Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
• سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٧٥، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن الزبير بن بكار أنه قال: هم [معتب بن قشير](١)، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن
نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي،
والحارث بن سويد، وسعد بن وراه، وقيس بن فهد، وسويد بن داعس من بني الحبلى، وقيس بن
عمرو بن سهل، [وزيد بن اللصيت](٢)، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا
(٣)(٤)
الإسلام]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوْاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَئُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ،﴾ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا
أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته، ولو تمَّت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال ◌َله
للأنصار: ((ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله
بي)) كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ(٥). وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كقوله: ﴿وَمَا
نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾ [البروج]. وقوله عليه: ((ما ينقم ابن جميل(٦) إلا أن
كان فقيراً فأغناه الله))(٧) ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لٌَّ وَإِن
يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذاباً
أليماً في الدنيا أي: بالقتل والهم والغم، والآخرة أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغَار ﴿وَمَا
لَمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيراً
ولا يدفع عنهم شراً.
فَلَمَّاً
﴿ وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ
ءَاتَنْهُم ◌ِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَّلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٨ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ
أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُؤْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمْ وَأَنَّ
اُللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله
(١) كذا في (عم) وفي الأصل صُحف إلى: ((معتب بن فيرو)).
(٢) كذا في (عم) وفي الأصل صُحف إلى: ((زيد بن الصليت)).
(٣) ما بين معقوفين فيه ذكر أسماء المنافقين ورد ذكرهم في الأصل و(عم)، وفي (حم) و(مح) لم ترد هذه
الأسماء.
(٤) المعجم الكبير ١٦٥/٣ - ١٦٦، وسنده معضل لإرسال الزبير بن بكار وهو من صغار اتباع التابعين.
(٥) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ظه (صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف
ح ٤٣٣٠) وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم ح ١٠٦١).
(٦) ابن جميل: قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي
الحسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله .. وقول الأكثر أنه كان أنصارياً (فتح الباري ٣/
٣٣٣).
(٧) هذا طرف من حديث رواه أبو هريرة قال: أمر رسول الله و ﴿ بالصدقة، فقيل منعَ ابن جميل وخالد بن
الوليد وعباس بن عبد المطلب فقال النبي ويل ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما
خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه واعتده في سبيل الله ... (صحيح البخاري، الزكاة، باب
قول الله تعالى: ﴿وَفِ أَلْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] ح ١٤٦٨).

٣٢٢
• سُوَرَّةُ الْتَوَنَّةِ (٧٥، ٧٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وليكونن من الصالحين، فما وفَّى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقاً
سكن في قلوبهم إلى يوم يلقون الله مت يوم القيامة عياذاً بالله من ذلك.
وقد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة
في ثعلبة بن حاطب الأنصاري(١). وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا، وابن أبي حاتم من
حديث معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى
عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري، أنه قال
لرسول الله وَّل: ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: فقال رسول الله وَلخير: ((ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي
شكره خير من كثير لا تطيقه)) قال: ثم قال مرة أخرى فقال: ((أما ترضى أن تكون مثل نبي الله
- فوالذي نفسي بيده - لو شئت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضةً لسارت)) قال: والذي بعثك
بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالاً لأعطينَّ كل ذي حق حقه، فقال رسول الله وَّر: ((اللَّهم ارزق
ثعلبة مالاً)) قال: فاتخذ غنماً فَنَمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً
من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمّت وكثرت فتنحى
حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى
الركبان يوم الجمعة ليسألهم عن الأخبار فقال رسول الله وَ ليقول: ((ما فعل ثعلبة؟)) فقالوا: يا
رسول الله اتخذ غنماً فضاقت عليه المدينة، فأخبروه بأمره، فقال: ((يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا
ويح ثعلبة)).
وأنزل الله جل ثناؤه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ونزلت فرائض الصدقة، فبعث
رسول الله ص98 رجلين على الصدقة من المسلمين رجلاً من جهينة ورجلاً من سليم وكتب لهما
كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: ((مرا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا
صدقاتهما)) فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله وَله، فقال: ما هذه إلا
جزية! ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ فانطلقا، وسمع
بهما السُّلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بهما، فلما رأوها قالوا: ما
يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك، فقال: بلى فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما
هي لله، فأخذاها منه ومرًّا على الناس، فأخذا الصدقات ثم رجعا إلى ثعلبة فقال: أروني كتابكما
فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي! فانطلقا حتى أتيا
النبي ◌َ ﴿ فلما رآهما قال: ((ويح ثعلبة)) قبل أن يكلمهما ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي
صنع ثعلبة والذي صنع السُّلمي، فأنزل الله رَّت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ،
لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية، قال: وعند رسول الله وَّ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه
فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي وَّر فسأله أن يقبل
(١) رواية ابن عباس أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به عن ابن عباس، ورواية الحسن البصري
أخرجها الطبري بسند ضعيف بسبب ضعف شيخ الطبري ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وعنعنة
ابن إسحاق، وإرسال الحسن.

٣٢٣
سُورَةُ التَّوَّةِ (٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
منه صدقته، فقال: ((ويحك إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك))، فجعل يحثو(١) على رأسه
التراب، فقال له رسول الله وقال: ((هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني)) فلما أبى رسول الله صل و أن
يقبل صدقته رجع إلى منزله، فقبض رسول الله وَّه ولم يقبل منه شيئاً، ثم أتى أبا بكر ظُبه حين
استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ◌ّ ﴿ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال
أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﴿ وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها .
فلما ولي عمر به أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله رَليّ
ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟ فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان رظه أتاه فقال: اقبل صدقتي
فقال: لم يقبلها رسول الله وَله ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها منه فهلك ثعلبة
في خلافة عثمان(٢).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ الآية، أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم بسبب إخلافهم
الوعد وكذبهم؛ كما في الصحيحين عن رسول الله وَلو أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان))(٣) وله شواهد كثيرة، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَلَزْ يَعْلَمُوْ أَ اَللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمْ﴾ الآية، يخبر تعالى أنه يعلم السر وأخفى،
وأنه أعلم بضمائرهم وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها فإن الله
أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب أي يعلم كل غيب وشهادة، وكلَّ سر ونجوى،
ويعلم ما ظهر وما بطن.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيُ
وهذا أيضاً من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم ولمزهِم في جميع الأحوال حتى ولا
المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير
قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، كما روى البخاري: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو
النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود ظلانه قال: لما نزلت
آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا: مرائي، وجاء رجل
فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ
(١) أي يرمي.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ٢٦٠/٨ ح٧٨٧٣) كلهم من طريق معان بن رفاعة
به وسنده ضعيف جداً كذا قال الحافظ ابن حجر (الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ٢٩٢/٢)،
والعلة في سنده من جهة معان بن رفاعة: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الدارقطني: متروك (ميزان
الاعتدال ١٣٤/٤). وقد أفرد فضيلة د.عذاب محمود الحمش هذا الحديث برسالة مفردة فصل فيها
الافتراء على هذا الصحابي الجليل بعنوان ((ثعلبة بن حاطب ظته المفترى عليه)).
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة المنافق ح٣٢)، وصحيح
مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق (ح٥٩).

٣٢٤
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اَلْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهْ﴾ الآية(١). وقد رواه مسلم أيضاً في
صحيحه من حديث شعبة به(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا الجريري، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في
مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله وَّه بالبقيع وهو يقول: ((من يتصدق
بصدقة أشهد له بها يوم القيامة)) قال: فحللت من عمامتي لوثاً أو لوثين وأنا أريد أن أتصدق
بهما، فأدركني ما يدرك ابن آدم فعقدت على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه
سواداً ولا أصغر منه ولا أدم، ببعير ساقه لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها فقال: يا رسول الله
أصدقة؟ قال: ((نعم)) قال: دونك هذه الناقة، قال فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه فوالله لهي
خير منه. قال: فسمعها رسول اللّه ◌َله فقال: ((كذبت بل هو خير منك ومنها)) ثلاث مرات، ثم
قال: ((ويل لأصحاب المئين من الإبل)) ثلاثاً قالوا إلا من يا رسول الله؟ قال: ((إلا من قال
بالمال هكذا وهكذا)» وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله ثم قال: ((فد أفلح المزهد المجهد»
ثلاثاً(٣). المزهد في العيش، المجهد في العبادة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف
بأربعين أوقية من ذهب إلى رسول الله وَي9، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض
المنافقين: والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياء، وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا
الصاع(٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يوماً فنادى فيهم أن اجمعوا
صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله
هذا صاع من تمر بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما
وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله وَ القر أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله
ورسوله لغنيان عن هذا وما يصنعون بصاعك من شيء، ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال
لرسول الله وَله: هل بقي أحد من أهل الصدقات؟ فقال رسول الله وَ له: ((لم يبق أحد غيرك)) فقال
له عبد الرحمن بن عوف: فإن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن
الخطاب ربه: أمجنون أنت؟ قال: ليس بي جنون، قال: أفعلت ما فعلت؟ قال: نعم مالي
ثمانية آلاف أما أربعة آلاف فأقرضها ربي وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله وَلقوله: ((بارك الله
لك فيما أمسكت وفيما أعطيت)). ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا
رياء وهم كاذبون إنما كان به متطوعاً، فأنزل الله من عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء
بالصاع من التمر فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوْعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَفَتِ﴾
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه تقريباً (الصحيح، الزكاة، باب ((اتقوا النار ولو بشق تمرة ... )) ح١٤١٥).
(٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحمل بأجرة يتصدق بها ... (ح١٠١٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/ ٤٧٠ - ٤٧١ ح ٢٠٣٦٠) وضعفه محققوه لجهالة الراوي عنه
أبو السليل.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي طلحة له ويشهد له ما قبل سابقه في الصحيحين.

٣٢٥
• سُوَّرَةُ الْتَوَيَّةِ﴾ (٧٩)
000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
الآية (١)، وهكذا روي عن مجاهد وغير واحد(٢).
وقال ابن إسحاق: كان من المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف تصدق
بأربعة آلاف درهم وعاصم بن عدي أخو بني العجلان، وذلك أن رسول الله (وَ ل﴿ رغَّب في
الصدقة وحضَّ عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف وقام عاصم بن عدي
وتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا: ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو
عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة،
فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل(٣).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي
سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: «تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً))
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله: عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي
وألفين لعيالي، فقال رسول الله وَلجر: ((بارك الله لك فيما أعطيت وبارك لك فيما أمسكت))، وبات
رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر فقال يا رسول الله: أصبت صاعين من تمر صاع
أقرضه لربي وصاع لعيالي، قال فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا
رياء، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيّين عن صاع هذا؟ فأنزل الله ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَلَّوْعِينَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الآية (٤)، ثم رواه عن
أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلاً، قال ولم يسنده أحد إلا
طالوت.
وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن
عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه، قال: بتُّ أجر الجرير على ظهري
على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به وجئت بالآخر أتقرب إلى
رسول الله ﴿ فأتيته فأخبرته، فقال: ((انثره في الصدقة)) قال: فسخر القوم، وقالوا: لقد كان الله
غنياً عن صدقة هذا المسكين، فأنزل الله: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوَّعِينَ﴾ الآيتين(٥)، وكذا رواه
الطبراني من حديث زيد بن حباب به (٦)، وقال: اسم أبي عقيل: حباب ويقال: عبد الرحمن بن
عبد الله بن ثعلبة.
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويشهد لبعضه ما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مختصراً وهو مرسل وتشهد له رواية
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٩٦/٤).
(٤) مسند البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢١٦)، وفي سنده عمر بن أبي سلمة وهو صدوق يخطئ (التقريب
ص٤١٣) ولبعضه شواهد تقدمت يتقوى بها .
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، وضعف موسى بن عبيدة وهو
الربذي.
(٦) المعجم الكبير ٤٥/٤، وسنده ضعيف كسابقه.

٣٢٦
سُورَةُ التَّوَنَّةِ (٨٠، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمُّ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم
بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصاراً للمؤمنين في
الدنيا، وأعدَّ للمنافقين في الآخرة عذاباً أليماً؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَيْعِينَ مَرَّةً فَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ
كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
يخبر تعالى نبيه * بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلاً للاستغفار وأنه لو استغفر لهم سبعين مرة
فلن يغفر الله لهم، وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسماً لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في
أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها ولا أن يكون ما زاد عليها
بخلافها، وقيل: بل لها مفهوم كما روى العوفي عن ابن عباس أن رسول الله وسلم قال: ((لما
نزلت هذه الآية أسمع ربِّي قد رخّص لي فيهم فوالله لأستغفرنَّ لهم أكثر من سبعين مرة لعلّ الله
أن يغفر لهم)) فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَّ تَسْتَغْفِرْ لَّمْ﴾
الآية (١) [المنافقون: ٦].
وقال الشعبي: لما ثَقُلَ عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي وَّر فقال: إن أبي قد احتضر
فأحبُّ أن تشهده وتصلي عليه فقال له النبي وَلّر: ((ما اسمك؟)) قال: الحباب بن عبد الله قال:
((بل أنت عبد الله بن عبد الله إن الحباب اسم شيطان))، فانطلق معه حتى شهده وألبسه قميصه
وهو عرق وصلَّى عليه فقيل له: أتصلي عليه وهو منافق؟ فقال: ((إن الله قال: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ
سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرنَّ لهم سبعين وسبعين وسبعين))(٢). وكذا روي عن عروة بن الزبير ومجاهد بن
جبير وقتادة بن دعامة رواها ابن جرير بأسانيده(٣).
] ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ بِمَفْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوْ أَن يُجَهِدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِىِ الْحَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿﴿ فَلَيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَّكُوْ كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ
يقول تعالى ذامَّاً للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله وسط# في غزوة تبوك، وفرحوا
بقعودهم بعد خروجه: ﴿وَكَرِهُوَاْ أَنْ يُجَهِدُوا﴾ معه ﴿يِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ﴾ أي: بعضهم
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي مرسلاً، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن عمر بن
الخطاب، والشعبي لم يسمع من عمر، ويتقوى بالمتابعة فقد أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب
﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧١) وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن
عباس عن عمر ، لكن بدون ذكر السؤال عن الاسم والجواب بأن الحباب اسم شيطان، كما يشهد له
ما في الصحيح فقد أخرجه البخاري من طريق نافع عن ابن عمر نحوه دون ذكر السؤال عن الاسم
(الصحيح، التفسير، باب ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧٠).
(٣) قول عروة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح لكنه مرسل، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه
مرسل، وكذا قول قتادة، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً وتشهد له رواية البخاري السابقة.

٣٢٧
• سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨١، ٨٢)
البعض ﴿لَا نَفِرُواْ فِىِ الْخَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدَّة الحرِّ عند طيب الظلال
والثمار، فلهذا قالوا: ﴿لَ نَفِرُواْ فِى الْخَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله وَّ: ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿نَارِ جَهَنَّمَ﴾
التي تصيرون إليها بمخالفتكم ﴿أَشَدُّ حَرَّ﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشدّ حرَّاً من النار؛ كما
قال الإمام مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لقر قال: ((نار بني
آدم التي يوقدون بها جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)) فقالوا: يا رسول الله إن كانت الكافية؟
فقال: ((فُضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)) (١) أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي (وَل
قال: ((إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وضربت في البحر مرتين، ولولا ذلك
ما جعل الله فيها منفعة لأحد))(٣) وهذا أيضاً إسناده صحيح.
وقد روى الإمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه عن عباس الدوري وعن يحيى بن أبي بكير،
عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَله: ((أوقد الله
على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّت، ثم أوقد عليها ألف
سنة، حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل المظلم)) ثم قال الترمذي: لا أعلم أحداً رفعه غير يحيى،
كذا قال(٤)، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن
الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعد، عن عمه، عن شريك وهو ابن عبد الله النخعي به(٥).
وروى - أيضاً - ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس قال: تلا
رسول الله وَله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] قال: ((أوقد عليها ألف عام حتى
ابيضَّت، وألف عام حتى احمرَّت، وألف عام حتى اسودَّت، فهي سوداء كالليل لا يضيء
لهبها(٦) .
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث تمَّام بن نجيح، وقد اختلف فيه، عن الحسن،
عن أنس رفعه: (لو أن شرارة بالمشرق - أي من نار جهنم - لوجد حرُّها مَنْ بالمغرب))(٧).
وروى الحافظ أبو يعلى، عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن
حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن أبي هريرة
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه تقريباً (الموطأ، كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم ٢/ ٩٩٤ ح١)
وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة (ح٣٢٦٥) وصحيح مسلم، الجنة، شدة حرّ نار
جهنم (ح ٢٨٤٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ٢٨٠ ح٧٣٢٧) وصحح سنده محققوه، وصححه أيضاً الحافظ
ابن كثير.
(٤) سنن الترمذي، أبواب صفة جهنم (ح٢٥٩١) وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٣٢٠) وفي سنده
شريك بن عبد الله النخعي: صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه (التقريب ص٢٦٦).
(٥) سنده کسابقه.
(٦) في سنده مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي (التقريب ص٥١٩) ولم يصرح بالسماع.
(٧) سنده ضعيف لضعف تمام بن نجيح وهو الأسدي (التقريب ص ١٣٠).

٣٢٨
سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٨١، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: قال رسول الله وَالقر: ((لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل
النار فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه))(١) غريب.
وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَله: ((إن أهون
أهل النار عذاباً يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم يغلي منهما دماغه كما يغلي
المِرجل، لا يرى أن أحداً من أهل النار أشد عذاباً منه وإنه أهونهم عذاباً)) أخرجاه في
الصحيحين من حديث الأعمش(٢).
وقال مسلم أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا زهير بن محمد،
عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله واليهود
قال: ((إن أدنى أهل النار عذاباً يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ
قال: ((إن أدنى أهل النار عذاباً رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه))(٤) وهذا إسناد جيد قوي
رجاله على شرط مسلم والله أعلم، والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة، وقال الله تعالى في
كتابه العزيز ﴿كَلَّ إِنَّهَا لَظَى ﴿ نَزَّاعَةُ لِِّشَوَى (٣)﴾ [المعارج] وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ
كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ
وَلَمُ مَّقَِعُ مِنْ حَدِيدٍ
٢٠
اٌلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَاْخُلُودُ (
غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِقِ (٨)﴾ [الحج] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِهِمْ
نَارًّا كَمَا تَضَِتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابٌ﴾ [النساء: ٥٦] وقال تعالى في هذه الآية
الكريمة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع
الرسول في سبيل الله في الحرِّ، ليتقوا به من حرِّ جهنم الذي هو أضعاف أضعاف هذا ولكنهم
كما قال الآخر(٥):
كالمستجير من الرمضاء بالنار
وقال الآخر:
مـخـافـة من البارد والحار
عمرك بالحمية أفنيته
مِن المعاصي حذر النار
وكان أولى لك أن تتقي
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٢/١٢ ح ٦٦٧٠)، وأخرجه أبو نعيم من طريق إسحاق بن أبي
إسرائيل وقال: غريب (الحلية ٣٠٧/٤)، وكذا استغربه الحافظ ابن كثير، وقال المنذري: في متنه نكارة
(الترغيب ٣٤٣/٤).
(٢) أخرجه البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق به (الصحيح، الرقاق، باب صفة الجنة والنار
ح ٦٥٦٢)، وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذاباً ح٣٦٤/
٢١٣).
(٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذاباً ح٢١١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٢/١٥ ح ٩٦٦٠)، وقال محققوه: إسناده قوى. وزاد ابن كثير:
جيد قوي رجاله على شرط مسلم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير
یزید بن خالد بن موهب وهو ثقة (مجمع الزوائد ٣٩٥/١٠).
(٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، ولعل الصواب: كما قال الشاعر أو الراجز.

٣٢٩
سُورَةُ التَّوَنَّةِ (٨٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال تعالى جلَّ جلاله متوعداً هؤلاء المنافقين على صنيعهم هذا: ﴿فَيَضْحَكُوْ قَلِيلًا﴾ الآية،
قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا
وصاروا إلى الله رَك استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً (١). وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة
والربيع بن خثيم وعون العقيلي وزيد بن أسلم (٢).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا
محمد بن جبير، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك
قال: سمعت رسول الله * يقول: ((يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار
يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح
العيون، فلو أن سفناً أزجيت فيها لجرت))(٣) ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش عن يزيد
الرقاشي به (٤).
وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباس، حدثنا
حماد الجزري، عن زيد بن رفيع رفعه، قال: إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً ثم
بكوا القيح زماناً، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها
أهلها في الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة يا معشر
الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً، وكنا طول الموقف عطاشاً ونحن اليوم
عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم، ثم يجيبهم
﴿ إِنَّكُ مَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فييأسون من كل خير))(٥).
- ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اَللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأُسْتَقْذَنُوَ لِلْخُرُوِجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن نُقَتِلُواْ مَعِىَ
عَدُوًّاْ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ (بَ﴾﴾﴾ .
يقول تعالى آمراً لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردَّك الله من غزوتك
هذه ﴿إِلَى طَآَيْفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً(٦) ﴿فَأُسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي:
معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُل لَّن تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَدِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيراً لهم وعقوبة، ثم
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) قول أبي رزين أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤١٨/١٣)، وسعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١٠٢٨)،
والطبري وابن أبي حاتم كلهم بأسانيد صحيحة من عدة طرق عن أبي رزين، وقول الحسن أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من سعيد بن أبي
عروبة عنه، وقول الربيع بن خيثم أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٩٦/١٣)، والطبري بسند صحيح عن
الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم، وقول عون العقيلي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند مع
التابعين المذكورين، وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وليس فيه عن زيد بن أسلم.
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٦١/٧ ح٤١٣٤)، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.
(٤) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح٤٣٢٤) وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) سنده مرسل لأن زيد بن رفيع تابعي.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: من المنافقين، ورجاله ثقات لكنه مرسل.

٣٣٠
• سُورَةُ التَّنَّةِ (٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
علَّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَّهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ
كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة
الحسنة بعدها، كما قال في عمرة الحديبية: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا
ذَرُونَا نَّعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِّ قُل لَّنْ تَقَبِعُونَّا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلٌ﴾ [الفتح: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿فَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة(١).
وقال قتادة: ﴿فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ أي: مع النساء(٢).
قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء
لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس
2] ﴿وَلَا تُصَلِ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِوَّةٍ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَانُواْ وَهُمْ
فَسِقُونَ (فَه] )
أمر الله تعالى رسوله وهو أن يبرأ من المنافقين وأن لا يصلي على أحد منهم إذا مات، وأن لا
يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في
كلِّ من عُرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين كما
قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر
قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله وملر فسأله أن يعطيه
قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله وٍَّ﴿ ليصلي عليه، فقام
عمر فأخذ بثوب رسول الله وَ﴿ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟!
فقال رسول الله وَّه: ((إنما خيرني الله فقال: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ
مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسأزيده على السبعين)) قال: إنه منافق. قال: فصلَّى عليه
رسول الله وٌَّ، فأنزل الله رَكْ آيَة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِّوْءٍ﴾(٣).
وكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أُسامة به (٤)، ثم رواه
البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به،
وقال فصلى عليه وصلينا معه وأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية(٥). وهكذا رواه
الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله به(٦).
وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه - أيضاً - بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد:
حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وردّه الطبري ورجح قول ابن عباس ﴿ها.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧٠).
(٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٤).
(٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] (ح ٤٦٧٢).
(٦) المسند ١٨/٢.

٣٣١
سُورَةُ التّوَنَةِ (٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب ظُبه يقول: لما توفي عبد الله بن أبي [دُعي رسول الله وَليه
للصلاة عليه، فقام إليه فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت:
يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله بن أُبي] (١) القائل يوم كذا وكذا وكذا يعدد أيامه؟! قال:
ورسول الله وَ﴿ يبتسم، حتى إذا أكثرتُ عليه فقال: ((أخِّر عني يا عمر، إني خُيرتِ فاخترت، قد
قيل لي: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت)) قال: ثم صلَّى عليه ومشى معه وقام على قبره
حتى فرغ منه، قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله وَّيه والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما
كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية. فما صلى
رسول الله وَّر بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله ري(٢). وهكذا رواه الترمذي في
التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري به، وقال: حسن صحيح(٣).
ورواه البخاري، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به فذكر مثله، قال:
((أخّر عني يا عمر)) فلما أكثرت عليه قال: ((إني خُيرت فاخترت ولو أعلم أني إن زدت على
السبعين غفر له لزدت عليها)) قال: فصلَّى عليه رسول الله ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيراً حتى
نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ﴾ الآية، فعجبت بعدُ من
جرأتي على رسول الله وَّة، ورسول الله وَلي أعلم(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال:
لما مات عبد الله بن أبي أتى ابنه النبيَّ وَ له فقال: يا رسول الله إنك إن لم تأته لم نزل نُعيَّر بهذا،
فأتاه النبي و له فوجده قد أُدخل في حفرته فقال: ((أفلا قبل أن تدخلوه))؟ فأخرج من حفرته، وتفل
عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه وألبسه قميصه(٥)، ورواه النسائي، عن أبي داود الحراني، عن
يعلى بن عبيد، عن عبد الملك وهو ابن أبي سليمان به (٦).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو سمع جابر بن عبد الله
قال: أتى النبي وَ* عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في قبره فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه
ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه (٧). والله أعلم.
وقد رواه أيضاً في غير موضع مع مسلم والنسائي من غير وجه، عن سفيان بن عيينة(٨) به.
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) ومسند أحمد.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥٤/١ ح٩٥)، وحسن سنده محققوه.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة التوبة (ح ٣٠٩٧).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٠] ح ٤٦٧١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند / ٢٣٧ ح ١٤٩٨٦) وصحح سنده محققوه.
(٦) السنن الكبرى، التفسير (ح ٩٦٦٥).
(٧) صحيح البخاري، اللباس، باب لبس القميص (ح ٥٧٩٥).
(٨) صحيح البخاري، الجنائز، باب الكفن في القميص (ح١٢٧٠)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين
(ح ٢٧٧٣)، وسنن النسائي، الجنائز، باب القميص في الكفن ٣٧/٤.

٣٣٢
• سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا
يحيى، حدثنا مجالد، حدثنا عامر، حدثنا جابر ((ح)) وحدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن
مغراء الدوسي، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: لما مات رأس المنافقين قال يحيى بن
سعيد بالمدينة: فأوصى أن يصلي عليه النبي و ﴿ فجاء ابنه إلى النبي وَّه فقال: ((إن أبي أوصى أن
يكفن بقميصك ـ وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء - قال يحيى في حديثه: فصلَّى عليه
وألبسه قميصه فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمنِ:
وخلع النبي ◌َّر قميصه، فأعطاه إياه ومشى، فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل لعلّها لما ولَّى
قال: ﴿وَلَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَ نَّقُمْ عَلَى قَبْرِدْ﴾(١) وإسناده لا بأس به وما قبله شاهد له.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أحمد، حدثنا حماد بن سلمة،
عن يزيد الرقاشي، عن أنس، أن رسول الله وَل# أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ
جبريل بثوبه وقال: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾(٢). ورواه الحافظ أبو يعلى
في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف(٣).
وقال قتادة: أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله وَالر وهو مريض فلما دخل عليه قال له
النبي ◌ِ الجر: ((أهلكك حبُّ يهود)) قال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك
لتؤنِّبني، ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه إياه وصلَّى عليه وقام على قبره،
فأنزل الله رَى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَّ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية(٤).
وقد ذكر بعض السلف أنه إنما كساه قميصه، لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طلب له قميص
فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي لأنه كان ضخماً طويلاً، ففعل ذلك به رسول الله وَل
مكافأة له، فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله وَ له بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على
أحد من المنافقين ولا يقوم على قبره، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن أبيه،
حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا دُعي إلى جنازة سأل عنها، فإن
أثني عليها خيراً قام فصلى عليها، وإن كان غير ذلك قال لأهلها: ((شأنكم بها)) ولم يصلِّ عليها (٥).
وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن
اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول الله ويسلقو، ولهذا كان يقال له:
صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة.
وقال أبو عبيد في كتاب ((الغريب)) في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه
(١) في سنده مجالد، وهو ابن سعيد، ليس بالقوي كما في التقريب وله شاهد سابق، ولهذا قال ابن كثير:
إسناده لا بأس به.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.
(٣) مسند أبي يعلى ١٤٥/٧ (ح٤١٢٢) وسنده كسابقه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل، ولشقه الأخير شواهد
صحيحة تقدمت.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٩/٣٧ ح ٢٢٥٥٥)، وصحح سنده محققوه. وقال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٣/٣).

٣٣٣
• سُورَةُ التَّوَّةِ) (٨٥، ٨٧)
00000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
حذيفة كأنه أراد أن يصدّه عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم: أن المرز - بلغة أهل اليمامة -
هو القرص بأطراف الأصابع.
ولما نهى الله وَق عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا
الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في
الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة رضيبه، أن رسول الله وَ لو قال: ((من شهد الجنازة حتى
يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)) قيل: وما القيراطان؟ قال:
((أصغرهما مثل أحد))(١).
وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فروى أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي،
أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان،
عن عثمان رظُه قال: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: ((استغفروا
لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل)) (٢) انفرد بإخراجه أبو داود رحمه الله تعالى.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلَهُمْ وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ
كَفِرُونَ
قد تم تفسير نظير هذه الآية الكريمة(٣)، ولله الحمد.
﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أَسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ اُلَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا
٠
نَكُنْ مَعَ الْفَعِدِينَ ﴿ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْفَهُونَ
يقول تعالى منكراً وذامًاً للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة
والطول(٤)، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَهِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار
والقعود في البلد مع النساء، وهنَّ الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن
الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاماً، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا جَآءَ
اْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِّنَةِ
حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن
شيء، وكما قال الشاعر:
أفي السلم أعيار(٥) أجفاء وغلظة
وفي الحرب أشباه النساء العوارك (٦)؟(٧)
(١) صحيح البخاري، الجنائز، باب من انتظر حتى تدفن (ح١٣٢٥)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب فضل
الصلاة على الجنازة واتباعها (ح٤٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت ح٣٢٢١)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح٢٧٥٨).
(٣) في تفسير الآية رقم (٥٥) من هذه السورة الكريمة.
(٤) أي الغنى.
(٥) أعيار: جمع عَير، وهو الحمار.
(٦) العوارك: أي الحوائض. قال السهيلي: عركت المرأة وطمئت إذا حاضت (الروض الأنف ٨٣/٢).
(٧) ذكره ابن هشام ونسبه إلى هند بنت عتبة (السيرة ٦٥٦/١).

٣٣٤
سُورَةُ التَّوَنَّةِ (٨٨، ٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال تعالي في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ
وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِم ◌َرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَأَوْلَى لَهُمْ
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ﴿﴿ فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ (49)﴾ الآية [محمد].
وقوله: ﴿وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب نكولهم عن الجهاد والخروج مع الرسول في سبيل الله
﴿فَهُمْ لَا يَفْفَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه ولا ما فيه مضرة لهم فيجتنبوه.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِزَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثِّ وَأُوْلَبِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿َ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(٨٩)
لما ذكر تعالى ذنب المنافقين وبين ثناءه على المؤمنين وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿لَكِنِ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ ... ﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم، وقوله:
﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُ﴾ أي: في الدار الآخرة في جنات الفردوس، والدرجات العلى.
2] ﴿وَلَ اٌلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (
.
ثم بيَّن تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاؤوا رسول الله پ# يعتذرون إليه ویبینون
له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة.
قال الضحاك، عن ابن عباس، إنه كان يقرأ: ﴿وَجَّمَ اٌلْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل
العذر(١). وكذا روى ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء(٢).
قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار خفاف بن إيماء بن رخصة (٣)، وهذا: القول هو
الأظهر في معنى الآية، لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَجَلَّ اٌلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اُلْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار جاؤوا
فاعتذروا فلم يعذرهم الله(٤)، وكذا قال الحسن وقتادة(٥) ومحمد بن إسحاق والقول الأول أظهر
والله أعلم، لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ظه، والقراءة
بالتخفيف متواترة، والمعنى صحيح.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ١٠٣٠)، والطبري كلاهما من طريق سفيان بن عيينة به وسنده
حسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٥٥٢/٢).
(٤) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن زكريا عن ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من
مجاهد ویشهد له ما يلي.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بأنها نزلت في عائذ بن عمرو
وهو من قبيلة مُزينة وليس من بني غفار.

٣٣٥
• سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ﴾ (٩١، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأعراب عن المجيء للاعتذار ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
] ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَ عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا
نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِةٍ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَآ أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَقْذِبُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ
يُفِقُونَ هَا ﴾
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
ثم بيَّن تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم
للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه
العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن
الخروج في سبيل الله أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا
قعدوا ونصحوا في حال قعودهم ولم يرجفوا بالناس ولا يثبطوهم وهم محسنون في حالهم هذا،
ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة به قال: قال الحواريون
يا روح الله أخبرنا عن الناصح الله؟ قال: الذي يؤثر حقَّ الله على حقِّ الناس، وإذا حدث له
أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة ثم تفرغ للذي للدنيا (١).
وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء فقام فيهم بلال بن سعد فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال: يا معشر من حضر ألستم مقرينٍ بالإساءة؟ قالوا: اللَّهم نعم، فقال: اللَّهم إنَّا نسمعك
تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ اللَّهم وقد أقررنا بالإساءة فاغفر لنا وارحمنا واسقنا، ورفع
يديه، ورفعوا أيديهم فسُقوا(٢).
وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر، عن ابن
فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله وَّ فكنت
أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله و * ينظر ما ينزل
عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾
الآية (٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية، وذلك أن رسول الله وَ ر أمر الناس أن ينبعثوا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري به، وأبو ثمامة تابعي روى عن الحسين بن علي بن أبي
طالب (الجرح والتعديل ٣٥١/٩).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح (لكنه مرسل) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٣٣٦
• سُؤَرَّةُ الْتَوَتَّةِ (٩١، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم: عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا:
يا رسول الله احملنا. فقال لهم: ((والله لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون وعزَّ عليهم
أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة أو محملاً. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة
رسوله أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(١).
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوََّكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من
مزينة (٢).
وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني
واقف: حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب ويكنى أبا ليلى، ومن
بني المعلى: سلمان بن صخر، ومن بني سلمة: عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني(٣).
وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله والهم
وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير،
وعلية بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار،
وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول:
بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وحرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعياض بن سارية
الفزاري، فاستحملوا رسول الله وَ﴿، وكانوا أهل حاجة فقال: ﴿لَاَ أَجِدُ مَّا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَّأَعْيُنُهُمْ نَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُفِقُونَ﴾(٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن قال: قال
رسول الله ◌َ: ((لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً ولا نلتم من عدو
نيلاً إلا وقد شركوكم في الأجر)) ثم قرأ: ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوََّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَآَ
أَخْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية(٥)، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث [أنس](٦) أن رسول الله واله
قال: ((إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم)) قالوا: وهم بالمدينة؟
قال: ((نعم حبسهم العذر))(٧) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وله شواهد يتقوى بها كما سيأتي ومنها ما أخرجه ابن
أبي حاتم بسند جيد عن أبي العالية نحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر وهو نجيح عن محمد بن كعب.
(٤) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق مقطعاً ومختصراً وذكره ابن هشام في السيرة (٢)
٥١٨).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ولشطره الأول شاهد في الصحيحين كما يلي.
(٦) في الأصل بياض واستدرك من (عم) و(حم) و(مح) والصحيحين.
(٧) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن الغزو (ح٢٨٣٩)، وأخرجه مسلم من حديث جابر كما
سيأتي في الرواية التالية.

٣٣٧
سُورَةُ التَّوَّةِ﴾ (٩٤، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَلجر: ((لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سلكتم طريقاً إلا شركوكم في
الأجر، حبسهم المرض)) (١). ورواه مسلم وابن ماجه من طرق عن الأعمش به(٢).
ثم ردَّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنَّهُم في رضاهم بأن
يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
] ﴿يَعْنَذِّرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمَّ قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمَّ قَدْ نَأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمَّ وَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ( سَيَحْلِفُونَ بِلهِ
لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَغْرِضُوْ عَنْهُمْ إِنَهُمْ رِجْمٌُ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ ﴿ يَخْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمِّ فَإِنِ تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
.
٢٩٦
أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُل لَّا تَعْتَذِرُواْ لَنْ
تُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى
اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولٌ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ فَيُنْتِثُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها ويجزيكم عليها.
ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين لتعرضوا عنهم، فلا تؤنِّوهم فأعرضوا عنهم احتقاراً
لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْمٌُ﴾ أي: خبث نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَنَّهُمْ﴾ في آخرتهم جهنم ﴿جَزَاءُ بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه
سميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها).
﴿ ﴿اَلْأَغْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمُ
حَكِيمٌ (49) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَّصُ بِكُ الدَّوَابِرَّ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءُ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمٌ
◌َ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ
٩٩
وَصَلَوَتِ الرَّسُولِّ أَلَّ إِنَّهَا قُرْبَّةٌ لَّهُمَّ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
أخبر تعالى أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من
غيرهم وأشدُّ وأجدر، أي أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، كما قال
الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت
يده قد أُصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجني، وإن يدك لتُريبُني. فقال
زيد: ما يُريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو
الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٠/٣) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الجهاد، باب ثواب من حبسه العذر عن الجهاد (ح١٩١١)، وسنن ابن ماجه، الجهاد باب
ثواب من حبسه العذر عن الجهاد (ح٢٧٦٥).

٣٣٨
سُورَةُ التَّوَيَّةِ، (٩٧، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ﴾(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن
وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن رسول الله وَ الر قال: ((من سكن البادية جفا (٢) ومن اتبع الصيد
غفل(٣)، ومن أتى السلطان افتتن))(٤)، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان
الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري(٥).
ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولاً، وإنما كانت البعثة من
أهل القرى كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف:
١٠٩] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله وَ لّ فردَّ عليه أضعافها حتى رضي، قال:
((لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قُرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي))(٦)، لأن هؤلاء كانوا
يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقاً من الأعراب لما في طباع
الأعراب من الجفاء.
(حديث [الأعرابي في تقبيل الولد): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا:
حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على
رسول الله ﴿ فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبّل، فقال
رسول الله : ((وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة)) وقال ابن نمير: ((من قلبك
الرحمة))](٧)(٨).
وقوله: ﴿وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم
بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته.
وأخبر تعالى أن منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ﴾ أي: في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامة وخسارة
﴿وَيَتَرَبَصُ بِكُ الدَّوَابِرِ﴾ أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات ﴿عَلَيَّهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءُ﴾ أي: هي منعكسة
عليهم والسوء دائر عليهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده عليم بمن يستحق النصر
ممن يستحق الخذلان.
(١) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى ١٢٣/٦)، وابن أبي حاتم كلاهما بسند صحيح من طريق يعلى بن عبيد
عن الأعمش به.
(٢) قال السندي: أي غَلُظ طبعه لقلة مخالطة العلماء.
(٣) قال السندي: أي يستولي عليه حبَّه حتى يصير غافلاً عن غيره.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦١/٥ ح٣٣٦٢)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي بالشواهد.
وصححه غيرهم كما يلي.
(٥) سنن أبي داود، الصيد، باب في اتباع الصيد (ح٢٨٥٩)، وسنن النسائي، الصيد والذبائح، باب اتباع
الصيد ١٩٥/٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٤٨٦).
(٦) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة (السنن، المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة ح٣٩٤٥) وصححه
الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٣٠٩١).
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الفضائل، باب رحمته وَ ﴿ الصبيان والعيال ح ٢٣١٧).

٣٣٩
• سُوْدَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرْبَتٍ عِندَ اللَّهِ
وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في
سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿أَّ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ أي:
ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهَةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
﴿وَلِسَبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم ◌ِحْسَنٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم
عنه بما أعدَّ لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم.
قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار من أدرك بيعة الرضوان عام
الحديبية(١).
وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين
صلوا إلى القبلتين مع رسول الله وَل﴾(٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: مرَّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية، ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ
مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَصَارِ﴾ فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أُبي بن كعب، فقال: لا
تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم.
قال: وسمعتها من رسول الله وَلا؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنَّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد
بعدنا، فقال أُبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [الجمعة] وفي سورة الحشر: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]،
وفي الأنفال: ﴿وَذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥].
ورواه ابن جرير(٣)، قال: وذُكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع (الأنصارُ) (٤) عطفاً
على ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾، فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبَّهم أو أبغض أو سبَّ بعضهم،
ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني: الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبثر عن مطرف عن عامر الشعبي، وذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى
ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم، وذكره ابن أبي حاتم بحذف السند بلفظ: «إنهم الذين
صلوا إلى القبلتين)).
(٢) قول أبي موسى الأشعري أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق مولى لأبي موسى عن أبي موسى،
ومولى أبي موسى لم أجد له ترجمة، وله شواهد عن التابعين فقد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
قتادة عن سعيد بن المسيب، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه
الطبري بسند حسن من طريق ابن عون عن ابن سيرين.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب به، وأبو معشر هو نجيح السندي،
وهو ضعيف.
(٤) ذكره الطبري بدون سند، وهي قراءة متواترة.

٣٤٠
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بكر بن أبي قحافة له، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم
ويسبُّونهم. عياذاً بالله من ذلك.
وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ
يسبُّون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السُّنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ويسبُّون من سبَّه الله
ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله وهم متَّبِعون لا مبتدعون ويقتدون ولا
يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.
- ﴿وَمِعَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُتَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةُ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ
١٠١
نَعْلَمُهُمَّ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ
يخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن في أحياء العرب من حول المدينة منافقون،
وفي أهل المدينة - أيضاً - منافقون ﴿مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال:
شيطان مريد، ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي عتا وتجبَّر.
وقوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَّرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِ لَحْنِ الْقَوْلَّ﴾ [محمد: ٣٠] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه
يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من
يخالطه من أهل المدينة نفاقاً وإن كان يراه صباحاً ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام
أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن
رجل، عن جُبير بن مُطعم ربه، قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة
فقال: ((لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب)) وأصغى إلى رسول الله وَل برأسه فقال: ((إن
في أصحابي منافقين))(١).
ومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له ومن مثلهم صدر
هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: ﴿وَهَقُواْ بِمَا لَ يَنَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤]
أنه وي﴿ أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقاً، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع
على أسمائهم وأعيانهم كلِّهم، والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا
صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي
الدرداء أن رجلاً يقال له: حرملة أتى النبي (وَ ل ﴿ فقال: الإيمان ههنا وأشار بيده إلى لسانه،
والنفاق ههنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلاً، فقال رسول الله وَّر: ((اللَّهم اجعل له
لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وارزقه حُبِّي وحُبَّ من يحبني، وصيِّر أمره إلى خير)) فقال: يا
رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين وكنت رأساً فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: ((من أتانا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٧/٢٧ - ٣٢٨ ح ١٦٧٦٤) وسنده ضعيف الإبهام الراوي عن
جُبير بن مُطعم دَُّه.