Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سُورَةُ الِحْر (١٦، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا﴾ .
قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا(١).
وقال قتادة، عن ابن عباس: أخذت أبصارنا(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا(٣).
وقال الكلبي: عميت أبصارنا(٤).
وقال ابن زيد: ﴿ُكِرَتْ أَبْصَرُنَا﴾، السكران الذي لا يعقل(٥).
(١٦) وَحَفِظَْهَا مِن كُلِّ شَيْطَنِ رَّجِيمٍ ﴾ إِلَّا
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ
مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ فَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ
وَجَعَلْنَا لَكُوْ فِهَا مَعَيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ
مَوْزُونٍ ◌َ
يذكّر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت لمن تأمل وكرر النظر
فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، وبهذا قال مجاهد وقتادة: البروج
ههنا هي الكواكب.
(قلت): وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَجًا وَقَمَرًا
مُنِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر.
وقال عطية العوفي: البروج ههنا هي قصور الحرس(٦). وجعل الشهب حرساً لها من مردة
الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فمن تمرَّد [وتقدم](٧) منهم لاستراق السمع جاءه شهاب
مبين فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه
فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحاً به في الصحيح، كما قال البخاري في
تفسير هذه الآية.
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة يبلغ به النبي وَثّر
قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على
صفوان)). قال علي، وقال غيره: صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال
ربكم؟ قالوا: للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا
واحد فوق آخر، ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض،
فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن كثير أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق ابن جريج عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى
بسابقيه .
(٢) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن الكلبي.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.
(٦) سنده ضعيف لضعف العوفي والراوي عنه.
(٧) زيادة من (حم) و(مح).

٦٤٢
عودة الىفر (٢١، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان: حتى
تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق، فيقولون:
ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا؟ فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء(١).
ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها، وما جعل فيها من الجبال
الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.
وقال ابن عباس: ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ قَّوْزُونٍ﴾ أي: معلوم(٢)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو
مالك ومجاهد والحكم بن عتيبة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة.
ومنهم من يقول: مقدر بقدر(٣).
وقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر (٤).
وقال ابن زيد: ما يزنه أهل الأسواق.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَيِشَ﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب
والمعايش وهي جمع معيشة.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَّسْتُمْ لَمُ بِرَزِقِينَ﴾ قال مجاهد: هي الدواب والأنعام(٥).
وقال ابن جرير: هم العبيد والإماء والدواب والأنعام(٦)، والقصد أنه تعالى يمتنُّ عليهم بما
يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب
التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا
عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.
وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَلْنَا
] ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُ, وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَلَقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِىِ، وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَرِثُونَ (®] وَلَقَدْ
عَلِّمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَتْخِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْثُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه دون لفظ: ((أو الكاهن)) (الصحيح، التفسير، سورة الحجر، باب ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ
السَّمْعَ فَأَبْعَهُ شِهَابٌ تُبِينٌ (®﴾ [الحجرا ح ٤٧٠١).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه بلفظ ابن عباس، وقول عكرمة أخرجه
سفيان الثوري بسند حسن من طريق خُصيف عنه بلفظ: ((بقدر))، وقول أبي مالك وأبي صالح أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح أو عن أبي مالك بلفظ: ((بقدر))، وقول مجاهد
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((مقدور بقدر))، وقول الحكم بن عتيبة
أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن يونس عنه، وعبد الله بن يونس مجهول الحال (التقريب ص٣٣٠)
ويتقوى بما سبق، وقول الحسن بن محمد أخرجه الطبري وفيه عبد الله بن يونس فهو كسابقه، وقول قتادة
أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) ذكره الطبري بلفظه .

٦٤٣
سُورَةُ الحِجر (٢١، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من جميع الصنوف ﴿وَمَا نُقَزِلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من
الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة.
قال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله
يقسمه بينهم حيث شاء عاماً ههنا وعاماً ههنا، ثم قرأ ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآمِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلََّ
بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾﴾، رواه ابن جرير(١).
وقال أيضاً: حدثنا القاسم، حدثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عتيبة في
قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قال: ما عام بأكثر مطراً من عام ولا أقل، ولكنه يمطر قوم
ويحرم آخرون بما كان في البحر، قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد
إبليس، وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت(٢).
وقال البزار: حدثنا داود هو ابن بكير [التستري] (٣)، حدثنا حيان بن أغلب بن تميم، حدثني
أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رَُّبه قال: قال رسول الله وَله: ((خزائن الله
الكلام، فإذا أراد شيئاً قال له: كن، فكان)) ثم قال: لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي، وقد
حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا اُلْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن
أوراقها وأكمامها، وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم، فإنه أفردها
ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج، لأنه لا يكون إلا من شيئين فصاعداً .
وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود في قوله:
﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ قال: ترسل الريح فتحمل الماء من السماء، ثم تمر السحاب حتى تدر كما
تدر اللقحة(٥). وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة (٦).
وقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.
وقال عُبيد بن عمير الليثي(٧): يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله المثيرة فتثير
السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثم تلا
﴿وَأَرْسَلْنَا اُلْرِيَحَ لَوَقِحَ﴾ (٨).
وقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون، عن أبي المُهزِّم، عن أبي هريرة، عن
(١) أخرجه الطبري من طريق يزيد بن أبي زياد به، وسنده ضعيف لضعف يزيد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين وهو ابن داود ضعيف، ومتنه لا يؤخذ إلا عن صحابي.
(٣) زيادة من (حم).
(٤) سنده ضعيف لضعف أغلب بن تميم، قال البخاري: منكر الحديث (لسان الميزان ٤٦٤/١).
(٥) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده حسن.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، ويتقوى بما يليه، إذ قول إبراهيم
النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح
عن معمر عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويتقوى بما سبق.
(٨) أخرجه الطبري وأبو الشيخ (العظمة ح٧١٩) كلاهما بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه عُبيد بن عمير.

٦٤٤
• سُورَةُ الِحْر (٢١، ٢٥)
النبي ◌َر قال: ((الريح الجنوب من الجنة، وهي [التي](١) ذكر الله في كتابه، وفيها منافع
للناس))(٢)، وهذا إسناد ضعيف.
وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن
دينار، أخبرني يزيد بن جُعْدُبة الليثي، أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذرِّ، قال:
قال رسول الله وسلم: ((إن الله خلق في الجنة ريحاً بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها باباً
مغلقاً، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء،
وهي عند الله الأذيب(٣)، وهي فيكم الجنوب))(٤).
وقوله: ﴿فَلَقَيْنَكُمُ﴾ أي: أنزلناه لكم عذباً يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجاً، كما نبه
على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة، وهو قوله تعالى: ﴿أَفََّيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ([® ءَأَنتُمْ
أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴿َ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْتَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا نَشْكُرُونَ (®)﴾ [الواقعة]، وفي قوله: ﴿هُوَ
الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَءَ لَّكُ مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ [النحل].
وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ قال سفيان الثوري: بمانعين(٥)، ويحتمل أن المراد وما أنتم
له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معيناً وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى
لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذباً، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير
ذلك، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُّحِىِ، وَنُمِيتُ﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي
أحيا الخلق من العدم، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض
ومن عليها، وإليه يرجعون، ثم قال تعالى مخبراً عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ
عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الآية.
قال ابن عباس ضيهما: المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم ظلّ*، والمستأخرون من هو حي
ومن سيأتي إلى يوم القيامة (٦)، وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن
كعب والشعبي وغيرهم(٧)، وهو اختيار ابن جرير دَُّهُ.
(١) الزيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن أبا المُهَزِّم متروك (التقريب ص٦٧٦)، وضعف سنده
أيضاً الحافظ ابن كثير.
(٣) الأذيب: أي السريع، ويقال: الأزيب، كما في الفائق للزمخشري.
(٤) أخرجه الحميدي بسنده ومتنه (المسند ١/ ٧٠ ح ١٢٩)، أخرجه البزار من طريق سفيان به، قال الحافظ ابن
حجر: ويزيد بن جعدبة: كذاب (مختصر زوائد مسند البزار (٢٦٢/٢، ٢٦٣ ح ١٨٣٦).
(٥) ذكره الثوري في تفسيره، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن الثوري.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بنحوه.
(٧) قول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول مجاهد أخرجه الطبري من طريق خُصيف عنه
ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك
أخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخ الطبري، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه أبو
معشر، وهو السندي ضعيف.

٦٤٥
• سُورَةُ الِمْ (٢٦، ٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن
رجل، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء،
﴾(١) .
فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَهْخِينَ فَـ
وقد ورد فيه حديث غريب جداً، فقال ابن جرير: حدثني محمد بن موسى الجرشي، حدثنا
نوح بن قيس، حدثنا عمرو بن قيس، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن
فيّ قال: كانت تصلي خلف النبي وَ ﴿ امرأة حسناء، قال ابن عباس: لا والله ما رأيت
عباس
مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني لئلا يروها، وبعض يستأخرون، فإذا
سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلْنَا الْمُسْتَفْخِينَ
(69﴾ (٢)، وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير
من سننيهما، وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني(٣)، وقد وثقه أحمد وأبو داود
وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرجه مسلم وأهل السنن، وهذا الحديث فيه نكارة
شديدة، وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك، وهو النكري أنه
سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الصفوف في الصلاة
﴿الُْسْتَفْخِينَ﴾ (٤). فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال
الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس، والله أعلم، وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن
أبي معشر، عن أبيه أنه سمع [عون](6) بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا
الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِنَا الْمُسْتَفْخِينَ (٣)﴾ وأنها في صفوف الصلاة، فقال محمد بن كعب: ليس
هكذا ﴿وَلَقَدْ عَلِيْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ الميت والمقتول ﴿الْمُسْتَفْخِرِينَ﴾ من يخلق بعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ
يَحْثُرُهُمَّ إِنَّهُ حَكِيْ عَلِيمٌ ﴾﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيراً (٦).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حٍَ تَسْئُونِ (٦
وَالْجَنَّ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن نَارِ السَّمُومِ
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس(٧)، والظاهر أنه كقوله تعالى:
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف الإبهام الراوي عن مروان بن الحكم.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، نوح بن قيس: صدوق رمي بالتشيع (التقريب ص ٥٦٧) وروايته
هذه مردودة لأنها لا تليق بمقام الصحابة ﴿ وقد تفرد بها .
(٣) المسند ٣٠٥/١، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الحجر (ح٣١٢٢)، والسنن الكبرى، التفسير
(ح١١٢٧٣)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب الخشوع في الصلاة (ح١٠٤٦).
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي سنده أيضاً جعفر بن سليمان، وهو الصُّبعي وهو صدوق لكنه كان
يتشيع (التقريب ص ١٤٠) وسنده كسابقه.
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحّف إلى: ((عروب)).
(٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن أبي معشر، به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن
عبد الرحمن، وفيه أيضاً إرسال محمد بن كعب.
(٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير بلفظ: ((التراب المدقق))، وقول مجاهد
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مسلم البطين عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن
معمر عنه.

٦٤٦
• سُورَةٍ لىفى، (٢٨، ٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلِ كَالْفَخَّارِ ﴿ وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ﴾﴾ [الرحمن].
وعن مجاهد أيضاً: ﴿صَلَّصَلٍ﴾ المنتن(١)، وتفسير الآية بالآية أولى.
قوله: ﴿مِنْ حَمٍ قَسْنُونٍ﴾ أي: الصلصال من حمأ، وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال
الشاعر(٢):
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء تمشي في مرمر مسنون
أي: أملس صقيل، ولهذا روي، عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب(٣).
وعن ابن عباس ومجاهد أيضاً والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن (٤). وقيل: المراد
بالمسنون ههنا المصبوب.
وقوله: ﴿وَالْجَآَنَّ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل الإنسان ﴿مِن ◌َّارِ السَّمُومِ﴾ قال ابن عباس: هي
السموم التي تقتل(٥)، وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار، ومنهم من يقول: السموم بالليل
والحرور بالنهار.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمر الأصم أعوده،
فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً
من السموم التي خلق منها الجان، ثم قرأ ﴿وَالْجَنَّ خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ مِن ثَارِ السَّمُومِ ﴾﴾(٦).
وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار (٧)، وفي رواية: من أحسن النار.
وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس(٨).
وقد ورد في الصحيح: ((خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم
مما وصف لكم))(٩). ومقصود الآية التنبيه على شرف آدم ظلَّله وطيب عنصره وطهارة محتدة.
فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ
- ﴿وَإِذْ قَالَ رَبِّكَ لِلْمَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ
فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
﴿ فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّ إِيْلِسَ أَفَ أَن يَكُونَ مَعَ
السّجِدِينَ
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن
قَالَ يَتَإِلِسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ()
صَلْصَلٍ مِّنْ حَمٍَ مَّسْنُونِ (
يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه وتشريفه إياه أمر الملائكة بالسجود له،
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) هو عبد الرحمن بن حسان، وقد قاله في رملة بنت معاوية، كما في الشعر والشعراء ١/ ٤٨٤.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((من طين رطب)).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق التميمي، وهو أربدة وهو ضعيف، عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري من طريق ابن داود به، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٤).
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٨) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار.
(٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ؤها (الصحيح، الزهد والرقائق، باب في أحاديث متفرقة ح٢٩٩٦).

٦٤٧
• سُوْرَةِ الحِجْر (٣٤، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسداً وكفراً وعناداً واستكباراً
وافتخاراً بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُن لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ كما قال في
الآية الأخرى، [﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِّنَّهُ خَقَْنِ مِن ◌َارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن ◌ِينٍ﴾](١) [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿قَالَ أَرَءَيْنَكَ هَذَا
الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِلًا ﴾﴾ [الإسراء].
وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً من حديث شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: ﴿إِنّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ﴿ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى
فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ (49)﴾ [ص] قالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى
فقال لهم مثل ذلك، [فقالوا: لا نفعل، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى
فقال: ﴿إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾، فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فأبوا، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم،
ثم خلق ملائكة فقال: ﴿إِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾، فإِذا أنا خلقته فاسجدوا له](٢) قالوا: سمعنا
.(٣)
وأطعنا، إِلا إِبليس كان من الكافرين الأولين
وفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم.
﴿قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اَلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ اَلِينِ (٢٥) قَالَ رَبٍّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى
٣٨
إِلَى يَوْمِ اٌلْوَقْتِ اٌلْمَعْلُومِ
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ
يَوْمِ يُبْعَثُونَ
يقول آمراً لإبليس أمراً كونياً لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ
الأعلى، وأنه رجيم، أي مرجوم، وأنه قد أتبعه لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى
يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إِبليس، تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورنَّ
رنَّة، فكل رئَّة في الدنيا إلى يوم القيامة منها. رواه ابن أبي حاتم(٤)، وأنه لما تحقق الغضب
الذي لا مردَّ له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث، وأنه
أجيب إلى ذلك استدراجاً له وإِمهالاً، فلما تحقق النظرة، قبّحه الله.
] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَّ أَغْوَيْنَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ ﴿﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
٤٣
٤٠
(٤٤ )
وَإِنَّ جَهَتَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ لَا سَبْعَةُ أَبَوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ نَفْسُوهُ
يقول تعالى مخبراً عن إِبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: ﴿يمّآ أَغْوَيْنَنِ﴾ قال بعضهم: أقسم
بإِغواء الله له.
(قلت): ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَّيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لذرية آدم لعلَّ ﴿ فِى
(١) زيادة من (مح).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من الطبري و(مح).
(٣) أخرجه الطبري من طريق أبي عاصم عن شبيب بن بشر به ومن الطريق نفسه أخرجه أبو الشيخ (العظمة
ح١٠٣٩)، واستغربه الحافظ ابن كثير، وبيّن أنه إسرائيلي.
(٤) سنده مرسل وفيه غرابة.

٦٤٨
سُورَةُ الحِجر (٣٩، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الْأَرْضِ﴾ أي: أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجاً
﴾ كما
﴿وَلَأُغْوِيَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: كما أغويتني وقدرت عليّ ذلك ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
قال: ﴿أَرَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الإسراء: ٦٢] قال الله تعالى له متهدداً ومتوعداً: ﴿هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيرٌ﴾ أي: مرجعكم كلكم
إليّ، فأجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ
[الفجر]. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي، قاله مجاهد والحسن وقتادة(١)،
كما قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هذا صراط عليٍّ مستقيم﴾(٢)، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِىّ
أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴾﴾ [الزخرف] أي: رفيع، والمشهور القراءة الأولى.
وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيِهِمْ سُلْطَانُ﴾ أي: الذين قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم
ولا وصول لك إليهم ﴿إِلَّا مَنِ اتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ استثناء منقطع.
وقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن موهب، حدثنا
يزيد بن قُسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ
ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له، ثم سأله ما بدا له، فبينا نبي في مسجده إِذ
جاء عدو الله - يعني: إِبليس - حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم، قال: فرّد ذلك ثلاث مرات، فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي:
بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه، فقال النبي:
إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (@). قال
عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ
هَا﴾ [الأعراف]، وإنى والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله
فَأَسْتَعِذْ بَِهِّ إِنَُّ سَمِيعُ عَلِيهُ
منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني، فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال:
آخذه عند الغضب والھوی(٣).
قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إِبليس، كما قال عن
القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب
﴿لَّكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا
محيد لهم عنه، أجارنا الله منها، وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر
عمله .
قال إسماعيل بن عُلية وشعبة، كلاهما عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله، أنه
قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون -
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري
بسند حسن عنهما .
(٢) وهي قراءة متواترة قرأ بها يعقوب.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال يزيد بن قُسيط.

٦٤٩
• سُورَةُ لِّجْ (٣٩، ٤٤)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0
أطباقاً بعضها فوق بعض (١).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي ظُه قال: أبواب جهنم سبعة
بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلئ كلها (٢).
وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق(٣).
وقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم
الجحيم، ثم الهاوية (٤).
وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه(٥)، وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضاً(٦).
هي والله منازل بأعمالهم(٧)،
وقال قتادة: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ تَفْسُوءُ لَّ
رواهن ابن جرير.
وقال جويبر، عن الضحاك ﴿لَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ نَفْسُوهُ (@)﴾ قال: باب
لليهود، وباب للنصارى، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا وهم كفار
العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك
أبداً (٨).
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مِغول، عن حميد،
عن ابن عمر، عن النبي وَّ قال: ((لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي)) أو
قال: ((على أمة محمد)) ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول(٩).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد - يعني: ابن
يحيى -، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي وَّر
في قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَفْسُومُ﴾ قال: ((إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن
منهم من تأخذه النار إلى حجزته(١٠)، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازلهم بأعمالهم، فذلك
قوله: ﴿لَّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ تَفْسُوءٌ﴾))(١١).
(١) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية به (المصنف ١٥٤/١٣) وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من
طريق شعبة به. وسنده صحيح أيضاً.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسرائيل به.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جهضم عن عكرمة ويشهد له سابقه.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند حسن من طريق حجاج عن ابن جريج (صفة النار ص٨) وسنده حسن إلى ابن
جريج، ولكن مثل هذا المتن لا يؤخذ إلا بحديث مرفوع أوله حكم الرفع، وهذا ليس من ذلك القبيل.
(٦) حكم هذا القول كحكم القول في أثر ابن جريج.
(٥) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة.
(٨) سنده ضعيف جداً لأن جويبر متروك.
(٩) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة الحجر ح٣١٢٣).
(١٠) أي: معقد الإزار.
(١١) في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف، وقد تابعه شيبان بن عبد الرحمن في رواية مسلم لكن بدون ذكر الآية
(صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في شدة حر نار جهنم ح٢٨٤٥/ ٣٣).

٦٥٠
سُورَةُ الِحْر (٤٥، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أُدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ عَامِنِينَ
- ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
وَنَزَعْنَا مَا فِىِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ
٤٦٦
إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُنَّقَِلِينَ ﴿﴿ لَا يَمَشُهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ
نَبِئْ عِبَادِىٌّ أَنَّ أَنَا
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾.
لما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على ذكر أهل الجنة وأنهم في جنات وعيون. وقوله:
﴿أَدْخُلُهَا بِسَلَمٍ﴾ أي: سالمين من الآفات، مسلم عليكم ﴿ءَامِنِينَ﴾ أي: من كل خوف وفزع، ولا
تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء.
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِىِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَكِلِينَ (@) روى القاسم عن أبي أمامة
قال: يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إِذا
توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلِّ﴾
هكذا في هذه الرواية(١)، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.
وقد روى سنيد في تفسيره: حدثنا ابن فضالة، عن لقمان، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة
مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري(٢). وهذا موافق لما في
الصحيح من رواية قتادة: حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله واله
قال: ((يخلص المؤمن من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار. فيقتصُّ لبعضهم من بعض
مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقُوا، أُذن لهم في دخول الجنة))(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد هو: ابن
سيرين قال: استأذن الأشتر على علي ظه، وعنده ابن لطلحة فحبسه ثم أذن له، فلما دخل
قال: إني لأراك إنما حبستني لهذا، قال: أجل، قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان
لحبستني وقال: أجل إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم
(٤)
مِّنْ عِلِّ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُنَفَِلِينَ (6)﴾(٤).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا أبو مالك الأشجعي،
عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران بن طلحة على علي رؤيته بعدما فرغ من أصحاب
الجمل، فرحّب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى
صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَكِلِينَ
وقال: ورجلان جالسان إلى ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون
إخواناً، فقال علي ربه: قوماً أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذاً إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر
أبو معاوية الحديث بطوله(٥) .
(١) أخرجه الطبري من طريق بشر البصري عن القاسم بن عبد الرحمن به، وضعفه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود، ولقبه سُنيد به، وسنيد فيه مقال، ويتقوى بالرواية اللاحقة.
(٣) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (ح٦٥٣٥).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو حبيبة ترجم له البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير، الكنى ص٢٤)
ویشهد له سابقه.

٦٥١
سورة الحجر (٤٥، ٥٠)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى وكيع، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حِراش، عن
علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين، قال:
فصاح به علي صيحة، فظننت أن القصر تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن نحن فمن هم؟(١).
وقال سعيد بن مسروق، عن أبي طلحة، وذكره وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه
علي رظُهُ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟ وقال
سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي مظ لته
فحجبه طويلاً ثم أذن له فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: بفيك التراب إني لأرجو
أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَِلِينَ
﴾ وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بنحوه (٢).
وقال سفيان بن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول: قال علي:
فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَيِلِينَ
(٣)
٤٧
وقال كثير النوّاء: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم،
وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، أنا أسألك بالله أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا
وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] تولهما يا كثير فما أدركك فهو في رقبتي هذه، ثم تلا هذه
الآية ﴿إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُنَفَكِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين(٤).
وقال الثوري، عن رجل، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَكِلِينَ﴾ قال: هم
عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة، والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي
وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم أجمعين(٥).
وقوله: ﴿مُتَّقَِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض (٦)، وفيه حديث مرفوع:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن
بشير، حدثنا يحيى بن معين، عن إبراهيم [القرشي](٧)، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي
أوفى قال: خرج علينا رسول الله وَّر؛ فتلا هذه الآية ﴿إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَيِلِينَ﴾ في الله ينظر
بعضهم إلى بعض(٨).
(١) أخرجه الطبري من طريق والحاكم من طريق وكيع به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٣/٢).
(٢) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، وأحدهما يقوي الآخر.
(٣) أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة به، وسنده منقطع لأن الحسن لم يسمع من علي نظـ
(٤) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل الزبيدي عن كثير النوّاء به بدون الجملة الأخيرة ما بعد الآية، وسنده
ضعيف لضعف كثير (التقريب ص٤٥٩).
(٥) سنده ضعيف الإبهام شيخ الثوري.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) كذا في (حم)، وصحف في الأصل إلى: ((القومسي)).
(٨) أخرجه البخاري بهذا الإسناد وضعفه حيث قال: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه (التاريخ الصغير ١/
٢٥٠).

٦٥٢
سُورَة الىجر (٥١، ٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿لَا يَمَنُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين: ((أن الله
أمرني أن أبشّر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب))(١).
وقوله: ﴿وَمَا هُم مِنْهَا بِمُخْرَبِينَ﴾ كما جاء في الحديث: ((يقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا
فلا تمرضوا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن
لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبداً))(٢).
وقال الله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلَّا (®)﴾ [الكهف].
وقوله: ﴿﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِمُ ﴾﴾ أي:
أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم، وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة،
وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن
مصعب بن ثابت قال: مرَّ رسول الله وَ﴿ على ناس من أصحابه يضحكون فقال: ((اذكروا الجنة
واذكروا النار))، فنزلت ﴿﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
(@)). رواه ابن أبي حاتم، وهو مرسل(٣).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا
مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي وَلؤل
قال: طلع علينا رسول الله صل ﴿ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال: ((ألا أراكم تضحكون))
ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: ((إني لما خرجت جاء جبريل
فقال: يا محمد إن الله يقول لك: لم تقنط عبادي؟ ﴿﴿ نَبِىِّ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ (7)
وَأَنَّ
عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
وقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿﴿ نَبِّ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ قال: بلغنا أن
رسول الله وَ ﴿ قال: (لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورَّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر
(٥) نفسه)) (٦).
عذاب الله لبخع
قَالُواْ لَاَ
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
] ﴿وَنَبِئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
قَالُواْ بَشَّرْنَكَ
نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَّ أَنْ مَسَِّىَ الْكِبَرُ فَمَ تُبَشِّرُونَ
◌ِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَنِطِينَ ﴿ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ
(٥٦)
يقول تعالى: وأخبرهم يا محمد عن قصة ﴿ضَّيْفِ إِبْرَهِيمَ﴾ والضيف يطلق على الواحد والجمع
(١) صحيح البخاري، العمرة، باب متى يحل المعتمر؟ (ح١٧٩٢) وصحيح مسلم فضائل الصحابة، باب فضائل
خديجة يا (ح ٢٤٣٣).
(٢) صحيح مسلم، الجنة، باب دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).
(٣) إضافة إلى الإرسال فإن فيه موسى بن عبيدة ضعيف، ومصعب بن ثابت لين الحديث.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن مصعب بن ثابت لين الحديث (التقريب ص٥٣٣).
(٥) أي: قتلها غيظاً.
(٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.

٦٥٣
• سُوْرَةِ الِجْر (٥٧، ٦٦)
00000000000000000000000000000000000000000 000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
كالزور والسفر، وكيف ﴿دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ إِنَّا مِنَكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون.
وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قرّبه إليهم من الضيافة، وهو العجل
السمين الحنيذ ﴿قَالُواْ لَا نَوَجَلْ﴾ أي: لا تخف، (وبشروه بغلام عليم) أي: إسحاق ظلّلها، كما
تقدم في سورة هود(١)، ثم ﴿قَالَ﴾ متعجباً من كبره وكبر زوجته ومتحققاً للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَّ أَنْ
مَّسَّنِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُّبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقاً وبشارة بعد بشارة ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَكَ
®®) وقرأ بعضهم: (القنطين)(٢)، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو
بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ اُلْقَنِطِينَ
من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنَّت امرأته فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من
ذلك.
﴿ قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِنَ
2] ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
إِلَّاَ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا
٥٨)
٦٠
لَمُتَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِنَ
يقول تعالى إخباراً عن إبراهيم علل لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى، أنه شرع يسألهم عما
جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط
من بينهم إلا امرأته فإنها من المهلكين، ولهذا قالوا: ﴿إِلَّا أَفْرَأَتَهُ قَّدَّرْنَآَ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ
أي: الباقين المهلكين.
ڪ ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ اُلْمُرْسَلُونَ
وَأَيْنَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ
فِیهِ يَمْتَرُونَ
﴿فَ قَالُواْ بَلْ حِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ
يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره
قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ قَالُواْ بَلْ جِثْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣)﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم
ودمارهم الذي كانوا يشكُّون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم ﴿وَأَيْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ كما قال تعالى:
﴿مَا نَُزِّلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْحِ﴾ [الحجر: ٨]. وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه
به من نجاته وإهلاك قومه.
42 ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ الَبْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوْعٌ مُصْبِحِينَ
٦٥
يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون
لوط ثلثلا يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم، وهكذا كان رسول الله وَّ ل يمشي في الغزو إنما يكون
ساقة يزجي الضعيف ويحمل المنقطع (٣).
(١) أي قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ [هود: ٧١].
(٢) هي قراءة شاذة قرأ بها الأعمش ورويت عن أبي عمرو في غير المتواتر (ينظر: البحر المحيط ٤٥٩/٥).
(٣) أخرجه أبو داود من حديث جابر ظبه بنحوه (السنن، الجهاد، باب لزوم الساقة ح٢٦٣٩)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٢٩٨).

٦٥٤
سُورَةُ الجهر، (٦٧، ٧٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم وذروهم فيما
حلّ بهم من العذاب والنكال ﴿وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم السبيل ﴿وَقَضَيْنَآ
إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح،
كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ اُلصُبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١].
فَهَ ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
(﴿ قَالُواْ أَوَلَمَ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ
سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
TVI
قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونٍ
(٢٥) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيّ إِن كُمْ فَعِلِينَ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا
(٦٨)
تُخْزُونِ
لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَفِى
يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين
وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴿3﴾، وهذا إنما قاله لهم
بهم فرحين ﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَا نَفْضَحُونِ (٦)
قبل أن يعلم أنهم رسل الله، كما قال في سياق سورة هود، وأما ههنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله
وعطف بذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيما إذا دل دليل
على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحداً؟
فأرشدهم إلى نساءهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح القول في
ذلك بما أغنى عن إعادته. هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء وماذا
يصبحهم من العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لمحمد وَّهِ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه
عريض.
قال عمرو بن مالك [النُّكري] (١)، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما
ذرأ وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد ◌َّر، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله
تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقاؤك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَّفِى
سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. رواه ابن جرير(٢).
وقال قتادة: ﴿لَفِى سَكْرَِهِمْ﴾ أي: في ضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال:
يتمادون (٤).
﴿ِ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ
◌َ إِنَّ فِى
W
ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُنَوَسّمِينَ ﴿ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتُهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس
(١) كذا ترجمته في التقريب (ص٤٢٦) وأصوله، وفي النسخ الخطية صُحِّف إلى: ((البكري)).
(٢) أخرجه الطبري من طريق الحسن بن أبي جعفر عن عمرو بن مالك به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.

•
سُورَةَ الحِجر (٧٣، ٧٧)
٦٥٥
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال
حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في [سورة](١) هود بما فيه كفاية(٢).
وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ ﴾ أي: إن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن
تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ قال:
المتفرسين(٣).
وعن ابن عباس والضحاك: للناظرين"
٠
وقال قتادة: للمعتبرين (٥).
وقال مالك، عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِمِينَ﴾ للمتأملين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس،
عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعاً قال: قال رسول الله وَله: ((اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله))
ثم قرأ النبي ◌َّ: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَتِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (١٥) رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن
قيس الملائي، عن عطية، عن أبي سعيد، وقال الترمذي: لا نعرفه إلّا من هذا الوجه(٦).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا
الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: «اتقوا
فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله))(٧).
وقال ابن جرير: حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن
سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن
طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله وَ له: ((احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله
وبتوفيق الله))(٨).
وقال أيضاً: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا
عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزلق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال
النبي ◌َّر: ((إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)) (٩)، [ورواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن
(٢) في تفسير الآية رقم ٨٢.
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بسابقه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري والترمذي من طريق عمرو بن قيس به (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر
ح ٢١٢٥) وفي سنده عطية وهو العوفي: ضعيف، وضعف سنده الألباني في السلسلة الضعيفة (ح١٨٢١) وله
شواهد في الروايات الأربع التالية ويتقوى بها .
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الفرات بن السائب منكر الحديث (التاريخ الكبير ٧/ ١٣٠).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف (السلسلة الضعيفة ح ١٨٢١).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه السخاوي (المقاصد الحسنة ص ٢٠ ح٢٣) وحسنه أيضاً الألباني في
السلسلة الصحيحة (ح١٦٩٣). وانظر تحسين الحديث التالي.

٦٥٦
سُورَةُ الحِجر (٧٨، ٧٩)
بحر، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، حدثنا أبو بشر يقال له: ابن المزلق، قال: وكان ثقة، عن
ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله وَّر: ((إن الله عباداً يعرفون الناس بالتوسم](١)))(٢).
وقوله: ﴿وَإِنََّ لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾﴾ أي: وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب
الصوري والمعنوي والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة بطريق مهيع مسالكه مستمرة
إلى اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَمُونَ عَلَيْهِم ◌ُصْبِحِينٌ ([َ وَيِلَيْلِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣٨)﴾ [الصافات].
وقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنََّ لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (﴾﴾ قال: معلم(٣).
وقال قتادة: بطريق واضح(٤).
وقال قتادة أيضاً: بصقع من الأرض واحد.
وقال السدي: بكتاب مبين، يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِىَ إِمَامِ تُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ولكن
ليس المعنى على ما قال ههنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِلْمُؤْمِينَ (®﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار
وإنجائنا لوطاً وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسوله.
﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِمِينَ
، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُِّينٍ
أصحاب الأيكة: هم قوم شعيب.
قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة: الشجر الملتف(٥).
وكان ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم
بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريباً من قوم لوط بعدهم في الزمان، ومسامتين
لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: طريق مبين.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره: طريق ظاهر(٦)، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في
نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
(١) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وحسنه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد مسند البزار ٥٠٦/٢ ح٢٣٠٢) وحسنه
الهيثمي (مجمع الزوائد ٢٦٨/١٠).
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسندٍ ضعيف من طريق عمرو بن عبد الله عنه ومعناه صحيح، وقول الضحاك
أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، بنحوه.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس بلفظ: ((على الطريق))، أخرجه الطبري أيضاً، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((بطريق مَعْلَم))، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ
الطبري بنحوه.

٦٥٧
سُورَة الحجر (٨٠، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
٨٠
وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ
وَءَانَّيْنَهُمْ مَئِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ءَمِنِينَ ﴿٨ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿٨ فَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحاً نبيهم عليّ*، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع
المرسلين، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين، وذكر تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على
صدق ما جاءهم به صالح كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، وكانت
تسرح في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عَتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِىِ
دَارِكُمْ ثَثَةَ أَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ
اَلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وذكر تعالى أنهم ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْبَالِ بُنَّاءَمِنِينَ ﴾﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج
إليها بل أشراً وبطراً وعبثاً كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به
رسول الله وير وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: ((لا تدخلوا بيوت
القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكو فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم))(١).
وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾﴾﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَآ أَغْنَى عَنْهُم ◌َا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ (®﴾ أي: ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى
عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.
◌َ﴾ ﴿وَمَا خَلَقْنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقُّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَنِيَّةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجِيلَ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ
٨٥
يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيَّنَهُمَّ إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ﴾ أي: بالعدل
﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَنَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَّا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (٣)﴾ [ص]، وقال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴿ فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ
اٌلْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون].
ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في
(٨٩)﴾ [الزخرف].
أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال(٢)، وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال
إنما شرع بعد الهجرة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه
الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض،
(١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ثها بنحوه تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٧٣.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر وهو الجعفي: وهو ضعيف، وقول قتادة أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكنه مرسل.

٦٥٨
سُورَةُ الحِجر (٨٧، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
٨١
كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَى وَهُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ
فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوْتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ
١٨٢
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
تُرْجَعُونَ (4)﴾ [یس].
] ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ (َ. لَا تَعُذَنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا
مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيَّهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى لنبيه وس *: كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرنّ إلى الدنيا، وزينتها، وما متعنا به
أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات
حزناً عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك، ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَامَكَ لِمَنْ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الشعراء] أي ألِن لهم جانبك، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جََّكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة].
وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد
وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم: هي السبع الطوال(١)؛ يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء،.
والمائدة، والأنعام، ويونس، نصَّ عليه ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقال سعيد: بَيَّن فيهنَّ الفرائض والحدود والقصص والأحكام(٢).
وقال ابن عباس: بَيَّن الأمثال والخبر والعِبر(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني: البقرة،
وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة سورة واحدة (٤).
قال ابن عباس: ولم يعطهن أحد إلا النبي بَير، وأعطي موسى منهن ثنتين، رواه هشيم، عن
الحجاج، عن الوليد بن العيذار، عن سعيد بن جبير عنه(٥).
وقال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أوتي النبي وَّ سبعاً
من المثاني الطوال، وأوتي موسى ظلَّ ستاً، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت أربع(٦).
(١) قول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق محمد بن سيرين عنه، وابن سيرين لم يسمع ابن مسعود، وقول ابن
عمر أخرجه الطبري من طريق رجل مجهول عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً،
وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول سعيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق أبي بشر جعفر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) سنده صحیح إلی سفيان.
(٥) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وفي سنده الحجاج وهو ابن أرطأة: وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس
(التقريب ١٥٢) ولكن يتقوى بالرواية الصحيحة التالية.
(٦) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من قال: هي من الطول ح١٤٥٩) والحاكم كلاهما عن الأعمش به
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٤/٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح١٢٩٥).

٦٥٩
• سُؤْرَةُ الجِجْر (٨٧، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: هي السبع الطوال، ويقال: هي القرآن العظيم(١).
وقال خُصيف، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ قال: أعطيتك سبعة
أجزاء آمُرْ، وأَنهَ، وأبشر، وأنذر، وأضرب الأمثال، وأعدِّد النعم، [وآتيتك](٢) بنبأ القرآن. رواه
ابن جرير(٣)، وابن أبي حاتم.
(والقول الثاني): أنها الفاتحة، وهي سبع آيات. وروي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن
عباس، قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصَّكم الله بها(2)، وبه قال إبراهيم
النخعي، وعبد الله بن عبيد بن عُمير، وابن أبي مليكة، وشهر بن حوشب، والحسن البصري،
ومجاهد(٥).
وقال قتادة: ذكر لنا أنهنَّ فاتحة الكتاب وأنهنَّ يُثنين في كل ركعة مكتوبة أو تطوع (٦). واختاره
ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول
التفسير، ولله الحمد، وقد أورد البخاري نَخْذَّلهُ ههنا حديثين:
(أحدهما): قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن
عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلَّ قال: مرَّ بي النبي ◌ٍَّ وأنا أصلي
فدعاني فلم آته حتى صليت فأتيته، فقال: ((ما منعك أن تأتيني؟)) فقلت: كنت أصلي، فقال: ((ألم
يقل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] ألا أعلمك سورة في
القرآن قبل أن أخرج من المسجد)) فذهب النبي وَّ ليخرج فذكرت، فقال: ((﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ
الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة] هي السبع المثاني والقرآن الذي أوتيته))(٧).
(والثاني): قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة ◌َ﴿به قال:
قال رسول الله وَير: ((أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)»(٨).
فهذه نصٌّ في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من
السبع الطوال بذلك، لما فيها من هذه الصفة كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضاً، كما
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن مجاهد.
(٢) كذا في (مح) ونسخ الطبري المطبوعة والمحققة، وفي الأصل (وحم) والنسخ المطبوعة من تفسير ابن كثير
بلفظ: ((وانبئك)) .
(٣) أخرجه الطبري والبيهقي (شعب الإيمان ح٢٤٢١) كلاهما من طريق عتاب بن بشير عن حُصيف به، وعتاب
وخصيف كلاهما كثير الخطأ .
(٤) قول علي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد بن خير عنه، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه عبد العزيز بن جريج لين (التقريب ص٣٥٦)، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند ضعيف.
(٥) هذه الأثار أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وهذا القول هو الراجح كما سيأتي دليله من
الأحاديث الصحيحة.
(٦) أخرجه الطبري وابن الضريس (فضائل القرآن ١٥١) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهو
سند صحیح لكنه مرسل ویشهد له سابقه ولا حقه.
(٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ اَلْعَظِيمَ (٨)﴾ [الحجر] (ح٤٧٠٣).
(٨) المصدر السابق (ح ٤٧٠٤).

٦٦٠
• سُورَةُ الحِجر (٨٩، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَِهَا مَثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣] فهو مثاني من وجه ومتشابه
من وجه، وهو القرآن العظيم أيضاً، كما أنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي
أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء
لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.
وقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن
العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية، ومن لههنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث
الصحيح(١): ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))(٢) إلى أنه يستغني به عما عداه، وهو تفسير صحيح
ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن
قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ◌َ ◌ّم قال: أضاف النبي ◌َّ﴾ ضيفاً ولم يكن عند النبي ◌َّ شيء
يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: ((يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقاً إلى هلال رجب))
قال: لا، إلا برهنٍ، فأتيت النبي ◌َ ◌ّ فأخبرته، فقال: ((أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في
الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأؤدين إليه)) فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية ﴿ وَلَا تَمُدَنَ عَيْنَّكَ
إِلَى مَا مَثَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِْ اُلُّنْيَا ... ﴾ إلى آخر الآية [طه: ١٣١]، كأنه يعزيه عن الدنيا(٣).
قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه(٤).
وقال مجاهد: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّنْهُمْ﴾ هم الأغنياء(٥).
- ﴿وَقُلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
فَوَرَيْكَ لَتَخَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٨٩
كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِينَ
الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ
٩٠
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يأمر تعالى نبيه ﴿ أن يقول للناس: ﴿إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ البيِّن النذارة، نذير للناس من
عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله
عليهم من العذاب والانتقام.
وقوله: ﴿اٌلْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي: المتحالفين؛ أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم،
كقوله تعالى إخباراً عن قوم صالح أنهم ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبِيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية [النمل: ٤٩] أي:
نقتلهم ليلاً .
قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا(٦). ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِهِمٌّ لَا يَبَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُونَ﴾
(١) أخرجه الطبري معلقاً عن ابن عيينة.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظُه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ
أَجْهَرُواْ بِّ﴾ [الملك: ١٣] ح ٧٥٢٧).
(٣) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، وكذلك رواه ابن أبي حاتم معلقاً عن وكيع.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.
(٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.