Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٤٥، ٤٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الصحيحين(١)، قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال ما لم ييبسا لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي: لا يعاجل من عصاه بالعقوبة بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته))، ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمُ شَدِيدُ (6)﴾(٢) [هود]. وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (4)﴾ [الحج]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله تاب إليه وتاب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٥)﴾ [النساء]، وقال ههنا: ﴿إِنَُّ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ كما قال في آخر فاطر ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيِنِ زَالَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنُ بَعْدِهَّةٍ إِنَّهُ كَانَ حَلِمًا غَفُورًا (٨) إلى أن قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ﴾﴾ [فاطر]. وَجَعَلْنَا عَلَى -- ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ نُوراً (4)﴾. يقول تعالى لرسوله محمد رسله: وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستوراً. قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم (٣)، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَا تَدْعُوْنَآ إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء. وقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ بمعنى: ساتر كميمون ومشؤوم بمعنى: يا من وشائم؛ لأنه من يمنهم وشؤمهم، وقيل: مستوراً عن الأبصار فلا تراه وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ◌َظّتُهُ(٤). وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] جاءت العوراء أُم جميل ولها ولولة(٥) وفي يدها فهر(٦) (١) صحيح البخاري، الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله (ح٢١٦)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول (ح ٢٩٢). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢. (٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٥) الولولة: البلبلة والدعاء بالويل. (٤) ذكره الطبري. (٦) الفهر: الحجر مليء الكف. ٨٢ • سُورَةُ الإِسْراءِ (٤٧، ٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهي تقول: مذمماً أتينا - أو أبينا - قال أبو موسى: الشك مني، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله جالس وأبو بكر إلى جنبه فقال أبو بكر ◌ُله: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: ((إنها لن تراني)) وقرأ قرآناً اعتصم به منها ﴿وَإِذَا قَرَأَتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٥) قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر فلم ترَ النبي ◌ِّل فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني، قال أبو بكر: لا وربّ هذا البيت ما هجاك، قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدها(١). وقوله: ﴿وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوِهِمْ أَكِنَّةً﴾ وهي جمع كنان الذي يغشى القلب ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِيِّ مَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي منعهم من سماع القرآن سماعاً ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا وحدت الله في تلاوتك، وقلت لا إله إلا الله، ﴿وَلَّوْ﴾ أي: أدبروا راجعين ﴿عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورً﴾ ونفور جمع نافر، وكقعود جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدراً من غير الفعل، والله أعلم. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةٌ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾﴾ [الزمر]، قال قتادة في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا﴾، إن المسلمين لما قالوا: لا إله إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها [فلج](٢)، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها(٣). (قول آخر في الآية): روى ابن جرير: حدثني الحسين بن محمد [الذارع] (٤)، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، وحدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى اَلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمِ نُفُورًا﴾ هم الشياطين(٥). وهذا غريب جداً في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان أو ذكر الله انصرفوا . ﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بَِّ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ تَجْوَ إِذْ يَقُولُ الَِّمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا (٤٨) مَّسْحُورًا (﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يخبر تعالى نبيه 98 بما يتناجى به رؤساء قريش حين جاؤوا يستمعون قراءته وح لول سراً من (١) أخرجه الحاكم من طريق بشر بن موسى الحميدي عن سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٦٢)، ونسبه الحافظ ابن حجر إلى البزار وحسنه (فتح الباري ٧٣٨/٨)، ونقل الهيثمي تحسين البزار له ثم قال: ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط. (مجمع الزوائد ١٤٤/٧) ولكن يبدو رواية الراوي عن عطاء قبل الاختلاط أو أنه متابع كما في رواية أبي يعلى والحاكم. (٢) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل: ((فلح والمعنى متقارب)). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: و(ح) صُحِّف إلى: ((الزارع)). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً فيه روح بن المسيب الكلبي متهم بالوضع (لسان الميزان ٤٦٨/٢). ٨٣ • سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ (٤٧، ٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قومهم بما قالوا من أنه رجل مسحور من السِّخر على المشهور، أو من السَّخْر وهو الرئة؛ أي: إن تتبعون إن اتبعتم محمداً إلا بشراً يأكل، كما قال الشاعر(١): فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المُسخَّر(٢) وقال الراجز(٣). نسحر بالطعام وبالشراب أي: يُغَذي، وقد صوَّب هذا القول ابن جرير(٤)، وفيه نظر؛ لأنهم أرادوا ههنا أنه مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَّبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾﴾ أي: فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصاً. قال محمد بن إسحاق في السيرة: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلساً يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق تلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قاله أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه(٥). (١) هو الصحابي الجليل لبيد بن ربيعة ظه، والبيت في ديوانه ص٥٦. (٢) أي نحن صغار ضعاف من ذراري قوم قد ذهبوا، والمسحر المعلل بالطعام والشراب. (٣) هو الشاعر امرؤ القيس، وما ورد هو عجز وصدره: أرانا مُوضِعين لأمر غَيب (ديوان امرئ القيس ص٩٧) واستشهد به معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٣٨١/١)، والطبري. (٤) ما قاله الطبري أنه غير بعيد عن الصواب. (٥) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣٢٨/١)، وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق به (دلائل النبوة ٢/ ٢٠٦)، وسنده مرسل، والقصة مشهورة. ٨٤ سُورَةُ الإِشْرَاءِ (٤٩، ٥٢) أَوْ ٥٠ ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَمًا وَرُفَا أَِنَا لَمَبْعُوتُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ ﴿ قُلْ كُنُوْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّقَّ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوّ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ﴿٩ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَُّنُّونَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (﴾﴾. يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد القائلين استفهام إنكار منهم لذلك ﴿أَوِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُقَنَا﴾ أي: تراباً، قاله مجاهد (١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: غباراً (٢). ﴿أَِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًّا جَدِيدًا﴾ أي: يوم القيامة بعدما بلينا وصرنا عدماً لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضوع الآخر ﴿يَقُولُونَ أَمِنَا لَمَرْدُودُونَ فِ اٌلْحَافِرَةِ ﴿ أَوِذَا كُنَّا عِظَمَا تَخِرَةٌ ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَزَّةُ خَاسِرَةٌ (49)﴾ [النازعات]. وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌمْ قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ دَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ ﴾﴾ [يس]، وهكذا أمر رسوله ههنا أن يجيبهم فقال: : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴾﴾ إذ هما أشد امتناعاً من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِ صُدُورِكُمْ﴾. قال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت(٣) . وروى عطية عن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحبيتكم(٤)، وكذا قال سعيد بن جبير وأبو صالح والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم(٥)، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة، لأحياكم الله إذا شاء؛ فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقد ذكر ابن جرير [ههنا](٦) حديثاً: ((يجاء بالموت يوم القيامة وكأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، ثم يقال: يا أهل النار أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيحٍ من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن إسحاق مصرحاً بالسماع (السيرة النبوية لابن هشام ٣١٥/١) سنده حسن، أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٦٢/٢). (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية به، ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري نظر اته بمعناه (الصحيح، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ح٢٨٤٩). (٥) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند جيد من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري. (٦) زيادة من (ح) و(حم). ٨٥ • سُوَّةُ الأَشْرَاءِ (٤٩، ٥٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ويا أهل النار خلود بلا موت))(١). وقال مجاهد: ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: السماء والأرض والجبال(٢). وفي رواية: ما شئتم فكونوا فسيعيدكم الله بعد موتكم (٣). وقدٍ وقع في التفسير المروي عن الإمام مالك عن الزهري في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال النبي ◌َّ: قال مالك: ويقولون: هو الموت (٤). وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ من يُعِيدٌنًا﴾ أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً ﴿قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّؤَّ﴾ أي: الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً ثم صرتم بشراً تنتشرون؛ فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يحركونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تعرفه العرب من لغاتها(٥)؛ لأن الإنغاض هو: التحرك من أسفل إلى أعلى أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم وهو: ولد النعامة نغضاً؛ لأنه إذا مشى عجل بمشيته وحرك رأسه، ويقال: نَغَضَت سنّهُ إذا تحركت وارتفعت من منبتها وقال الراجز: ونَغضَت من هرمٍ أسنانها(٦). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هُوٌ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ [الملك] وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: احذروا ذلك؛ فإنه قريب سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت آت. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: الرب تبارك وتعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ إِذّا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل ®®﴾ [القمر] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [النحل]. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِلسَّاهِرَةِ [النازعات] أي: إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته. (١) أخرجه الطبري وهو متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري تَظُه (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] ح ٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون (ح٢٨٤٩). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن مجاهد. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) تقدم صحته عن جمع من التابعين. (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٦) استشهد به معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٣٨٢/١) والطبري. ٨٦ • سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (٥٣) 000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فتستجيبون بحمده؛ أي بأمره(١)، وكذا قال ابن جريج(٢)، وقال قتادة بمعرفته وطاعته(٣). وقال بعضهم: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: وله الحمد في كل حال(٤). وقد جاء في الحديث: ((ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون: لا إله إلا الله))(٥). وفي رواية يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْخَزَنِّ﴾ وسيأتي في سورة فاطر (٦). وقوله تعالى: ﴿وَتَُّنُّونَ﴾ أي: يوم تقومون من قبوركم ﴿إِن لَِّئْتُمْ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكقوله تعالى ﴿كَأَنَّهُمْ يَؤْمَ بَرَّوْنَهَا لَمْ يَكْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَا ﴿4﴾ [النازعات]، وقال تعالى: يَتَّخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (٨٢) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَتَخْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقَا (9َ) يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِقَةً إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (٣٤)﴾ [طه]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ وقال تعالى: ﴿قَلَ كَمْ لِئْتُمْ فِ اُلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿﴿ قَالُواْ لِْنَا يَوَمَّا أَوْ بَعَّضَ يَوٍْ فَسْتَلِ الْعَآدِينَ ﴿ فَكَلَ إِن ◌َِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ (١)﴾ [المؤمنون]. كُنتُمْ تَعْلَمُونَ - ﴿وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ الَّتِى هِىَ أَحْسَنُّ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنَعُ بَيْنَهُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله * أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاورتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشيطان ينزغ في يده؛ أي: فربما أصابه بها . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ظ به قال: قال رسول الله وَر: ((لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار))(٧). أخرجاه من حديث عبد الرزاق(٨). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن الحسن قال: حدثني (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف ويتقوى بسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) ذكره الطبري. (٥)(٦) سيأتي تخريجهما في تفسير سورة فاطر آية ٣٤، إذ ذكرهما الحافظ بالسند. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٧/٢)، وسنده صحيح متفق عليه. (٨) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ◌َّ و: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (ح ٧٠٧٢)، وصحيح مسلم، البر، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (ح ٢٦١٧). ٨٧ • سُورَةُ الإِشْرَاءِ (٥٤، ٥٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رجل من بني سليط قال: أتيت النبي و * وهو في أزفَلة(١) من الناس فسمعته يقول: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ههنا)) قال حماد: وقال بيده إلى صدره: ((وما تواد رجلان في الله ففرق بينهما إلا حدث يحدثه أحدهما، المُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر والمُحدِثُ شر))(٢). وَرَبُّكَ ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمّ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (@) أَعْلَمُ بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْتَنَ عَلَى بَعْضٍّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا يقول تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها الناس أي: أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق ﴿إِن يَشَأْ يَرَحَمْكُمْ﴾ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنما أرسلناك نذيراً، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار. وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ وكما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِّ مِّنْهُم مَن كَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وجه له قال: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))(٣) فإن المراد من ذاك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية لا بمقتضى الدليل فإذا دلَّ الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْنَ مِشَقَهُمْ وَمَنْكَ وَمِن نُّرِجِ وَإِنَزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَهْمٌ﴾ [الأحزاب: ٧] وفي الشورى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ اُلْذِينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْئًا إِلَيْكَ وَمَا وَضَّيْنَا بِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الّذِينَ وَلَا نَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ولا خلاف أن محمداً يوليو أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى ◌ِّ على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه على فضله وشرفه. قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ◌ُه، عن النبي وَلّ قال: ((خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرؤه قبل أن يفرغ)) يعني القرآن(٤). ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (﴿﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ, وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ يَحْذُورًا يقول تعالى: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله ﴿أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن (١) أي: جماعة من الناس (النهاية ٣٠٥/٢). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: الشطر الأول منه صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان ... وأما الشطر الثاني فحسن لغيره (المسند ٢٨٩/٣٤، ٢٩٠ ح٢٠٦٨٩). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آخر آية ١٤٣. (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَءَاتَّيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] ح ٤٧١٣). ٨٨ • سُورَةُ الإِشْرَاءِ (٥٤، ٥٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم فإنهم ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَثْفَ اُلُّرِّ عَنكُمْ﴾ أي: بالكلية ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ أي: بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي يقدر ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾ الآية، قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً، وهم الذين يدعون يعني في الملائكة والمسيح وعزيراً (١). وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، روى البخاري من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَيِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: ناس من الجن(٢) كانوا يعبدون فأسلموا(٣). وفي رواية: قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن وتمسك هؤلاء (٤) بدينهم . وقال قتادة، عن معبد بن عبد الله الزماني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الآية، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم، لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية(٥)، وفي رواية عن ابن مسعود كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم: الجن فذكره (٦). وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اٌلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال: عيسى وأمه وعزير(٧). وقال مغيرة، عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر (٨). وقال مجاهد: عيسى والعزير والملائكة(٩). واختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال: والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة (١٠)، ولهذا قال: ﴿أَيُمْ أَقْرَبُ﴾ . (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٢) أُستشكل أن الناس ضد الجن، وأُجيب بأنه على قول من قال: ((إنه من ناسَ إذا تحرك))، أو ذكر للتقابل حيث قال: ((ناس من الإنس وناس من الجن)) (فتح الباري ٨/ ٣٩٧، وينظر تاج العروس ١٠٣/٤). (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] (ح ٤٧١٥). (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِهِ ... ﴾ [الإسراء: ٥٦] (ح ٤٧١٤). (٥) أخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبَْغُونَ إِلَى رَيِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ح ٣٠٣٠). (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه يحيى بن السكن وهو ضعيف. (٧) أخرجه الطبري من طريق السدي به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح واسمه: باذام أو باذان. (٨) أخرجه الطبري من طريق مغيرة به، وسنده ضعيف لأن مغيرة هو ابن مقسم الضبي ثقة لكنه يدلس عن إبراهيم، وإبراهيم هو النخعي لم يسمع من ابن عباس. (٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (١٠) أي رواية قتادة عن معبد بن عبد الله المتقدم في صحيح مسلم. ٨٩ سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٥٨، ٥٩) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذاً بالله منه. ] ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ @﴾. الْكِتَابٍ مَسْطُورًا هذا إخبار من الله مك بأنه قد حتم وقضى بما عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوَأْ أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ رَيِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْتَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَهَا عَذَابًا تُكْرًا ﴿ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَتْرِهَا وَكَانَ عَقِبَةُ أَقْرِهَا خُمْرًا ﴾﴾ [الطلاق]. 2- ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُزْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَّ وَءَانِيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا تُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ٥٩ قال سُنيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم من سُخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرَّك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهباً، فأوحى الله إليه: إني قد سمعت الذي قالوا: فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب، فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني بقومك استأنيت بهم. قال: ((يا رب استأن بهم))(١). وكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما (٢). وروى الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي و ﴿ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا، كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم. وقال: ((لا، بل استأن بهم)) وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَاً أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اٌلْأَوَّلُونَ وَءَانْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾(٣)، ورواه النسائي وابن جرير به (٤). (١) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لضعف سنيد وإرسال سعيد بن جبير، ويتقوى بالروايات التالية لما فيها من المتابعات والشواهد. (٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه لكنه مرسل وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه سُنيد أيضاً ولكنهما يتقويان بالروايات التالية. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٧٣/٤ ح ٢٣٣٣)، وصححه أيضاً أحمد شاكر، وأخرجه الحاكم من طريق جرير به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٣٦٢). (٤) أخرجه الطبري والنسائي كلاهما من طريق جرير به (السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَاً أَنْ تُرْسِلَ بِلْآَيَتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] ح١١٢٩٠). وسنده صحيح کسابقه. ٩٠ سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٥٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن [عمران بن الحكم](١)، عن ابن عباس، قال: قالت قريش للنبي وَل 9: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك. قال: ((وتفعلون؟)) قالوا: نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين))، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال: ((بل باب التوبة والرحمة))(٢). وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا محمد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزبير بن العوام قالت: سمعت الزبير يقول لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرِينَ ﴾ [الشعراء] صاح رسول الله وَّر على أبي قبيس: ((يا آل عبد مناف إني نذير)) فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهاراً، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصيّر لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فنتحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. وقال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سرّي عنه، قال: ((والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة، فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين)) ونزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَاً أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ ◌َن كَذَّبَ بِهَا اٌلْأَوَّلُونَ﴾ وقرأ ثلاث آيات ونزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ اُلْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ لُّمَ بِ الْمَوْنَى﴾ الآية [الرعد: ٣١](٣). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ﴾ أي: نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك فإنه سهل علينا يسير لدينا إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة ﴿قَالَ اَللَّهُ إِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنْ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ (9)﴾ [المائدة] وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية ناقة تخرج من صخرة عينوها، فدعا صالح ربه فأخرج لهم منها ناقة على ما سألوه، فلما ظلموا بها؛ أي: كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله (١) كذا صوبه الحافظ ابن حجر وهو عمران بن الحارث أبو الحكم (تعجيل المنفعة ص٢١٩) وقد ورد على الصواب في المسند ٢٨٤/٥ (ح٣٢٢٣)، وفي النسخ الخطية صحف إلى: عمران بن حكيم. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وورد فيه عمران بن الحكم وهو تصحيف والصواب المثبت أعلاه (المسند ٦٠/٤ ح٢١٦٦)، وصحح سنده محققوه، ونبهوا على التصحيف. (٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه وضعفه محققه لضعف عبد الجبار بن عمر الأيلي وعبد الله بن عطاء بن إبراهيم (المسند ٤٠/٢، ٤١ ح٦٧٩، وينظر مجمع الزوائد ٨٨/٧). ٩١ سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٦٠). 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وعقروها، فقال: ﴿تَمَتَّعُواْ فِ دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيِّرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ أي: كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله عن آخرهم وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ قال قتادة: إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود تظله، فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه(١). وهكذا روي أن المدينة زُلزلت على عهد عمر بن الخطاب ظُه مرات، فقال عمر: أحدثتم والله لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلنّ. وكذا قال رسول الله ﴿ في الحديث المتفق عليه: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله رم يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره، ثم قال: يا أمة محمد واللهِ ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))(٢). . ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِلنَّاسِّ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِيِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اٌلْقُرْءَانِّ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا ◌ُفْيَنًا كَبِيرًا (@)﴾. يقول تعالى لرسوله وَل محرضاً على إبلاغ رسالته مخبراً له بأنه قد عصمه من الناس؛ فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته. وقال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ أي: عصمك منهم(٣). وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِيَّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ الآية. قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَا جَعَلْنَا ◌ُلُِّيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ قال: هي رؤيا عين أريها رسول اللهِ وَليه ليلة أسري به، ﴿وَالشَجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْءَانِ﴾ شجرة الزقوم(٤)، وكذا رواه أحمد [وعبد الرزاق](٥) وغيرهما عن سفيان بن عيينة به (٦). وكذا رواه العوفي عن ابن عباس(٧). - (١) سنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود. (٢) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ينا (صحيح البخاري، الكسوف، باب الصدقة في الكسوف ح١٠٤٤)، وصحيح مسلم، الكسوف، باب صلاة في الكسوف (ح ١٩٠١). (٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عروة أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (ح ٤٧١٦). (٥) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((عبد الرحمن)). (٦) المسند ٢٢١/١ وتفسير عبد الرزاق. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما سبق. ٩٢ • سُوَرَّةُ الإِسْراءِ (٦١، ٦٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهكذا فَسر ذلك بليلة الإسراء(١) مجاهد وسعيد بن جبير والحسن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد (٢)، وقد تقدمت أحاديث الإسراء في أول السورة مستوفاة ولله الحمد والمنة. وتقدم أن ناساً رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على (٣) الحق؛ لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتاً ويقيناً لآخرين، ولهذا قال: ﴿إِلَّا فِتْنَةٌ﴾ أي: اختباراً وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله وَ الل أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل عليه لعائن الله: هاتوا لنا تمراً وزبداً، وجعل يأكل من هذا بهذا، ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا، حكى ذلك ابن عباس ومسروق وأبو مالك والحسن البصري وغير واحد (٤)، وكل من قال: إنها ليلة الإسراء، فسره كذلك بشجرة الزقوم. وقيل: المراد بالشجرة الملعونة بنو أمية، وهو غريب ضعيف. وقال ابن جرير: حُدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي، عن جدي قال: رأى رسول الله وَل قول بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، قال: وأنزل الله في ذلك ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُِّيَا الَّتِي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةُ لِلنَّاسِ﴾ الآية(٥)، وهذا السند ضعيف جداً فإن محمد بن الحسن بن زبالة متروك، وشيخه أيضاً ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أي في الرؤيا والشجرة، وقوله: ﴿وَنُخْوِّفُهُمْ﴾ أي: الكفار بالوعيد والعذاب والنكال، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ أي: تمادياً فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم. قَالَ ] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْليسَ قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِلًا ٦٢ يذكر تبارك وتعالى عداوة إبليس لعنه الله وذريته وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له افتخاراً عليه واحتقاراً (١) أي: شجرة الزقوم التي رآها النبي وَّ هُ ليلة الإسراء. (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق فرات القزاز عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عنه، وقول إبراهيم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٣) تقدم في بداية تفسير هذه السورة. (٤) قول ابن عباس أخرجه الإمام أحمد وتقدم تخريجه في بداية السورة في قصة الإسراء وصحح سنده الحافظ ابن كثير هناك، وقول الحسن البصري أخرجه بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه ولكنه مرسل ويتقوى بسابقه، وقول مسروق تقدم بلفظ: شجرة الزقوم، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبثر الكوفي عنه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً كما ذكر الحافظ ابن كثير. ٩٣ • سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (٦٣، ٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 له ﴿قَالَ ءَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿أَنْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقَْنِى مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وقال أيضاً: ﴿أَرَءَيْنَكَ﴾ يقول للرب جراءة وكفراً والرب يحلم وينظر ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَّ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول لأستولين على ذريته إلا قليلاً(١). . وقال مجاهد: لأحتوينّ وقال ابن زيد: لأضلنهم(٣) . وكلها متقاربة والمعنى: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليَّ لإن أنظرتني لأضلنَّ ذريته إلا قليلاً منهم. ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءُ مَوْفُورًا (٣٢) وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٥) غُرُورًا لما سأل إبليس النظرة قال الله له: ﴿أَذْهَبْ﴾ فقد أنظرتك كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾﴾ [الحجر] ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ أي: على أعمالكم ﴿جَزَآءُ مَّوْفُورًا﴾ قال مجاهد: وافراً (٤). وقال قتادة: موفوراً عليكم لا ينقص لكم منه(٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَفْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قيل: هو الغناء قال مجاهد: باللهو والغناء أي استخفهم بذلك(٦). وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَسْتَفْرِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال: كل داعٍ دعا إلى معصية الله(٧) رعَن وقاله قتادة، واختاره ابن (٨) جرير. وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ قال: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم فإن الرجل جمع راجل كما أن الركب جمع راكب وصحب جمع صاحب ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدري كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَزْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا ﴾ [مريم] أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً وتسوقهم إليها سوقاً. (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه. (٦) أخرجه الطبري من طريق ليث وهو ابن أبي سُليم وفيه مقال عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٩٤ • سُوْرَةُ الإِسْراءِ (٦٣، ٦٥) وقال ابن عباس ومجاهد في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ﴾ قال: كل راكب وماشٍ في(١) معصية الله. وقال قتادة: إن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس(٢) وهم الذين يطيعونه تقول العرب أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب ومنه اشتقاق الجلبة وهي ارتفاع الأصوات. وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله(٣). وقال عطاء: هو الربا(٤). وقال الحسن: هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، وكذا قال قتادة(٥). وقال العوفي، عن ابن عباس رضيّ: أما مشاركته إياهم في أموالهم فهو ما حرموه من أنعامهم يعني من البحائر والسوائب ونحوها (٦) وكذا قال الضحاك وقتادة(٧). وقال ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله(٨)، وقوله: ﴿وَالْأَوْلَدِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك يعني: أولاد الزنا (٩). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهاً بغير علم (١٠). وقال قتادة والحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا على غير صبغة الإسلام، وجزؤوا أموالهم جزءاً للشيطان، وكذا قال(١١) قتادة سواء. وقال أبو صالح، عن ابن عباس: هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد الشمس وعبد فلان(١٢). قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصي الله فيه بتسميته (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن بنحوه. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٧) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه . (٨) ذكره الطبري بنحوه. (٩) قول العوفي أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوي بما يليه فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري. (١٠) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه. (١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن. (١٢) أخرجه الطبري من طريق أبي صالح به، وسنده ضعيف لضعف أبي صالح وهو: باذام أو باذان. ٩٥ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو بقتله أو غير ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به أو فيه فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِ اٌلْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى فكل ما عصي الله فيه أو به أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة (١)، وهذا الذي قاله متجه وكل من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة فقد ثبت في صحيح مسلم عن عياض بن حمار أن رسول الله ◌َّه قال: ((يقول الله وي: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم))(٢). وفي الصحيحين أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً)) (٣) ٣) . وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُواْ أَنْفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِحِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِفِىٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظاً ومؤيداً ونصيراً. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلّ قال: ((إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر)) (٤). ينضي أي: يأخذ بناصيته ويقهره. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْقُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ" إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله لمصالح عباده لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: إنما فعل هذا بكم في فضله عليكم ورحمته بكم. (١) ذكره الطبري بنحوه. (٢) تقدم مراراً وآخر مرة في تفسير آية ١٥ من هذه السورة. (٣) أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ◌ًا صحيح البخاري، الوضوء، باب التسمية على كل حال (ح١٤١)، وصحيح مسلم، النكاح، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع (ح١٤٣٤). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لسوء حفظ ابن لهيعة (٥٠٤/١٤ ح ٨٩٤٠) ولكن رواية قتيبة وهو ابن سعيد عن ابن لهيعة معتمدة فقد سأل الإمام أحمد قتيبة فقال: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح؟ فأقره قتيبة على ذلك وقال: لأنا كنا نكتب من كتاب ابن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة (ينظر: سير أعلام النبلاء ١٥/٨). ٩٦ سُورَةُ الإِشْرَاءِ (٦٧، ٦٩) ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الفُرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ فَمَّا تَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا (مِنَ)). يخبر تعالى أنه إذا مسَّ النَّاس ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُُّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فاراً من رسول الله صل* حين فتح مكة، فذهب هارباً فركب في البحر يدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره اللَّهم لك علي عهد لإن أخرجتني منه لأذهبنَّ فلأضعن يدي في يدي محمد فلأجدنَّه رؤوفاً رحيماً، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله وَّ فأسلم وحسن إسلامه رَظ ◌ُه وأرضاه(١). وقوله تعالى: ﴿فَّا تَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم الله. ﴿أَفَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا يقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً؟ وهو المطر الذي فيه حجارة قاله مجاهد(٢) وغير واحد كما قال تعالى: ﴿إِنّ ◌َرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نَََّّهُم بِسَحَرٍ (49)﴾ [القمر] وقد قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢] وقال: ﴿ءَأَمِثُ مَّن فِ السَّمَلِ أَن يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ﴿ أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَِّ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾﴾ [الملك] وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَكِيلًا﴾ أي: ناصراً يردُّ ذلك عنكم وينقذكم منه. 42 ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَغَرُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا يقول تبارك وتعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر وخرجوا إلى البر ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحر مرة ثانية ﴿فَيْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيج﴾ أي: يقصف الصواري ويغرق المراكب. قال ابن عباس وغيره: القاصف ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها(٣). (١) أخرجه النسائي من طريق السدي عن مصعب بن سعد عن أبيه بنحوه مطولاً (السنن، تحريم الدم، باب الحكم في المرتد ١٠٦/٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ح٣٧٩١، والسلسلة الصحيحة ح١٧٢٣)، وأخرجه الحاكم عن السدي به دون ذكر القصة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٤/٢). (٢) لم أجده عن مجاهد وإنما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه، وذكر السيوطي ونسبه إلى الطبري عن قتادة ولم يذكره عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((عاصفاً)). ٩٧ سُورَةُ الإِسْراءِ (٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي: بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، بِيعًا﴾ قال ابن عباس: نصيراً(١). وقال مجاهد: نصيراً ثائراً (٢)؛ أي: يأخذ بثأركم بعدكم. وقال قتادة: ولا نخاف أحداً يتبعنا بشيء من ذلك(٣). ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ وَلْنَهُمْ فِى الْبَرِ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلَّيِّبَتِ وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى ٧٠ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ويخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ [التين] أي: يمشي قائماً منتصباً على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية. ﴿وَلْنَهُ فِ الْبَرِّ﴾ أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضاً على السفن الكبار والصغار ﴿وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّيِّبَتِ﴾ أي: من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي. ﴿وَفَضَلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا الآخرة فقال الله تعالى: ((وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت كن فكان))(٤). وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روي من وجه آخر متصلاً. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي وَّ قال: ((إن الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند ثابت عن معمر عن قتادة بنحوه. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده ضعيف لإرسال زيد بن أسلم، وقد روي من طرق أخرى لكنها ضعيفة السند كما يلي. ٩٨ سُورَةُ الأَشْراءِ (٧١، ٧٢) بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان))(١). وقد روى ابن عساكر من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رويم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن رسول الله وَ لاو قال: ((إن الملائكة قالوا: ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم، وجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويتزوجون النساء ويركبون الدواب ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله ربك: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن، فكان))(٢). وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا معمر بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَ له: (ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم)) قيل: يا رسول الله ولا الملائكة؟ قال: ((ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر))(٣). وهذا حديث غريب جداً. - ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍِ ◌ِإِمٍَِِّ فَمَنْ أُوِيَ كِتَبَهُ بِيَمِنِ، فَأُوْلَكَ يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا ) وَمَن كَانَ فِى هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك: فقال مجاهد وقتادة: نبيهم(٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَسُولٌ فَإِذَا جَآَةَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (﴾﴾ [يونس]. وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي ◌َّر. وقال ابن زيد: لكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع(٥). واختاره ابن جرير. (١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ١٩٦/٦ ح ٦١٧٣) وسنده ضعيف جداً قال الهيثمي وفيه: إبراهيم بن عبد الله بن خالد وسنده ضعيف جداً فيه. المصيصي: وهو كذاب متروك (مجمع الزوائد ٨٥/١). (٢) أخرجه البيهقي من طريق عبد ربه بن صالح القرشي عن عروة بن رويم عن جابر الأنصاري مرفوعاً بنحوه، ثم قال: وقال فيه غيره عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وفي ثبوته نظر (الجامع لشعب الإيمان ١٧٢/١ ح١٤٩). (٣) أخرجه الخطيب البغدادي من طريق عبيد الله بن تمام به (تاريخ بغداد ٤٥/٤) وكذا أخرجه البيهقي ثم قال: تفرد به عبيد الله بن تمام (الجامع لشعب الإيمان ١٧٤/١ ح ١٥٣)، قال الهيثمي بعد أن نسبه إلى الطبراني في الكبير: وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١/ ٨٥)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: غريب جداً، وفي هذا نقد للمتن أيضاً. (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحیح عن معمر عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. ٩٩ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٧١، ٧٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: بكتبهم(١). فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِمَتِهٍ﴾ أي: بكتاب أعمالهم (٢) وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك(٣). وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامِ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَى الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيْلَنْنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَ كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَاً وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٣)﴾ [الكهف] [ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء للَّهُ وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] وفي الصحيحين: ((لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الطواغيت))(٤) الحديث](٥). وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمَةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ ﴿ هَذَا كِنَبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ يِالْحَقِّ إِنَّا كُنَا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (®﴾﴾ [الجاثية] وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لا بدّ أن يكون شاهداً على أمته بأعمالها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ اْأَرْضُ بِنُورٍ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِْىََّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا ﴾﴾ [النساء] ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال ولذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناسٍ بِإِمٍَِ فَمَنْ أُوقَ كِتَبَهُ بَِمِينِهِ، فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَبَهُمْ﴾ أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرأه [ويحب](٦) قراءته كقوله: ﴿فَا مَنْ أُوْقِىَ كِنَهُ بِعِ، فَيَقُولُ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَبِيَةُ (﴿4﴾ إلى قوله: ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِيَ كِنَهُ بِشِمَاِ فَيَقُولُ يَلََّنِى لَمْ أُوْتَ كِنَبِيَهْ ﴿ وَلَمَّ أَدْرِ مَا حِسَلِيَةُ (®]﴾ [الحاقة]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة(٧). وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً في هذا فقال: حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة نظ ◌ُبه، عن النبي وَّهِ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَسٍ بِإِمَتِهٍ﴾ قال: ((يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد فيقولون: اللَّهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه ويشهد له سابقه ولاحقه. (٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري. (٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح٦ ٨٠، وصحيح مسلم، الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح٢٩٩). (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٧) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٩. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((محب)). ١٠٠ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٧٣، ٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيقولون: أعوذ بالله من هذا أو من شر هذا اللّهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللَّهم اخزه فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا))(١). ثم قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِةٍ أَعْمَى﴾ الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: ﴿وَمَنْ كَانَ فِ هَذِهِ﴾ أي: في الحياة الدنيا(٢) ﴿أَعْمَى﴾ أي: عن حجة الله وآياته وبيناته ﴿فَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ أي: كذلك يكون ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: وأضل منه كما كان في الدنيا عياذاً بالله من ذلك. ﴿وَإِن كَادُوْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَبْرَهُ وَإِذَا لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا VP وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿ إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ Vo اَلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره مؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. ﴿وَإِن كَادُواْ لِيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا M سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ٧٦ قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله وَلقو بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك. وقيل: إنها نزلت بتبوك وفي صحته نظر. روى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم أن اليهود أتوا رسول الله وَ له يوماً فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدَّق ما قالوا فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث. وفي هذا الإسناد نظر (٣)، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود، (١) سنده ضعيف إذ مداره يتوقف على عبد الرحمن بن أبي كريمة والد السدي الكبير وهو مجهول الحال (التقريب ص٣٤٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل ح٣١٣٦)، وابن حبان (الإحسان ٣٤٦/١٦ ح٧٣٤٩)، وأبو نعيم (الحلية ١٥/٩)، والحاكم (المستدرك ٢٤٢/٢) كلهم من طريق السدي عن أبيه به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه نظر. (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٣) وهو كما قال فقد أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٢٥٤/٥) وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته.