Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
• سُوَرَّةُ النَّخَلَ} (٣٨، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ فيكف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَآءَ
اَللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ﴾ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه نهاهم عن ذلك على
ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدراً، فلا حجة لهم فيها، لأنه تعالى
خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة
وحكمة قاطعة.
ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُم
مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِينَ أَمْثَلُهَا﴾
[الملك]. ثم أخبر الله تعالى
[محمد: ١٠]، فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَّفَ كَانَ نَكِيرِ (
رسوله ولو أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى:
﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] وقال نوح لقومه: ﴿وَلَا يَنَفَعُّكُمْ
نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنٍ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وقال في هذه الآية الكريمة:
﴿إِن تَخْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ
لَهُّ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَعُونَ ([٨)﴾ [الأعراف] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا
﴿وَلَوَّ جَمَّتَهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَّى يَرُوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس].
يُؤْمِنُونَ.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللََّ﴾ أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلهذا قال: ﴿لَا يَهَدِى مَن
يُضِلُّ﴾ أي: من أضله، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ أي:
ينقذونهم من عذابه ووثاقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
] ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتْ بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِهِ وَلِيَعْلَمَ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَهُمْ كَانُواْ كَذِبِينَ
إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (@)﴾.
يقول تعالى مخبراً عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ أي: اجتهدوا في
الحلف، وغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت أي استبعدوا ذلك، وكذبوا الرسل في
إخبارهم لهم بذلك وحلفوا على نقيضه، فقال تعالى مكذباً لهم وراداً عليهم ﴿بَلَى﴾ أي: بلى
سيكون ذلك ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: لا بدّ منه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم
يخالفون الرسل ويقعون في الكفر، ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد،
فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أي: للناس ﴿الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: من كل شيء ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَكُواْ بِمَا
عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
﴿وَلِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّهُمْ كَنُواْ كَذِينَ﴾ أي: في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت،
ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُم بِهَا
تُكَذِّبُونَ ﴿ أَفَسِحْرُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوَنَ مَا
(@)﴾ [الطور].
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

٦٨٢
• سُوَرَّةُ الْحَمِ﴾ (٤١، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وإنما
أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة،
﴾ [القمر] وقال: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا
فيكون كما يشاء، كما قال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّ وَحِدَهُ كَلَمْجٍ بِلْبَصَرِ
۵٠
بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وقال: في هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن
تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ أي: أن نأمر به مرة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر:
إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن كائناً فيكون
أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه الواحد
القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج،
أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك،
وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿ وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَتْمَنِهِمٌ لَا
يَبَّعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ قال: وقلت: ﴿بَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأما
شتمه إياي فقال: ﴿إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وقلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ج اللَّهُ
الصَّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص]. هكذا ذكره
موقوفاً وهو في الصحيحين مرفوعاً بلفظ آخر(١).
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوَّ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴿ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان
والخلان رجاء ثواب الله وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة(٢) الذين
اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة
ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رُقية بنت رسول الله وَّ، وجعفر بن أبي طالب
ابن عمِّ الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة
صديق وصديقة ره وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة
فقال: ﴿لَُوِّئَنَّهُمْ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ .
قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة(٣).
وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد(٤). ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم
(١) سنده ضعيف لأن ابن أبي حاتم رواه معلقاً، ويتقوى بما أخرجه البخاري من طريق آخر عن الأعرج عن
أبي هريرة بمعناه دون ذكر الآيات المستشهد بها، (الصحيح، بدء الخلق ح ٣١٩٣).
(٢) ذكر هذا السبب قتادة فيما أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكن سنده مرسل.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٦٨٣
• سُوَُّ الْحَلِ} (٤٣، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فعوضهم الله خيراً منها في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك
وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاماً، وكل
منهم للمتقين إماماً، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا،
فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبٌ﴾ أي: مما أعطيناهم في الدنيا ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان
المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم عن
العوام، عمّن حدثه، أن عمر بن الخطاب ظُله، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه
يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم
قرأ هذه الآية ﴿ لَنُوْثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾(١).
ثم وصفهم تعالى فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾﴾ أي: صبروا على الأذى من
قومهم متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.
] ﴿وَمَّ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْ لَا تَعْلَمُونٌ
يالْبَيْنَتِ وَالزُّبْرِّ وَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِنُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَفَكَّرُونَ (®﴾.
١٤٣
قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمداً وَليل رسولاً، أنكرت العرب ذلك أو من
أنكر منهم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فأنزل: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى
رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِمَّ فَسْئَلُواْ أَهْلَ
الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونُ ®﴾ يعني: أهل الكتب الماضية أبشراً كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟
فإن كانوا ملائكة أنكرتم وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون محمد وآ له رسولاً، قال تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩] ليسوا من أهل السماء
كما قلتم (٢)، وكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب(٣)،
وقاله مجاهد والأعمش (٤).
وقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر القرآن، واستشهد بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
[الحجر] (٥) صحيح، لكن ليس هو المراد ههنا، لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره
إليه، وكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر (٦)، ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر، صحيح
فإنه هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت رسول الله لقتل* والرحمة من خير
العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة كعلي وابن عباس وابني علي الحسن والحسين، ومحمد بن
الحنفية وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر وهو
(١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف الإبهام شيخ العوام.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طریق مجاهد به.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول الأعمش أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع
وهو سفيان فيه مقال، ويتقوى بسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر عن أبي جعفر الباقر، وجابر هو الجعفي وهو ضعيف ويتشيع.

٦٨٤
• سُوَّرَّةُ النَّحَلِ (٤٥، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
محمد بن علي بن الحسين وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله
المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله
واجتمعت عليه قلوب عباده المؤمنين.
والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد يوليو كانوا بشراً كما هو
بشر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ
اُلْهُدَىّ إِلَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (٣)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اُلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ
(٨)﴾ [الأنبياء] وقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾
جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ
[الأحقاف: ٩] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ﴾ [الكهف: ١١٠] ثم أرشد الله تعالى من
شك في كون الرسل كانوا بشراً إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا هل
كان أنبياؤهم بشراً أو ملائكة.
ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم ﴿يَلْبَيْنَتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل ﴿وَالزُّبْرِ﴾ وهي الكتب كما قاله
ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم(١). والزبر جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا
كتبته. وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ﴿٥)﴾ [القمر] وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ
بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الضَلِحُونَ (®﴾ [الأنبياء].
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِكْرَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم
لعلمك بمعنى ما أنزل الله وحرصك عليه واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد
آدم، فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون
فيفوزون بالنجاة في الدارين.
] ﴿أَفَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
أَوْ بَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٨ أَوْ بَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمُ
٤٧
٤٥١
يخبر تعالى عن [حلمه] (٢) وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون
بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم الأرض أو يأتيهم العذاب
﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: ﴿َأَمِنْثُم ◌َّن فِ
السَّمَاءِ أَن يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ( أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَلِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَّاً فَسَتَعْلَمُونَ
كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ [الملك].
وقوله: ﴿أَوَ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها في أسفارهم
ونحوها من الأشغال الملهية.
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ومعناه صحيح ويشهد له ما يليه،
وهو قول مجاهد الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه
الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويتقوى بسابقه.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حكمه)).

٦٨٥
• سُوَرَّةُ النَّخَلَِّ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال قتادة(١) والسدي: تقلبهم أي: أسفارهم.
وقال مجاهد والضحاك وقتادة: ﴿فِي تَقَلِّهِمْ﴾ في الليل والنهار كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ
اَلْقُرَّ أَنْ يَأْتَِهُم بَأْسُنَا بَيْنَا وَهُمْ نَآَيِعُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
(﴾﴾ [الأعراف].
وقوله: ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه.
وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ﴾ أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون
أبلغ وأشد، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَوْ
يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُفٍ﴾ يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك(٢)، وكذا روي عن
مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم(٣).
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في
الصحيحين: [((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم
ويعافيهم)) (٤)](٥) وفي الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ رسول الله اليهود
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ (3)﴾ [هود] (٦) وقال تعالى:
﴿وَكَأَيْنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (®﴾ [الحج].
- ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَخِرُونَ
(٤٨
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْمَلَئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْثِرُونَ ﴿ يَخَافُونَ رَهُم مِّن
فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
.
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء
والمخلوقات بأسرها: جماداتها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن، والملائكة، فأخبر أن
كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال؛ أي: بكرةً وعشياً فإنه ساجد بظله الله تعالى.
قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله ربَ(٧)، وكذا قال قتادة والضحاك
وغيرهم(٨). وقوله: ﴿وَهُزْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون.
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه، ويشهد له ما يليه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري
ویتقوی بسابقه.
(٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الصبر في الأذى (ح٦٠٩٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب لا
أحد أصبر على أذى من الله رَبَل (ح ٢٨٠٤).
(٥) زيادة من (حم) و(مح) و(ح).
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ١٠٢.
(٧) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق منصور عن مجاهد.
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق ثابت عنه.

٦٨٦
سُورَةُ الْحَلِ﴾ (٥١، ٥٥)
وقال مجاهد أيضاً: سجود كل شيء فيؤه، وذكر الجبال(١)، قال: سجودها فيؤها.
وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته(٢)، ونزلهم منزلة من يعقل إذا أسند السجود
إليهم فقال: ﴿وَلَلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ﴾ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥].
وقوله: ﴿وَالْمَلَتَبِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْيُونَ﴾ أي: تسجد لله؛ أي: غير مستكبرين عن عبادته ﴿يَخَافُونَ
◌َهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يسجدون خائفين وجلين من الربِّ جلِّ جلاله ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي:
مثابرين على طاعته تعالى وامتثال أوامره، وترك زواجره.
(٥) وَلَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ
وَقَالَ اللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَبْنِ آَثْنَيْنِّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ فَإِنَنَىَ فَأَزْهَبُونِ
وَالْأَرْضِ وَلَهُ الْدِينُ وَاصِبَّاً أَفَغَيْرَ اللَّهِ نَنَّقُونَ ﴿﴿ وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَتَكُمُ اْلِضُرُّ فَإِلَيْهِ
تَجَْرُونَ (03)
ثُمَّ إِذَا كَفَ الضُّرَ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ ﴿﴿ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل
شيء وخالقه وربه ﴿وَلَهُ أَلِيْنُ وَاصِبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي
(٣)
وقتادة وغير واحد: أي: دائماً
وعن ابن عباس أيضاً: أي واجباً (٤).
وقال مجاهد: أي خالصاً له(٥)، أي له العبادة وحده ممن في السموات والأرض، كقوله:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اَللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
[آل عمران] هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه
يكون من باب الطلب؛ أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئاً وأخلصوا لي الطاعة، كما في قوله
تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله
عليهم، وإحسانه إليهم ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْهَرُونَ﴾ أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا
هو فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ فَلَّا تَجَنَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُّ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا﴾
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد بنحوه، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٢) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن أبي حاتم.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع فيه مقال ويتقوى بالآثار التالية: فقول
مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن
من طريق أبي حصين عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري من طريق يعلى بن النعمان عن عكرمة عن ابن عباس ويعلى ترجم له البخاري في التاريخ
الكبير وسكت عنه وكذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((الأخلاص)).

٦٨٧
سُورَّةُ الْفَحَمَ (٥٦، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
@ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ
[الإسراء: ٦٧] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَ عَنْكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ
ءَيْنَهُمْ﴾ قيل: اللام ههنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا؛ أي:
يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المُسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم
قائلاً: ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلاً ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة
ذلك.
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ
، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْتَهُمُّ تَاللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ
يَتَوَرَى مِنَ
(٥٨)
الْبَتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ ﴿﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْقَى ظَلَّ وَجْهُهُم مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
الْقَوْمِ مِن سُوَّةٍ مَا بُشِّرَ بِّةٍ أَيُمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ اَلتَُّبِّ أَلَا سَأَ مَا يَحْلَكُمُونَ
بِْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٌ وَلِلَِّ الْمَثَلُ الْأَعْلَىّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾.
يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير
علم، وجعلوا للأوثان نصيباً مما رزقهم الله فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّى بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَِّنَا فَمَا
كَانَ لِشُرَكَابِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمْ﴾ [الأنعام:
١٣٦] أي: جعلوا لآلهتهم نصيباً مع الله وفضلوها على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة
ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليقابلنَّهم عليه، وليجازينَّهم أوفر الجزاء في نار جهنم،
فقال: ﴿ثَاللَّهِ لَتُشَلُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ .
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، وجعلوها بنات الله
فعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيراً في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن
له ولداً ولا ولد له، ثم أعطوه أخسَّ القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها
لأنفسهم، كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ جَ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَةٌ (٣)﴾ [النجم].
وقوله ههنا: ﴿وَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ﴾ أي: عن قولهم وإفكهم ﴿أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ
لَيَقُولُونٌَ ﴿ وَلَدَ اللَّهُ وَلَِهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُونَ
٨٥٤)
[الصافات].
وقوله: ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي
نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، فإنه ﴿إِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾
أي: كئيباً من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، ﴿يَنَوَ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي:
يكره أن يراه الناس من ﴿سُوّءٍ مَا بُشِّرَ بٍِّ أَيُّمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ اٌلْتُّابِّ أَلَا﴾ إي: إن أبقاها
أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها ﴿أَمْ يَدُسُهُ فِ التّابِ﴾ أي: يئدها
وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون
لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما
نسبوه إليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
[الزخرف] وقال ههنا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي: النقص إنما ينسب إليهم
﴿وَلِلَّهِ اَلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

٦٨٨
• سُوَرَّةُ الْخَلِ﴾ (٦١، ٦٢)
﴿وَلَوَ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم ◌َا تَرَ عَلَيْهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى فَإِذَا جَآءَ
وَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَنَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ
أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَفْدِمُونَ (@)
لَهُمُ الْمُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَهُم مُّفْرُطُونَ
يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض
من دابة أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعاً لإهلاك بني آدم، ولكن الربَّ جل جلاله يحلم
ويستر، وينظر إلى أجل مسمى أي: لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحداً.
قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجُعَل(١) أن يعذب
بذنب بني آدم، وقرأ الآية ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ وكذا روى الأعمش،
عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجُعَل أن يهلك في جحره بخطيئة بني
آدم (٢).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا
محمد بن جابر الحنفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلاً وهو
يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه(٣)، قال: فالتفت إليه، فقال: بلى والله حتى إن الحباري(٤)
لتموت في وكرها بظلم الظالم(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك، حدثنا عبيد الله بن
[مسرِّح](٦)، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي،
عن أبي الدرداء به قال: ذكرنا عند رسول الله وَ له فقال: ((إن الله لا يؤخر شيئاً إذا جاء أجله،
وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره
فذلك زيادة العمر))(٧) .
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيده، وهم
يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.
وقوله: ﴿وَنَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ اَلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْمُسْنَى﴾ إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم
الحسنى في الدنيا وإن كان ثم معاد ففيه أيضاً لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم،
(١) هو حيوان مثل الخنفساء.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٠٠/١٣) والطبري كلاهما من طريق سفيان الثوري به، وسنده صحيح إلى
أبي الأحوص لكنه مرسل.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا (العقوبات ص٢٧٣) والطبري كلاهما من طريق الأعمش به، وسنده ضعيف لأن أبا
عبيدة لم يسمع من عبد الله بن مسعود.
(٤) هو طائر شبيه بالوزّة.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن جابر الحنفي صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيراً
وعمي فصار يُلقن (التقريب ص٤٧١).
(٦) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل صُحف إلى: ((شرح)).
(٧) سنده ضعيف لضعف سليمان بن عطاء (الضعفاء الكبير ١٣٤/٢، ومجمع الزوائد ١٩٨/٧).

٦٨٩
• سَُّّةُ التَّحْلِلَ} (٦٣، ٦٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
وَلَإِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ
كقوله: ﴿وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَتُوُسُ كَفُورٌ (
بَعْدَ ضَرَّةَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىَّ إِنَّهُ لَفَرِحُ فَخُورُ ﴾﴾ [هود] وقوله: ﴿وَلَيْنَ أَذَقْتَهُ رَحْمَةً
مِّنَا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَا أَظُنُ السَّاعَةَ قَآئِمَةُ وَلَإِن رُّجِّعْتُ إِلَى رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَىّ
﴾ [فصلت]. وقوله: ﴿أَفَرَّيْتَ الَّذِى
۵٠
فَُلَبَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
ڪَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيْنَ مَالًا وَوَلَدًا (٣)﴾ [مريم] وقال: إخباراً عن أحد الرجلين أنه: ﴿وَدَخَلَ
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَ رَّ
جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ نَبِيَدَ هَذِهِ أَبَدًا (٥)
لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (®﴾ [الكهف] فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل بأن يجازوا على
ذلك حسناً وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق إنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها
ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات وتجزون الحسنات؟ أجل كما
يجتنى من الشوك العنب(١).
وقال مجاهد وقتادة: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الُْْنَى﴾ أي: الغلمان(٢).
وقال ابن جرير: ﴿أَنَّ لَهُمُ المُسْنَى﴾ أي: يوم القيامة كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله
الحمد، ولهذا قال تعالى راداً عليهم في تمنيهم ذلك: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقاً لا بدّ منه ﴿أَنَّ لَمُ
النَّارَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَّهُم ◌ُفْرُونَ﴾ .
قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون(٣) وهذا كقوله تعالى:
﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءُ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
وعن قتادة أيضاً: مفرطون أي: معجلون إلى النار من الفرط(٤)، وهو السابق إلى الورد، ولا
منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها أي: يخلدون.
] ﴿ثَلَِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَهُمْ عَذَابٌ
أَلِرٌ ﴿ وَمَّ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِنَ لَهُمُ الَّذِىِ اخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَآءَ فَّأَحْيَا بِهِ اْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
٢٦٥
يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلاً فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من
المرسلين أسوة فلا يهيدنَّك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم
على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه.
﴿فَهُوَ وَلِيُهُمُ أَلْيَوْمَ﴾ أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصاً
ولا صريخ لهم، ولهم عذاب أليم.
(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ١/ ١٩٦.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق
الحسين عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، بدون من الفرط.

٦٩٠
• سُوَرَّةُ الْخَلَ (٦٦، ٦٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبيِّن للناس الذي يختلفون فيه؟ فالقرآن
فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ﴿وَهُدَى﴾ أي: للقلوب ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: لمن تمسك به
﴿لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي الأرض بعد
موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يفهمون الكلام
ومعناه .
] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِ اٌلْأَنْعَمِ لَعِبْرَّةٌ تُشْقِيَكُ مِمَّا فِىِ بُطُونِهِ، مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمِ لَنَّا خَالِصًا سَأَبِغًا لِلشَّرِبِينَ
وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًّا وَرِزْقًا حَسَنَا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ
٦٦
يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِ الْأَنْعَمِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةٌ﴾ أي:
لآية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﴿نَُّقِيكُ مِمَّا فِ بُطُونِهِ﴾ أفردها ههنا
عوداً على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الأنعام حيوانات أي: نسقيكم
مما في بطن هذا الحيوان، وفي الآية الأخرى: ﴿مِّمَا فِى بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١]، ويجوز
هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿ فَمَنْ شَآءُ ذَكَرَهُ ®﴾ [المدثر] وفي
قوله تعالى: ﴿وَإِى مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةِ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ﴾ [النمل]
أي: المال.
وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا﴾ أي: يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته، ما بين فرث
ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى
العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر
ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به.
وقوله: ﴿أَبَّا خَالِصًا سَآَبِفًا لِلشَّرِبِينَ﴾ أي: لا يغصُّ به أحد، ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله
شراباً للناس سائغاً ثنَّى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا
يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتنَّ به عليهم فقال: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ
تَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ دلَّ على إباحته شرعاً قبل تحريمه، ودلَّ على التسوية بين المسكر المتخذ من
النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم
سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السُّنة بتفصيل ذلك، وليس
هذا موضع بسط ذلك.
كما قال ابن عباس في قوله: ﴿سَكَرًّا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق
الحسن ما أحل من ثمرتيهما (١)، وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله(٢)، يعني ما
ييس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخلٌّ ونبيذ، حلال يشرب قبل
(١) أخرجه البخاري معلقاً (تغليق التعليق ٢٣٧/٤)، ووصله الثوري عن الأسود بن قيس عن عمرو بن سفيان
عن ابن عباس، وسنده جيد، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره من طريق سفيان الثوري به (ينظر: تغليق
التعليق ٢٣٧/٤).
(٢) أخرجه عبد بن حميد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (المصدر السابق) وسنده حسن.

٦٩١
سُورَةُ الْحَلِ﴾ (٦٨، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أن يشتد كما وردت السُّنة بذلك ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ناسب ذكر العقل ههنا فإنه أشرف
ما في الإنسان، ولهذا حرَّم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها، قال الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن أَخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ( لِبَأْكُلُواْ مِنْ ثَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ
أَيْدِيهِمَّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٢٥ سُبْحَنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَا لَا
يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [يس].
٥ثم كلِ مِن كُلِّ
- ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَا يَعْرِشُونَ
الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفَ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ
يَنَّفَكَّرُونَ
المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي إليها،
ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصِّها بحيث لا يكون
في بيتها خلل.
ثم أذن لها تعالى إذناً قدرياً تسخيرياً أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي
جعلها الله تعالى مذللة لها؛ أي: مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم، والبراري
الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا
يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها وتقيء العسل من
فيها، وتبيض الفراخ من دُبرها، ثم تصبح إلى مراعيها .
وقال قتادة (١) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَأَسْلُكِ سُبُلَ رَيِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: مطيعة، فجعلاه
حالاً من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
﴿﴾ [يس](٢) قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم؟ والقول
الأول هو الأظهر، وهو أنه حال من الطريق؛ أي: فاسلكيها مذللة لك، نصّ عليه مجاهد(٣) .
وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح (٤).
وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سُكينٍ بن عبد العزيز، عن أبيه،
عن أنس قال: قال رسول الله وَله: «عمرُ الذباب أربعون يوماً، والذباب كلُّه في النار إلا
النحل))(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٣١/٧ ح٤٢٣١)، والحديث ضعيف سنداً ومتناً، فسنده فيه
عبد العزيز بن قيس العبدي قال أبو حاتم: مجهول (ينظر: تهذيب التهذيب ٣٥٢/٦) وشقه الأول ضعيف
لأن الذباب يعيش أكثر من أربعين يوماً. وجعله ابن الجوزي في الموضوعات ٢٦٦/٣، وحسنه البوصيري
كما في حاشية المطالب العالية ٢٩٦/٢، والحق الوسط وهو أن الحديث ضعيف.

٦٩٢
• سُوَّةُ الْحَمِ﴾ (٦٨، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿يَخْرَجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَنُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ﴾ ما بين أبيض وأصفر وأحمر
وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها. وقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسَِ﴾
أي: في العسل شفاء للناس؛ أي: من أدواء تعرض لهم، قال بعض من تكلم على الطب
النبوي: لو قال فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال فيه شفاء للناس؛ أي: يصلح
لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار والشيء يداوى بضده.
وقال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن(١)، وهذا قول صحيح في
نفسه، ولكن ليس هو الظاهر ههنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع
مجاهد على قوله ههنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتَكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى
الصُّدُورِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
۵۵﴾ [یونس].
والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِنَّ﴾ هو العسل، الحديث الذي رواه
البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي، عن أبي
سعيد الخدري به أن رجلاً جاء إلى رسول الله وَ ل﴿ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: ((اسقه
عسلاً)) فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلاً، فما زاده إلا استطلاقاً،
قال: ((اذهب فاسقه عسلاً)) فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا
استطلاقاً، فقال رسول الله وسلم: ((صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً)) فذهب فسقاه
فبرئ(٢).
قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلاً وهو حار تحلَّت،
فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالاً، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه، ثم سقاه
فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن،
استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل
الصلاة والسلام.
وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿ها أن رسول الله وَلّ كان
يعجبه الحلواء والعسل، هذا لفظ البخاري(٣).
وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال
رسول الله ◌َ: ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي
عن الكي)) (٤).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث عن مجاهد، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال.
(٢) صحيح البخاري، الطب، باب الدواء بالعسل (ح٥٦٨٤)، وصحيح مسلم، السلام، باب التداوي بسقي
العسل (ح٢٢١٧).
(٣) صحيح البخاري، الأشربة، باب شراب الحلواء والعسل (ح٥٦١٤)، وصحيح مسلم، الطلاق باب وجوب
الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق (ح ١٤٧٤).
(٤) صحيح البخاري، الطب، باب الشفاء في ثلاث (ح ٥٦٨٠).

٦٩٣
ـُورَةُ الْحَمِ (٦٨، ٦٩)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة،
سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله 18ّ يقول: ((إن كان في شيء من أدويتكم، أو
يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء،
وما أحب أن أكتوي))(١). ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر به(٢) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا
عبد الله بن الوليد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله وَليه: ((ثلاث إن
كان في شيء شفاء: فشرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألماً، وأنا أكره الكي ولا أحبه))(٣)
ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري، عن أبي عبد الرحمن المقري، عن عبد الله بن الوليد
به، ولفظه: ((إن كان في شيء شفاء: فشرطة محجم)) وذكره(٤)، وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه: حدثنا علي بن سلمة هو
اللَّبقي، حدثنا زيد ابن الحُباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله
هو: ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلجر: ((عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن))(٥) وهذا إسناد
جيد تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعاً، وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن
سفيان هو: الثوري به موقوفاً وهو أشبه(٢).
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب به أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية
من كتاب الله في صحيفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهماً عن طيب نفس منها،
فليشترِ به عسلاً فليشربه بذلك فإنه شفاء(٧)؛ أي: من وجوه، وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ اُلْقُرْءَانِ
مَا هُوَ شِفَةٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءُ مُّبَرًَّ﴾ [ق: ٩] وقال: ﴿فَإِن
طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُهُ هَنِيْئًا فَرًِّا﴾ [النساء: ٤] وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسَِ﴾.
وقال ابن ماجه أيضاً: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي، حدثنا
الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((من
(١) صحيح البخاري، الطب، باب الدواء بالعسل (ح ٥٦٨٣).
(٢) صحيح مسلم، السلام، باب لكل داء دواء (ح ٢٢٠٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٦/٤) وفي سند عبد الله بن الوليد وهو التُّجيبي: لين الحديث
(التقريب ص٣٢٨)، ويشهد له ما تقدم. وصححه الحافظ ابن كثير.
(٤) المعجم الكبير ٢٨٨/١٧.
(٥) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العسل (ح٣٤٥٢) وفي سنده زيد بن الحُباب صدوق
يخطئ في حديث الثوري (التقريب ص٢٢٢)، ومن خطئه في هذا الحديث رفعه، والصحيح أنه موقوف على
ابن مسعود ته كما قرر ابن عدي (الكامل في الضعفاء ٢١٠/٣)، والبيهقي (الجامع لشعب الإيمان
ح٢٥٨١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده سفيان بن وكيع ولكنه توبع فقد أخرجه الحاكم من طريقٍ ابن أبي
شيبة عن وكيع به موقوفاً وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٠٠/٤)، وصححه الألباني موقوفاً وضعف
المرفوع (ينظر: السلسلة الضعيفة ٢٣/٤)، وصححه ابن عدي والبيهقي كما في الرواية السابقة.
(٧) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن (فتح الباري ١٠/ ١٧٠).

٦٩٤
• سُورَةُ الْحَلِ (٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر، لم يصبه عظيم من البلاء)) (١) الزبير بن سعيد متروك.
وقال ابن ماجه أيضاً: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي، حدثنا عمرو بن
بكير السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي [عبلة] (٢): سمعت أبا أبي بن أم حرام وكان قد صلى
القبلتين، يقول: سمعت رسول الله وَله يقول: ((عليكم بالسنا(٣) والسنوت، فإن فيهما شفاء من
كل داء إلا السام)) قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: ((الموت)). قال عمرو: قال ابن أبي عبلة:
السَّنوت: الشِّبت.
وقال آخرون: بل هو العسل الذي في زِقاق السمن، وهو قول الشاعر:
هُمُ السمنْ بالسَّنوت لا ألبس فيهم وهم يمنعون الجار أن يُقرَّدا
كذا رواه ابن ماجه(٤)، وقوله: لا ألبس فيهم؛ أي: لا خلط. وقوله: يمنعون الجار أن
يقُرّدا؛ أي: يضطهد ويظلم [كذا قال شيخنا المزي] (٥).
وقوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَتَفَّكَّرُونَ﴾ أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى
السلوك في هذه المهامه والاجتناء من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب
الأشياء، ﴿لَيَةُ لِّقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾ في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك
على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.
- ﴿وَللَّهُ خَلَقَكُمْ نُمَّ يَنَوَقَّنكُمْ وَمِنكُ مَن يُرَّةُ إِلَى أَزْذَلِ الْعُمُرِ لِكَنْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
قَدِيرٌ
.
يخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي أنشأهم من العدم ثم بعد ذلك يتوفاهم،
ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم وهو الضعف في الخلقة، كما قال الله تعالى: ﴿﴿ اَللَّهُ الَّذِى
خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَدَةٍ وَهُوَ
اُلْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾﴾ [الروم].
وقد روي عن علي رُله: أرذل العمر خمس وسبعون سنة(٦).
وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى والخرف، وسوء الحفظ وقلة العلم، ولهذا قال: ﴿لِكَنْ
لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِ شَيْئًا﴾ أي: بعد ما كان عالماً أصبح لا يدري شيئاً من الفند والخرف، ولهذا روى
(١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطب، باب العسل ح ٣٤٥٠)، وسنده ضعيف لأن الزبير بن سعيد
لين الحديث (التقريب ص٢١٤).
(٢) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل صحف إلى: ((عميلة)).
(٣) السنا: نبات معروف من الأدوية، ومفرده: سناة.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الطب، باب السنا والسنوت ح٣٤٥٧) وسنده ضعيف جداً
لأن عمرو بن السكسكي متروك (التقريب ص٤١٩).
(٥) زيادة من (مح).
(٦) أخرجه الطبري من طريق سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب، وسنده ضعيف جداً
لأن سعد بن طريف متروك ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضياً (التقريب ص٢٣١).
<

٦٩٥
• سُورَةُ النَّحََّ (٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله
الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك أن رسول الله و 8* كان يدعو: ((أعوذ بك من البخل
والكسل والهرم، وأرذل العمر وعذاب القبر، وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات)) (١).
ورواه ... (٢).
وقال زهير بن أبي سلمة في معلقته المشهورة:
ثمانين عاماً لا أبالك(٣) يسأم
سئمت تكاليف الحياة ومن يعشْ
.(٤)
تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِّزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِآدِى رِزْقِهِمْ عَى مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِهِ سَوَاءٍ أَفَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَجْمَدُونَ
يبيِّن تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون أنها عبيد له
كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما
ملك، فقال تعالى منكراً عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى
هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ الآية
[الروم: ٢٨].
قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم
ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني؟ فذلك قوله: ﴿أَفَبِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾(٥).
وقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم(٦)؟
وقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل الآلهة الباطلة(٧) .
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله، فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه،
فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا، فالله أحق أن ينزه منك(٨).
وقوله: ﴿أَفَنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً،
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنكُ مَن يُرَدُّ إِلَى أَذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] ح ٤٧٠٧).
(٢) كذا في الأصول الخطية وفي الأصل بياض بعد ورواه، ولعل تتمته: ورواه مسلم، فقد أخرجه مسلم
من طريق هارون بن موسى الأعور به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل
ح ٢٧٠٦ / ٥٢).
(٣) كلمة تستعمل في التعبير عند الغلظة وتشديد الأمر.
(٤) دیوان زهير ص٢٩.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وهو لم يلق ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.

٦٩٦
• سُورَةُ النَّلِ﴾ (٧٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فجحدوا نعمته، وأشركوا معه غيره. وعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب نظراله هذه
الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على
بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلاً، فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض
عليه فيما رزقه وخوله، رواه ابن أبي حاتم(١).
4 ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ
اُلْطَِّبَتَّ أَفَالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجاً من جنسهم وشكلهم، ولو جعل
الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم
ذكوراً وإناثاً، وجعل الإناث أزواجاً للذكور.
ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين، قاله ابن عباس وعكرمة
والحسن والضحاك وابن زيد(٢).
قال شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: بنين وحفدة، وهم الولد وولد
الولد(٣).
وقال سُنيد: حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بنوك حيث
يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك، قال جميل:
حفد الولائد حولهنَّ وأُسلمتْ بأكفهن أزمَّةُ الأجمال (٤)(٥)
وقال مجاهد: بنين وحفدة ابنه وخادمه(٦).
وقال في رواية: الحفدة الأنصار والأعوان والخدام (٧).
وقال طاوس وغير واحد: الحفدة الخدم(٨). وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري(٩).
(١) لم أقف على سنده لأن هذا الجزء من تفسير ابن أبي حاتم مفقود.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند ضعيف، فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بسابقة وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله بن وهب عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.
(٤) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لضعف سُنيد.
(٥) هذا البيت استشهد به أبو عبيدة معمر بن المثنى ونسبته إلى جميل (مجاز القرآن ٣٦٤/١) ونسبهُ أبو عبيد
إلى الأخطل (غريب الحديث ٣٧٤/٣) ونسبه ابن دريد إلى الفرزدق (الجمهرة ١٢٣/٢) ومعمر أخبرهم
بأشعار العرب واعتقهم.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه زمعة وهو ضعيف ويتقوى بما يلي.
(٩) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق التيمي عنه.

٦٩٧
سُورَةُ النَّحَلَ (٧٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال: الحفدة من خدمك من
ولدك وولد ولدك (١).
قال الضحاك: إنما كانت العرب تخدمها بنوها(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يقول: بنو امرأة
الرجل ليسوا منه(٣)، ويقال: الحفدة الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان يحفد لنا أي:
يعمل لنا، قال: وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل، وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس، قاله
ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي(٤)، ورواه
عكرمة عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هم الأصهار(٥).
قال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة، وهو الخدمة الذي منه قوله في
القنوت: وإليك نسعى ونحفد(٦)(٧)، ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار،
فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قلت: فمن جعل
﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقاً بأزواجكم، فلا بدّ أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد والأصهار، لأنهم
أزواج البنات أو أولاد الزوجة، كما قاله الشعبي والضحاك، فإنهم يكونون غالباً تحت كنف
الرجل وفي حجره وفي خدمته، وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في
حديث نضرة بن أكثم ((والولد عبد لك)) رواه أبو داود(٨). وأما من جعل الحفدة الخدم، فعنده أنه
معطوف على قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا﴾ أي: جعل لكم الأزواج والأولاد خدماً.
وقوله: ﴿وَرَزَقَّكُمْ مِّنَ الطَّيَِّتِ﴾ أي: من المطاعم والمشارب. ثم قال تعالى منكراً على من
أشرك في عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَّْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم الأنداد والأصنام ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾
أي: يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره.
وفي الحديث الصحيح: ((إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتناً عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟
ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتَربع؟))(٩).
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية به، ويتقوى بما يليه
(٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند حسن من طريق زرِّ عنه، وقول أبي الضحى أخرجه الطبري بسند حسن
من طريق الأعمش عنه وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه،
وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مغيرة عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه ابن خزيمة عن عمر عن أبي بن كعب ﴿هما مطولاً، وصححه الألباني (صحيح ابن خزيمة ١٥٥/٢
ح ١١٠٠).
(٧) ذكره الطبري بنحوه.
(٨) أخرجه أبو داود من حديث صحابي من الأنصار (السنن، النكاح، باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها
حبلى ح٢١٣١) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٤٦٥).
(٩) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ره مطولاً (الصحيح، كتاب الزهد والرقائق ح٢٩٦٨).

٦٩٨
• سُورَةُ الْحَمِ﴾ (٧٣، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فَلَا
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ
(٧٤)
تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالَّ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
۔
يقول تعالى إخباراً عن المشركين [الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق
الرازق، وحده لا شريك ومع هذا](١) يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك
لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً؛ أي: لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر،
ولا يملكون ذلك لأنفسهم؛ أي: ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه، ولهذا قال تعالى:
﴿فَلَا تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالِ﴾ أي: لا تجعلوا له أنداداً وأشباهاً وأمثالاً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
أي: أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم تشركون به غيره.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ
مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرًّا هَلْ يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
قال العوفي، عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، وكذا قال قتادة، واختاره
ابن جرير، فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن، فهو
ينفق منه سراً وجهراً هو المؤمن.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى، فهل يستوي هذا
وهذا؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهراً واضحاً بيناً لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِّ
بَلَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا
يُوَجِّهِهُ لَا يَأَتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَفِيمٍ ◌َّ
قال مجاهد: وهذا أيضاً المراد به الوثن(٢). والحق تعالى يعني أن الوثن: أبكم لا يتكلم ولا
ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كل أي:
عيال وكلفة على مولاه ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهةٌ﴾ أي: يبعثه ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ ولا ينجح مسعاه ﴿هَلْ
يَسْتَوِى﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة ﴿وَهُوَ عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقيل: الأبكم مولى لعثمان، وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني،
واختار هذا القول ابن جرير(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضاً كما تقدم.
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا يحيى بن إسحاق السیلحیني، حدثنا
حماد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية (٤)، عن
(١) الزيادة من (ح) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) ثبت هذا القول عن ابن عباس ها كما سيأتي في رواية الطبري المسنده بعد التالية.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.

٦٩٩
• سُوَرَّةُ الْخَلِ (٧٧، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
ابن عباس في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوَكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ قال: نزلت في رجل من
قريش وعبده(١)، يعني قوله: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا﴾ الآية [النحل: ٧٥]، وفي قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَبْكَمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرٍَ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان: قال: والأبكم
الذي أينما يوجهه لا يأتي بخير، قال: هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكلفه
ويكفيه المؤونه، وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما(٢).
- ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَمْجِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَدَرَ
وَالْأَفْعِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٨ أَمْ يَرَوْاْ إِلَى الَّيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ الشَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ اللَّ إِنَّ
فِى ذَلِكَ لَأَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه
بعلم الغيب، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي
لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، كما قال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا
[القمر] أي: فيكون ما يريد كطرف العين، وهكذا قال ههنا: ﴿وَمَا أَمْرُ
وَحِدَةُ كَلَمْجٍ بِالْبَصَرِ (@)
الشَاعَةِ إِلَّا كَتَجِ اٌلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما قال: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا
بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
ثم ذكر تعالى منثَّه على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، ثم بعد هذا
يرزقهم السمع الذي به يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة، وهي
العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها
ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلاً قليلاً كلما كبر زيد في سمعه
وبصره وعقله حتى يبلغ أشده.
وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة
وعضو وقوة على طاعة مولاه.
كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله وَلو أنه قال: ((يقول تعالى: من
عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه،
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره
الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن دعاني
لأجيبنه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما تردّدت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي
المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بدّ له منه))(٣).
(١) رجل من قريش هو: هشام بن عمرو الذي أنفق ماله سراً وجهراً، وعبده هو أبو الجوزاء الذي كان ينهاه
(ينظر: أسباب النزول للواحدي ص٢٨٥).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الواحدي من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به
(المصدر السابق).
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة نظر ته (الصحيح، الرقاق، باب التواضع ح٦٥٠٢).

٧٠٠
ـسُورَةُ النَّحَ (٨٠، ٨٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله رب، فلا يسمع إلا لله، ولا
يبصر إلا لله أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله رَبك، مستعيناً بالله في
ذلك كله، ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها :
((فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)) ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ
وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ
وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿ قُلّ هُوَ الَّذِى ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ ﴾ [الملك].
ثم نبَّه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير
بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى التي جعل
فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسير الطير كذلك، كما قال تعالى في سورة الملك:
﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الَّيْرِ فَوَقَهُمْ صَنََّّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرُ (49)﴾ وقال ههنا:
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بُوْنَا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ
وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمُّ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ
ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيَكُمُ الْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ
بأسَِكُمْ كَذَلِكَ يُنِّمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴿ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيَ الْبَغُ المُبِينُ
٨
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْتُهُمُ الْكَفِرُونَ
٠
يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم، يأوون
إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضاً من جلود الأنعام بيوتاً
أي: من الأدم، يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر،
ولهذا قال: ﴿تَسْتَخُِّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمُّ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي: الغنم، ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أي:
الإبل، ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أي: المعز، والضمير عائد على الأنعام ﴿أَثَنًا﴾ أي: تتخذون منه أثاثاً وهو
المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعمّ من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط
والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالاً وتجارة.
وقال ابن عباس: الأثاث: المتاع(١)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن
وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة (٢).
وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى أجل مسمى ووقت معلوم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّغَا خَلَقَ ظِلَلًا﴾ قال قتادة: يعني: الشجر(٣). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: ((المال))، ويتقوى بالآثار التالية.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه بلفظ: ((المال)).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.