Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سُورَةُ الأَغْرَافِ (٢٨، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000
وقوله تعالى: ﴿قُلّ أَمَرَ رَّ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِ
مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة
المرسلين المؤيدين بالمعجزات، فيما أخبروا به عن الله وما جاؤوا به من الشرائع وبالإخلاص له
في عبادته، فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين، أن يكون صواباً موافقاً للشريعة
وأن يكون خالصاً من الشرك.
وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿٨َ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ اختلف في معنى
قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأْكُمْ تَعُدُونَ﴾ يحييكم بعد
موتكم(١).
وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء(٢).
وقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً ثم ذهبوا ثم يعيدهم(٣) .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخراً، واختار هذا القول
أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن
المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ولو بموعظة
فقال: ((يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا
إنا كنا فاعلين)) وهذا الحديث مخرج في الصحيحن من حديث شعبة(٤)، وفي صحيح البخاري
أيضاً من حديث الثوري به.
[وقال ورقاء بن إياس أبو يزيد، عن مجاهد ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾، قال: يبعث المسلم مسلماً
والكافر كافراً (٥).
وقال أبو العالية: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ رُدُّوا إلى علمه فيهم](٦)(٧)
وقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون كما كتب عليكم تكونون(٨)، وفي رواية كما كنتم
عليه تكونون.
وقال محمد بن كعب القرظي: في قوله تعالى: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ﴾ من ابتدأ الله خلقه على
الشقاوة صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على
السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وفي سنده وكيع بن سفيان فيه مقال، ويشهد له سابقه
ولا حقه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ((وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ... )) (ح٤٦٢٥) وصحيح مسلم، الجنة
ونعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (ح ٢٨٦٠).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق وقاء به، وفي سنده وقاء لين الحديث.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عن سعيد.

٢٢
• سُورَةُ الأَّغَرَافِ (٢٨، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدؤوا عليه(١).
ج
وقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ ﴿٨ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ
تَعُوُدُونَ﴾ كما خلقناكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون
أمهاتكم (٢) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُدُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ
عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ
فَنَكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمناً وكافراً(٣).
قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: ((فوالذي لا إله غيره إن
أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب
فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا
باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة)) (٤).
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو [غسان](٥)، عن أبي حازم، عن
سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: ((إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه
من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال
بالخواتيم)) هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة
قزمان يوم أحد (٦).
وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر، عن النبي وَي أنه قال: ((تبعث كل نفس على ما كانت عليه))(٧) وهذا الحديث
رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: ((يبعث كل عبد على ما مات
عليه))(٨) وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولابد من الجمع بين هذا
القول إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًاْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَهًا﴾ [الروم: ٣٠] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ◌َظُه: أن رسول الله وَيهوى
قال: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه))(٩).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله وَله يقول الله تعالى: ((إني خلقت
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) صحيح البخاري، الخلق، باب ذكر الملائكة ... (ح ٣٨٠٨).
(٥) في الأصل بياض واستدرك من (عش) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٦) أخرجه البخاري من طريق أبي غسان به (الصحيح، القدر، باب العمل بالخواتيم ح ٦٦٠٧).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) صحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (ح٢٨٧٨) وسنن ابن
ماجه، الزهد، باب النية (ح ٤٢٣٠).
(٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.

٢٣
• سُورَةُ الَّغَرَافِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)) الحديث(١)، ووجه الجمع على هذا، أنه
تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلّهم على معرفته
وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك وجعله في غرائزهم وفطرهم،
ومع هذا قدّر أن منهم شقياً ومنهم سعيداً ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]
وفي الحديث: ((كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها))(٢) وقدر الله نافذ في بريته، فإنه
هو ﴿وَلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى] و﴿الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
وفي الصحيحين: ((فأما من كان منكم من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من
كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة))(٣) ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ
عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾ ثم علّل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَّةَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال ابن جرير: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحداً على معصية
ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً منه لربه فيها،
لأنه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسب أنه مهتدٍ، وفريق الهدى
فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية(٤).
﴿ يَبَنِىّ ◌َادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَثْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
هذه الآية الكريمة ردّ على المشركين فيما كانوا يعتمدونه، من الطواف بالبيت عُراة كما رواه
مسلم والنسائي وابن جرير، واللفظ له من حديث شعبة، عن سلمة بن كَهيل، عن مسلم البطين،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، الرجال
بالنهار والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:
وما بدا منه فلا أحله
اليوم يبدو بعضه أو كله
فقال الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٥) .
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال
يطوفون بالبيت عُراة فأمرهم الله بالزينة، والزينة اللباس وهو: ما يواري السوأة وما سوى ذلك من
جيد البزِّ والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد(٦). وهكذا قال مجاهد وعطاء
وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك، عن الزهري وغير واحد من
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٩.
(٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية ٦ في آخرها.
(٣) أخرجه البخاري من حديث علي بن أبي طالب عظاته (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَنْيَسُِّ لِلْيُسْرَى ﴾﴾ [الليل]
ح ٤٩٤٦) وباب ﴿وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ﴾﴾ [الليل] (ح ٤٩٤٧) والباب الذي يليه (ح٤٩٤٨)، وصحيح مسلم
القدر، باب كيفية الخلق الآدمي (ح ٢٦٤٧).
(٤) ذكره الطبري بلفظه.
(٥) صحيح مسلم، التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (ح٢٠٢٨)، وسنن النسائي،
الحج، باب ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ح٢٣٣/٥.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويشهد له ما يليه من أقوال.

٢٤
• سُوَرَّةُ الأَغَراف (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000
أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عُراة(١).
وقد روى الحافظ ابن مردويه من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس
مرفوعاً، أنها نزلت في الصلاة في النعال(٢). ولكن في صحته نظر، والله أعلم، ولهذه الآية وما
ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد،
والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك.
ومن أفضل اللباس البياض كما قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا عبد الله بن
عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال رسول الله وَتليفون: ((البسوا
من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم وإن خير أكحالكم الإثمد فإنه يجلو
البصر وينبت الشعر))(٣) هذا حديث جيد الإسناد، رجاله على شرط مسلم ورواه أبو داود
والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به، وقال الترمذي: حسن صحيح(٤).
وللإمام أحمد أيضاً وأهل السنن بإسناد جيد عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله وَله:
((عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفّنوا فيها موتاكم))(٥).
وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين: أن تميماً الداري اشترى رداء
بألف وكان يصلي فيه (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، قال بعض السلف جمع الله الطب كله في نصف آية
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُْرِفُواْ﴾ .
وقال البخاري: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف
ومخيلة(٧) .
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن
طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة (٨)،
(١) قول مجاهد والزهري وإبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.
(٢) أخرجه العقيلي من طريق عباد بن جويرية عن الأوزاعي به ونقل عن الإمام أحمد أن عباد بن جويرية كذاب
(الضعفاء الكبير ١٣٣/٣)، وترجم له الحافظ ابن حجر ونقل أقوال النقاد في كذبه وضعفه ثم ذكره الحديث
وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به (لسان الميزان ٢٢٩/٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٤/٤ ح٢٢١٩)، وصححه محققه.
(٤) سنن أبي داود، الطب، باب في الأمر بالكحل (ح ٣٨٧٨)، وسنن الترمذي، الجنائز، باب ما يستحب من
الأكفان (ح٩٩٤)، وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن (ح ١٤٧٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/٥)، وأخرجه الترمذي (السنن، الأدب، باب ما جاء في لبس
البياض (ح٢٨١١)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، المستدرك (١٨٥/٤)،
وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٣٥/٣).
(٦) المعجم الكبير (ح١٢٤٨)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٣٨/٥)، وصححه
الحافظ ابن كثير.
(٧) أخرجه البخاري معلقاً، ووصله الحافظ ابن حجر فأخرجه من طريق سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة
عن طاوس عن ابن عباس (تغليق التعليق ٥٤/٥)، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.

٢٥
• سُوَدَّةُ الَّغَرَافِ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إسناده صحيح، وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، أن رسول الله وَ الر قال: ((كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا
سرف، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده))(١). ورواه النسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ◌َّ قال: ((كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا
مخيلة))(٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سليمان بن سليم الكناني، حدثنا يحيى بن
جابر [الطائي](٣) سمعت المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((ما
ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلاً لا محالة، فثلث
لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه))(٤). ورواه النسائي والترمذي من طرق عن يحيى بن جابر به،
وقال الترمذي: حسن وفي نسخة حسن صحيح (٥).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا سويد بن عبد العزيز(٦)، حدثنا بَقيّة، عن
يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال
رسول الله وَ﴾: ((إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت))(٧). ورواه الدارقطني في الأفراد،
وقال: هذا حديث غريب تفرد به بقيّة.
وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك(٨) ما أقاموا في الموسم،
فقال الله تعالى لهم: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا﴾ الآية، يقول: لا تسرفوا في التحريم (١).
وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله(١٠).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا ◌ُرِفُواْ﴾ يقول: ولا تأكلوا حراماً ذلك الإسراف (١١).
وقال عطاء الخراساني: عن ابن عباس قوله: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُشْرِفُوْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
في الطعام والشراب(١٢).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٢/٢) وسنده حسن.
(٢) سنن النسائي، الزكاة، باب الاختيال في الصدقة ٧٩/٥، وسنن ابن ماجه، اللباس، باب البس ما
شئت ... (ح٣٦٠٥).
(٣) كذا في (عش) و(حم) و(مح) والمسند، وصحفت في الأصل إلى: ((الطاري)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٢/٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
١٢١/٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٢٤٨/١٣)، وصححه الترمذي كما يلي:
(٥) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل (ح٢٣٨١)، وسنن النسائي (ح ٦٧٦٨).
(٦) كذا في النُسخ، وفي مسند أبي يعلى: ((سويد بن سعيد)).
(٧) أخرجه أبو يعلى عن سويد بن سعيد به (المسند ١٥٤/٥ ح٢٧٦٥)، وهو حديث موضوع ذكره ابن الجوزي
في (الموضوعات ٣٠/٣)، والسيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢٠٩/٢).
(٨) الودك: دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق عبد العزيز عن أبي سعد عن مجاهد وعبد العزيز هو ابن أبان بن
محمد الأموي متروك وكذبه ابن معين (التقريب ص٣٥٦).
(١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.
(١٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الخراساني به وسنده ضعيف لأن الخراساني لم يسمع ابن عباس.

٢٦
سُورَةُ الأَغراف: (٣٢، ٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدّين
حدّه في حلال أو حرام الغالين فيما أحل بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن
يحلّل ما أحلّ ويحرم ما حرم وذلك العدل الذي أمر به (١) .
﴿ ﴿قُلّ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَّيِّبَتِ مِنَ الْرِزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ردّاً على من حرّم شيئاً من المآكل أو المشارب أو الملابس من تلقاء نفسه من غير
شرع من الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين، الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة
وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اَلَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ،﴾ الآية، أي هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في
الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حباً في الدنيا فهي لهم خاصة يوم القيامة، ولا يشركهم
فيها أحد من الكفار، فإن الجنّة مُحرّمة على الكافرين.
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو حُصين محمد بن الحسين القاضي، حدثنا يحيى
الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال: كانت قريش يطوفون البيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ،﴾ فأمروا بالثياب(٢) .
] ﴿قُلِّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمّ
يُنَزِّلَ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَ نَعْلَمُونَ (َ)﴾ .
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال
رسول الله وَل: ((لا أحد أغير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد
أحب إليه المدح من الله))(٣) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن
شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود(٤)، وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش، ما
ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام(٥).
وقوله: ﴿وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية والبغي أن تبغي على الناس
بغير الحق.
وقال مجاهد: الإثم المعاصي كلها وأخبر أن الباغي بغيه على نفسه (٦)، وحاصل ما فسر به
(١) ذكره الطبري بلفظه.
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٣/١٢ ح١٢٣٢٤)، وسنده ضعيف قال الهيثمي: فيه يحيى
الحماني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢٣/٧)، وفي سنده أيضاً يعقوب القمي صدوق يهم. (التقريب
ص٦٠٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨١/١)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، النكاح، باب الغيرة (ح ٥٢٢٠)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).
(٥) الآية: ١٥١.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً من طريق عبد العزيز عن أبي سعد عن مجاهد، وعبد العزيز هو ابن أبان =

٢٧
• سُورَةُ الأَغَاف (٣٤، ٣٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الإثم أنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى الناس فحرم الله هذا وهذا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا﴾ أي: تجعلوا له شركاء في عبادته ﴿وَأَنْ
تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولداً ونحو ذلك مما لا علم لكم
به، كقوله: ﴿فَاجْتَكِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَاجْتَنِبُواْ فَوْلَ الزُّورِ ﴿٣ حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِّ﴾
[الحج: ٣٠ - ٣١].
يَبَنِىَ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ
] ﴿وَلِكُلِّ أَنَّةٍ أَجَلٌّ فَإِذَا جَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ (َ)
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِهَايَتِنَا
رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ ءَّيْ فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ميقاتهم المقدر لهم ﴿لَا
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ثم أنذر تعالى بني آدم أنه سيبعث إليهم رسلاً يقصون عليهم آياته
وبشر وحذر، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ وَاَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم واستكبروا عن العمل
بها ﴿أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثاً مخلداً.
﴿ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِعَنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِشَايَتِهٍ، أُوْلَئِكَ يَنَالَهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِنَبِّ حَّى إِذَا
جَتْهُمْ رُسُلْنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَهُمْ
كَانُواْ كَفِرِينَ
يقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَهُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِهٍ﴾ أي: لا أحد أظلم، ممن افترى
الكذب على الله أو كذب بآياته المنزلة ﴿أُوْلَيْكَ يَنَالُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَبِّ﴾ اختلف المفسرون في
معناه :
فقال العوفي، عن ابن عباس: ينالهم ما كتب عليهم وكتب لمن كذب على الله أن وجهه
مسوَدٌ (١) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال من عمل خيراً جزي به،
ومن عمل شراً جزي به(٢) .
وقال مجاهد: ما وعدوا به من خير وشر(٣)، وكذا قال قتادة والضحاك(٤) وغير واحد.
واختاره ابن جرير.
الأموي: متروك وكذبه ابن معين كما في التقريب.
=
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد ثابتة من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٤) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وقول الضحاك أخرجه الطبري =

٢٨
• سُورَةُ الأَْرَافِ (٣٨، ٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿أُوْلََّكَ يَنَالُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ اُلْكِنَبِّ﴾ قال: عمله ورزقه
وعمره (١)، وكذا قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢)، وهذا القول قوي في
المعنى، والسياق يدل عليه وهو قوله: ﴿حََّ إِذَا جَمَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ونظير المعنى في هذه
الآية كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
مَتَثٌ فِی
الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٣)﴾ [يونس] وقوله:
نُمِنِعُهُمْ
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُئِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَ اَللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [لقمان]، وقوله: ﴿حََّ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ
مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند
الموت وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا
وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟ ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه قالوا: ﴿ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي:
ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أي: أقرّوا واعترفوا على أنفسهم
﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ .
] ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِىّ أُمَعٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌّ لَّعَنَتْ أُخْتَبًَّ
خَّةٍ إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جِيعًا قَالَتْ أُخْرَنَّهُمْ لِأُوْلَئِهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ
(٣٨) وَقَالَتْ أُولَئُهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا
ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ
كُمْ تَكْسِبُونَ
يقول تعالى مخبراً عما يقوله لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه المكذبين بآياته ﴿آدْخُلُواْ فِىّ
أُمَرٍ﴾ أي: من أمثالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدّ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم﴾ أي: من الأمم السالفة الكافرة
﴿مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلاً من قوله في أمم، ويحتمل أن يكون في أمم أي
مع أمم.
وقوله: ﴿كُلََّا دَخَلَتْ أُنَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ كما قال الخليل علُِّ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ
بِبَعْضٍ وَيَلْعَبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوَأْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ () وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَتَتَبَرَّأَ
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُِّيهِمُ اللّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَتِ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ
[البقرة].
وقوله: ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا ◌َجِيعًا﴾ أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُوْلَئُهُمْ﴾ أي:
أخراهم دخولاً، وهم الأتباع لأولاهم وهم المتبوعون، لأنهم أشدّ جرماً من أتباعهم فدخلوا
قبلهم فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل فيقولون:
= بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه، ويشهد له ما سبق.
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي صخر، وهو حميد الخراط، عن محمد بن كعب القرظي.
(٢) قول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.

٢٩
• سُورَةُ الأَغَافِ (٤٠، ٤١)
900000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾ أي: أضعف عليهم العقوبة كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيََّنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٨٦) وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا
فَأَضَلُونَ السَّبِيلَاْ ﴿ رَبَّنَآ ءَاِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا (٣)﴾ [الأحزاب].
وقوله: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ أي: قد فعلنا ذلك وجازينا كلاً بحسبه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (﴾﴾ [النحل] وقوله:
﴿وَيَحْيِلُنَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَاِهِمٌ﴾ [العنبكوت: ١٣] وقوله: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ
وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَا سَلَمُ مَا يَزِرُونَ (٥)﴾ [النحل].
﴿وَقَالَتْ أُولَنْهُمْ لِأُخْرَهُمْ﴾ أي: قال المتبوعون للأتباع ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ قال
السدي: فقد ضللتم كما ضللنا(١). ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذه الحال كما أخبر الله
تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الَّالِمُونَ مَوْقُوقُونَ عِندَ رَبِهِمْ بِرْجِعُ
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلَّ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ
اُسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُم تُجْرِمِينَ (
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ
(٣٢
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوْ بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَكْفُرَ بَاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادَأَ وَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأ
الْعَذَابَ وَحَعَلْنَا الْأَغْلَلَ فِىِّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(٣) ﴾ [سبأ].
2] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَ نُقَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ
الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاِ وَكَذَّلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ ﴿ لَمُ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِ، وَّكَذَلِكَ نَجْزِى
اٌلَّالِمِينَ
قوله: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ السَّمَاءِ﴾ قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء، قاله
مجاهد وسعيد بن جبير: ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه الثوري
عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس(٢).
وقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، رواه الضحاك عن ابن عباس، وقاله السدي
وغير واحد(٣)، ويؤيده ما قاله ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
الأعمش، عن المنهال هو ابن عمرو، عن زاذان، عن البراء أن رسول الله وّل ذكر قبض روح
الفاجر، وأنه يُصعد بها إلى السماء فيصعدون بها، فلا تمر على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما
هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى
السماء فيستفتحون بابها له فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾(٤) هكذا رواه وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وأخرج بعضها ابن أبي حاتم أيضاً.
(٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس، وقول السدي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ثابت كما يلي.

٣٠
سُودَةُ الأَغراف (٤٠، ٤١)
000000 0 0000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000 0 0
والنسائي وابن ماجه من طرق عن المنهال بن عمرو به (١).
وقد رواه الإمام أحمد بطوله فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن
عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله وَّ في جنازة رجل من
الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله وَلير وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير
وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر - مرتين أو
ثلاثة)) ثم قال : ((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة، نزل إليه
ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من
حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول:
أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال - فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من
في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك
الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون
بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟)) فيقولون: فلان بن
فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون
له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء
السابعة، فيقول الله : ((اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم
وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى)).
قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له:
ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو
رسول الله وَلجر، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد
من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه
من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد البصر - قال -: ويأتيه رجل حسن الوجه وحسن الثياب
طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: من أنت فوجهك
الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى
أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة،
نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المُسُوح(٢) فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك
الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب،
قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (٣) من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم
يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ربح جيفة وجدت
(١) سنن أبي داود، السنة، باب في المسألة في القبر (ح٤٧٥٣)، وسنن النسائي ٧٨/٤، وسنن ابن ماجه
(ح ١٥٤٩)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٧ - ٤٠)، وصححه البيهقي (شعب
الإيمان ٣١٦/٢)، وقد صنف فضيلة د. عاصم القريوتي رسالة في صحة حديث البراء بن عازب ونقل
تصحيح القرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والألباني.
(٢) المُسُوح: جمع مِسح، كساء من الشعر غليظ.
(٣) السفود: حديدة يُشوى بها اللحم.

٣١
• سُورَةُ الََّرَافِ (٤١،٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح
الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى
السماء الدنيا. فيستفتح فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله وَله -: ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ النَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ
اُلْجَنَّةَ حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله رَمَّت: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى،
فتطرح روحه طرحاً - ثم قرأ -: ﴿وَمَن يُثْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ
الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١].
فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه(١) لا
أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار، وافتحوا له
باباً إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل
قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد.
فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: ((أنا عملك الخبيث فيقول ربّ لا تقم
الساعة))(٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن
المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله وَلّ إلى جنازة
فذكر نحوه، وفيه: ((حتى إذا خرج روحه صلى عليه كلُ ملك السماء والأرض وكل ملك في
السماء، وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله من أن يعرج بروحه من
قبلهم، وفي آخره، ثم يُقيض له أعمى أصم أبكم في يدهِ مرزبة لو ضرب بها جبل كان تراباً،
فيضربه ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله رب كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة
يسمعها كل شيء إلا الثقلين))، قال البراء: ((ثم يفتح له باب من النار ويُمهد له فرش من
النار))(٢).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن جرير واللفظ له من حديث
محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبى هريرة أن رسول الله وَ ظله قال: ((الميت
تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد
الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى
السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت
في الجسد الطيب أدخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. فيقال لها ذلك حتى
ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله رَك، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس
(١) هاه هاه: كلمة يقولها المتحيّر في الكلام.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٩/٣٠ - ٥٠٣ ح ١٨٥٣٤)، وصححه محققوه، وتقدم تصحيح
النقاد له.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه كاملاً (المسند ٥٧٧/٣٠ - ٥٧٨ ح١٨٦١٤)، وضعفه محققوه لضعف
يونس بن خباب.

٣٢
سُورَةُ الأَغَافِ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج،
فيقولون ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان
فيقولون: لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لم يفتح لك
أبواب السماء فترسل بين السماء والأرض فتصير إلى القبر))(١).
وقد قال ابن جريج في قوله: ﴿لَا نُقَنَّحُ لَهُمْ أَتَوَبُ السَّمَِّ﴾ لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم(٢).
وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ لٌلِيَائِطِ﴾ هكذا قرأه الجمهور وفسروه بأنه
البعير. قال ابن مسعود: هو الجمل ابن الناقة، وفي رواية زوج الناقة (٣).
وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة(٤) وكذا قال أبو العالية والضحاك
وكذا روى علي بن أبي طلحة العوفي عن ابن عباس(٥).
وقال مجاهد وعكرمة عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها (يلج الجُمَّل في سم الخياط) بضم
الجيم وتشديد الميم يعني الحبل الغليظ في خرم الإبرة (٦)، وهذا اختيار سعيد بن جبير، وفي
رواية أنه قرأ حتى (يلج الجُمْل)(٧) يعني: قلوس السفن وهي الحبال الغلاظ. وقولهم: ﴿لَهُم مِّن
جَهَتََّ مِهَادٌ﴾ قال محمد بن كعب القرظي ﴿لَهُ مِن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ قال الفرش: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ
غَوَاشِ﴾ قال اللحف(٨)، وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي(٩) ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِهَا
خَالِدُونَ ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلِّ تَّجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرِّ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّأَ
لِتَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اَللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِأَلَيِّ وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُهُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر حال السعداء فقال: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الضَلِحَتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم ضد أولئك الذين كفروا بآيات الله
(١) أخرجه النسائي في التفسير (ح ٤٦٢)، وابن ماجه في السنن، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له
(ح٤٢٦٢)، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٣٤٩/٢)، وصححه الألباني
في (صحيح سنن ابن ماجه ح١٢٥٩) وأخرجه الطبري وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الحاكم وصححه
ووافقه الذهبي. (المستدرك ٣٧/١ - ٤٠).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج.
(٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد بلفظ الروايتين.
(٤) خرت الإبرة: أي ثقبها والأثر أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبري عنهم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٦) أخرجه الطبري عنهم بأسانيد عدة يقوي بعضها بعضاً. والقراءة شاذة تفسيرية.
(٧) وهي قراءة شاذة أيضاً وتفسيرية أيضاً.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن القرضي ويتقوى بما يليه.
(٩) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي روق عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن
من طريق أسباط عنه.

٣٣
سُورَةُ الْأَغَافِ (٤٢، ٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000000 000 000000
واستكبروا عنها، وينبه تعالى على أنه الإيمان والعمل به سهل لأنه تعالى قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا
وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ أي: من حسد
إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ
وبغض كما جاء في صحيح البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد
الخدري قال: قال رسول الله وَّل: ((إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة
والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة،
فوالذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا))(١).
وقال السدي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرِّ﴾ الآية: إن أهل
الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما
فينزع ما في صدورهم من غلّ فهو: الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة
النعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا بعدها أبداً (٢).
وقد روى أبو إسحاق عن عاصم، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نحواً من هذا(٣) كما
.
سيأتي في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] إن شاء الله ربه وبه
الثقة وعليه التكلان.
وقال قتادة: قال علي ظله إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله
تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ﴾ رواه ابن جرير (٤).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال سمعت الحسن يقول قال علي: فينا
والله أهل بدر نزلت ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾(٥). وروى النسائي وابن مردويه واللفظ له من
حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َ: ((كل أهل الجنة يرى مقعده من النار))، فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له
شكراً. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول: ((لو أن الله هداني فيكون له حسرة))(٦).
ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون؛
أي: بسبب أعمالكم نالتكم الرحمة فدخلتم الجنة وتبوأتم منازلكم بحسب أعمالكم. وإنما وجب
الحمل على هذا لما ثبت في الصحيحين عنه وسلم أنه قال: ((واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله
(١) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظالم (ح ٢٤٤٠).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسير سورة الزمر وعبد الله بن المبارك (الزهد ص٥٠٨ ح ١٤٥٠)، والضياء المقدسي
(المختارة ١٦٠/٢ ح٥٤١)، من طريق حمزة الزيات عن أبي إسحاق به وصحح سنده محقق المختارة،
وصححه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية المسند (ل١٩٨ - أ).
(٤) أخرجه الطبري من طريق معمر عن قتادة به، وقتادة لم يسمع علياً ظُه، ويتقوى بما يلي.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، والحسن لم يسمع علياً ظُه، ويتقوى بالمرسل السابق.
(٦) أخرجه النسائي (التفسير ح٤٧٤)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣٥/٢)، وعزاه الهيثمي
لأحمد وقال رجاله رجال الصحيح (المجمع ٣٩٩/١٠)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير
(ح ٤٥١٤)، ويشهد له ما يليه وهو في الصحيحين:

٣٤
سُورَةُ الأَغَافِ (٤٤، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) (١).
﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبِّكُمْ حَقًّا قَالُواْ
اُلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الهِ وَبَغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ
نَعَمّ فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (@)
كَفِرُونَ (®)﴾.
يخبر تعالى بما يخاطب به أهل النار على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أَنْ قَدْ
وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبِّنَا حَقًّ﴾ أن ههنا مفسرة للقول المحذوف وقد للتحقيق أي: قالوا لهم: ﴿أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا
مَا وَعَدَنَا رَبَّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ﴾ كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي
وَلَلَا نِعْمَةُ رَبِ
٥٦
كان له قرين من الكفار ﴿فَطَّلَعَ فَرَهُ فِى سَوَآءِ الْجَحِيمِ ﴿ قَالَ تَللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُدِينِ
﴾ [الصافات] أي:
٥٩)
لَكُتُ مِنَ الْمُحْضَرِنَ ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ﴾ إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال وكذلك تقرعهم
الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِ كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿﴿ أَفَسِحُ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ
أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُوَأْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَءُ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الطور] وكذلك قرّع
رسول الله وَير قتلى القليب يوم بدر فنادى ((يا أبا جهل بن هشام ويا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن
ربيعة - وسمى رؤوسهم - هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، وقال
عمر: يا رسول الله تخاطب قوماً قد جيفوا؟)) فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول
منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا))(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: أعلم معلم ونادى مناد ﴿أَن لَّْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَّلِينَ﴾ أي:
مستقرة عليهم ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن
اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء ويبغون أن تكون السبيل معوجة غير مستقيمة حتى لا
يتبعها أحد ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون أي: جاحدون
مكذبون بذلك لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكر من القول والعمل
لأنهم لا يخافون حساباً عليه ولا عقاباً فهم شر الناس أقوالاً وأعمالاً .
] ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَغْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمَّ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا
﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَُهُمْ ثِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ
وَهُمْ يَطْمَعُونَ (بَ
لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار نبه أن بين الجنة والنار حجاباً وهو: الحاجز
المانع من وصول أهل النار إلى الجنة، قال ابن جرير: وهو السور الذي قال الله تعالى فيه:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِتُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] وهو الأعراف.
(١) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (ح ٦٤٦٣)، وصحيح مسلم، صفات
المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ... (ح٢٨١٦).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ظه صحيح البخاري، المغازي، باب قتل أبي جهل (ح٣٩٧٦)
وصحيح مسلم، الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (ح ٢٨٧٣).

٣٥
• سُوَّرَّةُ الأَّغَرافِ (٤٦، ٤٧)
الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَعَلَى الْأَغْرَافِ رِجَالٌ﴾(١). ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله
تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ وهو السور وهو الأعراف(٢) .
وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار سور له باب(٣).
قال ابن جرير: والأعراف جمع عُرْف وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عرفاً، وإنما
قيل لعرف الديك عرفاً لارتفاعه(٤).
وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عُبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول:
الأعراف هو الشيء المشرف(٥) .
وقال الثوري عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف الديك(٦).
وفي رواية عن ابن عباس: الأعراف جمع تل بين الجنة والنار حبس عليه ناس من أهل
الذنوب بين الجنة والنار، وفي رواية عنه هو سور بين الجنة والنار (٧). وكذا قال الضحاك(٨)
وغير واحد من علماء التفسير.
وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس(٩).
واختلف عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد
وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، نصّ عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد
من السلف والخلف رحمهم الله، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه:
حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا النعمان بن
عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن
عبد الله قال: سئل رسول الله و لل عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: ((أولئك أصحاب الأعراف
لم يدخلوها وهم يطمعون))(١٠). وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
ورواه من وجه آخر عن سعيد بن سلمة، عن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر، عن رجل
(١) ذكره الطبري بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال ولكنه توبع في رواية سعيد بن منصور فقد
أخرجه عن ابن عيينة به (التفسير ح ٩٥٧)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين عن
ابن عيينة، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري وهناد (الزهد ح٢٠٤)، من طريق الثوري به، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري كلاهما من
طريق إسرائيل عن جابر به، وسنده ضعيف لضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ومن طريق آخر.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك ويتقوى بسابقه.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١٠) في سنده سليمان بن داود الشاذكوني كذبه ابن معين وغيره (لسان الميزان ٥٤/٣ - ٥٨) وفي سنده إبهام
شيخ النعمان بن عبد السلام وسنده ضعيف جداً.

٣٦
• سُورَةُ الأَغَرَافِ (٤٦، ٤٧)
من مزينة قال: سئل رسول الله ◌َلا عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: ((إنهم قوم خرجوا عصاة
بغير إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله))(١).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن
المزني، عن أبيه قال: سئل رسول الله وَّر عن أصحاب الأعراف قال: ((هم ناس قتلوا في
سبيل الله بمعصية آبائهم فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم ومنعهم من النار قتلهم في
سبيل الله)) ورواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر به(٢). وكذا رواه
ابن ماجه مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري(٣) وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار
المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة وفيه دلالة على ما ذكر.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة أنه
سئل عن أصحاب الأعراف قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم
عن الجنة وخلفت بهم حسناتهم عن النار، قال: فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله
فیھم(٤).
وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا فقال: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا
يونس بن أبي إسحاق قال: قال الشعبي أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن وعنده أبو الزناد
عبد الله بن ذكوان مولى قريش فإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكرا فقلت
لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة. فقالا: هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف
فقال: هم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة ﴿﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ لِلْقَآءُ
أَصَْبِ النَّارِ قَالُواْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ ﴾﴾ فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربك فقال لهم
اذهبوا فادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم(٥).
وقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن
ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة
ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُؤْلَكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَقَتْ مَوَزِيُّهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
[المؤمنون]، ثم قال: الميزان يخف بمثقال حبة، ويرجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان
من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل
(١) سنده ضعيف، لم يذكر الراوي عن سعيد بن سلمة ومن بعده.
(٢) سنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي كما في التقريب.
(٣) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن مخلد الرُعيني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن
يسار عن أبي سعيد (المعجم الصغير ٢٣٨/١)، قال الهيثمي: فيه محمد بن مخلد الرعيني وهو ضعيف
(المجمع ٢٣/٧)، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وهذا الحديث ليس من رواية ابن
ماجه ولو رواه ابن ماجه لما ذكره الهيثمي في الزوائد.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الشعبي لم يسمع حذيفة ولكنه روي موصولاً فقد أخرجه الحاكم من
طريق الشعبي عن صلة بن زفر عن حذيفة وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢٠/٢).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه کسابقه.

٣٧
• سُوَرَّةُ الْأَغَرَافِ (٤٦، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الجنة نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أهل النار ﴿قَالُواْ رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ
الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ تعوذوا بالله من منازلهم قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نوراً يمشون به
بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذٍ نوراً وكل أمة نوراً فإذا أتوا على الصراط سلب الله
نور كل منافق ومنافقة فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.
[التحريم: ٨] وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم فلم ينزع فهنالك يقول الله تعالى: ﴿لَمْ
يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فكان الطمع دخولاً .
قال: فقال ابن مسعود: إن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا
واحدة ثم يقول: هلك من غلبت [وحدانه](١) أعشاره. رواه ابن جرير (٢).
وقال أيضاً: حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا: حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي
ثابت، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار
وأصحاب الأعراف بذلك المكان حتى إذا بدا الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر
الحياة حافتاه قصب الذهب مكلّل باللؤلؤ ترابه المسك فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم وتبدو في
نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم أتى بهم الرحمن تبارك وتعالى فقال:
تمنوا ما شئتم، فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفاً،
فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنة(٣)، وكذا رواه
ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير به، وقد رواه سفيان الثوري، عن
حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، وعن عبد الله بن الحارث من قوله وهذا أصح والله أعلم.
وهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.
وقال سُنيد بن داود: حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير
قال سئل رسول الله وَله عن أصحاب الأعراف قال: ((هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ
رب العالمين من الفصل بين العباد قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة
فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم)) (٤) وهذا مرسل حسن.
وقيل: هم أولاد الزنى. حكاه القرطبي(٥).
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى، عن شيبة بن عثمان، عن عروة بن رویم،
عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي ◌َّر أن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب، فسألناه
عن ثوابهم، وعن مؤمنيهم. فقال: على الأعراف وليسوا في الجنة مع أمة محمد الر فسألناه وما
(١) كذا في (حم) و(عش) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((واحدته)).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف جداً لأن أبا بكر الهذلي متروك
كما في التقريب.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وقرر الحافظ أنه من قول عبد الله بن
الحارث. وفي متنه غرائب.
(٤) أخرجه الطبري عن سُنيد به، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به وهو مرسل.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٢١٢/٧.

٣٨
سُورَةُ الأَْرَافِظِ (٤٦، ٤٧)
الأعراف؟ فقال حائط الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيه الأشجار والثمار(١). ورواه البيهقي عن
ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد بن موسى به (٢).
وقال سفيان الثوري: عن خصيف، عن مجاهد قال أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء
علماء(٣)
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي
مِجلز في قوله تعالى: ﴿وَبَيْتَهُمَا ◌ِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾ قال هم رجال من
الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار قال: ﴿وَنَادَوْاْ أَصَْبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ
﴿﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُوْ رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ ﴿﴿ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا
يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال: فيقال حين يدخل أهل الجنة الجنة ﴿أَدْخُلُواْ الَّْةً لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَ أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] (٤). وهذا صحيح إلى أبي مجلز لاحق بن حميد أحد التابعين وهو غريب
من قوله وخلاف الظاهر من السياق وقول الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا
إليه، وكذا قول مجاهد إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضاً، والله أعلم، وقد حكى
القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولاً منها: أنهم شهدوا أنهم صلحاء تهرعوا من فزع الآخرة،
وخلق يطلعون على أخبار الناس وقيل: هم أنبياء وقيل هم ملائكة.
وقوله تعالى: ﴿يَعْفُونَ كُلَّ بِسِيمَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل
الجنة ببياض الوجوه وأهل النار بسواد الوجوه(٥). وكذا روى الضحاك عنه (٦)، وقال العوفي، عن
ابن عباس: أنزلهم الله تلك المنزلة ليعرفوا من في الجنة والنار وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه.
ويتعوذوا بالله أن يجعلوهم مع القوم الظالمين وهم في ذلك يحيون أهل الجنة بالسلام لم
يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها وهم داخلوها إن شاء الله(٧). وكذا قال مجاهد والضحاك
والسدي والحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم(٨).
وقال معمر، عن الحسن: إنه تلا هذه الآية ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال: والله ما جعل ذلك
الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم(٩).
(١) في سنده الوليد بن موسى: متروك يروي الموضوعات (لسان الميزان ٢٢٧/٦)، فسنده ضعيف جداً وفي
متنه غرابة.
(٢) البعث والنشور (ح١١٧) وسنده كسابقه.
(٣) أخرجه هناد (الزهد ٢٠٣)، وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده خصيف صدوق سيء الحفظ
كما في التقريب.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق زهير بن معاوية عن سليمان التيمي به مقطعاً،
وسنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له سابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٨) قول مجاهد والسدي وعبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر به.

٣٩
• سُوَدَّةُ الْأَّغَرَافِ (٤٨، ٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقال قتادة: قد أنبأكم الله بمكانهم من الطمع(١).
وقوله: ﴿﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ فِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ (19)﴾ قال
الضحاك عن ابن عباس إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم قالوا ربنا لا
تجعلنا مع القوم الظالمين (٢).
وقال السدي: وإذا مرّوا بهم - يعني: بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار - قالوا:
ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (٣).
وقال عكرمة: تحدد وجوههم للنار فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم(٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبَصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ﴾: فرأوا
وجوههم مسودّة وأعينهم مزرقّة ﴿قَالُواْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الَِّينَ﴾(٥).
﴿وَنَّ أَعَْبُ اَلْأَعْرَافِ رِجَلَا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَى عَنكُمْ جَمْتُكُمْ وَمَا كُمْ تَسْتَكْبُونَ
أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ الَْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَاْ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
٤٩
(٤٨)
يقول الله تعالى إخباراً عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم يعرفونهم
في النار بسيماهم: ﴿مَآ أَغْفَ عَنكُمْ جَمْمُكُمْ﴾ أي: كثرتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لا ينفعكم
كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله بل صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب والنكال ﴿أَهَتُلَاءِ الَّذِينَ
أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: أصحاب الأعراف(٦).
﴿أَدْخُلُواْ الَّْةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني
أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿قَالُواْ مَآ أَغْنَ عَنكُمْ جَمْمُكُمْ﴾ الآية، قال
فلما قالوا لهم الذي قضى الله أن يقولوا يعني: أصحاب الأعراف لأهل الجنة وأهل النار قال الله
لأهل التكبر والأموال: ﴿أَهَتُؤُلَاءِ الَّذِينَ أَفْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ
(٧)
تَحْزَنُونَ
(٤٩)
وقال حذيفة: إن أصحاب الأعراف قوم تكاثفت أعمالهم فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة
وقصرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله
بين العباد أذن لهم في طلب الشفاعة فأتوا آدم فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك.
فقال: هل تعلمون أن أحداً خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وسبقت رحمته إليه غضبه وسجدت
له الملائكة غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه(٨) ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك به لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي مكين نوح بن ربيعة عن أخيه عن عكرمة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٨) كنه الشيء: قدره وغايته وحقيقته.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.

٤٠
سُورَةُ الأَغَافِظ (٥١،٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ابني إبراهيم. فيأتون إبراهيم علا فيسألونه أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: تعلمون من أحد
اتخذه الله خليلاً هل تعلمون أن أحداً أحرقه قومه بالنار في الله غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما
علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى لعلّ فيقول: هل
تعلمون من أحد كلمه الله تكليماً وقربه نجياً غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما علمت كنهه ما
أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا عيسى. فيأتونه لعل ◌ّها فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول:
هل تعلمون أحداً خلقه الله من غير أب؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ
الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا، فيقول: أنا حجيج نفسي ما
علمت كنهه ما أستطيع أن أشفع لكم ولكن ائتوا محمداً وَله. فيأتوني فأضرب بيدي على
صدري، ثم أقول: أنا لها، ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فآتي ربي ◌َّ، فيفتح لي من
الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه،
واشفع تشفع، فأرفع رأسي ثم أثني على ربي رَّ ثم أخر ساجداً، فيقال لي: ارفع رأسك وسل
تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل ولا
ملك مقرب إلا غبطني بذلك المقام وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة فأستفتح فيفتح لي
ولهم، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان حافتاه قصب مكلّل باللؤلؤ، ترابه المسك
وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، فيصيرون
كأنهم الكواكب الدرّية ويبقى في صدورهم شامات بيض يُعرفون بها يقال: مساكين أهل الجنة(١).
] ﴿وَنَدَىّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنََّ
الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ
۵٠
اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِرِينَ
نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِنَايَئِنَا يَجْحَدُونَ
يخبر تعالى عن ذلّة أهل النار وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم وأنهم لا یجابون إلى ذلك قال
السدي: ﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ يعني: الطعام(٢).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يستطعمونهم ويستسقونهم (٣).
وقال الثوري، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: ينادي الرجل أباه أو
أخاه فيقول له قد احترقت فأفضْ عليَّ من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ
حَرَمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾ (٤).
وروي من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس، مثله سواء(٥) .
(١) أخرجه الطبري من طريق السدي عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع حذيفه ظه، ولكثير منه
شواهد في الصحيحين تقدم في حديث الشفاعة في سورة البقرة.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الثوري به لكنه مرسل يتقوى بتاليه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري بمثل سابقه.