Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
• سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال: غريب(١).
وروى الحافظ البهاء في المستقصى عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن
صقير، حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعاً يقول الله: ((وعزتي وجلالي إني لأهمُّ
بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عُمَّار بيوتي وإلى المتحابين فيَّ وإليَّ)) المستغفرين بالأسحار
صرفت ذلك عنهم(٢). ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد، عن معاذ بن
جبل أن النبي ◌ّ﴾ قال: ((إن الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية،
فإِيَّكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامَّة والمسجد))(٣).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت
أصحاب محمد ◌َّه وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حقٌّ على الله أن يكرم
من زاره فيها .
وقال المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس ؤًّا قال: من سمع النداء بالصلاة ثم لم يجب ولم يأت المسجد ويصلي فلا صلاة له وقد
عصى الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾
الآية(٤)، رواه ابن مردويه. وقد روي مرفوعاً من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر ليس هذا
موضع بسطها .
وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَءَاتَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: التي هي
أفضل الأعمال المتعدية إلى برِّ الخلائق.
وقوله: ﴿وَلَمَّ يَخْشَ إلَّا اللَّه﴾ أي: ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسَىّ أُوْلَكَ
أَنْ يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
الآَخِرِ﴾ يقول: من وحَّد الله وآمن باليوم الآخر يقول: من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ﴾
يعني: الصلوات الخمس ﴿وَلَّ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يقول: لم يعبد إلا الله.
ثم قال: ﴿فَعَسَىٌّ أُوْلَئِكَ﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ◌َّ: ﴿عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة (٥).
(١) هو غريب كما قال، وفي سنده أيضاً والد حكامة : عثمان بن دينار قال الذهبي في ترجمته: لا شيء
والخبر كذب (ميزان الاعتدال رقم ٥٥٠٢).
(٢) سنده ضعيف لضعف صالح المري كما تقدم قبل روايتين، واستغربه أيضاً الحافظ ابن عساكر.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٨/٣٦ ح٢٢٠٢٩) وفي سنده العلاء بن زياد لم يسمع من
معاذ، وحسنه لغيره محققوه بالشواهد.
(٤) هذا الجزء من السند حسن، ولكن لم يتبين من الراوي عن المسعودي، وقد صرح الحافظ ابن كثير أن له
شواهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.

٢٦٢
• سُوَّرَةُ الْتَوَيَّةِ (١٩، ٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
وقال محمد بن إسحاق بن يسار تَخَّتُهُ: وعسى من الله حق(١).
﴿ أَجَعَلْتُمُ سِقَائَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَِّلِينَ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَلِمْ
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّكُمْ فِيَهَا
٢٠
وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ اٌلْفَآِرُونَ
خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
نَعِيمٌ مُقِيهُ
قال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: إن المشركين قالوا: عمارة
بيت الله وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم، ويستكبرون به من
أجل أنهم أهله وعماره، فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ
(٢)﴾ [المؤمنون]
مُسْتَكَبِينَ بِهِ، سَمِرًا تَهْجُرُونَ
كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ نَكِصُونَ ١
يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم قال: ﴿بِهِ، سَِرًا﴾ كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن
والنبي ◌َّ هر، فخير الله الإيمان والجهاد مع النبي وَّل على عمارة المشركين البيت وقيامهم على
السقاية ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويحرمون به. قال الله
تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَِّينَ﴾ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة،
فسمَّاهم الله: ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئاً(٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قد نزلت في العبّاس بن
عبد المطلب حين أسر ببدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر
المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني، قال الله : ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا
يَدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾ يعني: أن ذلك كله كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك(٣).
وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العبَّاس وأصحابه الذين أُسروا يوم بدر
يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونفك العاني ونحجب
البيت ونسقي الحاج، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجّ﴾ الآية (٤).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي: قال: نزلت في علي
والعباس ها بما تكلما في ذلك(٥).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر قال:
سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة(٦) من بني عبد الدار وعباس بن
عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء بتُّ فيه.
(١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وورد أيضاً في سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويتقوى بعضه بالرواية التالية من طريق ابن أبي طلحة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف معضل لأن الضحاك تابع تابعي، ويتقوى بسابقه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق وسنده مرسل يتقوى بما سبق.
(٦) ورد في حاشية الأصل: لعله عثمان بن طلحة. اهـ. والمثبت هو كما في تفسير الطبري.

٢٦٣
سُورَةُ التَّوَثَةِ (١٩، ٢٢)
قالتله: ما
وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتُّ في المسجد، فقال علي
أدري ما تقولان لقد صلَّيت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله رأيك :
﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجّ ... ) الآية كلَّها(١).
وهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر علي والعباس وشيبة بن عثمان وذكر نحوه(٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن قال: نزلت في علي وعباس وعثمان
وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا أني تارك سقايتنا، فقال رسول الله اليه:
((أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيراً))(٣). ورواه محمد بن ثور: عن معمر عن الحسن فذكر
نحوه(٤).
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلا بد من ذكره هنا، قال عبد الرزاق: أخبرنا
معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير به أن رجلاً قال: ما أبالي أن لا أعمل
عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا
أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر
وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وسير، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة
دخلنا على النبي ◌َ﴿ فسألناه، فنزلت ﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَاَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا
يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللهِ﴾ (٥) .
(طريق أخرى): قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلَّام، عن جده أبي سلام الأسود،
عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله وَّ﴿ في نفر من أصحابه، فقال
رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: بل
عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم. فزجرهم عمر بن
الخطاب ظُبه. وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وَله، وذلك يوم الجمعة ولكن إذا
صليت الجمعة دخلت على رسول الله وَ له فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله وشت:
﴿أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّينَ﴾. ورواه مسلم
في صحيحه(٦) وأبو داود وابن جرير وهذا لفظه، وابن مردويه وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن
حبان في صحيحه(٧).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ولكن فيه ابن وهب قال: أُخبرت عن أبي صخر. وفي الحالتين أن السند
مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه سابقه، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل يتقوى بما سبق ولحق.
(٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور به. وسنده كسابقه في ثقاته ومقوياته.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن أبي كثير لم يسمع من النعمان ولكنه توبع كما سيأتي
في الرواية الموصولة الصحيحة.
(٦) أخرجه مسلم من طريق معاوية بن سلام به (الصحيح، الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى
ح١٨٧٩).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معاوية بن سلام به، وأخرجه الواحدي من طريق أبي داود عن أبي =

٢٦٤
سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنْ أُسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى
اُلْإِيمَنَّ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّلِمُونَ ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمُ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَنُكُمْ وَأَزْوَجٌَّ
وَعَشِيرَتُّكُ وَأَمْوَالُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
٢٤
وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن استحبوا أي:
اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك كقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْآَخِرِ يُؤَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ
كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَّدَهُم بِرُوجِ مِّنَةٌ وَيُدْسِلُهُمْ جَنَّتِ نَّجْرِى مِن تَّحِنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ الآية
[المجادلة: ٢٢].
وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح
ينعت له الآلهة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجِراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله
فأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ﴾ الآية(١).
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر أهله وقرابته وعشيرته على الله ورسوله وجهاد في سبيله
فقال: ﴿قُلّ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُهُ: وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها
وحصلتموها ﴿وَتَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَآَ﴾ أي: تحبونها لطيبها وحسنها، أي إن
كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ﴾ أي: فانتظروا ماذا
يحلّ بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاللّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
اُلْفَسِقِينَ﴾ .
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده
قال: كنَّا مع رسول الله ﴿ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحبُّ
إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله وَلجر: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من
نفسه)) فقال عمر: فأنت الآن والله أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال رسول الله وَط ◌َر: ((الآن يا عمر))(٢)
انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن
أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي وصل9 بهذا(٣)، وقد ثبت في
الصحيح عنه ◌َلو أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
= توبة عن معاوية بن سلام به (أسباب النزول ص١٣٩) وبهذه الرواية نكون قد وقفنا على رواية أبي داود
لأنها غير موجوده في سننه.
(١) أخرجه البيهقي من طريق ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب به ثم قال: منقطع (السنن الكبرى ٢٧/٩)،
وسبب الانقطاع أن عبد الله بن شوذب لم يدرك أحداً من الصحابة، وأخرجه الحاكم من طريق ضمرة به
وسكت عنه هو والذهبي المستدرك ٢٦٥/٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٦/٤) وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال وقد توبع كما سيأتي في
رواية البخاري، فیکون سنده حسناً.
(٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ◌َّه؟ (ح ٦٦٣٢).

٢٦٥
• سُوَرَُّ التَّوَتَّةِ (٢٧،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وولده والناس أجمعين))(١)
وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء
الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله وَو يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة(٢)
وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا
إلی دینکم))(٣).
وروى الإمام أحمد - أيضاً - عن يزيد بن هارون، عن [أبي جناب](٤)، عن شهر بن حوشب، أنه
سمع [عبد الله بن عمر](٥)، عن رسول الله وَ ل بنحو ذلك(٦)، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيَرَةِ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَمَ تُغْنِ عَنَكُمْ
شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم ◌ُّدِّبِينَ (٢٥) ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ،
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْكَفِينَ (® ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (﴾﴾.
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة(٧)، يذكر تعالى للمؤمنين فضله
عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من
عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعَددهم ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قلّ
الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولوا مدبرين
إلا القليل منهم مع رسول الله وقلقه ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه،
كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلاً، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قلّ
الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.
(١) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظله (صحيح البخاري، الإيمان، باب حب الرسول صل* من الإيمان
ح ١٤٠)، وأخرجه مسلم من حديث أنس به وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن
وجد حلاوة الإيمان (ح٤٤).
(٢) العِينة: هو أن يبيع رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به.
(٣) أخرجه أبو داود من طريق أبي عبد الرحمن الخراساني به (السنن، البيوع، باب في النهي عن العِينة
ح ٣٤٦٢)، وقال الألباني صحيح بمجموع طرقه، صحيح الجامع (ح ١٤) والسلسلة الصحيحة (ح١١) وذكر
فيها ممن قوى الحديث كابن القطان وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والشوكاني وأما الإمام أحمد فقد
أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر وصححه أحمد شاكر (المسند ح٤٨٢٥) وضعفه محققوه
في طبعة الرسالة (ح٤٨٢٥) وقد أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر (المسند ٩/
٥١ ح ٥٠٠٧) وضعفه أيضاً محققوه، والحق أن كل من الطريقين يقوي أحدهما الآخر.
(٤) كذا في (عم) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: ((أبي حباب)).
(٥) كذا في (مح) والمسند، وفي الأصل و(عم) و(حم) والنسخ المطبوعة صُحف إلى عبد الله بن عمرو.
(٦) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به (المسند ٣٩٥/٩ - ٣٩٦ ح ٥٥٦٢ م١) وضعفه محققوه أيضاً
بسبب ضعف أبي جناب وشهر بن حوشب، والحق أن كليهما توبعا في رواية أبي داود ورواية الإمام أحمد
من طريق عطاء بن أبي رباح، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: وهذا شاهد للذي قبله.
(٧) ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن
مجاهد، لكنه مرسل.

٢٦٦
• سُورَةُ التَّوَثَةِ) (٢٥، ٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري،
عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا
أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلَّة)) (١) وهكذا رواه أبو داود
والترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب جداً لا يسنده أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي
عن الزهري عن النبي وَّلفي مرسلاً(٢). وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم الجوني عن
رسول الله وَّر بنحوه(٣) والله أعلم.
وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة.
وذلك لما فرغ ◌َّر من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله وَالقتل،
فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر، ومعه ثقيف بكمالها
وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع(٤) من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر
وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاؤوا بقضهم وقضيضهم(٥)،
فخرج إليهم رسول الله وّر في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين
والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم إلى
العدو فالتقوا بوادٍ بين مكة والطائف يقال له: حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس
الصبح انحدروا في الوادي وقد كُمُنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد
ثاوروهم، ورشقوا بالنبال وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند
ذلك ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله رَ، وثبت رسول الله وَّ وهو راكب يومئذٍ بغلته
الشهباء يسوقها إلى نحو العدو، والعباس عمُّه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن
عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه عليه الصلاة والسلام
ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول: ((إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله)) ويقول في تلك الحال:
((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)) وثبت معه أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال:
ثمانون. فمنهم أبو بكر وعمر ﴿ والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث
وأيمن بن أُم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم عظيم، ثم أمر وَّر عمه العباس وكان جهير الصوت أن
ينادي بأعلى صوته يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من
المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفرُّوا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمرة (٦)، ويقول
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٩/٤ ح٢٦٨٢)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين،
وقد اختلف في وصله وإرساله، قال أبو داود أنه مرسل. وأيده الترمذي وابن أبي حاتم فيما رواه عن أبيه
أنه مرسل لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي ◌ّ (العلل ٣٤٧/١).
(٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش (ح٢٦١١)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء
في السرايا (ح١٥٥٥).
(٣) سنن ابن ماجه، الجهاد، باب السرايا (ح٢٨٢٧)، والسنن الكبرى ٢٦٣/٩ للبيهقي إذ أخرجاه من طريق أبي
سلمة العاملي عن الزهري عن أنس، قال: وضعفه البوصيري لضعف العاملي (مصباح الزجاجة ٤١٢/٢).
(٥) أي بأجمعهم.
(٤) أي: الفرق من الناس.
(٦) السُمرة من شجر الطلح.

٢٦٧
• سورةُالتَوتَةِ (٢٧،٢٥)
تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك يا لبيك، وانعطف الناس فتراجعوا إلى
رسول الله ◌َو، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه
وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله وَ طير، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول اللهِ وَّر أمرهم علَله
أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال: ((اللَّهم أنجز لي ما
وعدتني)) ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن
القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى
مجدلة(١) بين يدي رسول الله وَاليوم(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن
يسار، عن أبي همَّام، عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه: يزيد بن أسيد ويقال: يزيد بن أنيس
ويقال: كُرِزُ قال: كنت مع رسول الله وَّر في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا
تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله وله
وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح؟ فقال:
((أجل)) فقال: ((يا بلال)) فثار من تحت سمرة كأنها ظلها ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا
فداؤك فقال: ((أسرج لي فرسي)) فأخرج سرجاً دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال:
فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان(٣)، فولى المسلمون مدبرين كما
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْيِينَ﴾ فقال رسول الله وَله: ((يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله)) ثم
قال: ((يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله)) قال: ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفاً من تراب
فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: ((شاهت الوجوه)» فهزمهم الله
تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت
عيناه وفمه تراباً وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد (٤).
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به (٥) .
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه
جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله وَ ل﴿ إليه،
فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله وَل قر وأصحابه حتى انحطّ بهم الوادي
في عماية الصبح(٦)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس
منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله وَ* ذات اليمين يقول: ((أيها الناس هلمُّوا إليَّ
(١) أي مطروحة.
(٢) أخرج مسلم أغلب هذه القصة (الصحيح، الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح١٧٧٥ - ١٧٧٦).
(٣) أي تقاربت خيل المسلمين مع خيل العدو.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند / ١٣٤ - ١٣٥ ح ٢٢٤٦٨)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي
بالشواهد، وأخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة به (السنن، الأدب، باب الرجل ينادي الرجل ...
ح٢٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٤٣٦٠).
(٥) دلائل النبوة (١٤١/٥)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٣٠/٢).
(٦) أي ظلامه قبل أن يتبين.

٢٦٨
• سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٢٧،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله)) فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضاً، فلما
رأى رسول الله ﴿ أمر الناس قال: ((يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة))
فأجابوه لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في
عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله وَّر منهم مائة فاستعرض
الناس، فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت الأنصار ثم جعلت آخراً بالخزرج، وكانوا صبراء
عند الحرب وأشرف رسول الله (18 في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم(١) فقال: ((الآن حميَ
الوطيس))(٢) قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله مُلقون، فقتل الله منهم من
قتل وانهزم منهم ما انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم(٣).
وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﴿ّا أن رجلاً قال
له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله وَ ﴿ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله رَّ لم يفر، إن
هوازن كانوا قوماً رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا
بالسهام، فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله وَالر وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء
وهو يقول: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)»(٤).
قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد
انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرٍّ ولا لِكرِّ ولا
لهرب، وهو مع هذا أيضاً يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله
وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلاً عليه وعلماً منه بأنه سينصره
ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَ
رَسُولِهِ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين معه ﴿وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمَ
تَرَوّهَا﴾ وهم الملائكة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: [حدثنا القاسم](6) حدثني الحسن بن
عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي قال: سمعت
عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن
وأصحاب رسول الله ◌َ* يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة(٦)، قال: فلمَّا كشفناهم جعلنا
نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله وَّل﴿ قال: فتلقَّانا
عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا
فكانت إياها(٧).
(١) أي ميدان المعركة.
(٢) أي اشتعلت الحرب وقامت المعركة.
(٣) سنده حسن ويشهد له سابق ولاحقه وقد ورد نحوه في سيرة ابن هشام (٤٤٢/٢ - ٤٤٤).
(٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب (ح٢٨٦٤)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب في
غزوة حنين (ح ١٧٧٦).
(٥) سقط من الأصل واستدرك من نسخة (مح) وتفسير الطبري.
(٦) كناية عن قلة الوقت.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مسدد من طريق عوف به بلفظ: فقال: ((شاهت الوجوه))، (المطالب =

٢٦٩
• سُوَرَةُ التَّوَيَّةِ (٢٧،٢٥)
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمد بن أحمد بن بالويه،
حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا
الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال ابن مسعود رضيُه: كنت
مع رسول الله وَله يوم حنين فولّى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار
قدمنا ولم نولِّهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال: ورسول الله وَلّ على بغلته
البيضاء يمضي قدماً، فحادت بغلته فمال عن السرج فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: ((ناولني كفَّاً
من التراب)) فناولته قال: فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً قال: ((أين المهاجرون
والأنصار؟)) قلت: هم هناك قال: ((اهتف بهم)) فهتفت بهم فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها
الشهب وولَّى المشركون أدبارهم (١). ورواه الإمام أحمد في مسنده عن عفان به نحوه(٢).
وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن
عباس، عن شيبة بن عثمان قال: لما رأيت رسول الله وَله يوم حنين قد عَرِيَ(٣) ذكرت أبي وعمي
وقتل علي وحمزة إياهما فقلت: اليوم أدرك ثأري منه قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا
بالعباس بن عبد المطلب قائماً عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج فقلت: عمه ولن
يخذله قال: فجئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت: ابن عمه
ولن يخذله فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ من نار بيني
وبينه كأنه برق فخفت أن تمحشني(٤)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت
رسول الله ◌َ ﴿ وقال: ((يا شيبة يا شيبة ادن مني، اللَّهم أذهب عنه الشيطان)) قال: فرفعت إليه
بصري ولهو أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري فقال: ((يا شيبة قاتل الكفار)) رواه البيهقي من حديث
الوليد ... فذكره(٥).
ثم روي من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه قال:
خرجت مع رسول الله ◌َيُ يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ولكنني أبيت(٦) أن
تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلاً بلقاً فقال: ((يا شيبة
إنه لا يراها إلا كافر)) فضرب بيده على صدري ثم قال: ((اللهم اهد شيبة)) ثم ضربها الثانية ثم
قال: ((اللهم اهد شيبة)) ثم ضربها الثالثة ثم قال: ((اللهم اهد شيبة)) قال: فوالله ما رفع يده عن
= العالية ٤٢٤/٤ ح ٤٣١٢)، هذا هو الثابت عن النبي ◌ّ كما تقدم، أما أنهم قالوا ذلك فمخالف لما في
الصحيح.
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٤٢/٥)، وفي سنده ضعف كما سيأتي تفصيله في رواية الإمام أحمد،
ولبعضه شواهد تقدمت.
(٢) أخرجه الإمام أحمد عن عفان به نحوه (المسند ٧/ ٣٥٤ ح ٤٣٣٦)، قال محققوه: إسناد ضعيف،
عبد الرحمن والد القاسم - وهو ابن عبد الله بن مسعود - يترجح عدم سماعه هذا الخبر من أبيه.
(٣) أي أبغضّ عنه الناس.
(٤) أي تحرقني.
(٥) أخرجه البيهقي من طريق هشام بن خالد عن الوليد بن مسلم به ثم قال: قد مضى له شاهد عن مغازي
محمد بن إسحاق بن يسار (دلائل النبوة ١٤٥/٥)، وفي سنده أبو بكر الهذلي ضعيف كما في التقريب.
(٦) كذا في النسخ الخطية، وفي دلائل النبوة: أنفت، وهو أفصح.

٢٧٠
سُورَةُ التَّوَّةِ (٢٧،٢٥)
صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إليّ منه وذكر تمام الحديث في التقاء
الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله وسلم حتى هزم الله تعالى
المشرکین(١).
قال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن جبير بن مطعم
ضونه
قال: إنَّا لَمَعَ رسول الله وَّه يوم حنين، والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد(٢) الأسود يهوي
من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم
فما كنا نشك أنها الملائكة(٣).
وقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنيناً
مع المشركين ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين
فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا(٤).
وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همَّام قال: هذا ما
حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((نُصرت بالرعب وأُوتيت جوامع الكلم))(٥). ولهذا قالٍ
تعالى: ﴿ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
(٢٦)
وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُبُ اَللَّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (﴾﴾ قد تاب الله على
بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة
بقريب من عشرين يوماً فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم وكانوا ستة
آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فردّه عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفَّل أناساً من
الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام فأعطاهم مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة
مالك بن عوف النّصْري واستعمله على قومه كما كان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها :
في الناس كُلِّهم بمثل محمد
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله
[ومتى](٦) تشأ يُخبرك عما في غد
أوفى وأعطى للجزيل إذا احتدّى
بالسَّمهري وضرب كل مهند
وإذا الكتيبة عردّت أنيابها
(١) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن بكير الحضرمي عن أيوب بن جابر به (دلائل النبوة ١٤٦/٥).
(٢) البجاد أي: الكساء.
(٣) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (دلائل النبوة ١٤٦/٥) وسنده ضعيف الإبهام
شيخ إسحاق بن يسار. وذكره ابن هشام في السيرة (٦٣/٤).
(٤) أخرجه البخاري (التاريخ الكبير ٣١٦/٨)، والطبري كلاهما من طريق معن بن عيسى عن سعيد بن السائب
به، وأخرجه الطبراني من طريق سعيد بن السائب به (المعجم الكبير ٢٣٧/٢٢ ح ٦٢٢) قال الهيثمي: رواه
الطبراني ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٨٢)، وكذا أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ١٤٣/٥ - ١٤٤).
(٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، بدون ذکر باب (ح٥٢٣).
(٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((وما)).

٢٧١
سُودُالتَوتَةِ) (٢٨، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فكأنه ليث على أشباله وسط [الهباءة](١) خادر في مرصد (٢)
﴿ ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا أَلْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴾ قَائِلُواْ
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِمُونَ مَا حَتَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّى يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (َ)﴾.
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس ديناً عن المسجد
الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله ولو
علياً صحبة أبي بكر ﴿ها عامئذٍ وأمره أن ينادي في المشركين: أن لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك
ولا يطوف بالبيت عريان. فأتمَّ الله ذلك وحكم به شرعاً وقدراً.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَّجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ إلا أن يكون عبداً
أو أحداً من أهل الذمة (٣).
وقد روي مرفوعاً من وجه آخر فقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شريك، عن الأشعث
يعني: ابن سوار، عن الحسن، عن جابر قال: قال رسول الله وَالله: ((لا يدخل مسجدنا بعد عامنا
هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم» (٤) تفرد به الإمام أحمد مرفوعاً والموقوف أصح إسناداً.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، كتب عمر بن عبد العزيز ظله أن امنعوا اليهود والنصارى
من دخول مساجد المسلمين وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجٌَ﴾(٥).
وقال عطاء: الحرم كلُّه مسجد لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾(٦).
ودَّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح: ((المؤمن لا ينجس))(٧)
وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحلَّ طعام أهل
الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم.
(١) كذا في دلائل النبوة، وفي الأصل صحفت إلى: ((المساة))، وفي (عم): ((المياه))، وفي (حم): ((المناه))،
وفي (مح): ((الماء)).
(٢) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو وجزة عن عثمان ظلُّه بنحوه وأطول (دلائل
النبوة ١٩٨/٥ - ١٩٩)، وأورده ابن هشام في السيرة ١٠٦/٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٧/٢٣ ح١٥٢٢١)، وضعفه محققوه، ولهذا قال الحافظ ابن
كثير: والموقوف أصح إسناداً.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥١٢/٦) والطبري والبيهقي (السنن الكبرى ١٠٣/١٠) من طرق يقوي
بعضها بعضاً.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٩٩٨٠)، والنحاس (الناسخ والمنسوخ ص٤٢٨)، كلاهما من طريق ابن
جريج عن عطاء، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة نظرته (الصحيح، الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس ح ٢٨٣).

٢٧٢
سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٢٩،٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أشعث عن الحسن: من صافحهم فليتوضأ(١). رواه ابن جرير.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قال محمد بن إسحاق: وذلك أن
الناس قالوا لتقطعنَّ عنا الأسواق ولتهلكنَّ التجارة وليذهبنَّ عنَّا ما كنا نصيب فيها من المرافق،
فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ:﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِن شَآءً﴾ إلى
[قوله](٢): ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ أي: هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله مما
قطع أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب من الجزية(٣).
وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم
﴿إِنَّ شَآءَ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يصلحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: فيما يأمر به وينهى عنه، لأنه الكامل
في أفعاله وأقواله العادل في خلقه وأمره تبارك وتعالى، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال
الجزية التي يأخذونها من أهل الذمَّة.
وقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا
يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (2)﴾ فهم في
نفس الأمر لما كفروا بمحمد # لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاؤوا به،
وإنما يتَّبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه، لأنهم لو كانوا مؤمنين
بما بأيديهم إيماناً صحيحاً لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد وَلّ؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به
وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به وهو أشرف الرسل علم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء
الأقدمين لأنه من عند الله. بل لحظوظهم وأهوائهم فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد
كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال: ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾.
وهذه الآية الكريمة أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس
في دين الله أفواجاً واستقامت جزيرة العرب أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود
والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع ولهذا تجهز رسول الله وَّل ﴿ لقتال الروم، ودعا الناس إلى
ذلك وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة
نحو من ثلاثين ألفاً، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم،
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤٣٣/٨) والطبري كلاهما من طريق أشعث عن الحسن. وسنده ضعيف
لضعف أشعث وهو ابن سوار.
(٢) كذا في (حم) و(عم) و(مح) وفي الأصل صحفت إلى: ((غيره).
(٣) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وأورده ابن هشام في السيرة ٢/ ٥٤٧، وتشهد
له ما صح من الآثار التالية.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بإسنادين يقوي
أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين ضعيفين من طريق واقد مولى زيد بن خليدة
ويتقوى بسابقه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، وقول الضحاك
أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.

٢٧٣
• سُورَةُ التَّوَنِيمًا (٢٨، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ وحر، وخرج رسول الله وقليل يريد الشام لقتال الروم، فبلغ
تبوك فنزل بها وأقام بها قريباً من عشرين يوماً، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك لضيق
الحال وضعف الناس كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى(١).
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشبههم
كالمجوس كما صح فيهم الحديث أن رسول الله ﴿ أخذها من مجوس هجر. وهذا مذهب
الشافعي وأحمد في المشهور عنه.
وقال أبو حنيفة تَّتُهُ: بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من
المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.
وقال الإمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار من كتابي ومجوسي ووثني
وغير ذلك، ولمأخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكان غير هذا والله أعلم.
وقوله: ﴿حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَّةَ﴾ أي: إن لم يسلموا ﴿عَن يَدٍ﴾ أي: عن قهر لهم وغلبة ﴿وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾ أي: ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على
المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة له أن النبي ومطهر
قال: ((لا تبدئوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه))(٢).
ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ظه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم
وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري
قال: كتبت لعمر بن الخطاب ظ ◌ُه حين صالح نصارى من أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا،
إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرْطنا لكم على
أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية(٣) ولا صومعة راهب
ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططاً للمسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينزلها
أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل وأن ننزل من مرَّ بنا
من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوساً، ولا نكتم غشاً
للمسلمين ولا نعلِّم أولادنا القرآن، ولا نُظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحداً، ولا نمنع أحداً من
ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن
أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق
شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، لا نركب السروج ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ
شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا العربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم
رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نُظهر الصليب على
(١) ذكر البيهقي شيئاً من قصة رجوع النبي ◌َّله من تبوك بدون قتال (دلائل النبوة ٢٥٤/٥ - ٢٥٥).
(٢) صحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح٢١٦٧).
(٣) أي بيت من بيوت العبادة عندهم.

٢٧٤
• سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٣٠، ٣١)
كنائسنا، وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب
نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً، وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة
المسلمين، ولا نخرج شعانين(١) ولا باعوثاً (٢)، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران
معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما
جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين شرطنا لكم ذلك على
أنفسنا وأهل ملِّتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا (٣) على
أنفسنا فلا ذِمَّة لنا، وقد حلَّ لكم مِنَّا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق(٤).
] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِمّ يُضَهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿َ اتَّخَذُوَاْ أَخْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَزْيَمَ وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَاحِدًّاً لََّ
إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾.
وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال الكفار من اليهود والنصارى لمقالتهم هذه المقالة
الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله! تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً .
وذكر السدي وغيره أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك أن العمالقة لما غلبت على بني
إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم حتى
سقطت جفون عينيه، فبينما هو ذات يوم إذ مرَّ على جبانة(6) وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول:
وامطعماه واكاسياه. فقال لها: ويحك من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا
يموت، قالت: يا عُزير فمن كان يعلِّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي
(١) الشعان: المنتفش الشعر، الثائر الرأس.
(٢) الباعوث للنصارى كالاستسقاء للمسلمين (النهاية ١٣٩/١).
(٣) أي ألزمنا أنفسنا .
(٤) أخرجه الحافظ ابن كثير بسنده عن شيخه الحافظ المزي بسنده عن عبد الرحمن بن غُنم بطوله ونحوه (مسند
الفاروق ٤٨٨/٢ - ٤٨٩)، وفي سنده يحيى بن عقبة بن أبي العيزار: وهو كذاب (ميزان الاعتدال ٣٦٧/٤
والمجروحين لابن حبان ١١٧/٣ والضعفاء الكبير للعقيلي ٤٢١/٤)، وذكر ابن كثير أن البيهقي أخرجه من
يحيى بن عقبة أيضاً، كما ذكر أن الحافظ عبد الله بن أحمد بن زبر قاضي دمشق قد رواه في جزء جمعه في
الشروط العمرية من طريق يحيى بن عقبة أيضاً، ثم رواه من طريق آخر عن محمد بن حمير (مسند الفارق
٤٩٠/٢)، ومحمد بن حمير مجهول وروى خبراً منكراً (لسان الميزان ١٥٠/٥)، وأخرجه ابن زبر بإسناد
آخر فيه إبهام بعض شيوخه، ثم أخرجه من طريق بقية بن الوليد عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن
حوشب، وهؤلاء ثلاثتهم فيهم مقال وقد عنعن بقية، ثم ختم الحافظ ابن كثير بقوله: فهذه طرق يشد بعضها
بعضاً (المصدر السابق ٤٩١/٢)، وفيه نظر فإنها غير قوية، وخصوصاً أن المتن فيه تشديد في بعض بنود
هذا الكتاب.
(٥) أي الصحراء التي فيها القبور.

٢٧٥
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٣٠، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليهم؟ فعرف أنه شيء قد وعظ به، ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصلِّ هناك
ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخاً فما أطعمك فكله، فذهب ففعل ما أمر به، فإذا الشيخ فقال له:
افتح فمك ففتح فمه، فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات، فرجع عُزير وهو من أعلم
الناس بالتوراة فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة. فقالوا: يا عُزير ما كنت كذاباً، فعمد فربط
على أصبع من أصابعه قلماً وكتب التوراة بأصبعه كلها، فلما تراجع الناس من عدوهم ورجع
العلماء أخبروا بشأن عُزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوها بها،
فوجدوا ما جاء به صحيحاً فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله!(١).
وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذَّب الله سبحانه الطائفتين فقال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِهِمْ﴾ أي: لا مستند لهم فيما ادعوه سوى افترائهم واختلاقهم ﴿يُضَهُونَ﴾ أي: يشابهون ﴿قَوَّلَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قبلهم من الأمم ضلوا كما ضل هؤلاء ﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ﴾.
قال ابن عباس: لعنهم الله ﴿أَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون
إلى الباطل؟
وقوله: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ روى الإمام
أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ◌َُّه أنه لما بلغته دعوة رسول الله وَّهِ فَرَّ
إلى الشام، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، فأُسرت أُخته وجماعة من قومه، ثم منَّ رسول الله وَّل
على أُخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله وَّر، فقدم
عَدي إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه طيء وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس
بقدومه فدخل على رسول الله ◌َّه وفي عنق عَدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية: ﴿أَتَّخَذُوَأْ
أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: ((بلى إنهم حرموا
عليهم الحلال، وأحلَّوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم)) وقال رسول الله وكثيره:
((يا عَدي ما تقول؟ أيفرِّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئاً أكبر من الله؟ ما يفرّك؟ أيفرّك أن
يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلهاً غير الله؟)) ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق.
قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال: ((إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون))(٢) وهكذا
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة والخزعبلات
العجيبة .
(٢) أخرجه الترمذي من طريق غُطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتمٍ مقتصراً على ذكر طرح
الصليب وقراءة الآية. وقوله: أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلوه،
وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن
حرب، وغُطيف ليس بمعروف في الحديث (السنن، تفسير القرآن، باب من سورة التوبة ح٣٠٩٥)، وسنده
ضعيف بسبب غُطيف إذ ضعفه الدارقطني والحافظ ابن حجر (ميزان الاعتدال ١٠٦/٢ والتقريب) ولم أجده
في المسند وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ٩٢/١٧ ح٢١٨ والبيهقي (السنن
الكبرى ١١٦/١٠) كلهم من طريق غُطيف به، ولآخره في ذكر اليهود والنصارى شاهد تقدم في آخر سورة
الفاتحة. وحسن شيخ الإسلام ابن تيمية رواية الترمذي المختصرة (الإيمان ص٦٤)، وحسنه الألباني في
صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٧١)، ولكنه لا يرقى كله إلى الحسن إلا آخره بالشواهد.

٢٧٦
سُورَةُ التَّوَثَةِ (٣٢، ٣٣)
قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير ﴿أَتَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا
مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ إنهم اتبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا(١).
وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ
أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرَّم الشيء فهو الحرام، وما حلّله فهو
الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى
وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِعُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اَللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِبَ نُرَمُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ
هُوَ أَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُنَ
(٣٢)
يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: ما بعث به
رسول الله * من الهدى ودين الحق بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن
يطفيء شعاع الشمس أو نور القمر بنفخه، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله وَله
لا بدّ أن يتم ويظهر، ولهذا قال تعالى مقابلاً لهم فيما راموه وأرادوه: ﴿وَيَأْبِىَ اللَّهُ إِلَّ أَن يُشِمَ نُورَهُ
وَلَوَ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ والكافر هو الذي يستر الشيء ويغطيه ومنه سمي الليل كافراً؛ لأنه يستر
الأشياء، والزارع كافراً لأنه يغطي الحب في الأرض كما قال ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَائُهُ﴾ [الحديد: ٢٠].
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى وَدِينِ أَلْحَقِّ﴾ فالهدى هو ما جاء به من
الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع، ودين الحق هي الأعمال الصالحة الصحيحة
النافعة في الدنيا والآخرة.
﴿لُظْهِرَهُ عَلَى الْدِينِ كُلِّهِ﴾ أي: على سائر الأديان كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وكليوم
أنه قال: ((إن الله زوى(٢) ليَّ الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن أبيٍ يعقوب، سمعت
شقيق بن حيان يحدث عن مسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود يقول: صلَّ هذا الحي من
محارب الصبح، فلما صلَّوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنه ستفتح لكم
مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدَّى الأمانة))(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم
الداريّ ◌ُبه قال: سمعت رسول الله ◌َّ يقول: ((ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا
(١) قول حذيفة أخرجه عبد الرزاق والثوري والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق أبي البختري عنه، وسنده
منقطع لأن أبا البختري - واسمه فيروز - لم يسمع من حذيفة، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف
من طريق عطية العوفي عنه.
(٢) زوى أي: جمع.
(٣) أخرجه مسلم من حديث ثوبان به (الصحيح، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ح٢٨٨٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٤/٣٨ ح٢٣١٠٩)، وضعف سنده محققوه لجهالة شقيق بن
حيان ومسعود بن قبيصة.

٢٧٧
سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٣٢، ٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يترك الله بيت مدر ولا وبر(١) إلا أدخله هذا الدين يعزُّ عزيزاً ويذلُّ ذليلاً، عزّاً يعز الله به الإسلام
وذلاً يذل الله به الكفر)) فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من
أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان كافراً منهم الذلُّ والصغار والجزية(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت
سليم بن عامر قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا يبقى
على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام بعزِّ عزيزٍ، وبذلِّ ذليلٍ، إما يعزهم الله
فيجعلهم من أهلها، وإما يذلهم فيدينون لها))(٣).
وفي المسند أيضاً: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن [ابن
حذيفة] (٤)، عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله وَلّ فقال: ((يا عَدي أسلم
تسلم)) فقلت إني من أهل دين قال: ((أنا أعلم بدينك منك)) فقلت أنت أعلم بديني مني؟ قال:
((نعم ألست من الركوسيّة(٥) وأنت تأكل مرباع (٦) قومك؟)) قلت: بلى! قال: ((فإن هذا لا يحل لك
في دينك)) قال: فلم يعد أن قالها فتواضعت لها، قال: ((أما إني أعلم ما الذي يمنعك من
الإسلام، تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟)) قلت:
لم أرَها وقد سمعت بها، قال: ((فوالذي نفسي بيده ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من
الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولتفتحنَّ كنوز كسرى بن هرمز) قلت: كسرى بن
هرمز؟ قال: ((نعم كسرى بن هرمز، وليبذلنَّ المال حتى لا يقبله أحد» قال عَدي بن حاتم: فهذه
الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن
هرمز، والذي نفسي بيده لتكوننَّ الثالثة؛ لأن رسول الله وَلٍّ قد قالها (٧) .
وقال مسلم: حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا
(١) بيت مدر أي المبني، والوبر خيم الوبر لأنها تنسج من وبر الإبل والمراد بذلك أهل البوادي والمدن والقرى
(ينظر النهاية ١٤٥/٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٣/٤)، وأخرجه الحاكم من طريق صفوان بن عمرو به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٠/٤)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٥٨/٢ ح ١٢٨٠)،
وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٤/٦)، وصححه
الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٦/٣٩ ح ٢٣٨١٤) وصححه محققوه، وأخرجه الحاكم من
طريق ابن جابر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٠/٤)، وكذا أخرجه الطبراني (المعجم الكبير
٣٥٤/٢٠ ح ٦٠١)، قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح (المجمع ١٤/٦).
(٤) كذا في (عم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: و(حم) وفي كل الطبعات صحفت إلى أبي حذيفة .
(٥) الركوسية: هو دين بين النصارى والصابئة (النهاية ٢٥٩/٢).
(٦) المرباع: ربع الغنيمة (النهاية ١٨٦/٢).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه مطولاً (المسند ١١٩/٣٢ - ١٢٠ ح ١٩٣٧٨) وحسن سنده محققوه وأن
بعضه صحيح. وهو كما قالوا فإن البخاري أخرج بعضه عن عَدي (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة
ح ٣٥٩٥)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن سيرين عن أبي عبيدة - وهو ابن حذيفة - به نحوه وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٥١٨/٤).

٢٧٨
سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة ؤها قالت: سمعت
رسول الله ◌َ* يقول: ((لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللّات والعزى)) فقلت: يا رسول الله إن
كنت لأظن حين أنزل الله وَك: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية، أن ذلك
تام(١)، قال: ((إنه سيكون من ذلك ما شاء الله رقمبك، ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فيتوفى كل من كان
في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم))(٢).
E
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَأْكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِلْبَطِلِ
٠
وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمَّ هَذَا مَا
بِعَذَابٍ أَلِيِ (
كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُمْ تَكْتِزُونَ
قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى(٣). وهو كما قال فإن الأحبار هم
علماء اليهود كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَهُمُ الرَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ﴾
[المائدة: ٦٣]. والرهبان عباد النصارى والقسيسون علماؤهم كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
فِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ﴾ [المائدة: ٨٢].
والمقصود التحذير من علماء السوء وعباد الضلال كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من
علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى (٤).
وفي الحديث الصحيح: ((لتركبنَّ سَنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذَّة(٥))) قالوا: اليهود
والنصارى؟ قال: ((فمن؟)) وفي رواية: فارس والروم، قال: ((فَمَن الناس إلا هؤلاء؟))(٦).
والحاصل التحذير من التشبه بهم في أقوالهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في
الناس يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف ولهم عندهم خَرج
وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله وَلو استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم
طمعاً منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوة وسلبهم إياها وعوضهم الذلَّ
والصَغَار وباءوا بغضب من الله تعالى.
(١) كذا في النسخ الخطية والنسخ المطبوعة، وفي صحيح مسلم: تاماً.
(٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه مع الفرق السابق (الصحيح، الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا
الخلصة ح٢٩٠٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) لم أجده.
(٥) القُذَة: ريش السهم واحدتها قُذَّة، ومعنى حذو القذّة بالقذَّة أي كما تقدَّر كل واحدة منهما على قدر
صاحبتها وتُقطع، يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان (النهاية ٢٨/٤).
(٦) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري بمعناه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن
بني إسرائيل ح٣٤٥٦ وصحيح مسلم، العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح٢٦٦٩) ..

٢٧٩
• سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٣٤، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهُ﴾ أي: وهم مع أكلهم الحرام يصدون الناس عن اتباع
الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعونه إلى الخير وليسوا
كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.
وقوله: ﴿وَلَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيِ﴾
هؤلاء هم القسم الثالث من رؤوس الناس فإن الناس عالة على العلماء وعلى العباد وعلى أرباب
الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس كما قال بعضهم:
وهل أفسد الدين إلا الملوك
وأحبار سوء ورهبانها
وأما الكنز: فقال مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر هو: المال الذي لا يؤدى
زكاته(١)، وروى الثوري وغيره عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أُدّي زكاته فليس
بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وما كان ظاهراً لا تؤدى زكاته فهو كنز(٢)، وقد روي هذا عن
ابن عباس وجابر وأبي هريرة موقوفاً ومرفوعاً(٣)، وقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت
زكاته فليس بكنز وإن كان مدفوناً في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه
وإن كان على وجه الأرض (٤). وروى البخاري من حديث الزهري عن خالد بن أسلم قال:
خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرة
للأموال(٥)، وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك نسخها قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] (٦) .
[وقال سعيد عن محمد بن زياد](٧)، عن أبي أمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز. ما
أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله وَ﴾ (٨).
وقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي ظ ◌ُه قال:
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ونحوه (الموطأ، الزكاة، باب ما جاء في الكنز ٢٥٦/١ ح٢١) وسنده صحيح
وأخرجه البخاري من طريق خالد بن أسلم عن ابن عمر بمعناه (الصحيح، الزكاة، باب من أدى زكاته فليس
بكنز ح ١٤٠٤).
(٢) سنده صحيح ويتقوى بسابقه.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه موقوفاً، وقول جابر أخرجه ابن أبي
شيبة من طريق حجاج عن أبي الزبير عنه موقوفاً (المصنف ٣/ ١٥٠)، ويشهد له قول ابن عباس وابن عمر،
وأخرجه الخطيب البغدادي من طريق خُصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً (تاريخ بغداد ١٢/٨)، وسنده
ضعيف بسبب خُصيف وهو صدوق سيء الحفظ.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي سعيد عن عمر بنحوه (المصنف ٣/ ١٥٠) ويشهد له قول ابنه
وابن عباس.
(٥) صحيح البخاري، الزكاة، باب من أدى زكاته فليس بكنز (ح١٤٠٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن زياد عن راشد بن مسلم عن عراك بن مالك وعمر بن
عبد العزيز، وفي سنده عبد الرحمن بن زياد ضعيف ويتقوى بسابقه.
(٧) كذا في (مح) و(عم) وفي الأصل صحفت إلى: ((وقال سعيد بن محمد بن زياد)).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بقية عن محمد بن زياد عن أبي أمامة، وكذا الطبراني من طريق بقية به
(المعجم الكبير ٧٥٣٨)، قال الهيثمي فيه بقية وهو ثقة لكنه مدلس ولم يصرح بالسماع (المجمع ٦٧/٣).

٢٨٠
• سُورَةُ التَّوَثَةِ (٣٤، ٣٥)
أربعة آلاف فما دونها نفقة فما كان أكثر من ذلك فهو كنز(١). وهذا غريب. وقد جاء في مدح
التقلل من الذهب والفضة وذم التكثر منهما أحاديث كثيرة. ولنورد منها هنا طرفاً يدل على الباقي
قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن
علي رُ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ﴾ الآية. قال النبي: («تباً للذهب تبًّا
للفضة)) يقولها ثلاثاً قال: فشقَّ ذلك على أصحاب رسول الله وَّه وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال
عمر ته أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شقَّ عليهم وقالوا: فأي المال
نتخذ قال: ((لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجة تعين أحدكم على دينه)(٢).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني سالم بن
عبد الله، أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل، حدثني صاحب لي أن رسول الله وَ لفر قال: ((تباً للذهب
والفضة)). قال: وحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله قولك: ((تباً
للذهب والفضة)) ماذا ندخر؟ قال رسول الله ويسير: ((لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجة تعين على
الآخرة))(٣).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه،
عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما نزل في الذهب والفضة ما نزل قالوا: فأي المال
نتخذ؟ قال عمر: فأنا أعلم لكم ذلك فأوضع على بعير(٤) فأدركه وأنا في أثره فقال: يا رسول الله
أي المال نتخذ؟ قال: ((قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة)»(٥). ورواه
الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي حسن، وحكي عن
البخاري أن سالماً لم يسمعه من ثوبان (٦) قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلاً، والله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى بن يعلى
المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن
أبي إياس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ
(١) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.
(٢) ذكره الزيلعي وعزاه إلى عبد الرزاق في تفسيره ثم ضعفه لما في المتن من الاضطراب (تخريج أحاديث
الكشاف ٧١/٢). اهـ. وأظنه مكرراً وملفقاً من سند الرواية السابقة ومتن الرواية اللاحقة. بدليل أن
عبد الرزاق والطبري أخرجا الروايتين السابقة واللاحقة دون الرواية الوسطى الملفقة، وكذلك حصل
الاضطراب في السند فإن السند الأول لا يوجد فيه عمر بينما الرواية الملفقة المكررة دخل فيها اسم عمر
من سند الرواية اللاحقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٩/٣٨ ح٢٣١٠١)، وقال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وذلك
بالشواهد.
(٤) أي أسرع عليه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ١١٠/٣٧ ح ٢٢٤٣٧)، قال محققوه: حسن لغيره. اهـ. ويتقوى
بسابقه .
(٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة (ح٣٠٩٤)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب أفضل
النساء (ح١٨٥٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٠٥).