Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
• سُوْدَلُ يُونِسَ) (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، قال: فأنزل الله رقم :
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ الآية(١).
وقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ اختلفوا فيه:
فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾
يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ يقول: أجراً حسناً بما قدموا(٣).
وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٤). وهذا كقوله تعالى:
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ ◌ََّكِتِينَ
فِيهِ أَبَدًّا (٣)﴾ [الكهف].
وقال مجاهد: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَيْهِمْ﴾ قال: الأعمال الصالحة؛ صلاتهم وصومهم
وصدقتهم وتسبيحهم(٥).
وقال فضيل بن عمرو بن الجون، عن قتادة أو الحسن: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِمْ﴾ قال:
محمد: مصر (يشفع لهم)) (٦). وكذا قال زيد بن أسلم(٧) ومقاتل بن حيان.
وقال قتادة: سلف صدق عند ربهم(٨). واختار ابن جرير قول مجاهد: إنها الأعمال الصالحة
التي قدموها، كما يقال: له قدم في الإسلام؛ کقول حسان رزپته :
لأوَّلنا في طاعة اللّه تابع(٩)
لنا القدمُ العليا إليك وخَلفُنا
وقول ذي الرمة :
لكم قدم لا ينكر الناس
أنها مع الحسب العادي طمَّت على البحر(١٠)
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولاً منهم
رجلاً من جنسهم بشيراً ونذيراً ﴿قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر وهم الكاذبون
في ذلك.
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك به، وهو لم يلق ابن عباس
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند
جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن آدم عن فضيل به.
(٧) أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم، وسنده ضعيف لأن ابن عيينة أخرجه في تفسيره
قال: أُخبرت عن زيد بن أسلم، فهو منقطع (ينظر: تغليق التعليق ٢٢٢/٤).
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٩) دیوان حسان ص٢٤١.
(١٠) ديوان ذي الرمة ص٢٧٢، وذكره الطبري.

٣٨٢
سُورَةُ يُونَ (٣، ٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ اْأَمْرِّ مَا مِن
شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام قيل: كهذه
الأيام. وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون؛ كما سيأتي بيانه ﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والعرش
أعظم المخلوقات وسقفها .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد
(١) .
قال: سمعت سعداً الطائى يقول: العرش ياقوتة حمراء"
وقال وهب بن منبه: خلقه الله من نوره (٢). وهذا غريب.
وقوله: ﴿يُدَيُِّ الْأَمْرِّ﴾ أي: يدبر الخلائق ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّقٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣]
ولا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير
في الجبال والبحار والعمران والقفار ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦]، ﴿وَمَا
تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ تُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطَّبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِنٍَ مُِّينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب أنه قال حين نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ
اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية: لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم: من
أنتم، قالوا: من الجن خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم(٣).
وقوله: ﴿مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنَّهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ [البقرة:
٢٥٥] وكقوله تعالى: ﴿﴿ وَكَم مِّن مَّلَكِ فِى السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيِّئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيَرْضَ (٣٨)﴾ [النجم] وقوله: ﴿وَلَا تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ﴾ [سبأ: ٢٣].
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أيها المشركون في أمركم تعبدون مع الله إلهاً غيره وأنتم تعلمون أنه المتفرد
بالخلق كقوله تعالى: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ نَتَّقُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]، وكذا
السَمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ®
الآية التي قبلها والتي بعدها .
﴿إِلَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًاً وَعْدَ الَّهِ حَقًّاْ إِنَّهُ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيِهٌ بِمَا كَانُوْ يَكْفُرُونَ ()﴾.
يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحداً حتى يعيده كما بدأه ثم ذكر
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقال الذهبي: هذا ثابت عن هذا التابعي الإمام (العلو ص٥٨). لكنه
مرسل ولعله يتقوى بما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحوه وسنده صحيح، وعزاه ابن حجر إلى
عبد الرزاق (الفتح ٤٠٥/١٣).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن وهب به. واستغربه الحافظ ووهب معروف برواية الإسرائيليات.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الدراوردي به وسنده مرسل، لأن سعد بن إسحاق من صغار التابعين.

٣٨٣
• سُورَلاُلُونِسَ) (٦،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم:
٢٧]. ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِلْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والجزاء الأوفى ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ
شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوْ يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع
العذاب من ﴿سَهُوٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍ مِّنْ يَحْهُومٍ (٣)﴾ [الواقعة]، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوُهُ حَمِيٌ وَغَسَّاقٌ ﴿﴿ وَءَاخَرُ مِن
شَكْلِهِ أَزْوَُ
﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حِيمٍ ءَانٍ
﴿6﴾ [صًّ]، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِيُونَ
[الرحمن].
] ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اَلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا
◌َلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْرِ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ فِ اخْتِلَفِ الَِّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِى
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾﴾.
يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع
الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نوراً هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما؛ لئلا
يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، وقدّر القمر منازل فأول ما يبدو صغيراً
ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى
في تمام شهر كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَّذَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيِ ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ
تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾﴾ [يس] وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَاُلْقَمَرَ
حُسْبَانً﴾ الآية [الأنعام: ٩٦]. قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمر ﴿مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ
السّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِآلْحَقٍّ﴾ أي: لم يخلقه عبئاً بلٍ له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة
كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلَّا ذَلِكَ ظُنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ
(٣)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١٥) فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ
الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ ﴾﴾ [المؤمنون].
وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله: ﴿إِنَّ فِىِ اخْئِلَفِ الَّلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا
جاء هذا لا يتأخر عنه شيئاً كقوله تعالى: ﴿يُغْشِىِ اَلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال:
﴿لَا الشَّمْسُ يَتْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ الآية [يس: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ اُلْإِصْبَحِ وَجَعَلَ اَلَّيْلَ
سَكَنَا﴾ الآية [الأنعام: ٩٦].
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى كما
قال: ﴿وَكَأَيِنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] الآية، وقوله: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِى
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لََّ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ [يونس] وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ
أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سبأ: ٩] وقال: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ (19)﴾ [آل عمران] أي: العقول، وقال لههنا: ﴿لَيَتٍ لِّقَوْمٍ
يَتَّقُونَ﴾ أي: عقاب الله وسخطه وعذابه.

٣٨٤
• سُرَُّ لُونَ (٧، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأْمَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ
أُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٧
يقول تعالى مخبراً عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه
شيئاً ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم.
قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها(١).
وهم غافلون عن آيات الله الكونية، فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها فإن مأواهم
يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ما هم
فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمّ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِ
جَنَّتِ النَّعِيمِ ﴾ دَعْوَهُمْ فِيَهَا سُبْحَكَ اللَّهُمَّ وَتََِّّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَدَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَِّ رَبِّ
الْعَلَمِينَ
هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وامتثلوا ما أمروا به فعملوا
الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم.
يحتمل أن تكون الباء لههنا سببية، فتقديره بسب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على
الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد
في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾ قال: يكون لهم نوراً يمشون به(٢).
وقال ابن جريج في الآية: يمثّل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض
صاحبه ويبشره كل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيجعل له نوراً من بين يديه حتى
يدخله الجنة، فذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِمْ﴾، والكافر يمثّل له عمله في صورة سيئة
وريح منتنة، فيلزم صاحبه ويلازُّه حتى يقذفه في النار(٣). وروي نحوه عن قتادة مرسلاً(٤) فالله أعلم.
وقوله: ﴿رَعْوَهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَغَمِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمَّ وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴾ أي: هذا حال أهل الجنة، قال ابن جريج: أُخبرت بأن قوله: ﴿مَعْوَلَهُمْ فِيهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾
١٠
قال: إذا مرَّ بهم الطير يشتهونه، قالوا: سبحانك اللَّهم، وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما
يشتهونه فيسلم عليهم فيردُّون عليه، فذلك قوله: ﴿وَتَحِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ﴾ قال: فإذا أكلوا حمدوا الله
ربهم فذلك قوله: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٥).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حوشب، وهو ابن مسلم الثقفي، عن الحسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، وكذلك هو معضل، لأن مثل هذا لا
يؤخذ من تابع تابعي، ويتقوى بما يلي.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف كسابقه عن ابن جريج.

٣٨٥
• سُؤَلُ لُونَ) (١١)
وقال مقاتل بن حيان: إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم: ﴿سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾
قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في
الأخرى، قال: فيأكل منهم كلهن(١).
وقال سفيان الثوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: ﴿سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ [فيأتيهم ما
دعوا به](٢)(٣).
وهذه الآية فيها شبه من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٤]، وقوله: ﴿لَا
يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْثِيمًا (٥) إِلَّا فِيْلًا سَلَمَا سَلَمًا ﴾﴾ [الواقعة]، وقوله: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّدٍ رَّحِيمٍ
[يس]، وقوله: ﴿وَلْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّنِ كُلِّ بَادٍ (٣) سَلَمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الرعد].
وقوله: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود
أبداً المعبود على طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه،
وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١]، ﴿اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وإنه
المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة في جميع الأحوال، ولهذا جاء في
الحديث: ((إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يُلهَمون النفس» (٤). وإنما يكون ذلك
كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد،
فلا إله إلا هو ولا رب سواه.
﴿ ﴿﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَلَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَتِهِمْ أَجَلُهُمَّ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا
يَرَجُونَ لِقَآءَنَا فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو
أولادهم في الشر في حال ضجرهم وغضبهم وإنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا
لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو
لأولادهم بالخير والبركة والنماء، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَلَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ
إِلَّهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ الآية، أي لو استجاب لهم كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي
الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا
محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد
أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله وَله: ((لا تدعوا على أنفسكم
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل، لأن مثل هذا الأثر لا
يؤخذ من تابع تابعي.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من تفسير الطبري.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبيد الله الأشجعي عن الثوري وحكمه كسابقه.
(٤) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ظه (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب في صفات الجنة
وأهلها ح٢٨٣٥).

٣٨٦
• سُورَةُ يُونِسَ (١٢، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب
لكم))(١). ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به(٢). وقال البزار: وتفرد به عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَنُ بِالشَّرِّ دُعَهُ بِالْخَيْرِ﴾ الآية [الإسراء: ١١].
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الآية: هو
قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه: اللَّهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل لهم الاستجابة
في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم (٣).
] ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُُّّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لََّّ
يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَُّ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ
عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أي: كثير، وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع
منها، وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه
وفي جميع أحواله، فإذا فرَّج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به
من ذلك شيء ﴿مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾، ثم ذمَّ تعالى من هذه صفته وطريقته فقال:
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه
مستثنى من ذلك كقوله تعالى: ﴿إِلَّ الَّذِينَ صَبَّرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ [هود: ١١]، وكقول
رسول الله ويلي: ((عجباً لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء
فصبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)» (٤).
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَتْهُمْ رُسُلُهُم ◌ِلْبَيْنَتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ
نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٣ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
أخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاؤوهم به من البينات
والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولاً لينظر طاعتهم
له واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله : ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون؟ فاتقوا
الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء))(٥).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة بهذا، أنبأنا حماد، عن ثابت
(١) أخرجه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل به (الصحيح، الزهد، باب حديث جابر ح٦ ٣٠٠).
(٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله (ح١٥٣٢)، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه مسلم من حديث صهيب الرومي ظه (الصحيح، الزهد، باب المؤمن أمره كله خير ح٢٩٩٩).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥.

٣٨٧
سُورَةُلُونس) (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم
كأن سبباً دُلِّي من السماء، فانتشط رسول الله وَسير ثم أعيد، فانتشط أبو بكر ثم ذرع الناس حول
المنبر، ففضل عمر بثلاث أذرع حول المنبر.
فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك، قال:
وهل لك في رؤياي من حاجة أَوَ لم تنتهرني؟ قال: ويحك! إني كرهت أن تنعى لخليفة
رسول الله ◌َ﴿ نفسه، فقصَّ عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع
قال: أما إحداهن فإنه كان خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه
شهيد. قال: فقال: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَيْفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
(1)﴾ فقد استخلفت يا بن أم عمر، فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة
لائم فيما شاء الله، وأما قوله: (شهيد) فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به(١)
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَلَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ
بَدِّلَّهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن تِلْقَآَيِ نَفْسِىِّ إِنْ أَقَبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىٌّ إِّ أَغَفُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِىِ
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوَّتُهُ عَلَيَّكُمْ وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بِّ، فَقَدْ لَبِئْتُ فِيكُمْ عُمُرًا
مِّن قَبْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه إنهم إذا قرأ عليهم
الرسول وله كتاب الله وحججه الواضحة قالوا له: ائت بقرآن غير هذا، أي رد هذا وجئنا بغيره
من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه وَّهِ: ﴿قُلْ مَا يَكُثُ لِيّ أَنْ أُبَدِّلَمُ مِن
تِلْقَآٍ نَفْسِىِّ﴾ أي: ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ
إِلَىٌّ إِّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
ثم قال محتجاً عليهم في صحة ما جاءهم به: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ, عَلَكُمْ وَلَّ أَدْرَكُمْ
◌ِةٍ﴾ أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على إني لست
أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي، وأمانتي منذ
نشأت بينكم إلى حين بعثني الله ◌َ لا تنتقدون علي شيئاً تغمصوني به ولهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِئْتُ
فِيكُمْ عُمُرًا مِن قَبْلِمَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ولهذا
لما سأل هِرَقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ◌َّ قال هرقل لأبي سفيان:
هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا(٢). وكان أبو سفيان إذ
ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق والفضل ما شهدت به الأعداء، فقال له
هرقل: فقد أعرف إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله.
وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولاً نعرف صدقه ونسبه
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده ضعيف جداً لأن زيد بن عوف: متروك (لسان الميزان ٢/
٥٠٩).
(٢) أخرجه البخاري مطولاً، الصحيح، بدء الوحي، باب ٧ (ح٦).

٣٨٨
• سُورَلُ يُونَ) (١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأمانته(١). وقد كانت مدة مقامه لعلّها بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة(٢). وعن سعيد بن
المسيب: ثلاثاً وأربعين سنة (٣)، والصحيح المشهور الأول.
﴿ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراماً ﴿مِتَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا﴾ وتقوَّل
على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرماً ولا أعظم ظلماً من هذا،
ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة
صادقاً أو كاذباً فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس،
فإن الفرق بين محمد ◌َله وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى
وبين نصف الليل في حندس الظلماء، فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة
على صدق محمد ول# وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي.
قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله* المدينة انجفل(٤) الناس فكنت فيمن انجفل،
فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب. قال: فكان أول ما سمعته يقول: ((يا أيها
الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا
الجنة بسلام)) (٥).
ولما وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله و لو في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما
قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: ((الله)). قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: ((الله)). قال:
ومن سطح هذه الأرض؟ قال: ((الله)). قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال،
وسطح هذه الأرض ألله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: ((اللّهم نعم)). ثم سأله عن الصلاة والزكاة
والحج والصيام ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله وَ له فقال له: صدقت
والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص(٦). فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن
بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. وقال حسان بن ثابت:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست
(١) أخرجه الإمام أحمد مطولاً (المسند ٢٦٣/٣ - ٢٧٦ ح ١٧٤٠) وحسّنه محققوه.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ه (الصحيح، المناقب، باب صفة النبي ◌َّ ح ٣٥٤٧).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤٣٧/٨)، وذكر الحافظ ابن حجر أنه قول شاذ (فتح الباري ٦/ ٥٧٠).
(٤) أي ذهبوا مسرعين نحوه ◌َّ فيه (النهاية ٢٧٩/١).
(٥) أخرجه الترمذي وصححه (السنن، صفة القيامة باب أفشوا السلام وأطعموا الطعام ... ح٢٤٨٧)، وابن
ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح١٣٣٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن
ماجه (ح١٠٩٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٣/٣).
(٦) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ولم يسم ضمام بن ثعلبة، وإنما قال: رجل من البادية (الصحيح،
الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام ح١٢).

٣٨٩
سُؤَةُ يُونَ) (١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة،
وكم من فرق بين قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمُ لَا تَأْخُذُمُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِى
السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ
بِشَىْءٍ مِّنْ عِلِهِ إِلَّا بِمَا شَاءُ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَتُودُهُ حِفْقُهُمَاْ وَهُوَ اَلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ
[البقرة]، وبين عُلاك(١) مسيلمة - قبّحه الله ولعنه -: يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كما تنقين، لا
الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين!
وقوله - قبّحه الله -: لقد أنعم الله على الحبلى إذ أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق
وحشی(٢)!
وقوله خلده الله في نار جهنم - وقد فعل -: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل!
وقوله - أبعده الله عن رحمته -: والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، واللاقمات لقماً إهالة
وسمناً إن قريشاً قوم يعتدون ..! إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن
يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء. ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة
الموت(٣) حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقدموا على الصدّيق تائبين، وجاؤوا في
دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرأوا
عليه شيئاً من قرآن مسيلمة لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن يقرأوا شيئاً
منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه من
هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق ظُه: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟
والله إن هذا لم يخرج من إلى (٤)(٥).
وذكروا أن عمرو بن العاص وفَدَ على مسيلمة، وكان صديقاً له في الجاهلية، وكان عمرو لم
يسلم بعد فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو! ماذا أنزل على صاحبكم؟ يعني: رسول الله (ص10 في
هذه المدة فقال: لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ
.﴾ [العصر) إلى آخر السورة. ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأنا
إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ
قد أُنزل عليَّ مثله فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر،
كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب(٦).
فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد وَل# وصدقه وحال مسيلمة
لعنه الله و کذبه.
(١) العُلاك: ما يُعلك ويُمضغ.
(٢) الصفاق: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، والحَسنى: ما دون الحجاب مما في البطن كله،
من الكبد والطحال والكرش.
(٣) الحديقة: اسم لبستان كان بأرض اليمامة، فيها قتل مسيلمة الكذاب، وأصحابه يسمونها حديقة الموت
(مراصد الإطلاع ٣٨٧/١).
(٤) أي من ربوبية، أو عهد (ينظر: النهاية ٦١/١).
(٥) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣٥٩/٦).
(٦) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣٥٩/٦).

٣٩٠
سُورَلاثُونَ (١٨، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فكيف بأولي البصائر والنهى وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى؟ ولهذا قال الله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَقْتَى عَلَى الَّهِ كَذِّبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ
أَنَزَّلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ
كَذَّبَ بِثَايَتِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل
وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما في الحديث: ((أعتى الناس على الله رجل قتل نبياً أو
قتله نبي))(١) .
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِنْدَ اَللَّهِ قُلْ
أَتْنَبُِّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٨] وَمَا كَانَ النَّاسُ
إِلَّ أُمَةً وَحِدَةً فَخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
.
ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانِّين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها
عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئاً ولا يقع شيء مما يزعمون فيها، ولا
يكون هذا أبداً، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَثْنَهُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ .
وقال ابن جرير: معناه: أتخبرون الله بما لا يكون في السماوات ولا في الأرض؟(٢)، ثم نزه
نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَنَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم أخبر تعالى أن هذا
الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلَّهم كانوا على دين واحد وهو
الإسلام.
قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين
الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث الله الرسل(٣) بآياته وبيناته وحججه البالغة
وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَى عَنْ بَيِّنَةْ﴾ [الأنفال: ٤٢] وقوله:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيَّكَ﴾ الآية، أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحداً
إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجَّل الخلق إلى أجل معدود لقُضي بينهم فيما اختلفوا فيه
فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَأَنْتَظِرُواْ إِنِّ مَعَكُمْ مِنَ
اٌلْمُنتَظِرِينَ
أي: ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون لولا أنزل على محمد آية من ربه يعنون: كما
أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهباً، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها
بساتين وأنهراً أو نحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالى:
(١) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود به (المسند ٤١٢/٦ ح ٣٨٦٨)، وحسن سنده محققوه.
وجوده الألباني في السلسلة الصحيحة ٢٨١/١.
(٢) ذكره الطبري بلفظه.
(٣) تقدم تخريجه وثبوته عن ابن عباس في تفسير سورة البقرة آية ٢١٣.

٣٩١
سُؤَدَلُُونش) (٢١، ٢٣)
بَلْ
﴿تَبَارَكَ الَّذِىّ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرً مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَدُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا
كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾﴾ [الفرقان] وكقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ
إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية [الإسراء: ٥٩]، يقول تعالى: إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما
سألوا فإن آمنوا وإلا عالجتهم بالعقوبة، ولهذا لما خَيَّر رسول الله وَّه بين أن يُعطى ما سألوا، فإن
أجابوا وإلا عوجلوا، وبين أن يتركهم وينظرهم اختار إنظارهم كما حلم عنهم غير مرة
رسول الله ◌ٍَّ ولهذا قال تعالى إرشاداً لنبيه وسي﴿ل إلى الجواب عما سألوا: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾
أي: الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور ﴿فَأَنْتَظِرُوا إِى مَعَكُم مِّنَ اٌلْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إن
كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله فيَّ وفيكم، هذا مع أنهم قد شاهدوا
من آياته ويز أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره، فانشق(١) باثنتين: فرقة
من وراء الجبل، وفرقة من دونه، وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا،
ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشاداً وتثبتاً لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عناداً
وتعنتاً فتركهم فيما رابهم وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
، وَلَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَّأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ [يونس]، وقال
كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
تعالى: ﴿وَلَوْ أَتَ نَزَّْنَا إِلَيْهِمُ الْمَبِكَةَ وَمَّهُمُ الْمَوْقَ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّا أَنْ
يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١١١] ولما فيهم من المكابرة كما قال تعالى: ﴿وَلَوَّ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ
السَّمَلِ﴾ الآية [الحجر: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ الآية [الطور: ٤٤] وقال
تعالى: ﴿وَلَوَّ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُِّينٌ
[الأنعام] فمثل هؤلاء أقل من أن يُجابوا إلى ما سألوا لأنه لا فائدة في جوابهم لأنه دائر على
تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم ولهذا قال: ﴿فَأَنْتَظِرُوَاْ إِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْنَظِرِينَ﴾.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةُ مِّنُ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرُ فِّ ءَايَايِنَّأَ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرَأْ إِنَّ رُسُلَنَا
يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُّرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِى يُسَتِّكُمْ فِ الْبَرِّ وَأَلْبَحْرِّ حَتَّى إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيج طَيِّبَةٍ
وَفَرِحُوْ بِهَا جَمَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَ هُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمَّ دَعَوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
اَلِينَ لَيِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَ مِنَ الشََّكِنَ ﴿﴿ فَلَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقُّ ◌َأَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَعَ الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُفَتِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ
.
يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة والخصب بعد
الجدب والمطر بعد القحط ونحو ذلك ﴿إِذَا لَهُم مَكْرٌ فِيَ ءَايَانِنَا﴾ قال مجاهد: استهزاء وتكذيب(٢).
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا﴾ الآية [يونس: ١٢].
وفي الصحيح أن رسول الله وَّيقول صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل، أي مطر،
ثم قال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال: أصبح من
(١) أخرجه البخاري من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد النبي لمّ﴾ (الصحيح، المناقب، باب
سؤال المشركين أن يريهم النبي * آية ح٣٦٣٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٩٢
• سُورَةُلُونَ) (٢٣،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب،
وأما من قال: مُطرنا بنوء(١) كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب))(٢).
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه
ليس بمعذب وإنما هو في مُهلة ثم يؤخذ على غَرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما
يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير النقير
والقمطير.
ثم أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ الَّذِى يُسَتِرَّكُمْ فِ اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته ﴿حَتَّىَ إِذَا
كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيج طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك إذ
﴿جَتْهَا﴾ أي: تلك السفن ﴿رِيعُ عَاصِفٌ﴾ أي: شديدة ﴿وَجَمَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي:
اغتلم (٣) البحر عليهم ﴿وَنُّواْ أَهُمْ أُحِطَ بِهِمٌ﴾ أي: هلكوا ﴿رَعَوْأَ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ أي: لا
يدعون معه صنماً ولا وثناً بل يفردونه بالدعاء والابتهال كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُرُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ فَمَّا تَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُّ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وقال لهُهنا: ﴿رَعُواْ
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ﴾ أي: لا نشرك
بك أحداً ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء لههنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَنَهُمْ﴾ أي:
من تلك الورطة ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ آلْحَيِّ﴾ أي: كأن لم يكن من ذلك شيء ﴿كَأَن لَّمْ
يَدْعُّنَا إِلَى ضُرٍ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُّكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم
أنفسكم ولا تضرون به أحداً غيركم، كما جاء في الحديث: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله
عقوبته في الدنيا مع ما يدخَّر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)) (٤).
وقوله: ﴿مَّتَعَ الْحَيَّةِ الدُّنياً﴾ أي: إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرِْمُكُمْ﴾ أي: مصيركم ومالكم ﴿فَنُنِيِّئُكُمْ﴾ أي: فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن
وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.
(١) قال الحافظ ابن حجر: قال ابن قتيبة في ((كتاب الأنواء)): ومعنى النوء: سقوط نجم في المغرب من النجوم
الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر. قال: وهو مأخوذ من ناء إذا سقط. وقال آخرون: بل النوء طلوع
نجم منها، وهو مأخوذ من ناء إذا نهض، ولا تخالف بين القولين في الوقت لأن كل نجم منها إذا طلع من
المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب لا يزال ذلك مستمراً إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء
السنة، فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يوماً تقريباً. قال: وكانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة
النوء، إما بصنعهم وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم وجعله كفراً (فتح الباري ٥٢٣/٢، ٥٢٤).
(٢) أخرجه البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني (الصحيح، الاستسقاء باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨)﴾ [الواقعة]، ح١٠٣٨).
(٣) أي: اشتد وهاج.
(٤) أخرجه أبو داود من حديث أبي بكرة به (السنن، الأدب، باب في النهي عن البغي ح٤٩٠٢)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٠٩٨)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، صفة
القيامة، باب انظروا إلى من هو أسفل منكم ح٢٥١٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٣٥٦/٢).

٣٩٣
• سُؤَلُ يُونَ) (٢٥،٢٤)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000000 000 000000 Đ
] ﴿إِنََّا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ
وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ آلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَرَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَنْهَا أَمَّرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهَارًا
فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارٍ
.(@)
السَّلَامِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيمِ
ضرب تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي
أخرجه الله من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف
أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أبٍّ وقضب وغير ذلك ﴿حََّ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أي:
زينتها الفانية ﴿وَأَزَّيَّنَتْ﴾ أي: حسُنت بما خرج في رُباها من زهور نَضرة مختلفة الأشكال
والألوان ﴿ وَظَرَّ أَهْلُهَا﴾ الذين زرعوها وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا﴾ أي: على جذاذها
وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت
ثمارها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَنْهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا﴾ أي: يابساً بعد الخضرة
والنضارة ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ﴾ أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.
وقال قتادة: ﴿كَنْ لَّمْ تَغْنَ﴾: كأن لم تنعم (١)، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن،
ولهذا جاء في الحديث: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة، فيقال له: هل رأيت
خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا، ويؤتى بأشد الناس عذاباً في الدنيا، فيغمس في
النعيم غمسة ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا))(٢).
وقال تعالى إخباراً عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِىِ دِيَرِهِمْ جَئِمِينَ ﴿ كَن لَّمْ يَغْنَوَا فِيَأْ كَأَنْ لَمْ
يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود] ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ
يَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعاً مع اغترارهم بها وتمكنهم
وثقتهم بمواعيدها وتفلَّتها عنهم، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها،
وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال في سورة
الكهف: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ نَبَاكُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
نَذْرُوهُ الْرَّخُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْنَدِرًا ﴾﴾ [الكهف]، وكذا في سورة الزمر(٣) والحديد(٤)
يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا.
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت مروان - يعني:
ابن الحكم - يقرأ على المنبر: (وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكهم إلا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك ربه (السنن، الزهد، باب صفة النار ح٤٣٢١)، وصححه
الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٤٨٨)، وأخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب
صبغ أنعم أهل الدنيا ح٢٨٠٧).
(٣) آية ٢١.
(٤) آية ٢٠.

٣٩٤
• سُؤََّلُ بُوْسََّ) (٢٥،٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بذنوب أهلها). قال: قد قرأتها وليست فى المصحف، فقال عباس بن عبد الله بن عباس: هكذا
يقرؤها ابن عباس، فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب (١).
وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ الآية، لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها رغب في
الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوّا إِلَى
٢٥
دَارِ السَّلَامِ وَيُّهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ
قال أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ◌َّ قال: ((قيل لي: لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع
أذنك، فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بنى
داراً ثم صنع مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه
السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد، والله
السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد ◌َلي))(٢).
وهذا حديث مرسل وقد جاء متصلاً من حديث الليث عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي
هلال، عن جابر بن عبد الله ظُبه قال: خرج علينا رسول الله وَله يوماً، فقال: ((إني رأيت في
المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال:
اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها
بيتاً ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولاً يدعو، الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم
من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل
الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها)) رواه ابن جرير(٣).
وقال قتادة: حدثني خليد العصري، عن أبي الدرداء مرفوعاً قال: قال رسول الله وَلاير: ((ما من
يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيتها(٤) ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها
الناس هلموا إلى ربكم، إن ما قلَّ وكفى خير مما كثُر وألهى))، قال: وأنزل في قوله: يا أيها
الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(٥).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقال محمود شاكر: إسناده هالك. وبيّن موضع الخلل بسبب كذب عبد العزيز
وهو ابن أبان الأموي. (ينظر: ميزان الاعتدال ٦٢٢/٢).
(٢) أخرجه الطبري من طريق معمر عن أيوب به، وسند مرسل، ويتقوى بما يليه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق حجاج عن الليث به، وفي سنده انقطاع لأن سعيد بن أبي هلال لم يسمع من جابر،
وأخرجه الحاكم موصولاً من طريق سعيد بن أبي هلال عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عن جابر،
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٣٨/٢)، وأخرجه الدارمي من طريق أبي قلابة عن عطية أنه سمع ربيعة
الجرشي ... فذكره (السنن ح١١)، وجوّد سنده الحافظ ابن حجر (الفتح ٢٥٦/١٣)، وأخرجه البخاري من
طريق سعيد بن مينا عن جابر بنحوه (الصحيح، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله وَير ح ٧٢٨١).
(٤) الجنبة: أي الناحية.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قتادة به وصححه محمود شاكر. وأخرجه ابن حبان
(الإحسان ح٦٨٦)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٤/٢، ٤٤٥)، وصححه الألباني في
السلسلة الصحيحة (ح٤٤٣).

٣٩٥
سُورَةُ يُونس (٢٦)
0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَ ذِلَةُ أُوْلَبَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ
يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة
كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ﴾﴾ [الرحمن].
وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة
على ذلك أيضاً، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه
لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما
أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته.
وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان
وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط
ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق(١)
وغيرهم من السلف والخلف.
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي - * فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عفان،
أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ◌َ به أن
رسول الله وَّ تلا هذه الآية: ﴿لِلِّينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: ((إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ
وأهلُ النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون:
وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم
الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ
لأعينهم))(٢). وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به(٣).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن
أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله وَلاير: ((إن الله يبعث يوم
القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة
فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ◌َ))(٤). ورواه أيضاً ابن أبي حاتم من حديث
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج عبد الرزاق والطبري بعض أقوالهم بأسانيد ثابتة وضعيفة، فقول
أبي بكر الصديق أخرجه الطبري وهناد (الزهد ١٣١/١ ح ١٧٠)، وابن خزيمة (التوحيد ص ١٢٠)، والدارقطني
(الرؤية ح ١٩٣)، كلهم من طريق عامر بن سعد عن أبي بكر، وسنده ضعيف للانقطاع لأن عامر بن سعد لم
يسمع من أبي بكر (تهذيب الكمال ٢٣/١٤، وتهذيب التهذيب ٥٧/٥)، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي
يقول: هذا حديث ليس له أصل، منكر (الجرح ١٣٧/٦)، وقول حذيفة أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٣/
٣٨١)، والآجري (الشريعة ح ٥٩١)، كلهم بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن مسلم بن نذير عنه.
وهذا القول له شاهد صحيح مرفوع كما يليه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٣/٤) وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين الآخرة ربهم سبحانه (ح١٨١).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواه من طريقين آخرين. وضعفه مع الطريقين الأستاذ محمود شاكر. ويشهد
له ما سبق في الصحيح.

٣٩٦
سُورَةُ يُونَ) (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي بكر الهُذلي، عن أبي تميمة الهجيمي به(١).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن
عطاء، عن كعب بن عجرة عن النبي ◌َّ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: ((النظر إلى
وجه الرحمن مَلٍ))(٢).
وقال أيضاً: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة: سمعت زهيراً عمن سمع أبا
العالية، حدثنا أبي بن كعب أنه سأل رسول الله وَّه عن قول الله رَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ
وَزِيَادَةٌ﴾ قال: ((الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله رَك))(٣). ورواه ابن أبي حاتم أيضاً
من حدیث زهير به (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَّهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَّرٌ﴾ أي: قِتام(٥) وسواد في عرصات المحشر كما يعتري
وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ﴿وَلَا ذِلَّهُ﴾ أي: هوان وصغار، أي لا يحصل لهم إهانة
في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَّهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الَْرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً
[الإنسان] أي: نضرة في وجوههم وسروراً في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله
وَسُرُورًا (يَدَا﴾
ورحمته آمین.
] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُم مِّنَ الَهِ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ
وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَلِ مُظْلِمَاً أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ
لما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات ويزدادون على ذلك عطف
بذكر حال الأشقياء، فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك
﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ أي: تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها كما قال: ﴿وَتَرَهُمْ يُعْرَضُونَ
عَلَيَّهَا خَشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيُّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَفِلَا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ٨ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ ... ﴾
الآيات [إبراهيم]، وقوله: ﴿مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِيرٍ﴾ أي: مانع ولا واقٍ يقيهم العذاب كما قال
تعالى: ﴿يَقُولُ آلْإِنَنُ يَوْمَيِذٍ أَيْنَ الْمُغَرُّ ◌َ كَّ لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَيِّكَ يَوْمِذٍ الْنَفَرُ (1)﴾ [القيامة] وقوله:
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية، إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ
تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اَللِّّ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (19)﴾ [آل عمران]، وكما قال تعالى:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي به، وأبو بكر هذا متروك وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه محمود شاكر لضعف إبراهيم بن المختار، ويشهد له ما سبق في
صحيح مسلم.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف الإبهام الراوي عن أبي العالية، ويشهد له ما سبق في صحيح
مسلم.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق زهير به، وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) أي: غبار.

٣٩٧
• سُورَةُ يُونِسَ) (٢٨، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٢٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
® أُؤَلَبِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ
تَرَّهَقُهَا قَثَرَةً
وَوُجُوهُ يَوَمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَّةٌ (ج)
١٣٩
[عبس].
الْفَجَرةُ
- ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ
فَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِينَ
كُ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتّْ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ﴾ أي: أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر، كما قال
تعالى: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ الآية، أي: الزموا أنتم وهم مكاناً معيناً امتازوا فيه عن مقام المؤمنين
كما قال تعالى: ﴿وَأَمْتَدُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾ [يس] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنْفَرَّقُونَ
(٣)﴾ [الروم]، وفي الآية الأخرى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصَدَعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي: يصيرون صدعين، وهذا
يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، ولهذا قيل ذلك يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى
أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا.
وفي الحديث الآخر: ((نحن يوم القيامة على كوم(١) فوق الناس)) (٢).
وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة إخباراً عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة:
﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَا ؤُكُمْ فَزَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية، أنهم أنكروا عبادتهم وتبرأوا منهم كما قال تعالى:
﴿كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الآية [مريم] وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَنَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦]
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَايِهِمْ غَفِلُونَ
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ﴾ الآية [الأحقاف].
وقوله في هذه الآية إخباراً عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم:
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية، أي: ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من
حيث لا ندري بكم، والله شهيد بينا وبينكم أنّا ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا
منكم بذلك، وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ممن لا يسمع ولا يبصر
ولا يغني عنهم شيئاً، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده بل تبرأ منهم وقت أحوج ما
يكونون إليه، وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء العليم بكل شيء،
وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمراً بعبادته وحده لا شريك له ناهياً عن عبادة ما سواه كما قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ
(١) الكوم: الموضع المشرف العالي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله تظله، مطولاً (المسند ٦٣/٢٣ ح ١٧٢١)، وقال محققوه:
حديث صحيح، هذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة، لكن تابعه ابن جريج فيما سيأتي برقم (١٥١١٥).

٣٩٨
• سُوَّةُ يُونُشَ) (٣١، ٣٣)
00000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
[الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلَّ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ
[الزخرف] .
٤٥٦
والمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه وبيّن أحوالهم وأقوالهم، وردّ عليهم
فیما هم فيه أتمَّ ردًّ.
وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر
كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآيِرُ
[الطارق] وقال تعالى: ﴿يُبُّأَ اَلْإِسَنُ يَوْمَيِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ (٣)﴾ [القيامة] وقال تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ كِتَبَا يَلْقَهُ مَنْشُورًا ﴿ أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (٣)﴾ [الإسراء] وقد قرأ
بعضهم: ﴿هنالك تتلو كل نفس ما أسلفت﴾(١)، وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم
بمعنى: تتبع ما قدمت من خير وشر.
وفسرها بعضهم بحديث: ((لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس،
ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... )) الحديث(٢).
وقوله: ﴿وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها
وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: ذهب عن المشركين ﴿مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.
] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ
اَلْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمَّْ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَ نَنَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْمَنُّ فَمَاذَا بَعْدَ
اُلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَ تُصْرَفُونَ ﴾َ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيَِّكَ عَلَى الَّذِيْنَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
.
يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلهيته فقال تعالى: ﴿قُلْ
مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقاً
وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا
وَحَدَابِقَ غُلْبًا
،وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلَاً
بقدرته ومشيئته فيخرج منها حباً؟ ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا
[عبس]، ﴿أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤] ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، ﴿أَمَّنْ هَذَا أَلَّذِى يَّرْزُقُّكُمْ إِنْ
أَمَّسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ﴾ أي: الذي وهبكم هذه القوة
السامعة والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىَّ أَنشَأَكُ
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبَْرَ﴾ الآية [الملك: ٢٣]، وقال: ﴿قُلْ أَرَّيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَرَّكُمْ﴾ الآية
[الأنعام: ٢٦].
وقوله: ﴿وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: بقدرته العظيمة ومنَّته العميمة،
وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك وأن الآية عامة لذلك كله.
(١) والشاهد فيها قراءة: (تتلو) وهي قراءة متواترة.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ئه (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٦ ٨٠)،
وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٢).

٣٩٩
سودالونس) (٣٤، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ آلْأَنَّ﴾ أي: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو
المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ ﴿يَسْئَلُهُ مَن فِ السَّمَوَتِ
[الرحمن] فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس
٠
وَالْأَرْضِّ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِ شَأَنِ (
وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي: وهم يعلمون ذلك ويعترفون به
﴿فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ .
وقوله: ﴿فَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمُ الْمَنُّ﴾ الآية، أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم
وإلهاكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّ اُلْضَّلَلُ﴾ أي: فكل معبود سواه
باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة
ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ﴾ الآية، أي: كما كفر هؤلاء المشركون
واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في
الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقَّت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار
كقوله: ﴿قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١].
] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَّكَبِكُ مَن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ قُلِ اللّهُ بْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُةٍ فَنَّ تُؤْفَكُونَ
٣٤٦
قُلْ هَلْ مِن شُكَّبِكُ مَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَبَعَ أَمَّنَ لَّا يَهِدِىّ
إِلَّ أَن يُهْدَىْ فَا لَكُنْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ (٢٥) وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره وعبدوا من الأصنام والأنداد ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَابِكُمُ
مَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُهُ﴾ أي: من بدأ خلق هذه السماوات والأرض ثم ينشيء ما فيهما من
الخلائق ويفرق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقاً جديداً
﴿قُلِ اَللَّهُ﴾ هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له ﴿فَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون
عن طريق الرشد إلى الباطل؟
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُمْ مَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ﴾ أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر
على هداية ضال وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي
لا إله إلا هو.
﴿أَفَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُنَبَعَ أَمَنْ لَّا يَهِدِىّ إِلَّ أَنْ يُهْدَى﴾ أي: أفيتبع العبد الذي يهدي إلى
الحق ويبصر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه؟ كما قال تعالى إخباراً
عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِ عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] وقال لقومه:
﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ ﴿ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (@)﴾ [الصافات] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿فَا لَكُنْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ﴾ أي: فما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين
خلقه وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟ وهلَّا أفردتم الربَّ جلَّ جلاله المالك الحاكم الهادي
من الضلالة بالعبادة وحده وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة؟ .

٤٠٠
• سُؤَلُلُونَ) (٣٧، ٤٠)
ثم بيّن تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلاً ولا برهاناً وإنما هو ظن منهم، أي توهم
وتخيل وذلك لا يغني عنهم شيئاً ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى
أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.
2- ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ اُلْكِتَبِ لَا رَيْبَ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (* أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الَّهِ إِن كُمْ
صَدِقِينَ ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الَّلِينَ ﴿٧َ وَمِنْهُمْ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بعشر سور ولا بسورة من
مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني العزيزة والغريزة النافعة في
الدنيا والآخرة لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله
وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُنِ
اللَّهِ﴾ أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ولا يشبه هذا كلام البشر ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ اَلَّذِى
بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة ومهيمناً عليه ومبيناً لما وقع فيها من التحريف والتأويل
والتبديل وقوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيِّبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: وبيان الأحكام والحلال
والحرام بياناً شافياً كافياً حقاً لا مرية فيه من الله رب العالمين كما تقدم في حديث الحارث
الأعور عن علي بن أبي طالب: ((فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم)) (١). أي خبر
عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه.
وقوله: ﴿أَّ يَقُولُونَ أَفْتَنَةٌ قُلْ فَأَنُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
(٣)﴾ أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله وقلتم كذباً وميناً: إن هذا من
عند محمد فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة مثله، أي من
جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان.
وهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم
أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بما شاؤوا، وأخبر أنهم لا يقدرون
على ذلك ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى: ﴿قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْجِنُّ عَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ
[الإسراء] ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه
(M
لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم
مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ [هود]، ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة: ﴿أَمَّ يَقُولُونَ
اُفْتَرَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ إِن كُمْ صَدِقِينَ (٣)﴾ وكذا في سورة
البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبداً فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ
تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ الآية [البقرة: ٢٤].
(١) تقدم في مقدمة التفسير، وسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور.