Indexed OCR Text
Pages 201-220
٠ سُورَةُ الأَفَّا (٣٨، ٤٠) ٢٠١ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تكون فتنة ويكون الدِّين لغير الله. وكذا رواه حماد بن سلمة، فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كلَّه لله، وذهب الشرك ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة ويكون الدِّين لغير الله(١)، رواهما ابن مردويه. وقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال ذو البطين، - يعني أسامة بن زيد -: لا أقاتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبداً. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلاً: يقول: لا إله إلا الله أبداً، فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الِينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدِّين كله لله(٢). رواه ابن مردويه. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك(٣)، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم(٤). وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وغيره من علمائنا، ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾، حتى لا يُفتن مسلم عن دينه(٥) . وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾. قال الضحاك: عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله (٦). وقال الحسن وقتادة وابن جريج: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلّهِ﴾ أن يقال: لا إله إلا الله(٧). وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد(٨). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الِدِينُ كُلُهُ لِلَّهِ﴾، لا يكون مع دينكم كفر (٩)، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله وَلي أنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقِّها، وحسابهم على الله رَك))(١٠) وفيهما عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله وَيقول عن الرجل يقاتل (١) أصلهما في الصحيح كما في الحديثين السابقين. (٢) سنده مرسل ولم يسم الراوي عن أبي عوانة ومن بعده، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي ظبيان حصين بن جندب، ولم يذكر: يعني أسامة بن زيد. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به، ويتقوى بالآثار التالية. (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به ولم يصرح ابن إسحاق باسم شيخه ولكنه يتقوى بما سبق. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به ويتقوى بالتالي. (٧) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٨) یشهد له ما سبق. (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (١٠) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٠. ٢٠٢ • سُورَةُ الأَفَّالَ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 شجاعة ويقاتل حميّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ربك؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله رَاتٍ))(١) . وقوله: ﴿فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ﴾ أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفُّوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرُ﴾، كقوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ أَلْدِيْنُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنتَهَوْ فَلَ عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (٣)﴾ [البقرة]. وفي الصحيح أن رسول الله ﴿ قال لأسامة، لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله وسلم فقال لأسامة: ((أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة، فقال يا رسول الله، إنما قالها تعوذاً، قال: ((هلا شققت عن قلبه؟)) وجعل يقول ويكرر عليه: ((من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟)) قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ(٢). وقوله: ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمَّ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم فاعلموا أن الله مولاكم، وسيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير. وقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء فكتب إليه عروة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنَّك كتبت إلي تسألني، عن مخرج رسول الله و خير من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان من شأن خروج رسول الله ◌َّطلقة من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبيّ ونعم السيد ونعم العشيرة، فجزاه الله خيراً، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته وأماتنا وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له، حتى إذا ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطّائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتن من افتتن وعصم الله ما شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله وَله أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح، يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم يجدون فيها رفاغاً من الرزق، وأمناً ومتجراً حسناً، فأمرهم بها النبي ◌َچ، (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، آية ١٩٢. (٢) صحيح البخاري، الجهاد والسير، باب بعث النبي وَر أسامة بن زيد (ح٢٨١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (ح٩٦). ٢٠٣ • سُوْرَةُ الأَفََِّ (٤١) فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله وَ ل* وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله وَلير قبل أرض الحبشة مخافتها، وفراراً مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله وَل ل أنه قد استرخى عمَّن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله وسلم بمكة، فلما رأت قريش ذلك، [تذامرت] (١) على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان : فتنة: أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي وَلّ بها، وأذن لهم في الخروج إليها . وفتنة: لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم إنه جاء رسول الله وَ و من المدينة سبعون نقيباً، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنَّا منك وأنت مِنَّا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدَّت عليهم قريش، عند ذلك، فأمر رسول الله وَ له أصحابه، أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صل﴿ أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله متك فيها: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّمُ لِلَّهِ﴾(٢)، ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير، أنه كتب إلى الوليد يعني: ابن عبد الملك بن مروان بهذا، فذكر مثله(٣)، وهذا صحيح إلى عروة تَحْدَتُهُ . وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اُلْسَبِيلِ إِن كُنْتُمْ ءَامَنتُم بِلَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ اٌلْفُرْقَانِ يَوْمَ اُلْنَّقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصاً لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف الخيل والركاب. (١) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل: توامرت. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الأستاذ محمود شاكر ولقد أشار إلى كتاب عروة في السيرة، وعزم أن یجمعه رُّ . (٣) أخرجه الطبري عن يونس بسنده مختصراً على مطلع كتاب عروة. والسند الأول أقوى، وصححه الحافظ ابن كثير أيضاً. ٢٠٤ • سُورَةُ الْأَفَّالِ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والفيء: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضاً، ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ﴿َّ أَقَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [الحشر: ٧]، قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين، وخمساً منها لهؤلاء المذكورين(١)، وهذا الذي قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة، أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة، يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعاً إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لِتخميس كلِّ قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ثُمَّ تُوَّى كُلُ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقوله: ﴿فَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون لههنا: فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله وَل، يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل(٢). وقال آخرون: ذكر الله لههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله عليّلا . قال الضحاك، عن ابن عباس ظه: كان رسول الله وَ * إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ﴾ فأن لله خمسه، مفتاح كلام ﴿لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فجعل سهم الله وسهم الرسول ## واحداً (٣). وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد، أن سهم الله ورسوله واحد (٤). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي به وسنده جيد لكنه مرسل. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، وتشهد له الآثار التالية. (٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول عطاء فقد أخرجه بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقول إبراهيم النخعي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة. ٢٠٥ • سُورَةُ الأَفَّالَِ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ويؤيد هذا ما رواه الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي، بإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: أتيت النبي ◌ّ وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرساً، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: (لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش)). قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: ((لا ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم)) (١). وقال ابن جرير: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى أبو بكر بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه(٢). ثم اختلف قائلو هذا القول، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تخمس على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس، فربع لله وللرسول ◌َله، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي ( *)، ولم يأخذ النبي ◌َّ من الخمس شيئاً(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بُريدة في قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَ لِلَّهِ مُسَهُ وَلِلَّسُولِ﴾، قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه(٤). وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، قال: خمس الله والرسول واحد، يحمل منه ويصنع فيه ما شاء(٥)، يعني النبي وَعليه، وهذا أعم وأشمل، وهو أنه لنَّ يتصرف في الخمس الذي جعله الله بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء والحارث بن معاوية الكندي ه، فتذاكروا حديث رسول الله وَله، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله ◌َ ﴿ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله وَال صلّى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلَّم قام رسول الله وَ ل﴿ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: ((إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبيٍ معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدُّوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلّوا، فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهمّ والغمِ)) (٦)، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. (١) أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن شقيق به (السنن الكبرى ٣٢٤/٦)، وصححه سنده الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي بكر ضـ (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به نحوه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه أبو عبيد (الأموال ٨٣٨) وابن أبي شيبة (المصنف ٤٣١/١٢) بسند صحيح من طريق عبد الملك بن أبي سليمان به. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧١/٣٧ - ٣٧٢ ح ٢٢٦٩٩)، وحسنه محققوه بالشواهد، وكذا = ٢٠٦ سُورَةُ الأَنْفَِّ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولكن روى الإمام أحمد أيضاً وأبو داود والنسائي، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله وَلر نحوه في قصة الخمس والنهي عن الغلول(١). وعن عمرو بن عنبسة، أن رسول الله وَّ﴿ل صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلّم أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: ((ولا يحل لي من غنائكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم))(٢) رواه أبو داود والنسائي، وقد كان للنبي ◌ّ من الغنائم شيء يصطفيه لنفسه، عبد أو أمة أو فرس أو سيف أو نحو ذلك كما نصّ عليه محمد بن سيرين وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء. وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس، أن رسول الله ( * تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد(٣). وعن عائشة ﴿ّا قالت: كانت صفية من الصفي (٤)، رواه أبو داود في سننه، وروى أيضاً بإسناده والنسائي أيضاً عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: ((من محمد رسول الله إلى بني زهير بن قيس إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي (وَّ، وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله ورسوله)). فقلنا: من كتب هذا؟ فقال: رسول الله وَلِ﴾ (٥). فهذه أحاديث جيدة تدلُّ على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه. وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء، وقال شيخنا الإمام العلامة ابن تيمية تَّتُهُ: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضاً في الذي كان يناله عليّ* من الخمس، ماذا يصنع به من بعده، فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده، رُوي هذا عن أبي بكر وعلي وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع. وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين. حسنه الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من طريق أبي سلام الأعرج به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك = ٤٩/٣، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة ح٩٨٥). (١) المسند ١٨٤/٢، وسنن أبي داود، الجهاد، باب فداء الأسير بالمال (ح٢٦٩٤) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٤٣). (٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه (ح ٢٧٥٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٩٣). (٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٥٩/٤ ح٢٤٤٥) وحسنه محققوه. (٤) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب ما جاء في سهم الصفيّ ح٢٩٩٤)، وصححه الألباني في صحيح سن أبي داود (ح٢٥٨٧). (٥) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب ما جاء في سهم الصفيّ ح٢٩٩٩)، وصححه سنده الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٥٩٢). ٢٠٧ • سُورَةُ الأَفََِّ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف، ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، اختاره ابن جرير. وقال آخرون: بل سهم النبي ◌ّ﴿ وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى والمساكين وابن السبيل. قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق، وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو، سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس، فقالا: هو لنا، فقلت لعلي: فإن الله يقول: ﴿وَالْيَتَفَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا(١). وقال سفيان الثوري وأبو نعيم وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم: سألت الحسن بن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَّسُولِ﴾ فقال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين، بعد وفاة رسول الله وَله، فقال قائلون: سهم النبي ◌َلـ تسليماً للخليفة من بعده. وقال آخرون: لقرابة النبي ◌َّو. وقال آخرون: سهم القرابة لقرابة الخليفة، واجتمع رأيهم أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك في خلافة أبي بكر وعمر طًا(٢). قال الأعمش: عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر يجعلان سهم النبي ◌َّ في الكراع(٣) والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان عليُّ يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه (٤). وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء رحمهم الله، وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب، لأن بني المطلب وازروا بني هاشم في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشعب غضباً لرسول الله وَله وحماية له، مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حميَّة للعشيرة، وأنفة وطاعة لأبي طالب عمِّ رسول الله ◌َّي، وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم ومالؤوا بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم في قصيدته اللامية أشد من غيرهم، لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته [اللامية](٥): (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً فإن عبد الغفار هو ابن القاسم أبو مريم الغفاري، يروي عن المنهال بن عمر (الجرح والتعديل ٥٣/٦) من رؤوس الشيعة رافضي يضع الحديث (ميزان الاعتدال ٢/ ٦٤٠). (٢) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٩٣٨٢)، وأبو عبيد (الأموال ٣٩) وابن أبي شيبة (المصنف ٤٣١/١٢)، كلهم من طريق الثوري به وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم أيضاً من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢٨/٢). (٣) الكراع: بضم الكاف اسم يجمع الخيل والسلاح. (٤) أخرجه الطبري من طريق عمر بن عبيد عن الأعمش به، وسنده مرسل. (٥) ما بين معقوفين زيادة من (عم) و(مح). ٢٠٨ سُورَةُ الأَنَفَِّ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عقوبة شرِّ عاجل غير آجل(١) جزى اللّه عنّا عبد شمس ونوفلا ٥ شاهد من نفسه غير عائل بني خلف قيضاً(٣) بنا والعياطل(٤) وآل قصي في الخطوب الأوائل(٥) بميزان قسط لا يخيس شعيرة (٢) ل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ونحن الصميم من ذؤابة هاشم وقال جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: مشيت أنا وعثمان بن عفان، يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله ﴿ فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) رواه مسلم(٦). وفي بعض روايات هذا الحديث: ((إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام))(٧)، وهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم، ثم روى عن خصيف عن مجاهد، قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة، وفي رواية عنه قال: هم قرابة رسول الله ﴿ الذين لا تحل لهم الصدقة (٨)، ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك(٩). قال ابن جرير: وقال آخرون: بل هم قريش كلُّها، حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس، كنا نقول: إنَّا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلُّها ذوو قربى وهذا الحديث صحيح، رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد المقبري، عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القربى(١٠)، فذكره إلى قوله: فأبى ذلك علينا قومنا، والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر بن (١) كذا في (عم) و(حم) و(مح) والسيرة النبوية لابن هشام وفي الأصل: ((عقوبة سوء من غرام مماثل)). (٣) قيضاً: أي عوضاً. (٢) الشعيرة: الحب المعروف. (٤) العياطل: هم بنو سهم. (٥) ورد هذا الشعر في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٢٧٧. (٦) بل أخرجه البخاري (الصحيح، فرض الخمس، باب من الدليل على أن الخمس للإمام ح ٣١٤٠). (٧) أخرجه النسائي من حديث جبير بن مطعم مرفوعاً (السنن، كتاب قسم الفيء ١٣١/٧). (٨) أخرج الطبري الروايتين من طريق خُصيف عن مجاهد، وخصيف صدوق سيء الحفظ. (٩) أخرجه الطبري من طريق الصَّبَّاح بن يحيى المزني عن السدي عن أبي الديلم عن علي بن الحسين بنحوه، وسنده ضعيف جداً لأن الصباح المزني متروك شيعي (لسان الميزان ١٦٠/٣) وإسماعيل بن أبان والسدي كلاهما فيهما تشيع، وإسماعيل بن أبان هو الوراق الأزدي: كذاب. (١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر نجيح ولكنه توبع في معظمه إذ أخرجه مسلم من طريق يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس ولكن بدون قوله: قريش كلها ذوو قربى (الصحيح، الجهاد، باب النساء الغازيات ... ح ١٨١٢)، وكذا أخرجه أبو داود في سننه، الإمارة، باب بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى (ح٢٩٨٢) والنسائي في سننه، كتاب قسم الفيء ١٢٨/٧ - ١٢٩. ٢٠٩ سُورَةُ الأَفَّاكَ (٤١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلحه: ((رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم من خُمس الخُمس ما يغنيكم أو يكفيكم)) (١)، هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير، والله أعلم. وقوله: ﴿وَالْيَتَلَى﴾ أي: أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين، والمساكين: هم المحاويج الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم، ﴿وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك، وسيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من سورة براءة إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله وَير قال لهم: ((وآمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخُمس من المغنم)»(٢)، الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البخاري على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: (باب أداء الخمس من الإيمان) ثم أورد حديث ابن عباس هذا(٣)، وقد بسطنا الكلام عليه في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَّ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة (٤)، وقوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرَّق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان، لأن الله أعلى فيه كلمة الإيمان على كلمة الباطل وأظهر دینه ونصر نبيّه وحزبه. قال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، رواه الحاكم(٥)، وكذا قال مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد أنه يوم بدر (٦). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن حنش وهو: الحسين بن قيس الرحبي متروك كما في التقريب وقال البخاري: لا يكتب حديثه (ينظر ميزان الاعتدال ٥٤٦/١)، وقد حسن الحافظ ابن كثير سنده ولعلهُ بالمتابعات والشواهد لأن أصله في الصحيح إذا أخرج مسلم في صحيحه عن المطلب بن ربيعة بن الحارث وبه أن النبي ◌َ ﴾ قال: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد)). (الصحيح، الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي وَّر على الصدقة) (ح ١٠٧٢). (٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان (ح٥٣) وصحيح مسلم، الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله تعالى (ح١٧). (٣) (ح ٥٣). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل. (٥) أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٣/٣)، وأما طريق العوفي أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقه. (٦) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعاً بحذف السند، وقول مجاهد ومقسم وقتادة أخرجه الطبري عنهم بأسانيد صحيحة. ٢١٠ سُورَةُ الأَنْفَّاَِ (٤٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿يَوْمَ اٌلْفُرْقَانِ﴾ يوم فرَّق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله وَّر، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله وَل﴿ يومئذٍ ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك(١). وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود، قال في ليلة القدر: تحروها لإحدى عشرة يبقين، فإن في صبيحتها يوم بدر(٢)، وقال: على شرطهما، وروي مثله عن عبد الله بن الزبير أيضاً، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يحيى بن يعقوب أبو طالب، [عن ابن عون، عن محمد بن عبد الله الثقفي](٣)، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة من رمضان (٤). إسناد جيد قوي، ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان، ليلة التقى الجمعان، في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان، وهو الصحيح عند أهل المغازي والسير. وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه(٥)، والله أعلم. ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُذْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمَّ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاَخْتَلَفْتُمْ فِ الْمِيعَدِّ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَى عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمُ ﴾﴾. يقول تعالى [مخبراً] (٦) عن يوم الفرقان ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم نزول بعدوة (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٩٧٢٦) وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به. (٢) المستدرك ٣/ ٢٠. (٣) كذا في النسخ الخطية وتفسير الطبري، ويرى الأستاذ أحمد شاكر أن الصواب: عن أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي ثم استشهد برواية سابقه لم يذكر فيها الكنية (التفسير رقم ١٦١٣٥ و١٥٩٢٥)، وأما طبعة معالي الدكتور التركي فهي كما في ابن كثير. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن يعقوب أبو طالب: قال البخاري: منكر الحديث (التاريخ الكبير ٣١٢/٨)، ووثقه أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (١٩٨/٨). ولعل تقوية الحافظ ابن كثير لهذا السند لأنه روي من طرق أخرى، لأنه قال: وهو الصحيح عند أهل المغازي. (٥) يقصد الحافظ ابن كثير بقول الجمهور أنه يوم الجمعة وهو كما قال، ولكن يزيد بن أبي حبيب لم ينفرد به بل توبع إذ أخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة كلاهما من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عامر بن ربيعة البدري قال: كانت بدر يوم الإثنين، (الطبقات الكبرى ١٣/٢، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٥٤/١٤ رقم ١٨٥٠١)، ورواية يزيد بن أبي حبيب أخرجها ابن أبي حاتم من طريق مصعب بن ثابت عن عطاء بن دينار عن يزيد بن أبي حبيب. ومصعب بن ثابت لين الحديث كما في التقريب. (٦) كذا في ((عم)) و(حم)) و((مح))، وسقطت من الأصل. ٢١١ • سُوَرَّةُ الْأَنْفَّاِ (٤٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركون نزول ﴿بِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة من المدينة إلى ناحية مكة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدُلُّمْ﴾ أي: أنتم والمشركون إلى مكان ﴿لَاَ خْتَلَفْتُمْ فِىِ الْمِيعَدِ﴾. قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم ﴿وَلَكِن لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه(١). وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله وَّ ر والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير معياد(٢). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله وَ له وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة، ونهد (٣) الناس بعضهم لبعض (٤). وقال محمد بن إسحاق في السيرة: ومضى رسول الله وَ ﴿ على وجهه ذلك، حتى إذا كان قريباً من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو وعَدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدراً، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن(٥) لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان، تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنما تأتي العير غداً أو بعد غد فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله وَّ ر، فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين ولّيا وقد حذر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعاً فضرب وجه عيره فانطلق بها فسَاحَل (٦)، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال: إن الله قد نجَّى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدراً - وكانت بدر سوقاً من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثاً فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا القيان(٧)، وتسمع بنا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به وابن إسحاق صرح بالتحديث. (٢) أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب قصة بدر ح٣٩٥١). (٣) أي نهضوا إلى القتال. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه. (٥) أي قربة ماء بالية. (٧) أي الجواري. (٦) أي: سار بالقافلة نحو الساحل. ٢١٢ سُورَةُ الأَنَفََِّ (٤٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبداً. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بني زهرة، إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها، ولا بنو عدي(١). قال محمد بن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله وَال حين دنا من بدر، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش غلاماً لبني سعيد بن العاص، وغلاماً لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله وَلقره، فوجدوه يصلّي فجعل أصحاب رسول الله وَ ل يسألونهما لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما(٢) قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله وَلّ وسجد سجدتين ثم سلم، وقال: ((إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش)) قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله وَالر: ((كم القوم؟)) قالا: كثير. قال: ((ما عدتهم؟)) قالا: ما ندري. قال: ((كم ينحرون كل يوم؟)) قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال رسول الله وتليفون: ((القوم ما بين التسعمائة إلى الألف)) ثم قال لهما: ((فمن فيهم من أشراف قريش؟)) قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله ◌َي﴿ على الناس فقال: ((هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها))(٣). قال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن سعد بن معاذ قال لرسول الله وَالر: لما التقى الناس يوم بدر يا رسول الله، ألا نبني لك عريشاً تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا؟ فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى، فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حباً منهم، لو علموا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، ويوادونَك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله وَلل خيراً، ودعا له به فبني له عريش، فكان فيه رسول الله وَ ل وأبو بكر، ما معهما غيرهما(٤) قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله وشفيقو تصوب من العقنقل - وهو الكثيب - الذي جاؤوا منه إلى الوادي، فقال: ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم(٥) الغداة))(٦). (١) سيرة ابن هشام ٦١٧/١ - ٦١٩. (٢) أي: بالغوا في ضربهما. (٣) سنده حسن لكنه مرسل، وورد في سيرة ابن هشام ٦١٦/١ - ٦١٧. (٤) سنده منقطع لأن عبد الله بن أبي بكر لم يسمع من سعد بن معاذ. وذكره ابن هشام بسنده بنحوه (السيرة النبوية ٦٢٠/١ - ٦٢١). (٥) أي أهلكهم. (٦) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٢١. ٢١٣ • سُورَةُ الأَنْفَّا (٤٣، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، قال محمد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك(١). وهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصيّر الأمر ظاهراً والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة، ولا شبهة، فحينئذٍ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه، على بصيرة من أمره، إنه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْبَى مَنْ حَىّ﴾ أي: يؤمن من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: حجة وبصيرة والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقالت عائشة في قصة الإفك: فهلك فيّ من هلك(٢)، أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ وَإِذْ يُرِكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِىّ أَعْيُنِكُمْ قَلِلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىّ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى الَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (@) قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلاً، وأخبر النبي وَلّ أصحابه بذلك، فكان تثبيتاً لهم(٣)، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد(٤)، وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها (٥) . وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى [التستري](٦) حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيِكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال بعينك(٧)، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام لهُهنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه، وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ) أي: من ذلك، بأن أراكهم قليلاً ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنُّه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ (٢َ﴾ [غافر]. وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اُلْتَقَيْتُمْ فِىَّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وهذا أيضاً من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلاً في رأي العين، فيجرُّؤهم عليهم ويطمعهم فيهم. قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضيبه، قال: لقد قُلِّلوا في (١) السيرة النبوية لابن هشام ٦٧٢/١ - ٦٧٣. (٢) ستأتي القصة بطولها في تفسير سورة النور آية ١١. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. (٥) ذكره الطبري بصيغه: زعم بعضهم. (٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي (مح): السدي وهو تصحيف. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وقد استغربه الحافظ ابن كثير لأنه خالف التصريح بالمنام . ٢١٤ • سُؤَدَّةُ الْأَفَّالِ (٤٥، ٤٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: لا بل هم مائة، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه، فقال: كنا ألفاً، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١). وقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الحارث، عن عكرمة ﴿وَإِذْ يُرِيكُهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ الآية، قال: حضَّض(٢) بعضهم على بعضهم(٣). إسناد صحيح. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليلقي بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته (٤)، ومعنى هذا أنه تعالى أغرى كلّاً من الفريقين بالآخر، وقلَّله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال وأيَّد الله المؤمنين بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعيفة، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَّةٌ فِى فِشَتَيْنِ الْتَقَتّا فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَأُخْرَى كَافَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَبْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ ◌ِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾﴾ [آل عمران] وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين، فإن كلّاً منهما حق وصدق، ولله الحمد والمِنَّة. ] ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَإِذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ٤٥ هذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَثْبُتُواْ﴾ ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله وَ ﴿ انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم، فقال: ((يا أيها الناس لا تتمنّوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ثم قام النبي وَلّ، وقال: ((اللَّهم مُنزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم))(٥). وقال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَالر: ((لا تتمنَّوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله، فإن صخبوا وصاحوا فعليكم بالصمت)) (٦). (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي به، وسنده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (٢) أي: حثَّ. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به. (٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النبي ◌ّي﴿ إذا لم يقاتل أول النهار أخرَّ القتال حتى تزول الشمس (ح٢٩٦٥)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب كراهية تمني لقاء العدو (ح ١٧٤٢). (٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٩٥١٨) وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد، والشق الأول له شاهد في الصحيحين كما تقدم في الحديث السابق. ٢١٥ • سُوْرَةُ الأَنَفَِّكَ (٤٥، ٤٦) وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النبي وَّه مرفوعاً، قال: ((إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة))(١). وفي الحديث الآخر المرفوع، يقول الله تعالى: ((إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه))(٢) أي: لا يشغله ذلك الحال، عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضُّراب بالسيوف(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم (٤). وقال أيضاً: قرأ عليَّ يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن يزيد بن قوذر، عن كعب الأحبار، قال ما من شيء أحبُّ إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِشَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قال الشاعر: وقد نهلت فينا المثقّفة السَّمر ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقال عنترة: فينا وبيض الهند تقطر من دمي ولقد ذكرتك والرماح شواجر فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفرُّوا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً فيختلفوا فيكون سبباً لتخاذلهم وفشلهم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾، وقد كان للصحابة ﴿ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول وَله وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم (١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢١٣/٥) وسنده ضعيف الإبهام شيخ ثابت بن زيد. (٢) أخرجه الترمذي من حديث عمارة بن زعكرة وقال: ليس إسناده بالقوي (السنن، الدعوات ح ٣٥٨٠). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن قوذر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ٢٨٤). ٢١٦ • سُورَةُ الأَفَّا (٤٧، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى عَلت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وَّاب. ] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيٌِّ ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِى جَارٌ لَكُمْ فَلَا تَرَآءَتِ اٌلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِّنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَرَضُ غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمُّ وَمَنْ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ أَلْعِقَابِ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهياً لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، بطراً أي دفعاً للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا والله لا نرجع، حتى نرِد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان (١)، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبداً (٢)، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورُموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صَغَرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيٌِّ﴾ أي: عالم بما جاؤوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شرَّ الجزاء لهم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِبِشَآءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله وَّه يوم بدر (٣). وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِشَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ الَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَّى جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية، حسَّن لهم - لعنه الله - ما جاؤوا له وما همُّوا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إني جار لكم، وذلك أنه تبدَّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية(٤)، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٣٥)﴾ [النساء]. قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم، ﴿وَإِنِِّ جَارٌ لَكُمْ﴾، فلما التقوا (١) أي الجواري. (٢) تقدم تخريجه من السيرة النبوية لابن هشام. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بقول مجاهد وقتادة والسدي إذ أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه. ٢١٧ • سُورَةُ الأَفَاةَ (٤٧، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة، ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبراً، وقال: ﴿إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية(١). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطفَّ الناس، أخذ رسول الله وَله قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولَّوا مدبرين، وأقبل جبريل لعلّها إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى مدبراً وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: ((إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب))، وذلك حين رأى الملائكة(٢). وقال محمد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة، نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم، فتشبَّث به الحارث بن هشام، فنخر في وجهه فخرَّ صعقاً فقيل له: ويلك يا سراقة على هذه الحال، تخذلنا وتبرأ منا، فقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب(٣). وقال محمد بن عمر الواقدي: أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس أغمي على رسول الله وَ ﴿ ساعة، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون، فتشبّث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يُرى حتى سقط في البحر ورفع [يديه] (٤) وقال يا ربِّ موعدك الذي وعدتني(٥). وفي الطبراني عن رفاعة بن رافع (٦)، قريب من هذا السياق وأبسط منه، ذكرناه في السيرة، وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، (١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٣) سنده ضعيف بسبب الكلبي بالكذب أنه متهم. (٤) كذا في (عم) و(مح) ومغازي الواقدي، وفي الأصل (وحم) صحفت إلى ثوبه، وكذا في الطبعات المحققة. (٥) أخرجه الواقدي بسنده ومتنه (المغازي ١/ ٧٠)، وسنده ضعيف لضعف الواقدي ولمعظمه شواهد تقدمت في الرواية قبل السابقة. (٦) المعجم الكبير ٤٢/٥ وضعفه الهيثمي لضعف أحد رجاله واسمه: عبد العزيز بن عمران (المجمع ٨٢/٦). ٢١٨ • سُوَّدَّةُ الأَفَّالَِّ (٤٧، ٤٩) فخرجوا سراعاً(١). قال محمد بن إسحاق: فذُكر لي أنهم كانوا يرونه في كلِّ منزل في صورة سراقة بن مالك لا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص، الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين سراقة؟ أين؟ أي: سراقة. ومثل عدو الله فذهب، قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيَّد الله بهم رسوله والمؤمنين، فنكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وصدق عدو الله، وقال: إني أخاف الله والله شديد العقاب(٢). وهكذا روي عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظي (٣) وغيرهم رحمهم الله. وقال قتادة: وذُكر لنا أنه رأى جبريل علَّلا تنزل معه الملائكة، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله وكذب عدو الله. والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن أطاع واستقاد له، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شرَّ مسلَّم، وتبرأ منهم عند ذلك(٤). قلت: يعني بعادته لمن أطاعه، قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِىِ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الحشر] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُفِىَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّنِ سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَا بِمُصْرِفِكُمْ وَمَآ أَنْتُم بِمُصْرِفِىٌَ إِنِ كَفَرْتُ بِمَآ أَثْرَكْتُمُونٍ مِن قَبْلُّ إِنَّ الظَِّمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ [إبراهيم]. وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كفَّ بصره، يقول: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى(٥). فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم، أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل، يعرفه فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء والله معكم فكرُّوا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضِّض أصحابه، ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه. ثم قال: واللّات والعزى، لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوهم وخذوهم أخذاً، وهذا من أبي جهل لعنه الله، (١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن لكنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/ ٦١٣) ويتقوى بالآثار والمراسيل التالية والسابقة. (٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل. (٥) ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٦٣٣). ٢١٩ • سُؤَدَّةُ الأَنَفَّاِ (٤٧، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيْرَّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّحْرِ﴾ [طه: ٧١] وهو من باب البُهت والافتراء، ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة. وقال مالك بن أنس، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، أن رسول الله وَله قال: ((ما رؤي إبليس يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر(١) ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من نزول الرحمة والعفو عن الذنوب إلا ما رأى يوم بدر)» قالوا: يا رسول الله وما رأى يوم بدر؟ قال: ((أما إنه رأى جبريللعلَّا يَزِعُ (٢) الملائكة))(٣) وهذا مرسل من هذا الوجه. وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابنِ عباس في هذه الآية: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلَّل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلَّل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرّ هؤلاء دينهم، وإنما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(٤). وقال قتادة: رأوا عصابة من المؤمنين تشددت لأمر الله، وذُكر لنا، أن أبا جهل عدو الله لما أشرف على محمد بَّله وأصحابه، قال: والله لا يُعبد الله بعد اليوم قسوة وعتواً (٥). وقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين بمكة، قالوه يوم بدر(٦). وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم(٧). وقال مجاهد في قوله رَكَّ: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ غَزَّ هَوَّلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ قال: فئة من قريش، قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج، خرجوا مع قريش من مكة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلمَّا رأوا قِلَّة أصحاب رسول الله وَليه قالوا: غرّ هؤلاء دينهم حتى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم(٨). وهكذا قال محمد بن إسحاق بن يسار سواء. (١) أي أبعد عن الخير. (٢) أي يرتبهم ويصفّهم للحرب. (٣) أخرجه الإمام مالك بسنده نحوه (الموطأ ٤٢٢/١ ح ٢٤٥)، وسنده مرسل، وأخرجه الطبري من طريق الإمام مالك به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده مرسل ويتقوى بما سبق. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عامر، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، ومجاهد أرسله. ٢٢٠ • سُؤَدَّةُ الأَفَّالَِّ (٥١،٥٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا منافقين، قال معمر: وقال بعضهم: هم قوم كانوا أقرُّوا بالإسلام وهم بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قِلَّة المسلمين، قالوا: غرّ هؤلاء دينهم(١). وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه ﴿فَإِنَ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، فإن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمُ﴾ في أفعاله لا يضعها إلا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك. - ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ (٥١) اَلْحَرِيقِ ® ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَبْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ يقول تعالى: ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار، لرأيت أمراً عظيماً هائلاً فظيعاً منكراً، إذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ . قال ابن جريج: عن مجاهد ﴿وَأَدْبَرَهُمْ﴾ أستاههم، قال يوم بدر (٢). قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم(٣). وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، في قوله: ﴿إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَبِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ يوم بدر(٤). وقال وكيع: عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد(٥)، وعن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، ((يضربون وجوههم وأدبارهم)) قال: وأستاههم، ولكن الله يَكْني(٦)، وكذا قال عمر مولى غفرة(٧) . وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشوك، قال: ((ذاك ضرب الملائكة))(٨) رواه ابن جرير وهو مرسل، وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّنَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها (٩)، وتقدم في (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل الثابتة والروايات السابقة. (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وأخرجه من طرق أقوى عن مجاهد فيه متابعة لابن جريج. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٥) أخرجه الثوري في تفسيره به وسنده صحيح. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن يعلى بن مسلم به. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حرملة عن عمر مولى غفرة. (٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن لكنه مرسل. (٩) آية ٢٧.