Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سُورَةُوسف) (٦٣، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ ﴾﴾ أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهوداً لتعلم صدقنا فيما قلناه(١). وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيراً، وهذا لحرصه على رجوعهم، ﴿وَقَالَ لِفِنْيَنِهِ﴾ أي: غلمانه ﴿أَجْعَلُواْ بِضَعَنَهُمْ﴾ أي: التي قدموا بها ليمتاروا عوضاً عنها ﴿فِي رِعَالِهِمْ﴾ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها . قيل: خشي يوسف عليَّ أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها. وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضاً عن الطعام، وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجاً وتورعاً، لأنه يعلم ذلك منهم، والله أعلم. - ﴿فَمَّا رَجَعُوْ إِلَى أَبِهِمْ قَالُواْ يَأَبَنَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَاَنَا نَحَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَا أَمِتُكُمْ عَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ قَلَهُ خَيْرُّ حَفِظًاٌ وَهُوَ أَرْحَمُ لَحفِظُونَ (4) الرّحِمِینَ يقول الله تعالى عنهم: إنهم رجعوا إلى أبيهم ﴿قَالُواْ يَكَأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون بعد هذه المرة، إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين لا نكتل، فأرسله معنا نكتل، وإنا له لحافظون، قرأ بعضهم بالياء، أي (يكتل) هو، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ أي: لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا [يوسف] ولهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُرْ لَحَفِظُونَ قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَّا أَمِنِتُكُمْ عَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ أي: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني، وتحولون بيني وبينه؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظًا﴾ وقرأ بعضهم ﴿حفِظاً﴾ (٢) ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين. - ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمَّ قَالُواْ بَكَأَبَنَا مَا نَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَتَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيْرٌ ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَّ تُؤْتُونِ مَوْقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنُنَّى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَّاَ ءَاتَوَهُ مَوْقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم رُدَّت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَا نَبْغِىّ﴾ أي: ماذا نريد ﴿هَذِهِ، بِضَعَنُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾، [كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا، إن بضاعتنا رُدَّت إلينا](٣) وقد أوفى لنا الكيل (٤)، ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا، (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بنحوه من طريقين عن أسباط عن السدي، وهذا من الطريقان يقوي أحدهما الآخر. (٢) وهاتان قراءتان متواترتان. (٣) الزيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٥٢٢ سُوڕۆ (وسط) (٦٧، ٦٨) ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيْرٍ﴾ وذلك أن يوسفعلَل* كان يعطي كل رجل حمل بعير. وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى في بعض اللغات بعيراً (١)، كذا قال ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه؛ أي إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَمُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْنَنِى بِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه ﴿فَلَمَّاَ ءَاتَوَهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم، فقال: ﴿اَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾. قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بداً من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها، فبعثه معهم(٢) . - ﴿وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَحِدٍ وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَلَمَا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوُهُم ◌َا شَىِّءٍ إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُنَوَكِّلُونَ كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنْهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْتَهُ وَلَكِنَّ ٦٨ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يقول تعالى إخباراً عن يعقوب ظلّا، إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد إنه: خشي عليهم العين(٣)، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة، ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه. وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبَوَبِ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب(٤). وقوله: ﴿وَمَّآ أُغْنِى عَنْكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىٍَّ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه، فإن الله إذا أراد شيئاً لا يخالف ولا يمانع، ﴿إِنِ الْحُكُمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتٌ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوََّّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ الَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَلُهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم. ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ﴾ قال قتادة والثوري: لذو عمل بعلمه(٥). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بنحوه. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وذلك في تفسير الآية التالية رقم (٦٨)، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني: وهو متهم بسرقة الحديث. (٥) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الثوري = ٥٢٣ سُوڕۆ ۈوسف (٦٩، ٧٢) وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(١). ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّ أَنَاْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَبِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١)﴾ يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس؛ أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززاً مكرّماً معظماً. ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ اُلْسِّقَايَةَ فِ رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمِ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴿ قَالُوْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَّمَ بِهِه ◌ِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، ٧٠ زَعِیٌ لما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعاماً، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية، وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب - قاله ابن زيد - كان يشرب فيه(٢)، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد(٣). وقال شعبة، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: صواع الملك، قال: كان من فضة يشربون فيه، وكان مثل المكوك (٤)، وكان للعباس مثله في الجاهلية(٥)، فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى منادٍ بينهم ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي وقالوا: ﴿مَّاذَا تَّفْقِدُونَ ﴾ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أي: صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة(٦)، ﴿وَأَنَا بِهِ، زَعِيرٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة(٧). = أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق سفيان بن عيينة عن سعيد بن أبي عروبة كسابقه، ولم يذكر الثوري، ولا يضر فكلاهما ثقة. (١) ذكره الطبري بلفظه. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوي بما يليه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم، وقول عبد الرحمن بن زيد تقدم في الحاشية السابقة. (٤) المكوك: اسم للمكيال، يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد (النهاية ٣٥٠/٤). (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق شعبة به وصحح سنده الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٢٢٨/٤ _٢٩٩). (٦) الجعالة: هي التزام عوض معلوم على عمل معين بقطع النظر عن فاعله، وقد استدل الفقهاء بهذه الآية ﴿وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] في مشروعية الجعالة (ينظر: الفقه الميسر ص٢٦٣). (٧) الكفالة: هي التزام إحضار من عليه حق مالي لربه، إلى مجلس الحكم، وقد استدل الفقهاء بالآية السابقة على مشروعيتها (المصدر السابق ص٢٣٤). ٥٢٤ سُوَاُلُوسُفَ﴾ (٧٣، ٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن ﴿قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِ اُلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ فَبَدَأَ قَالُواْ جَّؤُهُ مَن وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ (٥) كُتُمْ كَذِبِينَ (49) بِأَوْعَنِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ أَسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيَّةٍ كَذَلِكَ كِذْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِىِ دِينِ اَلْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ قَن ◌َّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهم إخوة يوسف: ﴿َاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى اُلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ﴾ أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا ﴿مَّا جِثْنَا لِنُفْسِدَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ﴾ أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقال لهم الفتيان: ﴿فَمَا جَزَّؤُهُ,﴾ أي: السارق إن كان فيكم ﴿إِن كُنتُمْ كَذِبِينَ﴾ أي: أي شيء تكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه؟ ﴿قَالُواْ جَزَّؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَّؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّلِينَ (9)﴾ وهكذا كانت شريعة إبراهيم علا، أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف ظلّلها، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي فتشها قبله تورية، ﴿ثُمَّ اُسْتَخْرَجَهَا مِن ◌ِعَاءِ أَخِيْهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزاماً لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ اٌلْمَلِكِ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر. قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَن نَّشَاءُ﴾ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلٍّ عَلِيمٌ﴾ . قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله رقم (١)، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير، قال: كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله فوق كل ذي علم عليم، فقال ابن عباس: بئس ما قلت: الله العليم فوق كل عالم (٢)، وكذا روى سماك عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَفَوْقَ كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم(٣)، وهكذا قال عكرمة(٤). وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم، حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله: (وفوق كل عالم عليم)(٥). قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلٌ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا ◌ْ قَالَ أَنْتُمْ شَرِّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (®)﴾. وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ (١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن سماك به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق خالد الحذاء عن عكرمة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، لكن قتادة لم يسمع من ابن مسعود، فيكون الأثر ثابتاً عن قتادة سوى القراءة، وهي شاذة تفسيرية. ٥٢٥ سوڕۆُوسُف) (٧٣، ٧٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مِن قَبْلٌ﴾ يتنصَّلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف ظلَّلا. قال سعيد بن جبير [و](١) قتادة: كان يوسف ظلَّ قد سرق صنماً لجده أبي أمه فكسره(٢). وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت عندها منطقة(٣) إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلماً لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، وكان لها به وَلَه، فلم تحب أحداً حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات، تاقت إليه نفس يعقوب ظلّلاً، فأتاها فقال: يا أخية سلمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فوالله ما أنا بتاركته، ثم قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إليه، وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه، أو كما قالت، فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق ظلَّا، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ فالتمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لي لسلم، أصنع فيه ما شئت، فأتاه يعقوب، فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾(٤). وقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ﴾ يعني: الكلمة التي بعدها، وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم، وهذا من باب الإضمار قبل الذكر، وهو كثير، كقول الشاعر(٥): جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يُجزي سنمّار(٦) وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها . قال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ﴾ قال: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرِّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾(٧). (١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وفي الأصل: ((عن)). (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند فيه الفيض بن الفضل سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ١٤٠/٤)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٨٨/٦)، وضعفه البسوي وقال: لا يفرح بحديثه (المعرفة والتاريخ ٥٨/٣)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه. . (٣) المنطقة: كل ما يشد به الوسط كالنطاق. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن، (٥) هو سليط بن سعد كما في حاشية خزانة الأدب ٤٩٥/٢. (٦) هذا البيت ذكره ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك برقم ١٥٣، والشاهد فيه أنه قد اتصل بالفاعل المتقدم ضمير يعود إلى المفعول المتأخر للضرورة الشعرية، والأصل أن يقال: جزئ أبا الغيلان بنوه ... (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به. ٥٢٦ • سُورَةُ لُوسُفَ) (٧٨، ٨٢) ﴿ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبَّ شَيْئًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّا نَرَكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ إِنَّاً إِذَا تَظَلِمُونَ ٢٧٨ لما تعيَّن أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم، شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم في﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ: أَبَا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يعنون وهو يحبه حباً شديداً ويتسلى به عن ولده الذي فقده ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ,﴾ أي: بدله يكون عندك عوضاً عنه، ﴿إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: العادلين المنصفين القابلين للخير، ﴿قَالَ مَعَاذَ اَللَّهِ أَنْ تَأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ﴾ أي: كما قلتم واعترفتم ﴿إِنَّ إِذَا لَّظَالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئاً بسقيم. ] ﴿فَلَمَّا أُسْتَيَِّسُواْ مِنْهُ خَلَصُوْ نَيّاً قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطِّتُمْ فِ يُوسُفٌَ فَلَنْ أَبْرَعَ اٌلْأَرْضَ حَّى يَأْذَنَ لِىّ أَبِّ أَوْ يَخْكُمَ اَللَّهُ لِىّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ﴿ أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِكُمْ فَقُولُواْ يَتَبَنَا إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ خَفِظِينَ ﴿﴿ وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَرَ الَّتِىَ أَقْلْنَا فِيهَّا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ . يخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم بردِّه إليه، وعاهدوه على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿خَلَصُواْ﴾ أي: انفردوا عن الناس ﴿يَجِيّاً﴾ يتناجون فيما بينهم ﴿قَالَ كَبِيُهُمْ﴾ وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: ﴿أَلَمَّ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبََّكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْئِقًا مِّنَ اللَّهِ﴾ لتردَنَّه إليه فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن أفارق هذه البلدة ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِيّ أَبٍ﴾ في الرجوع إليه راضياً عني ﴿أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِّ﴾ قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخي ﴿وَهُوَ خَّرُ اَْكِمِينَ﴾، ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذراً لهم عنده، ويتنصلوا إليه ويبرؤا مما وقع بقولهم وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَفِظِينَ﴾ . قال قتادة وعكرمة: ما نعلم أن ابنك سرق(١). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يسرق له شيئاً، إنما سألنا ما جزاء السارق(٢)؟ ﴿وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا﴾ قيل: المراد مصر. قاله قتادة(٣)، وقيل غيرها(٤)، ﴿ وَالْعِيَرَ اٌلَِّيِّ أَقْلْنَا فِيهَا﴾ أي: التي رافقناها، عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا، ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته. (١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طریق یزید النحوي عنه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الفرج بن أصبغ عن عبد الرحمن بنحوه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد أنها حمير. ٥٢٧ سُورَةُ يُوسف (٨٣، ٨٦) ] ﴿قَالَ بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَنْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ اَلْعَلِيمُ الْحَكِيرُ قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴿ قَالَ إِنَّمَا ٨٤ أَشْكُواْ بَتِى وَحُزْنِىَ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾. قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرَاً فَصَبْرٌ جَمِيلُ﴾ قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى، اتهمهم فظن أنها كفعلتهم بيوسف، قال: ﴿بَلْ سَوَلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾(١)، وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتباً على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصحَّ قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَغْرَّا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ثم ترجَّى من الله أن يردّ عليه أولاده الثلاثة: يوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه، فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِ بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي: العليم بحالي، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وقضائه وقدره، ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَكَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: أعرض عن بنيه، وقال متذكراً حزن يوسف القديم الأول: ﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين. قال عبد الرزاق(٢): أنبأنا الثوري، عن سفيان العصفري، عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب لعلَّهُ: ﴿يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَتْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾(٣)، أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق، قاله قتادة وغيره(٤). وقال الضحاك: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كميد حزين(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، أن النبي وَ ل﴿ قال: ((إن داود عليّ قال: يا ربِّ إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني لهم رابعاً، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك))(٦). وهذا منكر وفيه نكارة، فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن علي بن زيد بن جدعان له، مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم، وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس دخّتُهُ حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما، والله أعلم، فإن الإسرائيليين ينقلون أن يعقوب (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بنحوه. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه ابن كثير سنداً ومتناً. ٥٢٨ سورةُوسُفَ) (٨٧، ٨٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في ردِّ ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف ... في حديث طويل لا يصح، والله أعلم. فعند ذلك رقَّ له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَوُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفارق تذكر يوسف ﴿حَّ تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: ضعيف القوة ﴿أَوْ تَكُنَ مِنَ اَلْهَلِكِينَ﴾ يقولون: إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْفِّ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَنِّى وَحُزْنِ﴾ أي همّي وما أنا فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده، ﴿وَأَعْلَمُ مِنََ اَللَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجو منه كل خير. وعن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ﴾ يعني رؤيا يوسف أنها صدق(١)، وأن الله لا بدّ أن يظهرها، وقال العوفي عنه في الآية: أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك [بن أبي غنية](٣)، عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك به قال: قال رسول الله وَلّ: ((كان ليعقوب النبي عليهلا أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك، وقوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل عليه فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل علّ *: الله أعلم بما تشكو)) (٤). وهذا حديث غريب فيه نكارة. ] ﴿يَبَنِىَ أَذْهَبُواْ فَحَسَسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيَسُواْ مِن رَّوْجِ الَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيَِّسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴿ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الْفُرُّ وَجِئْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَةٍ فَأَوْفِ (M لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ ٠ يقول تعالى مخبراً عن يعقوب لعلّ *: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين، والتحسس يكون في الخير، والتجسس يكون في الشر، ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. وقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر، ودخلوا على يوسف ﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام، ﴿وَجِثْنَا بِضَعَةٍ مُرْجَةٍ﴾ أي: ومعنا ثمن الطعام (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٢) هو الأثر السابق بلفظه. (٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: ((ابن أبي عنبة)). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤٨/٢، ٣٤٩)، ولكن الغرابة في آخره ترجح نقد الحافظ ابن كثير. ٥٢٩ سُورَةُ يُوسُفَ) (٨٧، ٨٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الذي نمتاره، وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد (١). وقال ابن عباس: الرديء لا ينفق مثل خلق الغِرارة والحبل والشيء(٢). وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان(٣)، وكذا قال قتادة والسدي(٤). وقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول(٥). وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء(٦). وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق(٧). وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر والصنوبر(٨)، وأصل الإخاء: الإزجاء لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي: لبيك على مِلحان ضيفٌ مُدَفَّعْ وأرملة تزجي مع الليل أرملا(٩) وقال أعشى بني ثعلبة : الواهب المائة الهِجان (١٠) وعبدها عوذاً تزجي خلفها أطفالها (١١) وقوله إخباراً عنهم: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود: فأوقر ركابنا وتصدّق علينا(١٢). وقال ابن جريج: وتصدّق علينا برد أخينا إلينا(١٣). وقال سعيد بن جبير والسدي: ﴿وَتَصَدَقْ عَلَيْنَاً﴾ يقولون: تصدّق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة، وتجوز فيها (١٤). وسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي ◌ٍَّ؟ فقال، ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفٍ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟ رواه ابن جرير عن الحارث، (١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحیح من طريق منصور عنه. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس. (٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أسباط عنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي حصين، وهو عثمان بن عاصم، عن سعيد بن جبير، والدراهم الفسول: المزيفة لا قيمة لها . (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق مروان بن عمرو عن أبي صالح. (٧) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن الضحاك. (٨) تقدم قبل الرواية السابقة. (٩) ديوان حاتم الطائي ص ٢٨٢، واستشهد به الطبري. (١٠) الهجان من الأبل: البيض الكرام. (١٢) هي قراءة شاذة تفسيرية. (١١) ديوان أعشى بني ثعلبة ص٢٩. (١٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف. (١٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً والطبري بنحوه بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع. ٥٣٠ • سُورَةُ يُوسُفَ (٨٩، ٩٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن القاسم عنه(١). وقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود، سمعت مجاهداً وسئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدّق عليَّ؟ قال: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب(٢). قَالُواْ أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌّ ٨٩٦ ] ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُ مَا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهٍ إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِّ قَدْ مَنَ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴿ قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ الْمُحْسِنِينَ اَلْيَوْمِّ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمّ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ (19) يقول تعالى مخبراً عن يوسف فعلا، أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال: إنه رفع التاج عن جبهته، وكان فيها شامة، وقال: ﴿قَالَ هَلْ عَلِّمْتُ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَِهِلُونَ ﴾﴾ يعني: كيف فرقوا بينه وبين أخيه ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ﴾ أي: إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، والظاهر - والله أعلم - أن يوسف لعلا إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك، والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾ [الشرح] فعند ذلك قالوا: ﴿أَمِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌ﴾؟ وقرأ أبي بن كعب (إنك لأنت يوسف)(٣)، وقرأ ابن محيصن (أنت يوسف)(٣)، والقراءة المشهورة هي الأولى، لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌٌ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ﴾ . وقوله: ﴿قَدْ مَنَ اللَّهُ عَلَيَّنَا﴾ أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِّ وَيَصْبِرْ قَالُواْ تَاَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَطِينَ﴾، ٩٠ فَإِنَ اَللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضاً، على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِ﴾ يقول: أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم، ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم، ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرََّحِمِينَ﴾. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف الإبهام شيخ سفيان بن عيينة. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور بسند حسن من طريق عثمان به (السنن، التفسير رقم ١١٤٣). (٣) وهي قراءة شاذة. ٥٣١ سُورَةُ بُوسُفَ (٩٣، ٩٥) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال السدي: اعتذروا إلى يوسف فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمٌ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم(١). وقال ابن إسحاق والثوري: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم(٢)، ﴿يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾. - ﴿أَذْهَبُواْ بِفَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِىِ يَأْتِ بَصِيرًا وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ٩٣ قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَلِكَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيْرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَّ لَوْلَا أَنْ تُفِيِّدُونِ اُلْقَدِيمِ (٩٥) يقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء، ﴿وَأَتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بجميع بني يعقوب، ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر ﴿قَالَ أَبُوُهُمْ﴾ يعني: يعقوب لعلّ لمن بقي عنده من بنيه ﴿إِنّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفٌَ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر. قال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: ولما فصلت العير، قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّ لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام(٣)، وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به(٤). وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخاً، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة (٥). وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير: تسفهون (٦). وقال مجاهد - أيضاً - والحسن: تهرمون(٧) . وقولهم: ﴿إِنَّكَ لَفِى ضَلِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال ابن عباس: لفي خطئك القديم(٨). وقال قتادة: أي من حبٍّ يوسف لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي. (٢) قول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه بلفظه، وقول الثوري أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه بلفظ: ((لا تعيير عليكم اليوم)». (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري عن أبي سنان، وسنده صحيح. (٥) قول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عنه مقتصراً على الشق الأول، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عنه بلفظ: ((وكان قد فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة)). (٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه . (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ٥٣٢ سُودَةُ لُوسُفَ) (٩٦، ٩٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله وَقَ(١)، وكذا قال السدي وغيره(٢). 2] ﴿فَلَمَّ أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَنْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَرْتَدَ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنَّ أَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قَالُواْ يَأَنَا أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآَ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ ﴾ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ قال ابن عباس والضحاك: ﴿اَلْبَشِيرُ﴾ البريد(٣). وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب (٤)، قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب(٥). فأراد أن يغسل ذلك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيراً، وقال لبنيه عند ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِّ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم أن الله سيرده إلى، وقلت لكم: ﴿إِ لَأَجِدُ رِبعَ يُوسُفَّ لَوْلَا أَنْ تُفَيِّدُونِ﴾ فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: ﴿يَأَبَنَا أُسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾ أي: من تاب إليه تاب عليه. قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر (٦). وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس: سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال: [كان عمّ](٧) يأتي المسجد فيسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا السحر فاغفر لي. قال: فاستمع الصوت، فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب أخَّر بنيه إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَقِّ﴾(٨). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه. (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر. (٥) تخريجه كسابقه. (٦) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف كما في التقريب، وقول إبراهيم وعمرو أخرجه الطبري بسند فيه سفيان وكيع وفيه مقال، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود وهو ضعيف. (٧) في النسخ الخطية: ((كان عمر ظُبه)). والمثبت هو الصواب كما في طبعات تفسير الطبري والمعجم الكبير وتفسير ابن أبي حاتم، وسعيد بن منصور، ووقع هذا الخطأ في طبعات تفسير ابن كثير إلا طبعة مصطفى السيد محمد ومحمد السيد، رشاد ومن معهم فقد ذكروه على الصواب دون تعليق وتوضيح واكتفوا وضع العبارة بين معقوفين. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق كما تقدم في الأثر السابق، وأخرجه سعيد بن منصور (السنن التفسير ح١١٤٤)، والطبراني (في المعجم الكبير ١٠٨/٩ ح٨٥٤٨)، وتفسير ابن أبي حاتم كلهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به. ٥٣٣ • سُورَةُ لُوسُفَ (٩٩، ١٠٠) وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة، كما قال ابن جرير أيضاً: حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله وَاءِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه(١). وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه نظر، والله أعلم. ] ﴿فَلَمَا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ () وَرَفَعَ د أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُهْيَتَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيِّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْرِ مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَتَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ( يخبر تعالى عن ورود يعقوبلفعلِّلا على يوسف عظَّل، وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين ديار مصر، فلما أخبر يوسف معل باقترابهم، خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب فعلا، ويقال: إن الملك خرج أيضاً لتلقيه، وهو الأشبه، وقد أشكل قوله: ﴿ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أُدْخُلُواْ مِصْرَ﴾ على كثير من المفسرين، فقال بعضهم: هذا من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام ﴿وَقَالَ أُدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش، وردَّ ابن جرير هذا، وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال: ﴿أَدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللّهُ عَامِنِينَ﴾(٢). وفي هذا نظر أيضاً، لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: ﴿َاوَى إِلَيْهِ أَخَاءٌ﴾ وفي الحديث: ((من آوى محدثاً))(٣)، وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر، وضمنه اسكنوا مصر - إن شاء الله - آمنين؛ أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط، ويقال - والله أعلم - إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله وسلم على أهل مكة حين قال: ((اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف)) ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه، وأرسلوا أبا سفيان في ذلك، (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو حديث موضوع فقد أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب في دعاء الحفظ ح ٣٥٧٠)، والحاكم (المستدرك ٣١٦/١، ٣١٧) كلاهما من طريق سليمان بن عبد الرحمن مطولاً وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعاً، وقد حيّرني والله جودة سنده ١٠ هـ. وقد جزم أنه موضوع في سير أعلام النبلاء ٢١٨/٩ فقال: هذا عندي موضوع والسلام. (٢) ذكره الطبري بنحوه وقول السدي أخرجه معلقاً. (٣) أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب ظه (الصحيح، الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ح١٩٧٨). ٥٣٤ • سُورَةُ مُوسُفَ (٩٩، ١٠٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليّا(١). وقوله: ﴿ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته(٢)، وكانت أُمه قد ماتت قديماً(٣). وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان (٤)، قال ابن جرير: ولم يقم دليل على موت أُمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها، وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق. وقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني السرير(٥)، أي أجلسهما معه على سريره، ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون. وكانوا أحد عشر رجلاً، ﴿وَقَالَ يَتَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه من قبل، ﴿إِنّ رَأَيْثُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبً﴾ الآية [يوسف: ٤]، وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزاً من لدن آدم إل شريعة عيسى ظلّلا، فحُرِّم هذا في هذه الملَّة، وجعل السجود مختصاً بجناب الرب إله، هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذاً قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله وكله فقال: ((ما هذا يا معاذ؟)) فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله، فقال: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها))(٦). وفي حديث آخر: أن سلمان لقي النبي ◌َّ في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي وَّ فقال: ((لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت))(٧). والغرض أن هذا كان جائزاً في شريعتهم، ولهذا خروا له سجداً، فعندها قال يوسف: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا﴾ أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر. وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا﴾ أي: صحيحة صدقاً يذكر نعم الله عليه، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية. (١) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود (صحيح البخاري، التفسير، سورة الروم ح٤٧٧٤، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب الدخان ح٢٧٩٨). (٢) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي. (٣) قول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه. (٤) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق بلفظ: ((أباه وأُمُّه)). (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بقول مجاهد إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٦) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفي (السنن، النكاح، باب حق الزوج على المرأة ح ١٨٥٣) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ١٥٠٣). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند مرسل من طريق شهر بن حوشب عن سلمان (التفسير، سورة الفرقان آية ٥٨). ٥٣٥ • سُورَةُ يُوسُفَ (٩٩، ١٠٠) قال ابن جريج وغيره: كانوا أهل بادية وماشية(١)، وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام، قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج(٢) من ناحية شعب أسفل من حسمى(٣)، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل، ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِتَّ إِنَّ رَبِىِ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا أراد أمراً قيض له أسباباً وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح عباده، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده. قال أبو عثمان النهدي، عن سليمان: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة (٤). قال عبد الله بن شداد: وإليها ينتهي أقصى الرؤيا. رواه ابن جرير(٥). وقال أيضاً: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام عن الحسن قال: كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من يعقوب(٦). وقال هشيم، عن يونس، عن الحسن: ثلاث وثمانون سنة(٧)، وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة، فمات وله عشرون ومائة سنة (٨). وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة(٩). وقال محمد بن إسحاق: ذكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة، قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب ظلّلا بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة، ثم قبضه الله إليه (١٠). وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً (١١). وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون بين رجل وامرأة (١٢)، فالله أعلم. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف. (٢) الأولاج: قال ابن إسحاق في غزوة زيد بن حارثة: جُذام بنواحي حِسمي (معجم البلدان ١/ ٢٨٢) وحسمي كما يلي. (٣) حِسمي: وهو أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القرى ليلتان، وأهل تبوك يرون جبل حسمي في غربيّهم (معجم البلدان ٢٥٨/٢). (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي عثمان النهدي به. (٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً من طريق أبي سنان عن عبد الله بن شداد. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وعبد الوهاب الثقفي هو ابن عبد المجيد، وهشام هو ابن حسان الأزدي، ولا يضر ما قيل من أن روايته عن الحسن فيها مقال، لأنه كان يرسل عن الحسن (التقريب ص٥٧٢) لأنه قد توبع بواسطة مبارك بن فضالة كما سيأتي في الرواية التالية. (٧) أخرجه الطبري من طريق هشيم، وهو ابن بشير به، ويونس هو ابن عبيد، وسنده جيد. (٨) أخرجه الطبري من طريق مبارك به. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق قال: ذكر لي ... فذكره. (١١) أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق السبيعي به، وسنده ضعيف، لأن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود. (١٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. ٥٣٦ • سُورَةُ مُوسُفَ) (١٠١) وقال موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنساناً: صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف(١). رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلََّتَنِ مِن تَأْوِيلِ الْأََّادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَلِّ، فِي الدُّنْيَا وَالَخِرَةِ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِينَ هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه مت لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما منّ الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه ◌َت كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه، قاله الضحاك (٢)، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوانه من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف فعاليّلها، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﴿ّا أن رسول الله وَلي جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: ((اللَّهم في الرفيق الأعلى، اللَّهم في الرفيق الأعلى، اللَّهم في الرفيق الأعلى)) (٣)، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزاً كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام، ويقول الداعي: اللهم [أحينا](٤) مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، ويحتمل أنه سأل ذلك منجزاً، وكان ذلك سائغاً في ملتهم، كما قال قتادة قوله: ﴿تَوَقَّنِ مُسْلِمًا وَأَلَحِقْنِ بِالصَّالِحِينَ﴾ لما جمع الله شمله وأقرّ عينه، وهو يومئذٍ مغمور في الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله. وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف معل*، وكذا ذكر [ابن جريج](٥) والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك(٦)، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحاً أول من قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَیَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِى مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا . قال الإمام أحمد بن حنبل تثّثهُ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ لجر: ((لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرِّ نزل به فإن كان ولا بدّ متمنياً الموت، فليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة (١) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة به بنحوه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، بلفظ: على طاعتك، وأخرجه الطبري من الطريق السابق ولكن فيه إبهام شيخ الطبري بلفظ: توفني على طاعتك واغفر لي إذا توفيتني. (٣) صحيح البخاري، المغازي، باب مرض النبي ◌َّر ووفاته (ح ٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة پتا (ح٢٤٤٤). (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: ((أمتنا)). (٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: ((ابن جرير)). (٦) قول ابن جريج أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود وهو ضعيف، وقول السدي عن ابن عباس أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي به، والسدي لم يسمع من ابن عباس. ٥٣٧ • سُورَةُ يُوسُفَ) (١٠١) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 خيراً لي))(١) [ورواه البخاري ومسلم في الصحيحين، وعندهما: ((لا يتمنيَّن أحدكم الموت لضرِّ نزل به إما محسناً فيزداد، وإِما مسيئاً فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللَّهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إِذا كانت الوفاة خيراً لي))](٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله ﴿ فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مت، فقال النبي وَّ: ((يا سعد أعندي تتمنى الموت؟)) فردّد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: ((يا سعد إن كنت خلقت للجنة، فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو: سليم بن جبير، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر أنه قال: ((لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرِّ نزل به ولا يدعُ به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإِنه إِذا مات أحدكم انقطع عنه عمره، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً))(٤) تفرد به أحمد. وهذا فيما إذا كان الضر خاصاً به، وإما إِذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إِخباراً عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت مريم لما أجاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: ﴿يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] لما تعلم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة، لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت ووضعت، وقد قالوا: ﴿يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿ يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوءِ أَمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُكِ بَغِيًّا﴾ [مريم] فجعل الله لها من ذلك الحال فرجاً ومخرجاً، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة، ومعجزة باهرة - صلوات الله وسلامه عليه. وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه: ((وإِذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون)»(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة، أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد مرفوعاً، أن النبي و سلم قال: ((اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب))(٦). فعند (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠١/٣) وسنده صحيح. (٢) أخرجه البخاري ومسلم كلاهما من طريق إسماعيل بن إبراهيم به، (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة ح٦٣٥١، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت ... ح ٢٦٨٠). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٢٧/٣٦ ح٢٢٢٩٣)، وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً، وقال الهيثمي: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢٠٦/١٠). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٠) وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع إذ أخرجه مسلم من طريق معمر عن همام عن أبي هريرة بنحوه (صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به ح ٢٦٨٢). (٥) أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذ الله المسند (٣٤٣/٥)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة ص (ح٣٢٣٥) وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٨٢). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده جيد (المسند ٣٦/٣٩ ح ٢٣٦٢٥). ٥٣٨ سُورَةُ مُوسُفَ (١٠١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال علي بن أبي طالب رُبه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ولا يزداد الأمر إِلا شدة، فقال: اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني(١) .. وقال البخاري رَّتُهُ: لما وقعت له تلك المحن وجرى له مع أمير خراسان ما جرى، قال: اللهم توفني إليك. وفي الحديث: ((إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول: يا ليتني مكانك))(٢) لما يرى من الفتن. والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون. قال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بَني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا، استغفر لهم أبوهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم، وغفر لهم ذنوبهم. (ذكر من قال ذلك): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: إِن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله بعينيه خلا ولده نجياً، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم؟ وما لقي منكم الشيخ، وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قال: فيغرُّكم عفوهما عنكم، فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جانب أبيه قاعد، قالوا: يا أبانا إِنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط حتى حركوه، والأنبياء الله أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بَنيَّ؟ قالوا: ألست قد عملت ما كان منا إِليك وما كان منا إِلى أخينا يوسف؟ قال: بلى، قالوا: أولستما قد غفرتما لنا؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني عنا شيئاً، إِن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عنَّا، قرت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبداً. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، قال: فدعا وأمَّن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة. قال صالح المري: يخيفهم، قال: حتى إِذا كان على رأس العشرين نزل جبريل ظلَّل*، على يعقوب ظلَّلها، فقال: أن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة(٣). هذا الأثر موقوف عن أنس. ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جداً. وذكر السدي أن يعقوب لعلّها لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إِبراهيم وإسحاق، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام، فدفن عندهما الشهيرة (٤). (١) نسبة القول إلى علي بن أبي طالب ظُبه فيه نظر، فإن صبر علي ◌َّ ◌ُه فوق ذلك. (٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة به (صحيح البخاري، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يُغبط أهل القبور ح٧١١٥، وصحيح مسلم، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل)، الحديث الأول ص٢٢٣١، وذكرت رقم الصحيفة لأن رقم الحديث فيه خطأ. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير لضعف الرقاشي والمري. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بنحوه بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أسباط عن السدي. ٥٣٩ سُورَةُ مُوسُفَ (١٠٢، ١٠٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَمَآ . ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَقْرَهُمْ وَهُمْ يَمََّكُونَ وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ يقول تعالى لعبده ورسوله محمد وَ ل﴿ لما قصَّ عليه نبأ إِخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ ونعلمك به لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ حاضراً عندهم ولا مشاهداً لهم ﴿إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ﴾ أي: على إِلقائه في الجب ﴿وَهُمْ يَّكُونَ﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحياً إِليك وإِنزالاً عليك، كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌّ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص]، إلى قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبٍ الْقُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥]، وقال: ﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِمٍ بِلْمَلاَ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ ﴿ إِن يُوحَى إِلَىَّ إِلَّ أَنَّمَّ أَنَاْ نَذِيرٌ مُِّينٌ [ص] يقول تعالى: إِنه رسوله وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق، مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، ولهذا قال: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقال: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦] إِلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إِلى الخير والرشد من أجر؛ أي: من جعالة ولا أجرة على ذلك، بل تفعله ابتغاء وجه الله ونصحاً لخلقه ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة. ﴾ ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴿ أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات. وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾﴾ قال ابن عباس: من إِيمانهم أنهم إِذا قيل لهم: من خلق السموات، ومن خلق الأرض، ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به(١). (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوى أحدهما الآخر عن ابن عباس. ٥٤٠ سُؤْدَةُ يُوسُفَ (١٠٥، ١٠٧) · وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(١). وهكذا في الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك(٢). وفي صحيح مسلم: أنهم كانوا إِذا قالوا: لبيك لا شريك لك، قال رسول الله وسلم: ((قد قد)) أي: حسب حسب، لا تزيدوا على هذا (٣). وقال الله تعالى: ﴿إِنّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت: يا رسول الله: أي: الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك))(٤). وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾﴾ قال: ذلك المنافق يعمل إِذا عمل رياء الناس، وهو مشرك بعمله ذلك(6). يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّ قَلِيلًا [النساء] وثمّ شِرك آخر خفي لا يُشعر به غالباً فاعله، كما روى حماد بن سلمة عن [عاصم الأحول، عن عزرة](٦) قال: دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيراً (٧) فقطعه - أو انتزعه - ثم قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ وفي الحديث ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر (٩). وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره: عن ابن مسعود ◌َظ ◌ُبه قال: قال رسول الله وَلاقه : ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))(١٠). (١) قول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس - وهو التفسير المنسوب إلى مجاهد - بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول عطاء، وهو ابن أبي رباح، أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١١٤٦)، والطبري كلاهما بسند حسن من طريق هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٢) لم أجده في صحيح البخاري ولكنه في صحيح مسلم كما يليه. (٣) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ها (الصحيح، الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها ح ١١٨٥/ ٢٢). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية (٢٢). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شعيب بن عبد الله أبي شعبة صاحب الطيالسة عن الحسن. (٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي النسخ الخطية والمطبوعة عاصم بن أبي النجود عن عروة، وما أثبت هو الصواب لأن عزرة، وهو ابن عبد الرحمن الكوفي، يروي عنه عاصم الأحول وليس عاصم بن أبي النجود (ينظر: تهذيب التهذيب ١٩٣/٧، وكذا تهذيب الكمال، ترجمة عزرة). (٧) السير: ما قطع من الجلد طولاً، وجمعه: أسيار وسيور (لسان العرب ٤/ ٣٩٠). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن محمد عن حماد بن سلمة به. وسنده صحيح. (٩) سنن الترمذي، النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (ح ١٥٣٥)، وسنن أبي داود، الأيمان، باب في كراهية الحلف بالآباء (ح٣٢٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٨٧). (١٠) المسند ٣٨١/١، وسنن أبي داود، الطب، باب في تعليق التمائم (ح ٣٨٨٣) وصححه الألباني في صححيح سنن أبي داود (ح٣٢٨٨).