Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سُورَةُ الأَشْراءِ (١)
0000000110030013310000000000000000000000000000000000030000000000000000000000000000
لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ
من الذي أريد به، اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في
الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل فقالَّلا له في ذلك.
ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله ◌ُ أعلم، وأما عرض
الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت
المقدس وجاء أنه في السماء. ويحتمل أن يكون ههنا وههنا، لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم.
ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه علَّل وروحه، أو بروحه فقط؟ على قولين:
فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً، ولا ينكرون أن يكون
رسول الله * رأى قبل ذلك مناماً ثم رآه بعد يقظة، لأنه كانلعلّها لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
فلق الصبح، والدليل على هذا قوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان مناماً لم يكن
فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولما ارتدت جماعة ممن
كان قد أسلم، وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقال تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ،
لَيْلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا اُلُّؤْيَا الَّتِىّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].
قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله والقر ليلة أسري به، والشجرة الملعونة هي
شجرة الزقوم، رواه البخاري(١)، وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى ﴾﴾ [النجم] (٢) والبصر من
آلات الذات لا الروح، وأيضاً فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان، وإنما
يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه، والله أعلم.
وقال آخرون: بل أُسري برسول الله وَل﴿ بروحه لا بجسده.
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عبتة بن المغيرة بن الأخنس أن
معاوية بن أبي سفيان، كان إذا سئل عن مسرى رسول الله و 98 قال: كانت رؤيا من الله
صادقة(٣) .
وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله و له ولكن أسري
بروحه(٣) .
قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْرُّؤْيَا
الَِّي أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ولقول الله في الخبر عن إبراهيم: ﴿إِّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنّ
أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَّ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال: ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحي يأتي
(١) أخرجه البخاري بسنده عن ابن عباس في صحيحه، التفسير، سورة الإسراء، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] (ح ٤٧١٦).
(٢) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن يعقوب بن
لُه .
عتبة لم يدرك معاوية ضـ
(٣) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف للانقطاع بين
ابن إسحاق وعائشة ولم يصرح باسم شيخه.

٤٢
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
للأنبياء من الله أيقاظاً ونياماً، فكان رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((تنام عيناي وقلبي يقظان))(١) والله
أعلم، أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائماً أو يقظاناً، كل
ذاك حق وصدق(٢)، انتهى كلام ابن إسحاق.
وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق
القرآن، وذكر من الأدلة على ردِّه بعض ما تقدم(٣)، والله أعلم.
فائدة حسنة جليلة :
روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب ((دلائل النبوة)) من طريق محمد بن عمر الواقدي:
حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمرو بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بعث
رسول الله وَي دحية بن خليفة إلى قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة
على وفور عقل هرقل، ثم استدعى مَن بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب
وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه،
وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره وتصغره عنده. قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله
ما منعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليَّ
ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك ألا
أخبرك خبراً تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا،
أرض الحرم، في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح.
قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة، قال: فنظر إليه
قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان
تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم
فعالجته، فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه
فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف(٤) والبنيان، ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من
أين أتى. قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت غدوت عليها، فإذا الحجر الذي
في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط دابة، قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب
الليلة إلا على نبي، وقد صلى الليلة في مسجدنا، وذكر تمام الحديث(٥).
فائدة :
قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه ((التنوير في مولد السراج المنير)) وقد ذكر
حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد، ثم قال: وقد تواترت الروايات في
حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذرِّ ومالك بن صعصعة وأبي هريرة
(١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة رؤيتها (صحيح البخاري، التهجد، باب قيام النبي وَّر في رمضان وغيره
ح ١١٤٧، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ◌َلٌ ح٧٣٨).
(٢) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٤٠٠)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٣) ردّه الطبري ردّاً علمياً بالنقل والعقل وباللغة.
(٤) النجاف أسكفة الباب.
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه أبي نعيم في الدلائل، وسنده مرسل.

٤٣
سُورَةُ الإِسْراءِ (٣،٢)
وأبي سعيد وابن عباس، وشداد بن أوس وأُبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى
الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبُريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جُندب
وأبي الحمراء، وصهيب الرومي وأُم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم
أجمعين، منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية
بعضهم على شرط الصحة، فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة
والملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُظْفِئُوْ نُورَ اَللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ ﴾ [الصف].
ذُرِّيَّةَ
﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىَ إِسْرَّهِيلَ أَلَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا (@)
مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ .
لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد لو عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضاً، فإنه
تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام، وبين ذكر التوراة
والقرآن، ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾ يعني: التوراة ﴿ وَجَعَلْنَهُ﴾ أي:
الكتاب ﴿هُدَى﴾ أي: هادياً ﴿لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَلَّ تَتَّخِذُوا﴾ أي: لئلا تتخذوا ﴿مِن دُونِ وَكِيلًا﴾
أي: ولياً ولا نصيراً ولا معبوداً دوني، لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا
شريك له.
ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ تقديره يا ذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه على
المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا
شَكُورًا﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمداً وَّ وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن
السلف أن نوحاًعلَل* كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله، فلهذا سمي عبداً
شكوراً.
قال الطبراني: حدثني علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حصین،
عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبداً شكوراً، لأنه كان
إذا أكل أو شرب حمد الله(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن
رَّ ◌ُعنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب
أنس بن مالك
الشربة فيحمد الله عليها))(٢). وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أُسامة به(٣).
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٢/٦ ح ٥٤٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٦٠/٢)، وأخرجه البخاري من طريق أبي نعيم به (التاريخ الكبير ٥٠/٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٧/٣) وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (ح ٢٧٣٤)، وسنن
الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في الحمد على الطعام (ح١٨١٦)، والسنن الكبرى للنسائي، الدعاء بعد
الأكل، باب ثواب الحمد (ح٦٨٩٩).

٤٤
• سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ (٤، ٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ ه قال: ((أنا سيد ولد آدم
يوم القيامة - بطوله، وفيه - فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض،
وقد سماك الله عبداً شكوراً، فاشفع لنا إلى ربك))(١) وذكر الحديث بكامله.
] ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيَ إِسْرَّهِيلَ فِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٦٦) فَإِذَا جَاءَ
وَعْدُ أُوْلَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْڪُمْ عِبَادًا لَنَّا أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ فَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا
لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِبِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا (٣) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنَتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ
أَسَأْتُ فَلَهَأَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِسُكُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَزَّةٍ وَلِسُنَبِرُواْ مَا
عَلَوْاْ تَّئْبِيرًا (٣ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَكُمْ وَإِنْ عُدُمْ عُدْنَا وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا (﴾﴾﴾.
يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي
أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون علواً كبيراً، أي: يتجبرون ويطغون
ويفجرون على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
(٦٦)
[الحجر] أي: تقدمنا إليه، وأخبرناه بذلك، وأعلمناه به.
وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُوَلَنْهُمَا﴾ أي: أولى الإفسادتين ﴿بَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّاً أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ﴾
أي: سلطنا عليكم جنداً من خلقنا ﴿أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾، أي: قوة وعدة وسلطنة شديدة، ﴿فَجَاسُواْ
خِلَلَ الذِّيَارِ﴾، أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين
وجائين لا يخافون أحداً ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ .
وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم؟
فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده، سلط عليهم أولاً ثم أديلوا عليه بعد ذلك.
وقتل داود جالوت، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُم بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴾﴾(٢) .
وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده(٣).
وعنه أيضاً وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل (٤).
وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أنه ملك البلاد،
وأنه كان فقيراً مقعداً ضعيفاً يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار
إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقاً كثيراً من بني إسرائيل(٥) .
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ ... ﴾ [الإسراء: ٣] (ح ٤٧١٢).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بقول قتادة فقد أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي المعلى، وهو يحيى بن ميمون الضبي العطار، عن سعيد بن
جبير.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور بطوله ونسبه إلى ابن أبي حاتم.

٤٥
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٤، ٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثاً أسنده عن حذيفة مرفوعاً مطولاً(١)، وهو حديث
موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب
كيف راجٍ عليه مع جلالة قدره وإمامته، وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي تَّشُهُ
بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع
ومن وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحاً، ونحن في غنية عنها، ولله
الحمد. وفيما قصَّ الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا
رسوله إليهم. وقد أخبره الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا، سلَّط الله عليهم عدوهم فاستباح
بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا
قد تمردوا وقتلوا خلقاً من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن
بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام، فخرب
بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دماً يغلي على كبا، فسألهم، ما هذا الدم؟ فقالوا:
أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر عليه الكبا ظهر، قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفاً من
المسلمين وغيرهم، فسكن.
وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه
لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ منم خلقاً كثيراً أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور
وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته، والله أعلم (٢).
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَاً﴾ أي: فعليها، كما قال تعالى:
﴿مِّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَأُ﴾ [فصلت: ٤٦].
وقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء
أعداؤكم ﴿لِيَسُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ أي: يهينوكم ويقهروكم، ﴿وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس
﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَزَّةٍ﴾ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار، ﴿وَلِسُنَّبِرُواْ﴾ أي: يدمروا
ويخربوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ أي: ما ظهروا عليه ﴿تَنْبِيرَاعَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَزْحَمَكُمْ﴾ أي: فيصرفهم عنكم، ﴿وَإِنْ
عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ أي: متى عدتم إلى الإفساد ﴿عُدْنَا﴾ إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم
في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿وَحَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: مستقراً ومحصراً
وسجناً لا محید لهم عنه.
قال ابن عباس: حصيراً أي: سجناً (٣).
(١) أخرجه الطبري ثم أردفه بطريق آخر فيه رجل مجهول.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، لكنه مرسل ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند حسن
من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

٤٦
• سُؤَدَّةُ الإِشْرَاءِ (١١،٩)
0000000000003000000006000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: يحصرون فيها(١)، وكذا قال غيره.
وقال الحسن: فرشاً ومهاداً(٢).
وقال قتادة: قد عاد بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي محمد رَير وأصحابه، يأخذون
منهم الجزية عن يد وهم صاغرون(٣)
.
2] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا
كَبِيرًا ﴿﴿ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (@)﴾.
يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد بَليّة، وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم
الطرق وأوضح السبل، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بِه ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ﴾ على مقتضاه، ﴿أَنَّ لَمْ
أَجْرًا كَبِيرًا﴾، أي: يوم القيامة، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾، أي: ويبشر الذين لا يؤمنون
بالآخرة أن ﴿لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[آل عمران: ٢١].
﴿وَيَدْعُ اَلْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَهُ بِالْخَيْرِّ وَكَانَ الْإِسَنُ عَمُولًا
يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله ﴿بِلشَّرِ﴾،
أي: بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال
تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اُسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وكذا
فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقد تقدم في الحديث: ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا على
أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها))(٤). وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه
وعجلته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِسَنُ عَجُلًا﴾ .
وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس ههنا قصة آدم فعاليَّ* حين همّ بالنهوض قائماً قبل أن تصل
الروح إلى رجليه، وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه، فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال:
الحمد لله، فقال الله: يرحمك ربك يا آدم. فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى
أعضائه وجسده، جعل ينظر إليه ويعجبه، فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع،
وقال: يا ربِّ [عجل](٥) قبل الليل(٦).
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ١١.
(٥) كذا في تفسير الطبري ومصنف ابن أبي شيبة ١١٠/١٤.
(٦) قول سلمان الفارسي به أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات لكنه من طريق إبراهيم النخعي
عن سلمان، وإبراهيم لم يسمع من سلمان، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
الضحاك عنه، والضحاك لم يلق ابن عباس.

٤٧
سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١٢)
000000000900000JJJJ000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَرَ ءَايَنَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ
وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ أَلِسِنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَلْنَهُ تَفْصِيلًا
يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل،
وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجُمع
والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات
وغير ذلك، ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك،
﴿ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقاً واحداً وأسلوباً متساوياً لما
عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاْءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ
النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَةِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
(٣) ﴾ [القصص]
وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وقال تعالى: ﴿نَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ
اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَدَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (﴾﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتِلَفُ
اَلَيَّلِ وَالنَّهَارِ﴾ [المؤمنون: ٨٠] وقال: ﴿يُكَوّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِ وَسَخْرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّىٌ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ [الزمر: ٥] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ
اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعِزِ الْعَلِيمِ (﴾﴾ [الأنعام] وقال تعالى:
﴿وَءَايَةٌ لَهُمُ الَّتِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم ◌ُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ
اَلْعَلِيمِ (جَ))﴾ [يس].
ثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها، وهي: الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار
علامة وهي: النور وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا
من هذا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٍ وَالْقَمَرَ نُرًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ
السّنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٥ -٦]
كما قال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِّ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجُّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٩].
قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَحَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾
قال: ظلمة الليلة وسدف(١) النهار(٢).
وقال ابن جريج، عن مجاهد: الشمس آية النهار والقمر آية الليل، ﴿فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ﴾ قال:
السواد الذي في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى(٣).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل،
(١) أي: ضوء النهار.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود فيه مقال ولكن يتقوى برواية الطبري من طريق ابن أبي نجيح
عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وهو لم يسمع من مجاهد.

٤٨
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٣، ١٤)
والشمس آية النهار، ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الََّّلِ﴾ السواد الذي في القمر(١).
وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك أما تقرأ القرآن؟
فقال: ﴿فَمَحَوْنَآ ءَايَةَ الَِّلِ﴾ فهذه محوه(٢) .
وقال قتادة في قوله: ﴿فَمَحَوْنَاَ ءَايَةَ أَلَتْلِ﴾ كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر الذي فيه،
وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم (٣).
وقال ابن أبي نجيح، عن ابن عباس ﴿وَجَعَلْنَا اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَيْنِّ﴾ قال: ليلاً ونهاراً، كذلك
خلقهما الله رميت (٤).
] ﴿وَكُلَّ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَْرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنَّهُ مَنْشُورًا (٣) أَقْرَأْ كِنَبَكَ
كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾﴾.
يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما (٥) يقع فيه من أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَيْرَهُ
فِى عُنُقِهِ﴾ وطائره هو ما طار عنه من عمله، كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، من خير وشر
ويلزم به ويجازى عليه(٦)، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَؤُ ﴾﴾ [الزلزلة] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فِعِدٌ ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِدٌ
﴾ [ق] وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ ﴿٣ كِرَامًا كَئِينَ ﴿﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى ◌َِيمٍ ﴾﴾ [الانفطار] وقال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقال:
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره،
ويكتب عليه ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً.
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، سمعت
رسول الله وَّيو يقول: ((طائر كل إنسان في عنقه)) قال ابن لهيعة: يعني الطيرة (٧)، وهذا القول من
ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جداً، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنهُ مَنشُورًا﴾: أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم
القيامة إما بيمينه إن كان سعيداً أو بشماله إن كان شقياً، منشوراً، أي: مفتوحاً يقرؤه هو وغيره
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري من طرق متعددة جيد كما قال الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) سنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما سبق.
(٥) كذا في الأصل: و(ح)، وفي (حم): ((وما)).
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسندين ضعيفين عنه، ويتقوى بما يليه فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لسوء حفظ ابن لهيعة (المسند ١٦١/٢٣
ح١٤٨٧٨).

٤٩
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٣، ١٤)
فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُبَّوْ اْلْإِسَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴿ بَلِ آلْإِنَنُ عَلَى نَفْسِهِ، بَصِيرَةٌ
﴾ [القيامة] ولهذا قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِبًا ﴿)﴾
وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ
أي: إنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى
أحد شيئاً مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي.
وقوله: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد،
ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه، كما قال الشاعر(١):
اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامة (٢)
قال قتادة، عن جابر بن عبد الله عن النبي والقر أنه قال: ((لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان
ألزمناه طائره في عنقه)) كذا رواه ابن جرير(٣)، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلاً،
فقال: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: سمعت
رسول الله وَّيم يقول: ((طير كل عبد في عنقه)(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله، حدثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد
أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر ظُه، يحدث عن النبي وَّ قال: ((ليس من عمل
يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته،
فيقول الرب جل جلاله: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت))(٥) إسناده جيد قوي،
ولم يخرجوه.
وقال معمر، عن قتادة: ﴿أَلْزَمْنَهُ طَِرَهُ فِ عُنُقِهِ،﴾ قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ﴾ قال: نخرج
ذلك العمل ﴿كِتَبًا يَلْقَهُ مَنشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ﴾
[ق: ١٧] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكّل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر
عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك،
فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا متَّ طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك،
حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً، اقرأ كتابك الآية، فقد عدل والله من جعلك حسيب
نفسك(٦)، هذا من أحسن كلام الحسن، تَُّ.
(١) هو الصحابي الجليل أحمد بن جحش ذكره ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٥٠٠).
(٢) قوله: ((طوقتها طوق الحمامة)) مقتبس من الحديث الشريف: ((من غصب شبراً من أرض طوقه يوم القيامة
سبع أرضين)) وفيه موعظة ابن جحش لأبي سفيان (ينظر الروض الأنف ١٤/٢).
(٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وقال الشيخ الألباني: ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن قتادة لم يسمع
من جابر، وروايته عنه صحيفة قال الإمام أحمد: قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها. (السلسلة
الصحيحة ح ١٩٠٧)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور.
(٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب ح١٠٥٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٦/٤)، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن أبي حبيب وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٠٨/٤)، ورواية ابن لهيعة من طريق عبد الله بن المبارك وروايته قبل احتراق
كتب ابن لهيعة ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إسنادهُ جيد قوي.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة والحسن.

٥٠
• سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
] ﴿َمَّنِ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَمَا كُنَّ
مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
يخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق، واقتفى آثار النبوة، فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة
لنفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق، وزاغ عن سبيل الرشاد، فإنما يجني على نفسه، وإنما يعود
وبال ذلك عليه، ثم قال: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني
جانٍ إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَهُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾ [فاطر: ١٨].
ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَلَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَثْقَاِهِمٌ﴾ [العنكبوت: ١٣]،
وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلٍْ﴾ [النحل: ٢٥] فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في
أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحمل
عنهم شيئاً، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب
أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَأَمْ
خَُهَا أَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيْرٌ ﴿ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ
(٣)﴾ [الملك] وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَنَُهَا أَلَ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ
حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ (٣)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِيَهَا رَبَّنَآ أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا غَّرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا
لِلََّالِمِينَ مِن تَصِيرٍ ﴾﴾ [فاطر] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحداً
النار إلا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة
في صحيح البخاري عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج بإسناده
إلى أبي هريرة أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((اختصمت الجنة والنار)) فذكر الحديث إلى أن قال: ((وأما
الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحداً، وإنه ينشئ للنار خلقاً فيلقون فيها، فتقول هل من مزيد؟ ثلاثاً))
وذكر تمام الحديث(١)، فهذا إنما جاء في الجنة، لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل لا
يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه. وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة،
وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين، واللفظ للبخاري من حديث
عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام، عن أبي هريرة قال: قال النبي وَيُّ: ((تحاجت الجنة والنار)) فذكر
الحديث إلى أن قال: ((فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه، فتقول: قط قط، فهناك تمتلئ
وينزوي بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً))(٢).
(١) صحيح البخاري، التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (ح٧٤٤٩).
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب وتقول هل من مزيد (ح ٤٨٥٠)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها
الجبارون ... (ح ٢٨٤٦).

٥١
• سُوَّرَةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
بقي [ههنا] (١) مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديماً وحديثاً، وهي الولدان
الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار: ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ومن
مات في الفترة ولم تبلغه دعوة؟ وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم
نذكر فصلاً ملخصاً من كلام الأئمة في ذلك، والله المستعان.
(فالحديث الأول): عن الأسود بن سريع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا
معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أن
رسول الله * قال: ((أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق،
ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً،
وأما الأحمق فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربِّ لقد
جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربِّ ما أتاني لك رسول. فيأخذ
مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت
عليهم برداً وسلاماً))(٢) .
وبالإسناد عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة مثله، غير أنه قال في آخره:
((فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها يسحب إليها)) (٣)، وكذا رواه إسحاق بن
راهويه عن معاذ بن هشام، ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق عن
علي بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح(٤)، وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن
زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((أربعة كلهم يدلي على الله بحجة))
فذكر نحوه(٥)، ورواه ابن جرير من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفاً، ثم
قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾(٦). وكذا رواه معمر، عن
عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفاً .
(الحديث الثاني): عن أنس بن مالك:
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس: يا أبا حمزة ما
تقول في أطفال المشركين؟ فقال: قال رسول الله وير: ((لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها، فيكونوا
من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها، فيكونوا من ملوك أهل الجنة، هم من خدم
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((هنا)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/٤)، وصححه البيهقي كما نقل الحافظ ابن كثير في آخر
التخريج لهذا الحديث، وقال البيهقي أنه المذهب الصحيح (الاعتقاد ص١٦٩) وذكر الهيثمي أن رجاله
رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢١٦/٧)، وقال الحافظ ابن حجر: وقد صحت مسألة الامتحان في حق
المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة (فتح الباري ٢٤٦/٣) وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة (ح١٤٣٤) وله شاهد في تفسير ابن أبي حاتم بسنده عن أبي هريرة، وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية
بأنه ثابت السند (درء تعارض العقل ٣٩٩/٨، ٤٠٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٤/٤).
(٤) الاعتقاد ص١٦٩.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم من طريق حماد بن سلمة به (السنة ح٤٠٤).
(٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن ثور عن معمر به وسنده صحيح.

٥٢
c)
• سُوَرَةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
أهل الجنة))(١).
(الحديث الثالث): عن أنس أيضاً.
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أنس
قال: قال رسول الله وَالر: ((يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه، ومن مات في الفترة،
والشيخ الفاني الهرم كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تبارك وتعالى: لعنق من النار أبرز، ويقول
لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه، قال:
فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ قال: ومن كتب عليه السعادة
يمضي فيقتحم فيها مسرعاً، فقال: فيقول الله تعالى: أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية، فيدخل
هؤلاء الجنة وهؤلاء النار))(٢). وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف بن موسى، عن
جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله(٣).
(الحديث الرابع): عن البراء بن عازب
٠
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضاً: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله
يعني: ابن داود، عن عمر بن ذرِّ، عن يزيد بن أمية، عن البراء قال: سئل رسول الله وَل عن
أطفال المسلمين، قال: ((هم مع آبائهم)) وسئل عن أولاد المشركين، فقال: ((هم مع آبائهم))
فقيل: يا رسول الله ما يعملون؟ قال: ((الله أعلم بهم))(٤). ورواه عمر بن ذرٍّ، عن يزيد بن أمية،
عن رجل، عن البراء، عن عائشة، فذكره (٥).
(الحديث الخامس): عن ثوبان.
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن سعيد
الجوهري، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي
أسماء، عن ثوبان أن النبي وَلتر عظم شأن المسألة قال: ((إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلين
يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لِمَ ترسل إلينا رسولاً، ولم يأتنا
(١) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح٢١١١) وفي سنده يزيد بن أبان وهو الرقاشي: ضعيف (التقريب
ص٥٩٩) وصححه الألباني بالشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٤٦٨) ولكن تلك الشواهد فيها ضعف أيضاً،
وذكره الهيثمي من طريقين فيهما ضعف (مجمع الزوائد ٢١٩/٧).
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٥/٧، ح٤٢٢٤) وفي سنده ليث وهو ابن أبي سُليم وعبد الوارث
هو مولى أنس، وكلاهما فيهما مقال، ويشهد له الحديث الأول.
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢١٧٧) وسنده كسابقه.
(٤) ذكره الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد ٨٧/٣٧ ونسبه إلى مسند أبي يعلى، وسنده ضعيف لأن يزيد بن
أمية مجهول (التقريب ص٥٩٩).
• وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن أبي قيس مولى عُطيف عن عائشة ◌َّا بنحوه، وصححه
محققوه بالشواهد (المسند ٩٥/٤١، ٩٦ ح٢٤٥٤٥)، ويشهد له ما أخرجه الشيخان من حديث الصعب بن
جثامة ظه (صحيح البخاري، الجهاد، باب أهل الدار يبيتون ... ح٣٠١٢)، وصحيح مسلم، الجهاد،
باب جواز قتل النساء ... من غير تعمد (ح١٤٧٥).
(٥) وسنده ضعيف كسابقه.

٥٣
سُورَةُ الأَسْرَاءِ (١٥)
لك أمر؟ ولو أرسلت إلينا رسولاً لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر
تطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها
وجدوا لها تغيظاً وزفيراً، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا أو أجرنا منها، فيقول لهم:
ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها
فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا وقالوا: ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن
ندخلها، فيقول: ادخلوها داخرين)) فقال نبي الله وَالر: ((لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً
وسلاماً)). ثم قال البزار: ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب
إلا عباد، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد(١).
قلت: وقد ذكره ابن حيان في ثقاته، وقال يحيى بن معين والنسائي: لا بأس به، ولم يرضه
أبو داود، وقال أبو حاتم: شیخ لا بأس به یکتب حديثه ولا يحتج به.
(الحديث السادس): عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري (٢). قال الإمام محمد بن
يحيى الذهلي: حدثنا سعيد بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال:
قال رسول الله : ((الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني
كتاب، ويقول المعتوه: ربِّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: ربِّ لم
أدرك العقل، فترفع لهم نار، فيقال لهم: ردُّوها، قال: فيردُّها من كان في علم الله سعيداً لو
أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم،
فكيف لو [أن](٣) رسلي أتتكم؟!))(٤) وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي، عن
عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من
طريقه عن عطية عنه، وقال في آخره: ((فيقول الله إياي عصيتم، فكيف برسلي بالغيب؟))(٥).
(الحديث السابع): عن معاذ بن جبل ر څته :
قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري: حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن
حلبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله وَّ قال: ((يؤتى يوم القيامة
بالممسوخ عقلاً وبهالك في الفترة وبهالك صغيراً، فيقول الممسوخ: يا ربِّ لو آتيتني عقلاً ما
كان من آتيته عقلاً بأسعد مني)) وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك ((فيقول الرب رأيك:
إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، قال: لو دخلوها ما
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار ١٥٦/٤ (ح٣٤٣٣)، قال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين ضعيفين
(مجمع الزوائد ٣٥٠/١٠)، وقد توبع ريحان بن سعيد في رواية الحاكم إذ أخرجه من طريق إسحاق بن
إدريس عن أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/
٤٤٩، ٤٥٠)، ويشهد له الحديث الأول المروي عن الأسود بن سريع تظ له.
(٢) هذه السطر في الأصل ورد قبل ثلاثة أسطر.
(٣) الزيادة من (ح).
(٤) في سنده عطية وهو العوفي ضعفه الحافظ ابن حجر كما يلي.
(٥) أخرجه البزار من طريق عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به مع تعليقه، وقال الحافظ ابن حجر:
عطية ضعيف (مختصر زوائد مسند البزار ١٥٩/٢، ١٦٠ ح١٦١٦)، وضعفه الحليمي في شعب الإيمان ١/
١٥٩، ويشهد له أيضاً الحديث الأول.

٥٤
EED:
• سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعاً، ثم
يأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقول الرب رَ: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى
علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار))(١).
(الحدیث الثامن):
عن أبي هريرة ظه قد تقدمت روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع نظرته، وفي
الصحيحين عن أبي هريرة رضي به أن رسول الله وسلم قال: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه
يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟))(٢).
وفي رواية قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة،
عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة نظُله عن النبي وَّر فيما أعلم - شك موسى - قال: ((ذراري
(٤)
المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم التيلا))(٤).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول ◌َله عن الله رغم أنه قال: ((إني خلقت
عبادي حنفاء))(٥)، وفي رواية لغيره ((مسلمين)) (٦).
(الحديث التاسع): عن سَمُرة ◌ُه. رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري
من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سَمُرة ◌َظُه، عن النبيِ وَّه قال: ((كل مولود
يولد على الفطرة)) فناداه الناس: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: ((وأولاد المشركين))(٧).
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب،
عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله وَطار عن أطفال المشركين،
فقال: ((هم خدم أهل الجنة)) (٨).
(الحديث العاشر): عن عم حسناء قال أحمد: حدثنا إسحاق - يعني: الأزرق - أخبرنا روح،
(١) أخرجه الطبراني من طريق عمرو بن واقد به (المعجم الأوسط ٥٧/٨ ح ٧٩٥٥)، قال الهيثمي: فيه عمرو بن
واقد وهو متروك عند البخاري وغيره، ورمي بالكذب (مجمع الزوائد ٢١٩/٧، ٢٢٠).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين
ح ٦٦٠٠، وصحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة ح ٢٦٥٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه أحمد شاكر (المسند ح ٨٣٠٧) وحسنه محققوه (المسند ح ٨٣٢٤)،
وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن ثابت به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٧٠) وصححه
السيوطي وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة في الجامع الصغير (ح٦٠٣).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.
(٦) وذكر الحافظ ابن حجر أنه رواه غير عياض فزاد فيه: حنفاء مسلمين (فتح الباري ٢٤٨/٣).
(٧) حديث صحيح أخرجه البخاري من طريق عوف الأعرابي به مطولاً وقد ورد نصه في آخر الحديث
(الصحيح، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ح ٧٠٤٧).
(٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٩٥/٧ ح ٦٩٩٣) وضعف سنده الحافظ ابن حجر (فتح
الباري ٢٤٦/٣)، وهذه التضعيف بسبب عباد بن منصور قال الهيثمي وثقه يحيى القطان وفيه ضعف
(مجمع الزوائد ٢١٩/٧).

٥٥
ـسُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
١
حدثنا عوف، عن حسناء بنت معاوية من بني صريم قالت: حدثني عمي قال: قلت: يا رسول الله
مَن في الجنة؟ قال: ((النبي في الجنة، والشهيد في الجنة والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة))(١).
فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث
سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه - عليه الصلاة والسلام - قال في جملة ذلك المنام حين
مرّ على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: هذا إبراهيم عليَّلا، وهؤلاء
أولاد المسلمين وأولاد المشركين، قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: ((نعم وأولاد
المشركين))(٢).
ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ظلّله: ((هم مع آبائهم)) (٣) ومنهم من ذهب إلى أنّهم (يمتحنون
يوم القيامة في العرصات)، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف على الله فيهم بسابق السعادة، ومن
عصى دخل النار داخراً وانكشف علم الله به بسابق الشقاوة وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها،
وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض.
وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة
والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي
العلماء والحفاظ والنقاد.
وقد ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعد ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال:
وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة، وأهل العلم ينكرونها، لأن الآخرة دار جزاء
وليست بدار عمل ولا ابتلاء، فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا
يكلف نفساً إلا وسعها (٤)؟
والجواب عمّن قال أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نصّ على ذلك كثير من
أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت
أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها .
وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في
عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل
السنة والجماعة من إمتحان الأطفال وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلَا
(4)﴾ [القلم].
يَسْتَطِيعُونَ
وقد ثبتت السُنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون الله يوم القيامة، وأن المنافق لا
يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقاً واحداً كلما أراد السجود خرّ لقفاه.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعف سنده محققوه لجهالة حسناء (المسند ١٩٠/٣٤ ح ٢٠٥٨٣) والحق
أن حسناء ليست مجهولة وإنما مقبولة، وفرق بين المقبود والمجهول، وكثير من المقبولين حُسنت أحاديثهم
بل صُححت، ولهذا حسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢٤٦/٣).
(٢) تقدم تخريجه والإشارة إلى طوله قبل روايتين.
(٣) تقدم تخريجه وشواهده في حديث البراء .
(٤) (التمهيد ١٣٠/١٨) وذكره القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٥١٤.

٥٦
• سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها، أن الله يأخذ عهوده
ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مراراً ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك،
ثم يأذن له في دخول الجنة(١).
وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة
الحديث، فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط، وهو جسر على جهنم أحدٌ من
السيف وأدق من الشعرة، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل
والركاب، ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبواً ومنهم المكدوش (٢) على وجهه في
النار، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.
وأيضاً فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين
يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً(٣)، فهذا نظير
ذاك، وأيضاً فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضاً حتى قتلوا فيما
قيل في غداة واحدة سبعين ألفاً، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله
عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل، وهذا أيضاً شاق على النفوس جداً لا يتقاصر عما
ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.
فصل
إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال:
أحدها: أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة أنه ظلّا رأى مع إبراهيم عليّله أولاد المسلمين
وأولاد المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله و الله قال:
((والمولود في الجنة)) وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخصّ منه.
فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على
الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب، فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار، كما دلت
عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة
منهم من جعلهم مستقلين فيها، ومنهم من جعلهم خدماً لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد
عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف، والله أعلم(٤).
والقول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي
المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى
(١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة الله (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٨٠٦،
وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ح ١٨٢).
(٢) المكدوش: المطرود.
(٣) أخرجه الشيخان من حديث حذيفة ظه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل
ح ٣٤٥٠، وصحيح مسلم، الفتن، باب ((ذكر الدجال)) ح٢٩٣٤).
(٤) هذه الأحاديث كلها تقدم تخريجها في تفسير الآية نفسها .

٥٧
سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١٥)
عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقال: قال رسول الله وَلخير: ((هم تبع لآبائهم)) فقلت: يا
رسول الله بلا أعمال؟ فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (١). وأخرجه أبو داود من حديث
محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول:
سألت رسول الله ولو عن ذراري المؤمنين، قال: ((هم مع آبائهم)) قلت: فذراري المشركين؟ قال:
((هم مع آبائهم)) فقلت بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) (٢). ورواه أحمد أيضاً عن
وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال
المشركين لرسول الله وسلم فقال: ((إن شئت أسمعتك تضاغيهم (٣) في النار))(٤).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان،
عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي ظته قال: سألت خديجة رسول الله وَل عن ولدين
لها ماتا في الجاهلية، فقال: ((هما فى النار)) قال: فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها: ((لو
رأيت مكانهما لأبغضتهما)) قال: فولدي منك؟ قال: قال: ((في الجنة)). قال: ثم قال
رسول الله : ((إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار)) - ثم قرأ : -
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُم ◌ِمَنٍ أَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾(٥) [الطور: ٢١] وهذا حديث غريب، فإن في
إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال، وشيخه زاذان لم يدرك علياً، والله أعلم.
وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله وَله:
(الوائدة والموؤودة في النار)) ثم قال الشعبي: حدثني به علقمة، عن أبي وائل، عن ابن
مسعود(٦)
وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي
قال: أتيت أنا وأخي النبي وَّ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف، وتصل
الرحم، وإنها وأدت أختاً لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث. فقال: ((الوائدة والموؤودة في النار إلا
أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم)»(٧). وهذا إسناد حسن.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه بالشواهد (المسند ٩٥/٤١، ٩٦ ح٢٤٥٤٥).
(٢) أخرجه أبو داود من طريق محمد بن حرب به (السنن، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين ح ٤٧١٢)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٤٣).
(٣) أي: صياحهم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه لضعف أبي عقيل ولجهالة بهية. (المسند ٤٢ /٤٨٤
ح ٢٥٧٤٣).
(٥) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ١٣٤/١) وسنده ضعيف للعلتين
اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين ح٤٧١٧)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح٣٩٤٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن داود بن أبي هند به (المسند ٤٧٨/٣) وحسن سنده الحافظ ابن
كثير. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١١٩/١)، وأخرجه النسائي من طريق داود بن
أبي هند به (التفسير من السنن الكبرى ح٦٦٩) وصححه محققه، وصححه ابن عبد البر (قاله القرطبي في
التذكرة ص٢.

٥٨
٠٠:١١
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٥)
020:60000000000000
والقول الثالث: التوقف فيهم. واعتمدوا على قوله وير: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وهو في
الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس سئل رسول الله وَل
عن أولاد المشركين، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) وكذلك هو في الصحيحين من حديث
الزهري عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ أنه سئل عن أطفال
المشركين، فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)).
ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل
الجنة، لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف،
والله أعلم.
فصل
وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين
العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم
أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله رحمت فأما ما
ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت
المشيئة، قال أبو عمر: ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم حماد بن زيد
وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، قالوا: وهو يشبه ما رسم مالك في
موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن
مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة
وأطفال المشركين خاصة في المشيئة (١)، انتهى كلامه، وهو غريب جداً، وقد ذكر أبو عبد الله
القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضاً(٢)، والله أعلم.
وقد ذكروا في ذلك أيضاً حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي
النبي وَ له إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة
لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: ((أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً
وهم في أصلاب آبائهم. وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم)). رواه مسلم
وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه(٣).
ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم
عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد ابن الحنفية وغيرهم، وأخرج ابن حبان في صحيحه عن
(١) ذكره أبو عمر بن عبد البر في التمهيد (١١١/١٨، ١١٢).
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٥١٢، ٥١٣.
(٣) صحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح٢٦٦٢)، والمسند ٤١/٦، وسنن أبي
داود، كتاب السنة، باب في ذراري المشركين (ح٤٧١٣)، وسنن النسائي، الجنائز، باب الصلاة على
الصبيان ٥٧/٤، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب في القدر (ح٨٢).

٥٩
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٦)
جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس ظًّا وهو على المنبر يقول: قال
رسول الله وَلجر: ((لا يزال أمر هذه الأُمة مواتياً أو مقارباً ما لم يتكلموا في الولدان والقدر)) (١).
قال ابن حبان: يعني أطفال المشركين، وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم، ثم
قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفاً(٢).
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ فَرْبَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِهَا فَحَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا
.
اختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ فالمشهور قراءة التخفيف(٣).
واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمراً قدرياً، كقوله
تعالى: ﴿أَتَنَّهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٢٤] فإن الله لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم
إلى فعل الفواحش، فاستحقوا العذاب.
وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش، فاستحقوا العقوبة، رواه ابن جريج عن ابن
عباس (٤)، وقاله سعيد بن جبير أيضاً (٥).
وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء، قلت إنما يجيء هذا على قراءة من
قرأ: (أمَّرنا (٦) مترفيها).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (أمرَّنا مترفيها ففسقوا فيها) يقول: سلطنا
أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ
قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾(٧) [الأنعام: ١٢٣]، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن
أنس(٨).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْبَةً (٩) أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْ فِهَا﴾ يقول: أكثرنا
(١) أخرجه ابن حبان من طريق جرير به (الإحسان ٢٥٦/٨ ح٦٦٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق جرير به
وصححه وقال: لا نعلم له علة ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٣/١)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
(ح ١٥١٥)، وانظر المزيد في الرواية التالية:
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٢١٨٠)، وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع
الزوائد ٢٠٢/٧)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق جرير به موقوفاً على ابن عباس (السنة
٧٠٣).
(٣) وهي قراءة متواترة.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري من طريق شريك عن سلمة أو غيره عن سعيد بن جبير وسنده ضعيف لعدم الجزم باسم شيخ
شريك. ومعناه صحيح.
(٦) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٨) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع تارة، وعن
الربيع عن أبي العالية تارة أخرى وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٩) وهي قراءة متواترة.

٦٠
• سُؤْرَةُ الإِسْرَاءِ (١٧، ١٩)
0000002000000150000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عددهم(١)، وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة(٢). وعن مالك، عن الزهري ﴿أَمَّرْنَا
مُتْرَفِهَا﴾ أكثرنا(٣).
وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة،
حدثنا أبو نعيم العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هُبيرة، عن
النبي ◌َّ قال: ((خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة))(٤).
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام تَّثُ في كتابه الغريب: ((المأمورة كثيرة النسل، والسكة
الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة من التأبير)).
وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسباً كقوله: ((مأزورات غير مأجورات))(٥).
: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِيَكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَيرَا بَصِيرًا
يقول تعالى منذراً كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمداً وَ ر، بأنه قد أهلك من المكذبين
للرسل من بعد نوح، ودلَّ هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال
ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام(٦)، ومعناه أنكم أيها المكذبون
لستم أكرم على الله منهم وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى.
وقوله: ﴿وَكَفَى ◌ِّكَ بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: هو عالم بجميع أعمالهم: خيرها وشرها لا
يخفى عليه منها خافية [{$[3](٧).
﴿ ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْمُومًا
وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (﴾﴾.
مَدْحُورًا )
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه، بل إنما يحصل لمن
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به ويتقوى بالآثار الآتية:
(٢) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سماك عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق أبي رجاء عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٠/٥)، وسنده ضعيف لأنه مرسل أرسله سويد وهو تابعي وقد رواه
بلاغاً فيما أخرجه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢٣٣/٤)، وقد أكد البسوي أنه تابعي (المعرفة والتاريخ ٣/
٦٩)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ٢٥٨/٥) وحتى لو كان رجاله ثقات فعلة الإرسال باقية.
(٥) أخرجه ابن ماجه من حديث علي ظه قال: خرج رسول الله وَّ﴿ فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكنَّ؟
قلن: ننتظر الجنازة قال: هل تغسلن؟ قلن: لا. قال هل تحملن؟ قلن: لا. قال هل تدلين فيمن يدلي؟
قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات (السنن، الجنائز، باب ما جاء في اتباع النساء الجنائز
ح ١٥٧٨) وفي التعليق عليه عن البوصيري: في إسناده دينار بن عمر، وهو وإن وثقه وكيع وذكره ابن حبان
في الثقات فقد قال أبو حاتم: ليس بالمشهور. وقال الأزدي: متروك. وقال الخليلي في الإرشاد: كذاب.
وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في (العلل المتناهية ٤٢٠/٢).
(٦) تقدم تخريجه وصحته عن ابن عباس
(٧) زيادة من (حم) و(ح).