Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ سُورَةُ الأَفَّالَِّ (٧٤، ٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وتصوم رمضان، وإنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب)) (١) وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلاً من وجه آخر عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين)) ثم قال: ((لا يتراءى ناراهما))(٢) وقال أبو داود في آخر كتاب الجهاد: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرني يحيى بن حسان، أنبأنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة [بن جندب، أخبرني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة](٣)، عن سمرة بن جندب: أما بعد قال رسول الله ◌َ: ((من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)) (٤). وذكر الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله وَّ ه: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه)) ثلاث مرات، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه(٥)، ثم روى من حديث عبد الحميد بن سليمان: عن ابن عجلان، عن [ابن وثيمة النصري] (٦) عن أبي هريرة ظ به قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)»(٧). ومعنى قوله: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس، وهو: التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين، فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ زَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّم ◌َّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴿ وَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأَوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر مالهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإيمان كما تقدم في أول السورة وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بالحديث الموصول التالي: (٢) أخرجه أبو داود من حديث جرير بن عبد الله (السنن، الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ح٢٦٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٤). (٣) ما بين بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(مح) و(حم) وسنن أبي داود. (٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك (ح٢٧٨٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠). (٥) سنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء فيمن ترضون دينه فزوجوه (ح١٠٩٧) وحسنه الألباني بشاهد قبله (صحيح سنن الترمذي (ح٨٦٦). (٦) كذا في (عم) وسنن الترمذي، وفي الأصل: ((ابن أبي وثيمة النصري)). (٧) أخرجه الترمذي من طريق عبد الحميد بن سليمان به (السنن، النكاح، باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه ح ١٠٨٤) وكذا ابن ماجه (السنن، النكاح، باب الأكفاء ح ١٩٦٧) وحسنه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه ح ١٦٠١) .. ٢٤٢ سُورَةُ الأَفَّالَ (٧٤، ٧٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبداً لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل الحسنه وتنوعه. ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنَصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَاَ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [الحشر]. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحة، عن رسول الله وَاليهود أنه قال: ((المرء مع من أحب)»(١). وفي الحديث الآخر: ((من أحب قوماً حشر معهم)) (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير قال: قال رسول الله وَّل: ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة)) قال شريك: فحدثنا الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي وَ ل* مثله(٣)، تفرد به أحمد من هذين الوجهين. وأما قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله وليس المراد بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية ويعتقد ذلك صريحاً في المسألة بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نصَّ [عليه](٤) ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء اللذين كانوا يتوارثون به أولاً(٥)، وعلى هذا فتشمل [ذوي](٦) الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلة من أقواها حديث: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث))(٧). قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثاً، والله أعلم. آخر سورة الأنفال، ولله الحمد والمنَّة، وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧. (٢) أخرجه الطبراني من حديث علي ظه (ح٨٧٤) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن ميمون الخياط وقد وثق (مجمع الزوائد ٢٧٩/١٠)، وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ١٩/٣ ح٢٥١٩)، من حديث أبي قرصافه وجابر، ويشهد له الحديث السابق. (٣) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير الآية ٧٢ من هذه السورة. (٤) الزيادة من ((مح)). (٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم وابن الجوزي من طريقين يقوي أحدهما الآخر (نواسخ القرآن ص٣٥٣)، وقول قتادة أخرجه الطبري والنحاس بسند صحيح من طريق معمر وسعيد بن أبي عروبة عنه (الناسخ والمنسوخ ٣٩٤/٢) وقول عكرمة أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق حبيب بن الزبير عنه (نواسخ القرآن ص٣٥٥). (٦) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وفي الأصل: ((ذكر)). (٧) أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة ظه (السنن، الوصايا، باب في الوصية للوارث ح ٢٨٧٠)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٩٤). وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح ٢١٢٠). ٢٤٣ سُورَةُ التَّوَتَّةِ) (١، ٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0.00000 00000 سُورَةُ التَّوَيَّةِ، وهي مدنية ) فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله وس# كما قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] وآخر سورة نزلت براءة(١)، وإنما لم يُبسمل في أولها؛ لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإمام، والاقتداء في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، كما قال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهيل بن يوسف قالوا: حدثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين وقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله و ﴿ مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ((ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا))، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها، وقُبض رسول الله وَ ﴿ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قَرنتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال(٢) . وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من طرق أخر عن عوف الأعرابي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٣)، وأول هذه (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ ... ﴾ [التوبة: ١] ح ٤٦٥٤). (٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه بنحوه ثم قال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة ح٣٠٨٦)، وفي متنه غرابة في قوله: وقُبض رسول الله وَّه ولم يبين لنا أنها منها. ولعل ذلك من صنيع يزيد الفارسي فهو يزيد بن يوسف الفارسي وهو مجهول (التقريب ص٦٠٦) فسنده ومتنه ضعيف كما يلي. (٣) المسند ٣٩٩ وضعفه أحمد شاكر، وسنن أبي داود، الصلاة، باب الجهر بها، أي بالبسملة، (ح٧٨٦، والسنن الكبرى للنسائي ح ٨٠٠٧، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح٤٣)، والمستدرك ٢٢١/٢). ٢٤٤ • سُوَّرَةُ التَّوَيَّةِ (١، ٢) السورة الكريمة نزل على رسول الله وَير لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك وأنهم يطوفون بالبيت عُراة، فكره مخالطتهم وبعث أبا بكر الصديق ◌ُه أميراً على الحج تلك السنة؛ ليقيم للناس مناسكهم ويُعلم المشركين أن لا يحجّوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فلما قفل أتبعه بعليّ بن أبي طالب ليكون مبلغاً عن رسول الله وَّل و لكونه عصبة له كما سيأتي بيانه(١). فقوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾﴾ أي: هذه براءة أي تبرؤ من الله ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ اختلف المفسرون ههنا اختلافاً كثيراً. فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: ﴿فَتُِّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]، ولما سيأتي في الحديث(٢). ومن كان بينه وبين رسول الله ﴿ عهد فعهده إلى مدته وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير نَّثُ، وروي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا وأجَّل أجل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى سلخ المحرم فذلك خمسون ليلة، فأمر الله نبيه إذا انسلخ الأشهر الحُرم أن يضع السيف فيمن لا عهد له (٤)، وكذا رواه العوفي وقال بعد قوله: (فذلك خمسون ليلة): فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف في من لم يكن بينه وبينه عهد بقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضاً حتى يدخلوا في الإسلام(٥). وقال أبو معشر المدني: حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله وَل آل أبا بكر أميراً على الموسم سنة تسع، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض فقرأها عليهم يوم عرفة أجلَّهم عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشراً من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: لا يحجنَّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان(٦). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾ إلى أهل العهد: خزاعة ومدلج (١) سيأتي بيانه في تفسير آية ٣ من هذه السورة الكريمة. (٢) في الآية التالية. (٣) قول الكلبي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه وقول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر، وهو نجيح السندي، عنه ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بعضه بسابقه. (٦) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به وسنده ضعيف ويتقوى برواية ابن أبي طلحة السابقة وبالمراسيل اللاحقة. ٢٤٥ سُورَةُ التَّوَفَيةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ومن كان له عهد أو غيرهم، فقفل رسول الله وَله من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله وَلير الحج ثم قال: ((إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحجَّ حتى لا يكون ذلك)) فأرسل أبا بكر وعلياً ◌ّا فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمّنوا أربعة أشهر فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم، وآذن الناس كلَّهم بالقتال إلا أن يؤمنوا (١)، وهكذا روي عن السدي وقتادة (٢). وقال الزهري: كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم(٣). وهذا القول غريب وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها؟ وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله له بذلك ولهذا قال تعالى: ] ﴿وَأَذَنْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ، فَإِنِ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَإِن تَوَلَّئْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللّهِ وَبَشْرِ الَِّينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾. يقول تعالى: وإعلام ﴿مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ وتقدم، وإنذار إلى الناس ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهوٍ يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكثرها جمعاً ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولٌُ﴾ أي: بريء منهم - أيضاً - ثم دعاهم إلى التوبة إليه، فقال: ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَيْتُمْ﴾ أي: استمررتم على ما أنتم عليه ﴿فَأُعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته، ﴿وَكَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيرٍ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال. قال البخاري كَّلُهُ: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ظه في تلك الحجة في المؤذنين الذين بعثهم يوم النَّحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي و ﴿ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة فأذَّن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحجَّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان(٤). ورواه البخاري أيضاً: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذِّن يوم النحر بمنى ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل: الأكبر؛ من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع الذي (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وهو مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية. (٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وهذان مرسلان يقوي أحدهما الآخر. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري وهو مرسل. (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة التوبة، باب ﴿وَأَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ ... ﴾ [التوبة: ٣] ح ٤٦٥٦). ٢٤٦ • سُؤَةُ التَّوَيَّةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حجَّ فيه رسول الله وَّ مشرك، هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد(١). وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة رَظُه في قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِ﴾ قال: لما كان النبي وَ له زمن حُنين اعتمر من الجعرانة ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجّة(٢)، قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذِّن ببراءة في حجة أبي بكر، قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي وَّ علياً وأمره أن يؤذِّن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال على هيئته(٣). وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتَّاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميراً سنة تسع. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن مغيرة، عن الشعبي، عن مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله وله إلى أهل مكة ببراءة فقال: ما كنتم تنادون؟. قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ولي عهد فإن أجله أو مدته إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صَحَل (٤) صوتي(٥). وقال الشعبي: حدثني مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي بن أبي طالب رَُّّه حين بعثه النبي وَّر ينادي، فكان إذا صحل ناديت فقلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال بأربع، لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله وله فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك(٦). رواه ابن جرير من غير وجه عن الشعبي، ورواه شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله وَّر عهد فعهده إلى أربعة أشهر وذكر تمام الحديث. قال ابن جرير: وأخشى أن يكون وهماً من بعض نقلته؛ لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه(٧). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك ظبه أن رسول الله ◌َّيو بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: ((لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي)) فبعث بها مع علي بن أبي طالب ظُبه(٨). ورواه الترمذي في التفسير، عن بُندار، عن عفان وعبد الصمد كلاهما عن حماد بن سلمة به، ثم قال: حسن غريب من حديث أنس ظُه(٩). (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، كتاب الجزية والموادعة، باب كيف يُنبذ إلى أهل العهد؟ ح ٣١٧٧). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه دون ذكر أبي هريرة ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٤) الصَّحَل: خشونة وغلظة في الصوت. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده صحيح. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٦/١٣ ح ٧٩٧٧) وحسنه محققوه. (٦) أخرجه الطبري من طريق قيس عن مغيرة عن الشعبي به. وقيس هذا ابن الربيع ضعيف. (٧) أخرجه الطبري من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به ثم ورد نقد الطبري، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان الشيباني عن الشعبي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٣١/٢). (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٤/٢٠ ح١٣٢١٤)، وضعفه محققوه لنكارة متنه، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كذب (منهاج السنة ٦٣/٥). (٩) السنن، تفسير القرآن، باب من سورة براءة (ح ٣٠٩٠). ٢٤٧ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن سليمان، ـ لُوَيْن - حدثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حنش، عن علي به قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي وَّ دعا النبي ◌ّير أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ثم دعاني فقال: ((أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم)) فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه ورجع أبو بكر إلى النبي و له فقال: يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ فقال: ((لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك)) (١). هذا إسناد فيه ضعف، وليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله وم فر كما جاء مبيناً في الرواية الأخرى. وقال عبد الله أيضاً: حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن حنش، عن علي نظابه، أن رسول الله وَل﴿ل حين بعثه ببراءة قال: يا نبي الله إني لست باللسن ولا بالخطيب قال: ((لا بد لى أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت)) قال: فإن كان ولا بد فسأذهب أنا، قال: ((انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك)) قال: ثم وضع يده على فيه (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن [زيد بن يشيع](٣) - رجل من همدان -، سألنا علياً بأي شيء بعثت؟ يعني: يوم بعثه النبي ◌َ ير مع أبي بكر في الحجة، قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي وَلّر عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا (٤)، ورواه الترمذي عن قلابة، عن سفيان بن عيينة وقال: حسن صحيح كذا قال، ورواه شعبة عن أبي إسحاق فقال: [زيد بن أثيل](٥) وهم فيه (٦)، ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي رضي قته(٧) . وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني رسول الله ول حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله وَ الر عهد فهو (١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده بسنده ومتنه (المسند ٤٢٧/٢ ح١٢٩٧)، وضعفه محققوه لضعف جابر وحنش. وضعف سنده ومتنه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ٣٤/٥). (٢) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٤٢٣/٢ - ٤٢٤ ح ١٢٨٧)، وسنده ضعيف، وقال محققوه: حسن لغيره، حنش، وهو ابن المعتمر الكناني، قد توبع فقد رواه بنحوه ابن حبان في صحيحه (٥٠٦٥) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي . اهـ. ولكن هذه المتابعة لا تسعف لأن رواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب. (٣) كذا في (عم) و(حم) و(مح) وترجمته، وفي الأصل: (زيد بن أبي يثيع))، وفي المسند: زيد بن أثيع، وأثيع هو نفسه یثیع. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع الخلاف في يثيع، (المسند ٣٢/٢ ح ٥٩٤) وصححه محققوه. (٥) كذا في (عم) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صُحف إلى: ((زيد بن يثيع بن أشهل)). (٦) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب من سورة براءة (ح ٣٠٩٢). (٧) سنده ضعيف الإبهام شيخ أبي إسحاق، ويتقوى بسابقه. ٢٤٨ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة(١)، ثم رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: أمرت بأربع فذكره(٢). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يبيع قال: نزلت براءة فبعث رسول الله، وَاليوم أبا بكر ثم أرسل علياً فأخذها، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيَّ شيء؟ قال: ((لا ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي))، فانطلق إلى أهل مكة، فقام فيهم بأربع لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ◌َ﴿ عهد فعهده إلى مدته(٣). وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله و 18 وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس فقيل: يا رسول الله لو بعثت إلى أبي بكر؟ فقال: ((لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي)) ثم دعا علياً فقال: ((اذهب بهذه القصة من سورة براءة وأذُّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله (وَلقر فهو له إلى مدته)). فخرج علي ظبه على ناقة رسول الله وَ﴿ العضباء حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه أبو بكر قال: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج [والعرب] (٤) إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذَّن في الناس بالذي أمره رسول الله وَ ه فقال: يا أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عریان، ومن كان له عهد عند رسول الله ولي فهو إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله وير فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى(٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي - من أهل الكوفة - يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علياً عن يوم الحج الأكبر فقال: إن رسول الله وَل بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وقد توبع في رواية الإمام أحمد. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحارث وهو الأعور الهمداني ضعيف وقد توبع في رواية الإمام أحمد المتقدمة. (٣) أخرجه الطبري من طريق إسرائيل به، وفي متنه نكاره في قوله: ((ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي». (٤) زيادة من تفسير الطبري. (٥) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأنه معضل، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وابن إسحاق عنعن ولم يصرح بالسماع. وذكره ابن هشام في السيرة ٤ / ١٩٠. ٢٤٩ سُورَةُ التَّوَفَّةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليَّ فقال: قم يا علي فأدِّ رسالة رسول الله وَّة، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا (١) فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا كلهم حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط(٢) أقرأها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة(٣). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق سألت أبا جُحيفة عن يوم الحج الأكبر قال: يوم عرفة، فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمد وَ لّ؟ قال: كلٌّ في ذلك (٤). وقال عبد الرزاق - أيضاً -: عن ابن جريج عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة(٥). وقال عمر بن الوليد الشّنّي: حدثنا شهاب بن عباد البصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة هذا يوم الحج الأكبر فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة، فقال: أخبرك عمَّن هو أفضل مني مائة ضعف عمر أو ابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر، رواه ابن جرير وابن أبي(٦) حاتم، وهكذا روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير ومجاهد وعكرمة وطاووس أنهم قالوا: يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر(٧). وقد ورد فيه حديث مرسل رواه ابن جريج: أُخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله وَ﴿ خطب يوم عرفة فقال: ((هذا يوم الحج الأكبر)» (٨) وروي من وجه آخر عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة عن رسول الله ولو أنه خطبهم بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد؛ فإن هذا يوم الحج الأكبر)» (٩). والقول الثاني: أنه يوم النحر، قال هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي ظاه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر(١٠). وقال إسحاق السبيعي، عن الحارث الأعور: سألت علياً ظبه عن يوم الحج الأكبر فقال: هو (١) أي رجعنا. (٢) الفساطيط جمع فسطاط وهو مكان استراحة المسافرين. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٦) أخرجه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٣٨١/٢)، والطبري من طريق عمر بن الوليد الشني به، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم لكنه باختصار، وسنده جید. (٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس، وقول ابن عباس وعكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن بخت عن عكرمة عن ابن عباس، وقول عبد الله بن الزبير أخرجه الطبري من طريق معقل بن داود عنه. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج به وليس فيه: أُخبرت، وإنما عنعن وعلى كل حال فسنده مرسل. (٩) سنده مرسل أيضاً. (١٠) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح. ٢٥٠ • سُوَّرَةُ التَّوَيَّةِ (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يوم النحر(١). وقال شعبة، عن الحكم سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي رظ له أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة(٢) فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يومك هذا خلِّ سبيلها(٣). وقال عبد الرزاق، عن سفيان، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: يم الحج الأكبر يوم النحر (٤). وروى شعبة وغيره، عن عبد الملك بن عمير به نحوه (٥). وهكذا رواه هشيم وغيره، عن الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى. وقال الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير فقال: هذا يوم الأضحى وهذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر(٦). وقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر (٧)، وكذا روي عن أبي جحيفة وسعيد بن جبير وعبد الله بن شداد بن الهاد ونافع بن جبير بن مطعم والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة وأبي جعفر الباقر والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر(٨). واختاره ابن جرير. وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذِّنون بمنى (٩)، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني سهل بن محمد الحساني، حدثنا أبو جابر الحرمي، حدثنا هشام بن الغازي الجرشي، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﴿ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: ((هذا يوم الحج الأكبر))(١٠). وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أبي جابر واسمه محمد بن عبد الملك به، ورواه ابن مردويه - أيضاً - من حديث الوليد بن مسلم (١) أخرجه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق به، وفي سنده الحارث الأعور وقد تابعه الشعبي ويشهد له ما صح عن النبي ومطر كما سيأتي. (٢) الجبَّانة: الصحراء، وتسمى بها المقابر لأنها تكون في الصحراء (النهاية ٢٣٧/١). (٣) أخرجه الطبري من طريق أبي داود عن شعبة به، وفي سنده يحيى الجزار كان يغلو في التشيع. (٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به وسنده صحيح. (٤) سنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري من طرق عن الأعمش به، وفي سنده الأعمش ولم يسمع من عبد الله بن سنان وهو صحابي، بل لم يدرك أحداً من الصحابة. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد بن سلمة به (المصنف ٤٤٠/٤) وسنده صحيح. (٨) أخرجه الطبري عن معظمهم بأسانيد ثابتة، وكفى أنه صح عن النبي وَّر كما سيأتي. (٩) أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَأَذَنْ فِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ... ﴾ [التوبة: ٣] ح ٤٦٥٥). (١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جابر به، وأبو جابر هو محمد بن عبد الملك قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي (الجرح ٥/٨)، وقد توبع فأخرجه ابن ماجه من طريق صدقة بن خالد عن هشام به (السنن، المناسك، باب الخطبة يوم النحر ح ٣٠٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق الوليد عن هشام به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٣١/٢)، وأخرجه البخاري معلقاً على هشام بن الغازي به (الصحيح، الحج، باب الخطبة أيام منى بعد ح ١٧٤٢)، وتقدم وصله. ٢٥١ • سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ، (٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن هشام بن الغازي به، ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن نافع به. وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن رجل من أصحاب النبي ◌ّ قال: قام فينا رسول الله ﴿ على ناقة حمراء مخضرمة فقال: ((أتدرون أي يوم يومكم هذا؟)) قالوا: يوم النحر، قال: ((صدقتم يوم الحج الأكبر))(١). وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﴿ على بعير له وأخذ الناس بخطامه أو زمامه، فقال: ((أي يوم هذا؟)) قال: ((فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: ((أليس هذا يوم الحج الأكبر؟))(٢). وهذا إسناد صحيح وأصله مخرج في الصحيح. وقال أبو الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ◌َي﴿ في حجة الوداع فقال: ((أي يوم هذا؟)) فقالوا: اليوم الحج الأكبر(٣). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر. رواه ابن أبي حاتم (٤). وقال مجاهد أيضاً: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلِّها(٥)، وكذا قال أبو عبيد: قال سفيان: يوم الحج ويوم الجمل ويوم صفين أي: أيامه كلها(٦). وقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: ما لكم وللحج الأكبر؟ ذاك عام حجَّ فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله وَّ فحجَّ بالناس. رواه ابن أبي حاتم(٧). وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون، سألت محمداً - يعني: ابن سيرين - عن يوم الحج الأكبر، فقال: كان يوماً وافق فيه حج رسول الله وَالر حج أهل الوبر(٨)(٩) . (١) یشهد له سابقه ولا حقه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق محمد بن سيرين به (الصحيح، الحج، باب الخطبة أيام منى ح ١٧٤١). (٣) أخرجه الترمذي عن هناد عن أبي الأحوص به ثم قال: حسن صحيح، (السنن، الفتن، باب ما جاء ((دماؤكم وأموالكم عليكم حرام)) ح٢١٥٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٥٣). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن يعلى عن سعيد بن المسيب، ويحيى سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ١٩٦/٩)، والبخاري (التاريخ الكبير ٣١١/٨). (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه الطبري عن الحارث، وهو ابن أبي أسامة، عن أبي عبيد به، وسنده صحيح. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عثمان بن عمر عن سهل السراج به. (٨) أهل الوبر: أي أهل البوادي، وهو من وبرَ الإبل، لأن بيوتهم يتخذونها منه (النهاية ١٤٥/١). (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. ٢٥٢ • سُوْرَةُ التَّوَيَّةِ (٤، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 42 ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُطَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِّمُوّا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ (٣)﴾ . هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث ومن كان له عهد مع رسول الله وَلر فعهده إلى مدته(١)، وذلك بشرط أن لا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحداً أي: يمالئ عليهم مَن سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته، ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم. ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ ◌ٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم لههنا ما هي؟ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَآ أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْغَيِّمَّ فَلَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٦]. قاله أبو جعفر الباقر(٢)، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وهذا الذي ذهب إليه حكاه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس(٣) وإليه ذهب الضحاك (٤) أيضاً وفيه نظر. والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي(٥) عنه، وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُواْ فِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢](٦) ثم قال: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة [التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة المحرمة](٧) سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد في هذه السورة الكريمة. وقوله: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض وهذا عام، والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم، بقوله: ﴿وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. (١) تقدمت في الآية السابقة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أبي جعفر الباقر مصرحاً بأسماء الأشهر. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية. (٦) قول قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم، وقول مجاهد وعمرو بن شعيب، أخرجه الطبري بسند ضعيف. (٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح). ٢٥٣ سُورَةُ التَّوَنَّةِ (٤، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وأسروهم إن شئتم قتلاً وإن شئتم أسراً. وقوله: ﴿وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم الواسع وتضطروهم إلى القتل أو الإسلام، ولهذا قال: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولهذا اعتمد الصديق نظُه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال وهي: الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبّه بأعلاها على أدناها؛ فإن أشرف أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة التي هي حق الله رَق، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة. وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر هما عن رسول الله وَي أنه قال: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) الحديث(١). وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ظنه قال: أُمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزكٍ فلا صلاة له (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم)) ورواه البخاري في صحيحه وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث عبد الله بن المبارك، به(٣). وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال: قال رسول الله وَل : ((من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا يشرك به شيئاً فارقها والله عنه راضٍ)) قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال تعالى: ﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] (٤) ورواه ابن مردويه. ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٩. (٢) سنده ضعيف لأن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود ظُه. (٣) تقدم تخريجه من حديث عمر بن الخطاب في تفسير سورة الأنفال آية ٣٩. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي جعفر الرازي فإن يرويه هنا ليس من نسخة الربيع عن أبي العالية عن أَبيّ. ٢٥٤ • سُوَّرَةُ التَّوَيَّةِ (٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حكام بن سلمة، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء(١). وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كلَّ عهد بين النبي ◌َّ﴾ وبين أحد من المشركين وكلَّ عقد وكلَّ مدة(٢). وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبقَ لأحد من المشركين عهد ولا ذمَّة منذ نزلت براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر(٣). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سمي لهم من العهد والميثاق، وأذهب الشرط الأول (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: قال سفيان بن عيينة: قال علي بن أبي طالب: بعث النبي ◌َ ﴿ بأربعة أسياف سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٥) هكذا رواه مختصراً. وأظن أن السيف الثاني هو: قتال أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّى يُعْعُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (@)﴾ [التوبة]. والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ الآية [التوبة: ٧٣]. والرابع: قتال الباغين في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَبِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَأْ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَائِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَّى تَّفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه: فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ﴾ [محمد: ٤] (٦) . وقال قتادة، بالعكس(٧). ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ ﴾. يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرتك بقتالهم (١) تعظيم قدر الصلاة (ح١). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به مختصراً. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع الكبير بين سفيان وعلي ضـ (٦) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق سفيان عنه. (٧) أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآَ﴾ [محمد: ٤] قال: نُسخ ذلك في براءة ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٥] (نواسخ القرآن ص٤٦٧). ٠٠ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٧) ٢٥٥ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم ﴿أَسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئاً من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله ﴿ثُمَّ أَتَلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: إنسان يأتيك ليسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك، فتُسمعه كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاءه(١). ومن هذا كان رسول الله وَله يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً أو في رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم عروة بن مسعود ومكرز بن حفص وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحداً بعد واحد يتردّدون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله وَ ما بهرهم وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم، ولهذا - أيضاً - لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله صل﴿ قال له: أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله مثلين: (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك))(٢). وقد قيَّض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة. وأمر به فضربت عنقه لا رحمه الله ولعنه. والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أماناً أعطي أماناً ما دام متردداً في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء رحمهم الله. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ اْخَرَاءِ فَمَا أَسْتَقَدَمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَمُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ يبيّن تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ﴾ أي: أمان ويتركون فيما هم فيه، وهم مشركون بالله كافرون به وبرسوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدَثُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني: يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مِلٌَّ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، ﴿فَمَا أَسْتَقَدِمُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه أبو داود من حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ظه (السنن، الجهاد، باب في الرسل ح ٢٧٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٣٩٩). ٢٥٦ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ﴿فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد فعل رسول الله ومو ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالؤوا حلفاءهم، وهم بنو بكر على خزعة أحلاف رسول الله ﴿ فقتلوهم معهم في الحرم - أيضاً -، فعند ذلك غزاهم رسول الله وَّر في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام ومكنه من نواصيهم ولله الحمد والمنة، فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا: الطلقاء، وكانوا قريباً من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله ◌َ و بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، ومنهم صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما يقدره ويفعله. ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَأَبَ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ يقول تعالى محرضاً للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم ومبيناً أنهم لا يستحقُّون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله مضطر؛ ولأنهم لو ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلاّ ولا ذمَّة. قال علي بن أبي طلحة وعكرمة والعوفي، عن ابن عباس: الإلّ: القرابة، والذمة: العهد(١). وكذا قال الضحاك والسدي(٢)، كما قال تميم بن مقبل: اقطعوا الإلَّ وأعراقَ الرحم أفسد الناس خلوف (٣) خلفوا پبه : وقال حسان بن ثابت نصّ وذو الإلّ والعهد لا يكذب (٤) وجدناهم كاذباً إلهم وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَا يَقْبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا﴾ [التوبة: ١٠] قال: الله(٥)، وفي رواية لا يرقبون الله ولا غيره(٦). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مِجلز في قوله تعالى: ﴿لَا يَقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠] مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل كأنه يقول: لا يرقبون الله (٧)، والقول الأول أظهر وأشهر وعليه الأكثر. وعن مجاهد - أيضاً - الإلّ: العهد(٨). (١) أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) خلوف: جمع خَلْف وهم: بقية السوء والأشرار تخلف من سبقها . (٤) ذكرهما الطبري في تفسيره ونسب كل بيت إلى قائله. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده صحيح. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى هو ابن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٢٥٧ • سُوَدَّةُ التَّوَنَّةِ (١٢،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: الإلّ: الحلف(١). لا - ﴿أَشْتَرَوْ بِئَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُواْ عَن سَبِيلِهِّ إِنَهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ يَقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ فَإِخْوَتُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذمَّاً للمشركين وحثّاً للمؤمنين على قتالهم: ﴿أَشْتَرَوْاْ بِئَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهٍ﴾ أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾ تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ إلى آخرها تقدمت. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس؛ قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله إليه: ((من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا يشرك به، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راضٍ)). وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال في آية أخرى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ الذِينٌ﴾(٢) ثم قال البزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راضٍ، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس. - ﴿وَإِن تُكَثُواْ أَيْمَنَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِىِ دِينِكُمْ فَقَدِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (15)﴾. يقول تعالى: وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدَّة معينة أيمانهم أي: عهودهم ومواثيقهم ﴿وَطَعَنُوا فِ دِينِكُمْ﴾ أي: عابوه وانتقصوه، ومن لههنا أخذ قتل من سبَّ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، أو من طعن في دين الإسلام أو ذكره بنقص، ولهذا قال: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِعَّةَ آلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال .. وقد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر، كأبي جهل وعتبة وشيبة وأُمية بن خلف، وعدَّدَ رجالاً(٣). وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مرّ سعد بن أبي وقاص برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد: كذبت بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه (٤). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) سنده ضعيف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي، وما يرويه هنا ليس من الصحيفة المشهورة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية رفيع، عن أبي بن كعب. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، بدون ذكر شيبة. (٤) لم أجده مسنداً، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه فقط. ٢٥٨ • سُوَرَّةُ التَّوَّةِ (١٣، ١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد (١). وروي عن علي بن أبي طالب به: مثله(٢)، والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم والله أعلم. وقال الوليد بن مسلم: حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه كان في عهد أبي بكر ظُه إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قوماً محوّقة(٣) رؤوسهم، فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحبُّ إليّ من أن أقتل سبعين من غيرهم وذلك بأن الله يقول: ﴿فَقَئِلُواْ أَبِنَّةَ الْكُفْرِ) رواه ابن أبي حاتم(٤). ] ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا تَكَثُواْ أَيْمَئِنَهُمْ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةَ أَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿﴿ قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِينٌَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيّظَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ٠ حَكِيمُ وهذا أيضاً تهييج وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين بأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُمُ اللهُ وَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (٣)﴾ [الأنفال] وقال تعالى: ﴿يُرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ الآية [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خلفك إِلَّا قَلِيلًا﴾ الآية [الإسراء: ٧٦](٥) . قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، مرّة﴾ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَـ وقوله: ﴿وَهُم فلما نجت وعلموا بذلك استمروا على وجههم، طلباً للقتال بغياً وتكبراً كما تقدم بسط ذلك. وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله وَلهم(٦) حتى سار إليهم رسول الله وَّير عام الفتح وكان ما كان ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي وعقوبتي، فبيدي الأمر وما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، ثم قال: عزيمة على المؤمنين وبياناً لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك (١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش به، وأخرجه البخاري من طريق إسماعيل عن زيد بن وهب عن حذيفة بمعناه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَقَدِلُواْ أَبِعَّةَ الْكُفْرِ ... ﴾ [التوبة: ١٢] ح٤٦٥٨). (٢) لم أجده مسنداً، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن مردويه فقط، ويتقوى برواية حذيفة ظ﴿ته. (٣) محوّقة: الحوق الكنس، أراد أنهم حلقوا وسط رؤوسهم، فشبه إزالة الشعر منه بالكنس، ويجوز أن يكون من الحوق: وهو الإطار المحيط بالشيء المستدير حوله (النهاية ١/ ٤٦٢). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن عبد الله الإسكندراني عن الوليد بن مسلم به. وسنده حسن. (٥) قراءة متواترة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. ٢٥٩ • سُوْرَةُ التَّوَيَّةِ (١٦) الأعداء بأمر من عنده: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ تُؤْمِنِينَ ﴾﴾: وهذا عام في المؤمنين كلهم. وقال مجاهد وعكرمة والسدي في هذه الآية ﴿وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ﴾: يعني: خزاعة(١)، وأعاد الضمير في قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عليهم أيضاً. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز ظه، عن مسلم بن يسار، عن عائشة رضيؤنا، أن رسول الله وسلم كان إذا غضبت أخذت بأنفها وقال: ((يا عويش قولي اللَّهم ربَّ النبي محمد اغفر ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن)) ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الجون عنه (٢). ﴿وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءٌ﴾ أي: من عباده ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يصلح عباده ﴿حَكِيمُ﴾ في أفعاله وأقواله الكونية والشرعية فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبداً ولا يضيع مثقال ذرّة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة. ﴾ ﴿أَرَّ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنون أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ الَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي: بطانة ودخيلة بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر كما قال الشاعر: وما أدري إذا يمّمت أرضاً أريد الخير أيُّهما يليني وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿الَّمّ ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَرِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِّ وَمَا كَانَ الَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]. والحاصل أنه تعالى لما شرع لعباده الجهاد بيَّن أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن يعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه لا إله إلا هو ولا ربّ سواه، ولا رادَّ لما قدّره وأمضاه. (١) قول مجاهد أخرجه الطبري كسابقه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٢) في سنده هشام بن عمار الدمشقي وهو صدوق كبر فصار يتلقن (التقريب ص٥٧٣)، ومسلم بن يسار لم يسمع عائشة، ولكنهما قد توبعا إذ أخرجه ابن السني من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة (عمل اليوم والليلة ح٤٥٦) إلا أن الحافظ العراقي ضعف رواية ابن السني (المغني عن حمل الأسفار ٣٢٦/١). ٢٦٠ سُورَةُ التَّوَثَةِ (١٧، ١٨) ] ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِّ أُوْلَكَ حَبِطَتْ ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ أَعْمَلُهُمْ وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ الصَّلَوةَ وَءَنَى الزَّكَوَةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىَ أُوْلَيْكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ . يقول تعالى: ما يبنغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بُنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ (مسجد) (١) الله فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي بحالهم وبقالهم. قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال: نصراني، ولو سألت اليهودي: ما دينك؟ لقال: يهودي، والصابئ؟ لقال: صابئ، والمشرك؟ لقال: مشرك(٢). ﴿أُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: بشركهم ﴿وَفِ النَّارِ هُمْ خَلِدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءُ: إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣)﴾ [الأنفال] ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ الَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد تعالى بالإيمان لعمار المساجد كما قال الإمام أحمد: حدثنا [سُريج](٣)، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن درَّاجاً أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله وح له قال: ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان))، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اَللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾(٤). ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب به(٥). وقال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يونس بن محمّد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله))(٦). ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: ((إنما عُمَّار المساجد هم أهل الله)) ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غیر صالح(٧). وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعاً: ((إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم)) (١) وهي قراءة متواترة. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) كذا في المسند، وفي الأصل صُحف إلى: ((شُريح)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٤/١٨ ح١١٦٥١) وضعف سنده محققوه. (٥) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب من سورة التوبة (ح٣٠٩٣)، والمستدرك ٣٣٢/٢، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي ولكن حديث دراج عن أبي الهيثم ضعيف. (٦) سنده ضعيف لضعف صالح المري (مجمع الزوائد ٢٣/٢). (٧) أخرجه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (رقم ٤٤٣) وسنده ضعيف علته كسابقه.