصب - ليست هذه عند سعيد بن جبير - أخبره فرجعا
فوجدا خضراً قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد (٢) البحر.
قال سعيد بن جبير: مسجى(٣) بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه عند رأسه، فسلم عليه
موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى
بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: أما
يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن
لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في
جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر
صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح، قال:
فقلنا لسعيد بن جبير: خضر؟ قال: نعم، لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً، قال موسى:
﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] قال مجاهد: منكِراً، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (®﴾ [الكهف] كانت الأولى نسياناً، والثانية شرطاً، والثالثة عمداً، ﴿قَالَ لَا
فَأَنْطَلَقَا حَقََّ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف]، قال يعلى:
نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُدْرًا
قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون، فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال:
أقتلت نفساً زكية لم تعمل الحنث؟ وابن عباس قرأها: (زكية مسلمة) كقولك غلاماً زكياً، فانطلقا
فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه، قال سعيد: بيده هكذا ودفع بيده فاستقام، قال: لو شئت
لاتخذت عليه أجراً، قال يعلى: حسبت أن سعيداً قال: فمسحه بيده فاستقام، قال: لو شئت
لاتخذت عليه أجراً، قال سعيد: أجراً نأكله، ﴿وَكَانَ وَرَآَهُم مَّلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، وكان أمامهم،
قرأها ابن عباس: (أمامهم ملك) (٤) يزعمون، عن غير سعيد، أنه: هدد بن بدد، والغلام المقتول
اسمه - يزعمون - جيسور ﴿مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، فأردت إذا هي مرّت به أن
يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، منهم من يقول سدوها بقارورة، ومنهم من
يقول بالقار، ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنٍ﴾ [الكهف: ٨٠]، وكان هو كافراً، ﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا
وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَيُّهُمَا
(١) أي: أرض في ترابها بلل وندى.
(٣) أي: مغطى.
(٢) أي: وسطه.
(٤) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
١٧٧
سُورَةُ الْكَفْفِ (٦٠، ٦٥)
2000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾ [الكهف: ٨١]، كقوله: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤]، وقوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾
[الكهف: ٨١] هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر.
وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد:
إنها جارية(١).
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
خطب موسى علّ* بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى هذا الرجل
فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان(٢)، والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير
قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس إن نوفاً
ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا، قال
سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟ فقلت له: نعم أنا سمعت نوفاً يقول ذلك،
قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: نعم، قال: كذب نوف.
ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله و ﴿ أن موسى بني إسرائيل سأل ربه،
فقال: أي ربِّ إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه، فقال له: نعم في عبادي من هو
أعلم منك، ثم نعت له مكانه وأذن له في لقیه، فخرج موسی ومعه فتاه ومعه حوت ملیح(٣)، قد قيل
له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه
ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك
الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومسَّ الحوت الماء
حيي، ﴿فَأَتَّخَذَ سَبِيَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾، فانطلقا فلما جاوزا النقلة قال موسى لفتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا
مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾، قال الفتى وذكر: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرَهُ وَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَمً﴾ .
قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له،
فسلم موسى عليه فردَّ عليه السلام، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له
موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً. قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، وكان
رجلاً يعلم علم الغيب، قد عُلِّم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِ خُبْرَاً
﴾ [الكهف] أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قَالَ
﴿فَإِنِ
(9)﴾ [الكهف] وإن رأيت ما يخالفني، قال:
سَتَجِدُنِيّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَآَ أَعْصِى لَكَ أمْرًّاً
أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ﴾ [الكهف: ٢٠] وإن أنكرته ﴿حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرَّت بهما سفينة
جديدة وثيقة لم يمر بهما، من السفن شيء أحسن، ولا أجمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن
يحملوهما فحملوهما، فلما أطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له (٤) ومطرقة، ثم
(١) صحيح البخاري، تفسير سورة الكهف، باب ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ... ﴾ [الكهف: ٦١] (ح ٤٧٢٦).
(٣) أي: مملوح بالملح.
(٢) أخرجه عبد الرزاق وسنده صحيح.
(٤) المنقار آله حديدية كالفأس ينقر بها.
١٧٨
سُوَدَةُ الكَهْفِ﴾ (٦٠، ٦٥)
عمد إلى ناحية فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها، ثم جلس عليها
يرفعها، فقال له موسى ورأى أمراً أفظع به ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: بما تركت من عهدك ﴿وَلَا
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (فِيَ
تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُشْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، فإذا
غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضاً منه فأخذه بيده
وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه(١) فقتله، قال: فرأى موسى أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي
صغير قتله لا ذنب له، قال: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّبِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤] أي: صغيرة ﴿يِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
تُكْرًا (٣ قَالَ أَلَمَّ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٥ قَالَ إِن سَأَلَئُكَ عَن شَْمٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ
بَلَفْتَ مِنْ لَّكُنِ عُذْرًا (٨)﴾ [الكهف] أي: قد أعذرت في شأني ﴿فَأَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَاً
أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر
موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس له عليه صبر فأقامه، قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ
أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا وضفناهم (٢) فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل
من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عمله، قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَئِكِينَ يَعْمَلُونَ فِ الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكُ
مَا لَّمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا
[الكهف] وفي قراءة أبي بن كعب: (كل سفينة صالحة) وإنما عبتها لأرده
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِنَةٍ غَصْبًا
عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، ﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (﴿4﴾ [الكهف]. ﴿وَأَمَّا
اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُمْ كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ
أَشْدَهُمَا وَيَسْتَخْرِمَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِن رَّيِّكَّ وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [الكهف: ٨٢] أي: ما فعلته عن نفسي
﴿َلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً (٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس قالا: لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلما
استقرت بهم الدار أنزل الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير
والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في
الأرض، وقال: كلَّم الله نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه، وأنزل عليَّ محبة منه، وآتاكم الله من
كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم
إلا وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله قد عرفنا الذي تقول:
فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسىلظلّلا فقال:
إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى إن لي على شط البحر رجلاً هو أعلم منك. قال
ابن عباس: هو الخضر، فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد
على شط البحر حوتاً، فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر، فإذا نسيت الحوت، وهلك
منك، فثمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب.
فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه
(١) أي: أصاب دماغه.
(٢) أي: نزلنا عليهم ضيوفاً.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف لأن الحسن بن عمارة وهو البجلي متروك كما في
التقريب. ولمعظمه شواهد في الصحيح.
١٧٩
• سُوَّةُ الكَهْفِظَ (٦٦، ٧٠)
0000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد
رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سرباً فأعجب من ذلك، فرجع موسى حتى أتى الصخرة،
فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها
عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس عنه الماء حتى يكون
صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر فلقي
الخضر بها، فسلم عليه فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض، ومن
أنت؟ قال: أنا موسى، قال الخضر: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحب به وقال: ما جاء
﴾ [الكهف]
(ج قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَّعِىَ صَبْرَّ ®
بك؟ قال جئتك ﴿عَلَى أَن تُعَلَّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا
يقول: لا تطيق ذلك، قال: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا وَلَاَ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] قال:
فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ
مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠](١) .
وقال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس أنه تمارى هو
والحرُّ بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما
أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل
السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله صل9 يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله صل* يقول:
(بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا،
فأوحى الله إلى موسى، بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية،
وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال
فتى موسى لموسى: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، فإني نسيت الحوت، قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّاً
نَبِخَّ فَارْتَذَا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضر، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه))(٢).
] ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرً ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَّكَ أَمْرًاً
٧٠
قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًاً
يخبر تعالى عن قيل موسى عليّله لذلك الرجل العالم وهو الخضر، الذي خصَّه الله بعلم لم
يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾
سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.
وقوله: ﴿أَتَِّعُكَ﴾ أي: أصحبك وأرافقك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ أي: مما علمك الله
شيئاً أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قَالَ﴾ الخضر لموسى ﴿إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ أي: إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعظمه له شواهد تقدم ذكرها في الصحيح.
(٢) أخرجه البخاري من طريق الزهري به (الصحيح، العلم، باب ما ذكره ذهاب موسىو ﴿ في البحر إلى
الخضر (ح ٧٤).
١٨٠
سُورَةُ الكَهْفِ (٧١، ٧٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله،
فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوَ تُطْ
بِهِ، خبراً ﴾﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته
ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك ﴿قَالَ﴾ أي: موسى ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾
أي: على ما أرى من أمورك ﴿وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ أي: ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه
الخضر علَّ ﴿قَالَ فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ﴾ أي: ابتداءً ﴿حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: حتى
أبدأك أنا به قبل أن تسألني.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن
عباس قال: سأل موسىلعلَّ ربه ◌َّك فقال: أي ربِّ أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني
ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي ربِّ
أي: عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى
أو ترده عن ردى، قال: أي ربِّ هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم قال: فمن هو؟ قال:
الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال:
فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلّم كل واحد منهما
على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى.
قال: فإن صحبتني ﴿فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتٌَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر حتى
انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف،
فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزا(١) من هذا الماء؟ قال: ما
أقل ما رزأ. قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من
هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي
الخضر (٢)، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له
ذلك.
- ﴿فَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًّا
قَالَ أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (3﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا
يقول تعالى مخبراً عن موسى وصاحبه وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا،
واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه
وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر،
فحملوهما بغير نول، يعني بغير أجرة، تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر
ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحاً من ألواحها ثم رفعها، فلم
(١) أي: أصاب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، ولمعظمه
شواهد تقدمت في الصحيح.