Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سُورَاهُوَّدٍ (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله، فقرأها عليه(١).
وعن ابن عباس أنه عمرو بن غزية الأنصاري التمار(٢).
وقال مقاتل: هو [أبو نفيل عامر](٣) بن قيس الأنصاري(٤).
وذكر الخطيب البغدادي أنه أبو اليسر كعب بن عمرو (٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وعفان قالا: حدثنا حماد - يعني: ابن سلمة -، عن علي بن
زيد، قال عفان: أنبأنا علي بن يزيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن رجلاً أتى عمر
فقال: إن امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدولج (٦) فأصبت منها ما دون الجماع، فقال ويحك لعلها
مغيبة (٧) في سبيل الله؟ قال: أجل؛ قال: فأتِ أبا بكر فسله. قال: فآتاه فسأله فقال: لعلها مغيبة
في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر ثم أتى النبي وي ليه فقال له مثل ذلك قال: ((فلعلها مغيبة في
سبيل الله)) ونزل القرآن ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِّ ... ﴾
إِلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله لي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب - يعني: عمر - صدره بيده
وقال: لا ولا نعمة عين بل للناس عامة، فقال رسول الله وَلفيه: ((صدق عمر))(٨).
وروى الإمام أبو جعفر بن جرير من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن
موسى بن طلحة، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري(٩) قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم
تمراً. فقلت: إِن في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إِليها، فقبلتها فأتيت عمر فسألته
فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً. فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته فقال:
اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً. قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي وَّر فأخبرته فقال:
((أخلفت رجلاً غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا)) حتى ظننت أني من أهل النار حتى تمنيت
أني أسلمت ساعتئذٍ، فأطرق رسول الله وَ له ساعة، فنزل جبريل فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليَّ
رسول الله: ﴿وَقِمِ الصَلَوَةَ طَرَفَ النَّارِ وَزُلَفًا مِنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَِّينَ
﴾ فقال إِنسان: يا رسول الله له خاصة أم للناس عامة؟ قال: ((للناس عامة))(١٠).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل.
(٢) أخرجه الكلبي في تفسيره عن أبي صالح عن ابن عباس (ينظر الإصابة ١٠/٣)، وسنده ضعيف جداً لأن
الكلبي صرح أن كل ما سمعه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب (كما في ترجمته في تهذيب
التهذيب)، وقال الحافظ ابن حجر انفرد الكلبي بتسميته غزية بن عمر (الإصابة ١٠/٣).
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: ((ابن نفيل)).
(٤) سنده معضل لأن الراوي مقاتل وهو إما ابن سليمان أو ابن حيان وكلاهما تابع تابعي وكلاهما توفي سنة
١٥٠ هـ. وقد تبين أنه مقاتل بن سليمان أخرجه في تفسيره كما صرح الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٥٧/٨).
(٥) هذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٥٧/٨)، وأرى أن الصفح عن ذكر الصحابي أستر
وأحسن وخصوصاً أن الرواية بالتصريح لم تثبت كما سيأتي بعد الحديث التالي.
(٦) الدولج: الغرفة الصغيرة داخل البيت الكبير.
(٧) أي التي غاب عنها زوجها غازياً في سبيل الله تعالى.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٤/٤ ح٢٢٠٦)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن
جدعان، ولين يوسف بن مهران، وضعفه ابن عدي في الكامل (١٨٤٣/٥).
(٩) هو صحابي جليل بدري مات بالمدينة سنة خمس وخمسين (أسد الغابة ٢٥٤/٤).
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قيس بن الربيع وهو الأسدي وهو صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه =

٤٨٢
سُورَةُ هُوَّدٍ (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا يوسف بن
موسى، حدثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل
أنه كان قاعداً عند النبي وسط﴿ فجاء رجل فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا
تحل له فلم يدع شيئاً الرجل يصيبه من امرأته إِلا قد أصاب منها غير أنه لم يجامعها؟ فقال له
النبي ◌َّ: ((توضأ وضوءاً حسناً ثم قم فصلّ)) فأنزل الله رَت هذه الآية، يعني قوله: ﴿وَأَقِ
اُلْضَلَوَةَ طَرَفِ النَّهَارِ﴾ فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: ((بل للمسلمين
عامة))(١). ورواه ابن جرير من طرق عن عبد الملك بن عمير به(٢).
وقال عبد الرزاق: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أن رجلاً
من أصحاب النبي وبر ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله وَطار، فاستأذنه لحاجة فأذن له فذهب
يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي و 98 بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير
فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتى أتى النبي واله
فأخبره بما صنع فقال له: ((استغفر ربك وصلِّ أربع ركعات)) قال: وتلا عليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ
التَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ آَلَيْلِّ﴾ الآية(٣).
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أحمد بن سيبويه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني
عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن [الزبيدي، عن سليم] (٤) بن عامر أنه سمع أبا
أمامة يقول: إِن رجلاً أتى النبي ◌َّله فقال: يا رسول الله أقم فيَّ حدَّ الله - مرة أو اثنتين - فأعرض
عنه رسول الله وَله، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي وله من الصلاة قال: ((أين هذا الرجل
القائل: أقم فيَّ حدَّ الله؟)) قال: أنا ذا. قال: أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟ قال: نعم.
قال: ((فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد)) وأنزل الله على رسول الله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
طَرَفَ التَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ ﴾﴾(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا علي بن زيد، عن أبي عثمان
ما ليس من حديثه فحدث به (التقريب ص ٤٥٧) وقد تابعه شريك، وهو ابن عبد الله النخعي القاضي، وهو
=
يخطئ أيضاً وأخشى ذكر أبي اليسر من أخطائه، فقد أخرجه النسائي من طريق شريك عن عثمان بن موهب
به (السنن الكبرى، التفسير ح١١٢٨٦).
وأخرجه الترمذي من طريق قيس بن الربيع به وقال: وهذا حديث حسن صحيح. وقيس بن الربيع ضعفه
وكيع وغيره. (السنن، التفسير، باب ومن سورة هود ٣١١٥)، وحسنه الألباني (في صحيح سنن الترمذي
ح٢٤٨٩).
(١) أخرجه الدارقطني (السنن، الطهارة، باب صفة ما ينقض الوضوء ١٣٤/١)، وسنده ضعيف لأن
عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ.
(٢) أخرجه الطبري من عدة طرق وكلها فيها العلة السابقة بالانقطاع.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ومحمد بن مسلم هو الطائفي وهو صدوق يخطئ من حفظه
(التقريب ص٥٠٦)، وقوله: فصار ذكره مثل الهدبة، مخالف للروايات السابقة ومعرفة ذلك فيها غرابة.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحفت إلى: ((الترمذي عن سليمان)).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه الأستاذ محمود شاكر، وأخرجه مسلم من طريق شداد بن عبد الله عن أبي
أَمامة رَُّه بنحوه (الصحيح، التوبة، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ح٢٧٦٥).

٤٨٣
سُورَة هُودٍ (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال كنت: مع سلمان الفارسي تحت شجرة فأخذ منها غصناً يابساً فهزه حتى تحات ورقه، ثم
قال: أبا عثمان ألا تسألني لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: هكذا فعل رسول الله وله
فقال: ((إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما
يتحات هذا الورق)). وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَتْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴾(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي
شبيب، عن معاذ أن رسول الله وَلقر قال له: ((يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس
بخلق حسن))(٢)
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عن
أبي ذرِّ أن رسول الله وَّ قال: ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس
بخلق حسن))(٣). وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن
أشياخه، عن أبي ذرِّ قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: ((إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة
تمحها)) قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: ((هي أفضل الحسنات)(٤).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا هذيل بن إبراهيم الجماني، حدثنا عمثان بن
عبد الرحمن الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وهي: ((ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طمست ما في الصحيفة
من السيئات حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات)) (٥) .
عثمان بن عبد الرحمن يقال له: الوقاصي، فيه ضعف.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخرم قالا : حدثنا الضحاك بن
مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله ما تركت من
حاجة ولا داجَّة(٦). فقال رسول الله وهي: ((تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟)) قال: بلى.
قال: ((فإن هذا يأتي على ذلك))(٧) تفرد به من هذا الوجه مستور.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١١/٣٩ ح ٢٣٧٠٧) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن
جدعان، وقد حسنه لغيره محققوه بالشواهد، وكذا حسنه الألباني في صحيح الترغيب (ح٣٥٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٣/٣٦ ح٢١٩٨٨) وحسنه محققوه بالمتابعات والشواهد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٤/٣٥ ح٢١٣٥٤)، وقال محققوه: حسن لغيره.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٦/٣٥ ح ٢١٤٨٧) وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد
ضعيف لجهاله أشياخ شمر بن عطية. وحسنه الألباني فقال: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات غير أشياخ شمر
فلم يُسموا لكنهم جمع ينجبر الضعف بعددهم (السلسلة الصحيحة ح ١٣٧٣).
(٥) أخرجه أبو يعلى في (المسند ٢٠٤/٦ ح٣٦١١) وسنده ضعيف جداً قال الهيثمي فيه: عثمان بن عبد الرحمن
الزهري: وهو متروك (مجمع الزوائد ٨٢/١٠)، وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى ضعفه.
(٦) الداجَّة: الحاجة الكبيرة (النهاية ١٠١/٢).
(٧) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٣٠٦٧)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٨٣/١٠)
ولكن في متنه غرابة وتفرد مستور.

٤٨٤
سُورَةُ هُودٍ (١١٦، ١١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بِقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِ اْأَرْضِ إِلَّا قَلِلًا مِّمَّنْ
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى
أَنْجَيْنَا مِنْهُمُّ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أَثْرِفُواْ فِيهِ وَكَنُواْ مُجْرِمِنَ
يِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من
الشرور والمنكرات والفساد في الأرض.
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً، وهم الذين
أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها
من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®)﴾ [آل عمران].
وفي الحديث: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب))(١). ولهذا
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إلَّا قَلِلًا مِّمَّنْ
أَنْجَيْنَا مِنْهُذُّ﴾. وقوله: ﴿وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أَتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: استمروا على ما هم عليه من
المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ ثم
أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى
يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَتْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقال:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
22 ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَجِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبِّكْ وَلِذَلِكَ
خَلَقَهُمُّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر، كما قال تعالى:
﴿وَلَوَّ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً﴾ [يونس: ٩٩].
وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: ولا يزال الخلف بين الناس في
أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم.
وقال عكرمة: مختلفين في الهدى(٢).
وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر(٣) بعضهم بعضاً (٤). والمشهور الصحيح
الأول.
وقوله: ﴿إِلَّا مَن رَِّمَ رَبُّكَّ﴾ أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به
من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي الأمي وخاتم الرسل
(١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة المائدة آية ١٠٥.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني.
(٣) في الأصل بدون نقط وبدون حرف السين، والمثبت من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معتمر، وهو ابن سليمان، عن أبيه عن الحسن.

٤٨٥
• سُورَةُ هُوَّدٍ (١١٨، ١١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء
في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً: ((إن اليهود افترقت على
إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على
ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة))، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا
عليه وأصحابي)). رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة(١).
وقال عطاء: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخَْلِفِينَ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَّ﴾
يعني الحنيفية(٢).
وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل
فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم(٣) .
وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم(٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾(٥)
[هود: ١٠٥].
وقيل: للرحمة خلقهم(٦). قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن
طاوس: أن رجلين اختصما إليه فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما. فقال أحد الرجلين:
لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (٤) إِلَّا مَن رَّحِمَ
رَبِّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة(٧) والرحمة. كما قال
الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب(٨)، وكذا قال
مجاهد والضحاك وقتادة(٩)، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِْنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
@﴾ [الذاريات].
لِيَعْبُدُونِ
وقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في
قوله: ﴿وَلَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (٣٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَّ وَإِذَلِكَ خَلَقَهُمُّ﴾ قال: الناس مختلفون على أديان
شتى ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ فمن رحم ربك غير مختلف فقيل له: لذلك خلقهم؟ قال: خلق هؤلاء
(١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ٩٣.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء الخراساني، وطلحة متروك
كما في التقريب.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن عبيد عن الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند
حسن من طريق مبارك عن الحسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وسنده ضعيف لضعف حفص.
(٩) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند فيه رجل مبهم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.

٤٨٦
• سُورَةُ هُودٍ (١٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لجنته وخلق هؤلاء لناره وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه(١). وكذا قال عطاء بن أبي
رباح والأعمش(٢).
وقال ابن وهب: سألت مالكاً عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: فريق في الجنة وفريق في السعير(٣).
وقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيدة والفراء.
وعن مالك فيما روينا عنه من التفسير ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: للرحمة، وقال قوم:
للاختلاف (٤).
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَيِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى أنه قد سبق
في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة ومنهم من
يستحق النار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنم من هذين الثَّقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة
والحكمة التامة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((اختصمت الجنة والنار، فقالت
الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم(٥)؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين
والمتجبرين. فقال الله بك للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي
أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله
لها خلقاً يسكن فضل الجنة وأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع عليها رب العزة
قدمه فتقول: قط قط وعزتك))(٦).
﴿وَكُلُّا نَّقُصُّ عَلَكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكْ وَجَءَ فِى هَذِهِ آلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ
.
يقول تعالى: وكل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف
جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله
حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين.
كل هذا مما ﴿نُثَبِتُ بِهِ، فُؤَادَكْ﴾ أي: قلبك يا محمد ليكون لك بمن مضى من إخوانك من
المرسلين أسوة.
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عبد الرحمن عن الحسن مقطعاً.
(٢) قول عطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عنه، وطلحة متروك كما في
التقريب، وقول الأعمش أخرجه الطبري من طريق سفيان عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أشهب عن مالك.
(٤) تقدم تخريج هذين القولين عن بعض التابعين في الروايات السابقة.
(٥) جمع ساقط وهو نازل المكانة الذي لا يؤبه به.
(٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] (ح٤٨٤٩)، وصحيح مسلم، صفة الجنة،
باب ((النار يدخلها الجبارون ... )) (ح٢٨٤٦).

٤٨٧
سوداُ هُودٍ (١٢١، ١٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَجَآءَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من
السلف(١).
وعن الحسن في رواية عنه وقتادة: في هذه الدنيا(٢).
والصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف أنجاهم الله والمؤمنين بهم
وأهلك الكافرين؛ جاءك فيها قصص حق، ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى
یتذکر بها المؤمنون.
وَأَنْتَظِرُوَاْ إِنَّا مُنْتَظِرُونَ
﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ
يقول تعالى آمراً رسوله أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد:
﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم ومنهجكم ﴿إِنَّا عَمِلُونَ﴾ أي: على طريقتنا ومنهجنا
﴿وَأَنْتَظِرُوَاْ إِنَّا مُنَظِرُونَ (٣)﴾ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
اُلَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقد أنجز الله لرسوله وعده ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا
وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْءٍ وَمَا رَبُّكَ بِفَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ
يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض وأنه إليه المرجع والمآب، سيوفِّي كل عامل
عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه. فإنه كافٍ من توكل عليه
وأناب إليه.
وقوله: ﴿وَمَا رَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد، بل هو
عليم بأحوالهم وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في
الدارین.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي
عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود(٣).
آخر تفسير سورة هود ظلّلا، ولله الحمد.
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) قول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري
وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو: سفيان فيه مقال، وقد توبع إذ أخرجه ابن الضريس
من طريق مسلم بن إبراهيم عن همام عن أبي عمران به (السنن، فضائل القرآن، باب فضائل الأنعام والسور
ح ٣٤٠٢).

٤٨٨
• سُورَةُ مُوسُفَ) (١، ٣)
00000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
00000
سُؤْرَةُ بُوسُفَ عَلَاءُ
وهي مكية
.00000
روى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم، ويقال: سليم المدائني - وهو متروك - عن
هارون بن كثير - وقد نص على جهالته أبو حاتم - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة،
عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَّر: ((علموا أرقَّاكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها
أو علمها أهله أو ما ملكت يمينه، هوَّن الله عليه سكرات الموت وأعطاه من القوة أن لا يحسد
مسلماً))(١)، وهذا من هذا الوجه لا يصح لضعف إسناده بالكلية، وقد ساقه الحافظ ابن عساكر
متابعاً من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير به(٢)، ومن طريق شبابة عن محمد بن
عبد الواحد النضري، عن علي بن زيد بن جدعان، وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن
حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي ◌ٍَّ ... فذكر نحوه(٣)، وهو منكر من سائر طرقه.
وروى البيهقي في الدلائل أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله وس * يتلو هذه السورة
أسلموا لموافقتها ما عندهم، وهو من رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس (٤).
بسم الله الرحمن الحكيم
﴿ إِنَّ أَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ نَحْنُ نَقُصُ
- ﴿ الَّرَّ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُبِينِ
عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾﴾.
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة. وقوله: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ﴾
أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين؛ أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء
المبهمة، ويفسرها ويبينها .
﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ قَُّانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها
وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات،
على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله
(١) أخرجه الثعلبي من طريق سلام بن سلم به (الكشف والبيان) وسنده ضعيف جداً لأن سلام بن سلم متروك،
وهارون مجهول، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير، وضعف سنده بالكلية.
(٢) وسنده ضعيف لجهالة هارون.
(٣) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وضعفه الحافظ ابن كثير من سائر طرقه.
(٤) أخرجه البيهقي من طريق الكلبي به مطولاً (دلائل النبوة ٦٧٦/٦) وسنده ضعيف جداً لأن الكلبي صرح بأن
كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب ، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.

٤٨٩
• سُورَةُ مُوسُفَ) (٣،١)
في أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ
أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.
وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير: حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي،
حدثنا حكّام الرازي، عن أيوب، عن عمرو هو ابن قيس الملائي، عن ابن عباس قال: قالوا: يا
رسول الله وَ﴿ لو قصصت علينا؟ فنزلت: ﴿نَحْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ﴾، ورواه من وجه آخر
عن عمرو بن قيس مرسلاً(١).
وقال أيضاً: حدثنا محمد بن سعيد العطار، حدثنا عمرو بن محمد، أنبأنا خالد الصفار، عن
عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أنزل على النبي ◌َّل
القرآن. قال: فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا؟ فأنزل الله ريات: ﴿الّر
تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ثم تلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا
رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله رَت: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ... ﴾ الآية [الزمر: ٢٣] وذكر
الحديث، ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه عن عمرو بن محمد القرشي المنقري به(٢).
وروى ابن جرير بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: ملَّ أصحاب رسول الله وَ له
ملَّة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] ثم ملوا ملة
أخرى، فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث، ودون القرآن يعنون القصص، فأنزل الله ربك:
إِنَّا أَنَزَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
﴿الَّرِ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ اَلْمُبِينِ
اٌلْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا الحديث، فدلَّهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلَّهم على
أحسن القصص(٣).
ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كافٍ عن كل ما
سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد: حدثنا سُريج بن النعمان، أنبأنا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن
الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي و له بكتاب أصابه من بعض أهل
الكتاب، فقرأه على النبي وَ لّ. قال: فغضب، وقال: ((أمتهوّكون(٤) فيها يا ابن الخطاب؟ والذي
نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل
فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني))(٥).
(١) أخرجه الطبري بطريقيه وكلاهما ضعيف، فالأول فيه أيوب وهو ابن سيار الزهري وهو ضعيف (لسان
الميزان ٤٨٢/١)، والطريق الثاني ضعيف لأنه مرسل، وكلا الطريقين لهما شاهد كما يلي.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وكذا ابن أبي حاتم سنداً ومتناً مختصراً، وأخرجه إسحاق بن راهويه عن
عمرو بن محمد به، وحسنه الحافظ ابن حجر (إتحاف الخيرة ٢٣٨/١ ح ١٦٢)، وأخرجه الحاكم من طريق
إسحاق بن راهويه به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٤٥/٢)، ومن الطريق نفسه أخرجه الضياء
المقدسي (المختارة ٢٦٥/٣ ح١٠٦٩) وحسنه محققه.
(٣) أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن أبيه عن المسعودي به، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان،
ولأن عون أرسله، وعون هو ابن عبد الله بن عتبة، ويشهد لبعضه سابقه.
(٤) التهوك: الوقوع في الأمر من غير روية.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٤٩/٢٣ ح ١٥١٥٦)، وضعف سنده محققوه لضعف مجالد وهو =

٤٩٠
• سُورَةُ بُوسُفَ) (١، ٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن
ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله وَ﴿ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة،
فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّر وجه رسول الله وَ له، قال
عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله وَّله؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً
وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً. قال: فسري عن النبي بَّر وقال: ((والذي نفس محمد بيده،
لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من
النبیین))(١).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا علي بن
مسعر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالساً
عند عمر إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس(٢)، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان
العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة(٣) معه، قال: فقال
الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس فجلس، فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ * الَّرِّ ◌ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿ نَحْنُ نَقُّ عَلَيْكَ
أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ اُلْفَفِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثاً، وضربه ثلاثاً، فقال له الرجل: ما
لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟(٤) قال: مرني بأمرك أتبعه، قال:
انطلق فامحه بالحميم(٥) والصوف الأبيض ثم لا تقرأه ولا تُقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني
عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنّك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه،
فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله وَلا ت:
((ما هذا في يدك يا عمر؟)) قال: قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا،
فغضب رسول الله وَر حتى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب
نبيكم الله ◌َّير؟ السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله وَله فقال: ((يا أيها الناس
إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصاراً، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا
تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوكون)) قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبك
رسولاً، ثم نزل رسول الله وَ ﴾(٦). وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصراً من حديث
= ابن سعيد، ونقل الحافظ ابن حجر عن البخاري أنه لم يصح (الإصابة ٣٠/٤).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ولفظه (المسند ٣٠/ ٢٨٠ ح١٨٣٣٥)، وضعف سنده محققوه لضعف جابر وهو
ابن يزيد الجعفي.
(٢) السوس: بلدة من كور الأهواز (معجم ما استعجم ٧٦٧/٢).
(٣) القناة: العصا المستوية (لسان العرب ٢٠٣/١٥).
(٤) دانيال قيل: هو أحد أنبياء بني إسرائيل ممن وقع في أسر بختنصر فأتى به مدينة بابل، في العراق، ثم توفي
ودفن في مدينة السوس (ينظر: فتوح البلدان ص٥٣٣، وتاريخ الطبري ١٨٧/٣، والفتاوى ١٥٤/١٥).
(٥) أي: الماء الحار (لسان العرب ١٥٣/١٢).
(٦) قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة (مجمع الزوائد
١/ ١٨٢).

٤٩١
سُورَةُ بُوسُفَ (٤)
عبد الرحمن بن إسحاق به(١)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو
أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخه. قال البخاري: لا يصح حديثه.
قلت: وقد روي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي:
أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء
الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم الأشعري عن الزبيدي، حدثنا
سليم بن عامر، أن جبير بن نفير حدثهم أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر ظُه، فأرسل
إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود ملء صفنة(٢) فأخذاها معهما
يستفتيان فيها أمير المؤمنين يقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها
رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاماً تقشعر منه
جلودنا، أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئاً؟ فقالا: لا، قال سأحدثكما:
انطلقت في حياة النبي وَله حتى أتيت خيبر، فوجدت يهودياً يقول قولاً أعجبني، فقلت: هل أنت
مكتبي مما تقول؟ قال: نعم فأتيت بأديم، فأخذ يُملي عليَّ حتى كتبت في الأكرع(٣)، فلما
رجعت قلت: يا نبي الله .. وأخبرته. قال: ((ائتني به)) فانطلقت أرغب عن الشيء رجاء أن أكون
جئت رسول الله ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: ((اجلس اقرأ علي)) فقرأت ساعة، ثم نظرت
إلى وجه رسول الله وَّة، فإذا هو يتلون، فتحيّرت من الفرق(٤)، فما استطعت أن أجيز منه حرفاً،
فلما رأى الذي بي رفعه ثم جعل يتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقه، وهو يقول: ((لا تتبعوا هؤلاء
فإنهم قد هوكوا وتهوكوا)) حتى محا آخره حرفاً حرفاً. قال عمر ظلبه: فلو علمت أنكما كتبتما
منه شيئاً جعلتكما نكالاً لهذه الأُمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئاً أبداً، فخرجا بصُفنيهما (٥)،
فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها (٦).
وهكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت الأنصاري عن
عمر بن الخطاب بنحوه(٧)، وروى أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة عن عمر نحوه(٨)،
والله أعلم.
- ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوَّكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ
يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف إذ قال لأبيه، وأبوه هو
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق به.
(٢) الصفنة: الوعاء.
(٣) الأكرع: جمع كُراع، وهو عظم الساق العاري اللحم.
(٤) الفرق: أي الخوف.
(٥) أي: وعاءهما الذي يحمل فيه الكتاب.
(٦) أخرجه أبو نعيم من طريق إسحاق بن إبراهيم به (الحلية ١٣٥/٥) وسنده ضعيف لأن إسحاق بن إبراهيم بن
العلاء: صدوق يهم كثيراً، وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص٩٩).
(٧) سبق تخريجه وتضعيفه قبل روايتين.
(٨) أخرجه أبو داود من طريق أيوب السختياني عن أبي قلابة به (المراسيل ح٤٥٥) وسنده ضعيف للانقطاع بين
أبي قلابة وعمر

٤٩٢
• سُورَةُ يُوسُفَ (٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لل*، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله وَالر قال: ((الكريم ابن
الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» (١). انفرد بإخراجه
البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد، عن عبد الصمد به(٢).
وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد، أنبأنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن
أبي هريرة قال: سئل رسول الله وَلجر: أي الناس أكرم؟ قال: ((أكرمهم عند الله أتقاهم)) قالوا:
ليس عن هذا نسألك. قال: ((فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله))
قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: ((فعن معادن العرب تسألوني؟)) قالوا: نعم. قال: ((فخياركم
في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا)). ثم قال: تابعه أبو أسامة عن عبيد الله(٣).
وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي(٤).
وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكباً عبارة عن إخوته، وكانوا أحد
عشر رجلاً سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه. روي هذا عن ابن عباس والضحاك
وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٥).
وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة(٦)، وذلك حين رفع أبويه على العرش
وهو سريره وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبٍِّ
حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكباً، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني
علي بن سعيد الكندي، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن
جابر](٧) قال: أتى النبي وَله رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني
عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له، ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي وَّ ساعة فلم
يجبه بشيء. ونزل عليه جبريل فظلّ فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله وَّل إليه فقال: ((هل
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٦/٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة يوسف باب ﴿وَيُنِؤُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَىْ ءَالِ يَعْقُوبَ ... ﴾ [يوسف:
٦] (ح ٤٦٨٨).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق، باب ﴿﴿ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ مَايَتٌ لِلِسَّآَمِلِينَ
@﴾ [يوسف] ح٤٦٨٩).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٦/٤).
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري معلقاً، ومعناه قوى، ويتقوى بالآثار التالية؛ فقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند لم يصرح باسم شيخه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة،
وقول الثوري أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن بشار عن أبي أحمد، وهو الزبيري عن الثوري، وقول
عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٦) سيأتي تخريج هذه الأقوال في تفسير الآية (١٠٠) من هذه السورة الكريمة.
(٧) زيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.

٤٩٣
سُورَةُ يُوسُفَ (٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنت مؤمن إذا أخبرتك بأسمائها؟)) فقال: نعم. قال: ((جريان، والطارق، والذيّال، وذو
الكتّفات، وقابس، ووثّاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضَّروح، وذو الفرغ، والضياء،
والنور))(١). فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
ورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا
الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في تفسيره،
أما أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله وَله: ((لما
رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد، - قال : -
والشمس أبوه والقمر أمّه))(٢). تفرّد به الحكم بن ظهير الفزاري وقد ضعفه الأئمة وتركه
الأكثرون، وقال الجوزجاني: ساقط وهو صاحب حديث حسن يوسف.
2] ﴿قَالَ يَبَنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًاً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّ مُِّينٌ
يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي
تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظيمهم إياه تعظيماً زائداً بحيث يخرون له ساجدين إجلالاً واحتراماً
وإكراماً، فخشي يعقوب عليّ أن يحدِّث بهذا المنام أحداً من إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون
له الغوائل حسداً منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا نَقْصُصْ رُهِ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًاً﴾ أي:
يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله وَ ل قال: ((إذا رأى أحدكم ما
يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ
بالله من شرها، ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره)) (٣).
وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة،
القشيري أنه قال: قال رسول الله وَل: ((الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت
وقعت)) (٤)، ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث:
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن الحكم بن ظهير: متروك متهم بالوضع (التقريب ١/
١٩١، والمجروحين ٢٥١/١) وفي سنده أيضاً عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر كما قرر الإمام
يحيى بن معين، ذكره ابن أبي حاتم (المراسيل ص١٢٨)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١٤٥/١،
وأخرجه الحاكم من طريق أسباط عن السدي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٩٦/٤) ولكن يبقى
الانقطاع بين عبد الرحمن بن سابط وجابر.
(٢) دلائل النبوة ٢٧٧/٦ ونسبه الهيثمي إلى البزار (مجمع الزوائد ٣٩/٧) ونسبه الحافظ ابن حجر إلى أبي
يعلى في مسنده (المطالب العالية ٣٤٤/٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كلهم من طريق الحكم بن
ظھیر به.
(٣) أخرجه الإمام مسلم بنحوه من حديث أبي قتادة مرفوعاً (الصحيح، كتاب الرؤيا ح ٤/٢٢٦١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي رزين العقيلي بنحوه (المسند ١١٦/٢٦ ح ١٦١٩٧) وقال محققوه: حسن
لغيره، وكذا أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب ما جاء في الرؤيا ح ٥٠٢٠)، وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح٤١٩٨)، وكذا أخرجه الترمذي (السنن، الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا
ح٢٢٧٩)، وابن ماجه (السنن، تعبير الرؤيا، باب الرؤيا إذا عبرت وقعت ح ٣٩١٤).

٤٩٤
• سُوَرَّةُ مُوسُفَ (٦، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
((استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود))(١).
﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُنِّمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىّ ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَا
أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ إِنْزَهِيَمَ وَإِمَقَّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾.
يقول تعالى مخبراً عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب
مع الشمس والقمر ساجدة لك ﴿وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يختارك ويصطفيك لنبوته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن
تَأْوِيلِ اٌلْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا (٢).
﴿وَيُنِؤُّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ أي: بإرسالك والإيحاء إليك، ولهذا قال: ﴿كَمَّ أَنَّهَا عَلَّ أَبَوَيِّكَ مِن قَبْلُ
إِنَّهِيَمَ﴾ وهو الخليل ﴿وَإِسْمَقَّ﴾ ولده وهو الذبيح في قول، وليس بالرجيح(٣) ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمُ
حَكِيمٌ﴾ أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته، [كما قال في الآية الأخرى](٤).
﴿﴿ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا
لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ.َايَتٌ لِلِسَّآيِلِينَ
مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَّنَا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ اقْتُلُوْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضَا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ وَتَكُونُواْ
مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ ﴾ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِظْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ
يقول تعالى: لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي عبرة ومواعظ للسائلين عن
ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا
مِنَا﴾ أي: حلفوا فيما يظنون والله ليوسف وأخوه، يعنون: بنيامين، وكان شقيقه لأمه ﴿أَحَبُّ إِلَى
أَبِّنَا مِنَّا وَتَحْنُ عُصْبَةُ﴾ أي: جماعة، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة؟ ﴿إِنَّ أَبَانًا لَفِى
ضَلٍ تُبِينٍ﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا .
واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك،
ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل،
ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِزَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط،
كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني
إسرائيل فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم
دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم.
(١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٨٣/٢٠)، وابن حبان (المجروحين ٣٢٢/١)، وأبو نعيم (الحلية ٦/
٩٦)، من حديث معاذ، وفي سنده سعيد بن سلام متهم بالوضع، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: حديث
منكر، لا يعرف له أصل، وآفته سعيد بن سلام العطار فهو كذاب (العلل ٢٥٨/٢ ح ٢٢٥٨)، وذكره ابن
الجوزي في الموضوعات ١٦٥/٢.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) لأن الراجح هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام. (٤) الزيادة من (حم) و(مح).

٤٩٥
سُورَةُ مُوسُفَ (١١، ١٢)
﴿أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اْرَجُوهُ أَرْضَا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِكُمْ﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم
لكم أعدموه من وجه أبيكم، ليخلوا لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي
تستريحوا منه، وتخلوا أنتم بأبيكم ﴿وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِينَ﴾ فأضمروا التوبة قبل الذنب.
﴿قَالَ قَآَيْلٌ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل(١).
وقال السدي: الذي قال ذلك: يهوذا(٢).
وقال مجاهد: هو: شمعون(٣).
﴿لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ أي: لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله،
لأن الله تعالى كان يريد منه أمراً لا بدّ من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين
له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم الله عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة
الجب، وهو أسفله.
قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس(٤). ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة من المسافرين
فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله ﴿إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ أي: إن كنتم عازمين على ما تقولون.
قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق
الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع(٥) الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة
والفضل، وخطره عند الله مع حق الوالد على ولده، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه
ورقة عظمه، مع مكانه من الله فيمن أحبه طفلاً صغيراً، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه
وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمراً
عظيماً. رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه(٦).
] ﴿قَالُواْ يَأَنَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَصِحُونَ ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ
وَإِنَّا لَهُمْ لَحَفِظُونَ
لما تواطأوا على أخذه وطرحه في البئر كما أشار به عليهم أخوهم الكبير روبيل، جاءوا أباهم
يعقوب فظلّ* فقالوا: ما بالك ﴿لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَصِحُونَ﴾ وهذه توطئة ودعوى، وهم
يريدون خلاف ذلك لما له في قلوبهم من الحسد لحب أبيه له ﴿قَالُواْ يَأَبَانَا﴾ أي: ابعثه معنا ﴿غداً
نوتع ونلعب﴾ وقرأ بعضهم بالياء ﴿يَتَعْ وَيَلْعَبْ﴾(٧).
(١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن
أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وأخرجه
ابن أبي حاتم بسند ضعيف أيضاً من طريق رجل مبهم عن مجاهد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٥) الضرع: الضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٧) القراءتان متواترتان.

٤٩٦
• سُورَةُ مُوسُفَ (١٣، ١٥)
0000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قال ابن عباس: يسعى وينشط(١)، وكذا قال قتادة [والضحاك](٢) والسدي(٣) وغيرهم: ﴿وَإِنَّا
لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ يقولون: ونحن نحفظه ونحوطه من أجلك.
قَالُواْ
﴿قَالَ إِّي لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ
لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّتْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم
إلى الرعي في الصحراء: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِيّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ﴾ أي: يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى
أن يرجع، وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في
الخلق والخلق، صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: ﴿وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّثْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ﴾ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم
ورعيكم فيأتيه ذئب فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة، وجعلوها عذرهم فيما
فعلوه، وقالوا مجيبين له عنها في الساعة الراهنة: ﴿لَبِنْ أَكَلَهُ الذِّثْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا
لَخَسِرُونَ﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة إنا إذا لهالكون عاجزون.
- ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُنَّ وَأَوْحَيْنَآً إِلَيْهِ لَتُنْتَنَّهُم بِأَفْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ (0)﴾.
يقول تعالى: فلما ذهب به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿وَأَجْمَعُواْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى
غَيَتِ الْجُّ﴾ هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه في أسفل ذلك الجب، وقد
أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له إكراماً له، وبسطاً وشرحاً لصدره، وإدخالاً للسرور عليه،
فيقال: إن [يعقوب](٤) ظلّلا لما بعثه معهم ضمه إليه وقبّله ودعا له.
وذكر [السدي و](6) غيره: أنه لم يكن بين إكرامهم له وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين
أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به
إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم
لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة،
فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها: الراغوفة، فقام فوقها (٦).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس،
ويتقوى بالآثار اللاحقة.
(٢) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٣) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عنه بلفظ: ((يسعى ويلهو))، وقول الضحاك
أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، بلفظ: ((يتلهى ويلعب))، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، بنحوه.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((يوسف)). (٥) الزيادة من (حم) و(مح).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين ضعيفين بنحوه، والخبر من أخبار أهل الكتاب.

٤٩٧
سُورَةُ مُوسُفَ (١٦، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنْتَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾، يقول تعالى ذاكراً لطفه ورحمته
وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييباً لقلبه
وتثبيتاً له، إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجاً ومخرجاً حسناً، وسينصرك الله
عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع، وقوله: ﴿وَهُمْ لَا
يَشْعُونَ﴾ .
قال مجاهد وقتادة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ بإيحاء الله إليه (١).
وقال ابن عباس: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك، كما
قال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه،
سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء
بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجام(٢) أنه كان لكم أخ من
أبيكم يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، قال: ثم نقره
فطنَّ، قال: فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب، قال: فقال بعضهم
لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم
﴿لَتُنَبِتَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(٣).
◌َ﴾ قَالُواْ يَبَنَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَلِنَا
- ﴿وَجَآءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءُ يَبْكُونَ (
وَجَآءُو عَلَى قَعِيصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ
فَأَكَلَهُ الذِّثْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ (١)
لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
يقول تعالى مخبراً عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب، ثم رجعوا إلى
أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم، وقالوا
معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نترامى، ﴿ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا﴾
أي: ثيابنا وأمتعتنا، ﴿فَأَكَلَهُ الذِّقْبُ﴾ وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه.
وقوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ﴾ تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون:
ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك،
لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع،
وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا ﴿وَجَآءُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَرٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفترى، وهذا من
الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة (٤) فيما ذكره
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٢) الجام: هو الإناء من فضة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده صدقة بن عبادة الأسدي وأبوه سكتا عنهما البخاري (التاريخ الكبير
٢٩٧/٤)، وابن أبي حاتم (الجرح ٤٣٣/٤)، وقال الأستاذ محمود شاكر: الخبر عندي غير مستقيم.
(٤) السخلة: ولد الشاة من المعز والضأن، ذكراً كان أو أنثى.

٤٩٨
سُورَةُ بُوسُفَ) (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مجاهد والسدي وغير واحد (١)، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه
الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع
على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضاً عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: ﴿بَلّ
سَوَلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه
حتى يفرجه الله بعونه ولطفه ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب
والمحال.
وقال الثوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَجَلَمُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَهٍ
كَذِبٍ﴾ قال: لو أكله السبع لخرق القميص (٢)، وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير
(٣)
واحد(٣).
وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه (٤).
وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، قال: سئل رسول الله وَله
عن قوله: ﴿فَصَبِّرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: ((صبر لا شكوى فيه))(٥)، وهذا مرسل.
وقال عبد الرزاق: قال الثوري عن بعض أصحابه أنه قال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث
بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزّي نفسك (٦).
وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا
كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبِّرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾(٧) .
﴿وَجَتْ سَيَّارَةٌ فَسَلُواْ وَرِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَّةٍ، قَالَ يَبُشْرَى هَذَا غُلَمَّ وَأَسَرُوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ نَخْسٍ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ﴾﴾.
يَعْمَلُونَ
يقول تعالى مخبراً عما جرى ليوسف ظلّا حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيداً
فريداً، فمكث في البئر ثلاثة أيام. فيما قاله أبو بكر بن عياش.
وقال محمد بن إسحاق: لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا يصنع
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده حسن.
(٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سماك، وهو ابن حرب، عنه، وقول الحسن أخرجه
الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة
عنه .
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لإرسال حبان بن أبي جبلة، فهو تابعي
كما في التقريب.
(٦) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه البخاري من حديث عائشة ﴿ّا (الصحيح، تفسير سورة يوسف، باب ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْقُكُمْ
أَقْرًّاً ... ﴾ [يوسف: ١٨] ح ٤٦٩٠).

٤٩٩
سُورَةُ يُوسُفَ (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وما يصنع به، فساق الله له سيارة، فنزلوا قريباً من تلك البئر، وأرسلوا واردهم وهو الذي يتطلب
لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلَّوه فيها، تشبث يوسف ظل فيها فأخرجه واستبشر به،
وقال: ﴿يَا بُشْراي هذَا غُلَامٌ﴾(١). وقرأ بعض القراء ﴿يَبُشْرَى﴾.
فزعم السدي أنه اسم رجل، ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه معلماً له أنه أصاب غلاماً(٢)،
وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن
عباس، والله أعلم.
وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى
نفسه وحذف ياء الإضافة، وهو يريدها كما تقول العرب: يا نفس اصبري ويا غلام أقبل، بحذف
حرف الإضافة، ويجوز الكسر حينئذٍ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي،
والله أعلم(٣) .
وقوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ﴾ أي: وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من
أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد والسدي وابن جرير (٤)، هذا
قول، وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا
أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع فذكره إخوته لوارد
القوم، فنادى أصحابه ﴿يَبُشْرَى هَذَا غُلَمْ﴾ يباع فباعه إخوته(٥) .
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي يعلم ما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على
تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ
وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وفي هذا تعريض لرسوله محمد نَّه وإعلام له بأني
عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة
والحكم عليهم، كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته.
وقوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ◌َخْسٍ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل. قاله
مجاهد وعكرمة(٦). والبخس: هو النقص، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن:
١٣] أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل، ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة
فيه، بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا.
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة
(١) (يا بشراي)): قراءة متواترة.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن
أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جابر، وهو الجعفي: ضعيف، عن عكرمة، ومعناه صحيح، ونسبه
السيوطي إلى الطبري عن مجاهد.

٥٠٠
• سُورَةُ لُوسُفَ) (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يوسف(١).
وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة(٢). [والأول أقوى، لأن قوله: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ
الزَّهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة](٣)، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو
كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿وَشَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته.
وقيل: المراد بقوله: ﴿بَخٍّ﴾ الحرام(٤).
وقيل: الظلم(٥)، هذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا، لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد
أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو
الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو
كلاهما، أي إنهم إخوته وقد باعوه، ومع هذا بأنقص الأثمان، ولهذا قال: ﴿دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾،
فعن ابن مسعود به: باعوه بعشرين درهماً (٦)، وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي
وقتادة وعطية العوفي(٧)، وزاد: اقتسموها درهمین درهمين.
وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهماً(٨).
وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهماً (٩).
وقال الضحاك في قوله: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾: وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته
عند الله رَت(١٠).
وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق(١١)، حتى وقفوه
بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلماً(١٢).
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
جویبر عنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٤) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن الضحاك.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٢).
(٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول نوف البكالي أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق أبي إسحاق، وهو السبيعي، عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق
أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول عطية العوفي أخرجه
الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٩) قول ابن إسحاق وعكرمة أخرجهما الطبري بسندين ضعيفين عنهما.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(١١) لا يأبق: أي لا يهرب.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.