Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ سُورَةُ الأَنْتَل (١٢١) ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حِدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم. قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، ورُوي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهٍ إِن كُنتُم بِثَايَتِهِ مُؤْمِنَ (٣٨)﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فنسخ واستثنى من ذلك، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُّكُمْ حِلٌّ لَّ﴾ [المائدة: ٥](١) . وقال ابن أبي حاتم: قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني: ابن المنذر - عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِنَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ثم نسخها الربُّ ورحم المسلمين فقال: ﴿ اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَنُّ وَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُ﴾ [المائدة: ٥] فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب(٢). ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حلّ طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله علیه. وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله تعالت أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، قال: صدق، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أوليآپهِمْ﴾(٣). وحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعداً عند ابن عباس، وحجّ المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة، فقال ابن عباس: صدق، فنفرت، وقلت: يقول ابن عباس: صدق؟ فقال ابن عباس: هما وحيان: وحي الله ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد رَّهِ ووحي الشيطان إلى أوليائه، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُؤُحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ﴾(٤). وقد تقدم عن عكرمة في قوله: ﴿يُحِى (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي فيه مقال. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. ٦٠٢ • سُورَةُ الأَنْتَطَا (١٢١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢](١) نحو هذا. وقوله: ﴿لِيُجَِلُوكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ونَ ﴿ فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْوٌ﴾(٢). هكذا رواه مرسلاً . ورواه أبو داود متصلاً، فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي وَل﴿ فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ اسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية(٣)، وكذا رواه ابن جرير: عن محمد بن عبد الأعلى، وسفيان بن وكيع، كلاهما عن عمران بن عيينة به (٤). ورواه البزار عن محمد بن موسى الجرشي، عن مروان بن عيينة به(٥)، وهذا فيه نظر، من وجوه ثلاثة : (أحدها) أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. (الثاني) أن الآية من الأنعام وهي مكية. (الثالث) أن هذا الحديث رواه الترمذي عن محمد بن موسى الجرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ أتى ناس النبي ◌َّ، فذكره، وقال حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلاً(٦). وقال الطبراني: حدثنا علي بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزيز، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذَّكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أرسلت فارس إلى قريش، أن خاصموا محمداً وقولوا له: فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح لله ◌َك بشمشير (٧) من ذهب، يعني الميتة، فهو حرام؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمَّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ أي: وإن الشياطين من فارس، ليوحون إلى أوليائهم من قريش (٨). وقال أبو داود: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن (١) تقدم في الآية رقم ١١٢ من هذه السورة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الإرسال ويتقوى بالموصول التالي. (٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب ح٢٨١٩)، وقال الألباني: صحيح لكن ذكر اليهود فيه منكر، والمحفوظ أنهم المشركون (صحيح سنن أبي داود ح٢٤٤٥). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٥) حكمه كسابقه. (٦) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه وتعليقه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام ح٣٠٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٥٤). (٧) أي سكين أو نصل. (٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٤١/١١ ح١١٦١٤)، وفي سنده موسى بن عبد العزيز صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، وأخرجه الطبري من طريق موسى به. ٦٠٣ • سُوَرَُّ الْأَنْتَقُل (١٢١) عباس، في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به (١)، وهذا إسناد صحيح. ورواه ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُجَدِلُوكُمْ﴾ قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلوا مما قتل الله وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس، أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه (٢). وقال [ابن جريج](٣): قال عمرو بن دينار عن عكرمة أن مشركي قريش كاتبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله وَلّر، فوقع في أنفس ناسٍ من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌّ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمّ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ ونزلت: ﴿ُوِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] (٤). وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فأكلتم الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾(٥) وهكذا قاله مجاهد، والضحاك(٦)، وغير واحد من علماء السلف رحمهم الله. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١]. (١) سنن أبي داود، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب (ح٢٨١٨)، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب التسمية عند الذبح (ح٣١٧٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٣١/٤)، وصححه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٤٤). (٢) لم أجده في الطبري بهذا السند، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده حسن. (٣) كذا في (حم) و(مح) و(عش) وفي الأصل: ((ابن جرير)) وهو تصحيف. (٤) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف للإرسال والإعلال بسبب ضعف الحسین وهو ابن داود الملقب بسُنید. (٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد التالي. (٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقيه. ٦٠٤ سُورَةُ الْأَنْعَل (١٢٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روى الترمذي: في تفسيرها عن عدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: ((بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم))(١). 4 ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُ فِىِ الْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (®)﴾. هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً، أي في الضلالة هالكاً حائراً، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك؟ وكيف يتصرف به؟ والنور هو القرآن كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس(٢). وقال السدي: الإسلام(٣). والكل صحيح. ج ﴿كَمَنْ مَّثَلُ فِ اَلُلُمَتِ﴾ أي: الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه. وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ)) (٤) كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَوْلِمَاؤُهُمُ الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم [البقرة] وقال تعالى: مِنَ النُّورِ إِلَى النُُّلُمَتِ أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (@) (W)) [الملك] وقال تعالى: ﴿أَفَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهِةٍ أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ (3)﴾ [هود] مَثَلُ الْفَرِقَيْنِ كَالْأَعْنَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَ نَذَّكَّرُونَ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ ﴿ وَلَا اَلِظِلُّ وَلَا الْرُورُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَهْلُ وَلَ الْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َنْ فِ اَلْقُبُورِ ® إِنْ أَنْتَ (15)﴾ [فاطر]، والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور إلَّا نَذِيرُ والظلمات ما تقدم في أول السورة ﴿وَجَعَلَ اَلُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١]، وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل: عمر بن الخطاب، هو الذي كانت ميتاً فأحياه الله، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله، والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر. (١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام (ح٣٠٩٥)، وضعفه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف بالحديث. وغطيف ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص٤٤٣). (٢) أخرجه الطبري من الطريقين عن ابن عباس وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا مطولاً، وصححه محققوه (المسند ١١/ ٢٢٠ ح ٤ ٦٦٤). ٦٠٥ سُورَة الانتول. (١٢٣، ١٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: حسنا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة، قدراً من الله وحكمة بالغة لا إله إلا هو وحده لا شريك له. ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن تُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْقَى مِثْلَ مَا أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ يَشْعُرُونَ رِسَالَتَهُمْ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر، والصد عن سبيل الله، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك، ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِنِّ﴾ الآية [الفرقان: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ فَرْيَّةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِهَا فَفَسَقُواْ فِهَا﴾ الآية [الإسراء: ١٦]، قيل معناه: أمرناهم بالطاعة فخالفوا، فدمرناهم، قيل: أمرناهم أمراً قدرياً، كما قال لههنا: ﴿لِمْكُرُواْ فِيهَا﴾ . وقوله تعالى: ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ قال: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب(١) . وقال مجاهد(٢) وقتادة(٣): ﴿أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ عظماؤها. قلت: وهكذا قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّنِ نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُنَّةٍ وَإِنَّا عَلَّ ◌َاثَِهِم ◌ُقْتَدُونَ [الزخرف] والمراد بالمكر لههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال كقوله تعالى إخباراً عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (٣)﴾ [نوح]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلَّ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ أُسْتَكْبرُوْ لِلَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُ بَلْ كُنْتُم ◌ُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: ٣٢ أَنْدَادًا﴾ الآية [سبأ]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. ٦٠٦ سُورَةُ الأَنْتَهُم (١٢٣، ١٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْيِلُكَ أَنْقَهُمْ وَأَنْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِمّ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلٍْ أَلَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ حَتَّى تُؤْثَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة، قالوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ حَقَّ نُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ الَّهِ﴾ أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة، كما تأتي إلى الرسل، [وهذا كما قال تعالى](١) ﴿﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا (٢١) [الفرقان]. وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُمْ﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْفَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَّ﴾ الآية [الزخرف: ٣١ - ٣٢]، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير جليل مبجل في أعينهم ﴿مِّنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم - قبحهم الله - كانوا يزدرون بالرسول صلوات الله وسلامه عليه بغياً وحسداً، وعناداً واستكباراً كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِىِ يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّهَْنِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ [الأنعام] هذا وهم يعترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه ٠ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ صلى الله وملائكته والمؤمنون عليه، حتى إنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه ((الأمين)) وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان حين سأله هرقل ملك الروم: وكيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث(٢) بطوله، الذي استدل ملك الروم بطهارة صفاته ظلّل* على صدق نبوته وصحة ما جاء به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار، عن واثلة بن الأسقع عنه، أن رسول الله وسلم قال: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))(٣) انفرد بإخراجه مسلم، من حديث الأوزاعي وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة حظُته قال: قال رسول الله وَله: ((بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه))(٤). (١) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل. (٢) أخرجه البخاري من حديث أبي سفيان بن حرب مطولاً (الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب رقم ٦ ح٧). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٧/٤)، وأخرجه مسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به بدون قوله: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل. (الصحيح، الفضائل، باب فضل نسب النبي وَّل ح ٢٢٧٦). (٤) صحيح البخاري، المناقب، باب صفة النبي ◌َّ ر (ح ٣٥٥٧). ٦٠٧ سُورَةُ الأَنْتُل (١٢٣، ١٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قال العباس: بلغه وَ﴿ بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال: ((من أنا؟)) قالوا: أنت رسول الله، فقال: ((أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخیرکم نفساً»(١) صدق صلوات الله وسلامه عليه. وفي الحديث أيضاً: المروي عن عائشة ؤها قالت: قال رسول الله وَّ: ((قال لي جبريل: قلَّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمد، وقلَّبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم)) رواه الحاكم والبيهقي(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد وَّل﴿ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ◌َ﴾، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على [دينه](٣)، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما آره المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء(٤). [وقال أحمد أيضاً: حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول الله وَل : ((يا سلمان، لا تبغضنى فتفارق دينك)) قلت: يا رسول الله، كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: . (تبغض العرب فتبغضنى))](6)(٦) وقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية، ذُكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن أبي حسين قال: أبصر رجل ابن عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عمّ رسول الله وَ له فقال: ((الله أعلم حيث يجعل رسالته)(٧). وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الآية، هذا وعيد شديد (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٧/٣ ح ١٧٨٨)، وسنده ضعيف بسبب يزيد بن أبي زياد: الهاشمي ضعيف كبر فتغيّر وصار يتلقّن وكان شيعياً (التقريب ص٦٠١)، ولبعضه متابعات تقدمت في رواية مسلم قبل الرواية السابقة. (٢) أخرجه البيهقي من طريق الحاكم (دلائل النبوة ١٧٦/١)، والطبراني ((المعجم الأوسط)) (ح٦٢٨٥) وابن أبي عاصم (السنة ح ١٤٩٤) كلهم من طريق موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، فالإسناد ضعيف. ويتقوى بالروايات السابقة . (٣) كذا في (مح) و(حم) و(عش) وفي الأصل صحفت إلى: ((نبيه)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند ٨٤/٦ ح ٣٦٠٠). (٥) كذا (مح) و(حم)، وسقط من الأصل. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٤٠)، وسنده منقطع لأن أبا ظبيان لم يسمع من سلمان ة (المراسيل لابن أبي حاتم ص٥٠). (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه معلق لأن ابن أبي حاتم لم يسمع من محمد بن منصور الجواز. ٦٠٨ • سُوَّةُ الأَنْعَل (١٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذّلة الدائمة، لما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلاً يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَِّينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين ذليلين حقيرين. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوْ يَمْكُرُونَ﴾ لما كان المكر غالباً إنما يكون خفياً، وهو التلطف في التحيّل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد، جزاء وفاقاً، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ١﴾ [الطارق] أي: تظهر المستترات والمكنونات [الكهف: ٤٩] كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَ السَّرَآبِرُ والضمائر، وجاء في الصحيحين عن رسول الله وَلهو، أنه قال: ((ينصب لكل غادر لواء عند استّه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان))(١). والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفياً لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علماً منشوراً على صاحبه بما فعل. ] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ الشَّمَلَّمْ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ يقول تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَِّهِ، (٧)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهَّ أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ ( إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَّهُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانُّ أُوْلَكَ هُمُ الرَّشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. وقال ابن عباس ﴿ّ في قوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به (٢)، وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول الله وَ﴿ أي المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم ذكراً للموت وأكثرهم لما بعده استعداداً)) قال: وسئل النبي وَ ﴾ عن هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَُ لِلْإِسْلَمِ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: ((نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح)) قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت))(٣). وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري -، عن عمرو بن مرة، (١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر (صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر ح٣١٨٨) وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٥). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، ولكن في سنده حفص بن عمر العدني وهو ضعيف (التقريب ص١٧٣). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب أبي جعفر وهو: عبد الله بن المسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدائني متهم بالكذب والوضع (تاريخ بغداد ٥٪ ١٩٥)، وميزان الاعتدال (٥٠٤/٢). ٦٠٩ • سُورَةُ الْأَنْتَعَل (١٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي وَلّ، عن قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾ فذكر نحو ما تقدم (١) .. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله وَله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ قال رسول الله ◌َّه: ((إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح)) قالوا: يا رسول الله هل لذلك من أمارة؟ قال: ((نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت))(٢) وقد رواه ابن جرير: عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر فذكره(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المسور، قال: تلا رسول الله وَّر هذه الآية: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾ قالوا: يا رسول الله ما هذا الشرح؟ قال: ((نور يقذف به في القلب)) قالوا: يا رسول الله فهل لذلك من أمارة تعرف؟ قال: ((نعم)) قالوا: وما هي؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت))(٤). وقال ابن جرير أيضاً: حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: ((إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح)) قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: ((الإنابة إلى دار الخلود والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت))(٥) وقد رواه من وجه آخر عن ابن مسعود متصلاً مرفوعاً فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله وَ ﴿ه قال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ﴾ قالوا: يا رسول الله وكيف يشرح صدره؟ قال: ((يدخل فيه النور فينفسح)) قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول الله؟ قال: ((التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت))(٦) فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضاً(٧)، والله أعلم. (١) أخرجه الطبري بسنده وحكمه كسابقه. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب أبي جعفر. (٣) أخرجه الطبري، وحكمه كسابقه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده كسابقه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً بسبب سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: يقال إنه أخذ كتباً لمحمد بن سلمة فحدث بها، ورأيت فيما حدث أكاذيب، (الجرح ٢/ ٤٥). وضعفه الدارقطني (ميزان الاعتدال ٣٨٧/١)، وفيه أيضاً أبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للمفاوز بين عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وبين ابن مسعود. (٧) الحق أنه لا يشد بعضها بعضاً على الرغم من قوة المعنى. ٦١٠ • سُورَةُ الأَنْقَمَا (١٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون ﴿ضَيِّقًا﴾ بتشديد الياء وكسرها (١)، وهما لغتان كهين وهين، وقرأ بعضهم (حَرِجاً) بفتح الحاء وكسر الراء قيل: بمعنى آثم، قاله السدي. وقيل: بمعنى القراءة الأخرى حرجاً بفتح الحاء والراء (٢)، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان، ولا ينفذ فيه. وقد سأل عمر بن الخطاب ظه رجلاً من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة، فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر ته: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير(٣). وقال العوفي: عن ابن عباس، يجعل الله عليه الإسلام ضيقاً، والإسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨] يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق وقال مجاهد والسدي: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ شاكاً(٥). وقال عطاء الخراساني: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي: ليس للخير فيه منفذ(٦). وقال ابن المبارك، عن ابن جريج: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بلا إله إلا الله حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه(٧)، ﴿كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ الشَّمَاءِ﴾ من شدة ذلك عليه. وقال سعيد بن جبير: يجعل صدره ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قال: لا يجد فيه مسلكاً إلا صعداً(٨). وقال السدي: ﴿كَأَنََّا يَضَغَدُ فِ الشَمَلَّمْ﴾ من ضيق صدره(٩). وقال عطاء الخراساني: ﴿كَأَنََّا يَضَغَدُ فِي السَّمَلُ﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء(١٠). وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ الشَّمَاءِ﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه(١١) . (١) القراءتان متواترتان. (٢) القراءتان متواترتان. (٣) أخرجه الطبري بسند فيه عبد الله بن عمار اليمامي قال ابن أبي حاتم: مجهول (الجرح ١٢٩/٤). (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به. (٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حُميد عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عن عطاء الخراساني. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن المبارك به. (٨) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع فيه مقال. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف. ٦١١ • سُورَةُ الأَنْتُل (١٢٦، ١٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الأوزاعي: ﴿كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِ السَّمَاءِ﴾ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقاً أن يكون مسلماً؟(١). وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه عن وصول الإيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ اَلْيّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقاً حرجاً، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرجس الشيطان(٢). وقال مجاهد: ﴿اُلْرِّجْسَ﴾: كل ما لا خير فيه(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب(٤). (٨) ﴿ لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِندَ رَيْهِمَّ - ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَيْكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَُّونَ وَهُوَ وَلِيُّهُمِ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادّين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن: هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، رواه أحمد والترمذي بطوله(٥) . ﴿قَدْ فَضَّلْنَا الْآَيَتِ﴾ أي: وضحناها وبيناها وفسرناها ﴿لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله ﴿لَّمْ دَارُ السَّلَمِ﴾ وهي الجنة ﴿عِندَ رَبِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام، لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سَلِموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم﴾ أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء على أعمالهم الصالحة، تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه. 2- ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَغْنَاَ أَجَنَا الَّذِىّ أَخَلْتَ لَأَ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨َا﴾. يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الجن (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مزيد البيروتي. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بلفظ: ((الرجس: عذاب الله)). (٥) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦. ٦١٢ • سُوْرَةُ الْأَنْوَيُّا (١٢٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنسِ﴾ أي ثم يقول: يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف. ومعنى قوله: ﴿قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِّ﴾ أي: من إغوائهم، وإضلالهم، كقوله تعالى: ﴿ أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدٌُ مُّبِينٌ ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا ـجَ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَمَ تَكُونُواْ تَّعْقِلُونَ (®)﴾ [يس]. صِرَطُ مُسْتَقِيمٌ وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِّ﴾ يعني: أضللتم منهم كثيراً (١) وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة(٢). ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الْإِنِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن الحسن في هذه الآية، قال: استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ﴿رَبَّنَا اُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض، إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس(٣). وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿رَبَّنَا أَسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: قال الصحابة: في الدنيا (٤). وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة (٥). وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن. ﴿وَبَغْنَآَ أَجَنَا الَّذِىِّ أَلْتَ لَنَّ﴾ قال السدي: يعني الموت(٦). ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ أي: ماكثين فيها مكثاً مخلداً إلا ما شاء الله، قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ. وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها، عند قوله تعالى في سورة هود، ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِّمَا (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، ويتقوى بسابقيه. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعاً، وسنده حسن. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وسنده ضعيف بسبب ضعف موسى بن عبيدة. (٥) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن المنذر وأبي الشيخ في تفسيريهما (الدر ٢٠٢/٦). (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٦١٣ سُورَةُ الأَنْتَمَا (١٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يُرِيدُ (3)﴾ [هود] وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيره هذه الآية، من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: ﴿النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهَ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً (١). ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ النَِّينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ قال سعيد، عن قتادة في تفسيرها: إنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن وليّ المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر وليّ الكافر أينما كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي(٢). واختاره ابن جرير. وقال معمر، عن قتادة في تفسير الآية: يولي الله بعض الظالمين بعضاً في النار، يتبع بعضهم بعضاً (٣). وقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور، إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعاً، وذلك في كتاب الله قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوْلِ بَعْضَ الَّذِينَ بَعْضًَا﴾(٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُوْلِ بَعْضَ الَّلِينَ بَعْضًَا﴾ قال: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦] قال: ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس(٥). وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود، مرفوعاً: ((من أعان ظالماً سلطه الله عليه))(٦) وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء: وما من يد إلا يد اللّه فوقها [ولا](٧) ظالم إلا سيُبلى بظالم ومعنى الآية الكريمة: كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم. (١) أخرجاه بسند ثابت من طريق عبد الله بن صالح به. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مرحوم بن عبد العزيز العطار عن مالك. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٦) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٥٣/١٤، وفيه الحسن بن زكريا العدوي يرويه عن سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، والحسن هذا متهم بالوضع (فيض القدير ٧٣/٦)، وقال الألباني: إسناده موضوع (السلسلة الضعيفة ح ١٩٣٧). (٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((وما)). ٦١٤ • سُورَةُ الأَنْتَهُم (١٣٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 2- ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّ وَغَرَّتْهُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ وهذا أيضاً مما يُقرّع الله به كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل بلغتهم الرسل رسالاته، وهذا استفهام تقرير ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإنس فقط وليس من الجن رسل، كما قد نصّ على ذلك مجاهد وابن جريج(١) وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف. وقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر(٢). وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلاً واحتج بهذه الآية الكريمة(٣)، وفيه نظر، لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي - والله أعلم - كقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرِيْنِ يَلْنَفِيَانِ ﴿﴿ يَتَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ ﴿ فَأَتِ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ ﴾﴾ [الرحمن] ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان ءَلَِّ رَبُّكُمَا تُكَذِّبَانِ إنما يستخرجان من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد. وقد نصّ هذا الجواب بعينه [ابن جرير] (٤)، والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس، قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِه، - إلى أن قال - رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]. وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس: إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩] ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخباراً عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْتَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ﴾ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا فِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿ يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِمٍ ﴿٨َ وَمَن لَّا يُحِبْ دَاعِىَ الَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ اْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ. أَوْلِيَءُ أُوْلَكَ فِ ضَلٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [الأحقاف] وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: أن رسول الله وَيّ تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ ﴿٣ فَأَتِّ ءَالَآءٍ لَيّ﴾ [الرحمن](٥). رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن جريج سيأتي مع رواية ابن عباس التالية. (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن جريج وابن عباس ويتقوی بسابقه. (٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي فيه مقال. (٤) هذا الجواب ورد في تفسير الطبري، وفي النسخ: صحف إلى: ((ابن جريج)). (٥) أخرجه الترمذي من حديث جابر: خرج رسول الله وسلّ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى = ٦١٥ • سُورَةُ الْأَنْقَطَا (١٣١، ١٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنِذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّأَ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنًا﴾ أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة. وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَّةُ الذُّنْيَا﴾ أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، ﴿وَشَهِدُواْ عَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِينَ﴾ أي: في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (٢٣) وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِطَلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ (٣)﴾ أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحداً إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] كقوله: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿ كُلّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَُمْ خَُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيرٌ ﴿ قَالُواْ بَلَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبَّنَا﴾ [الملك: ٨ -٩] والآيات في هذا كثيرة. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: ويحتمل قوله تعالى: ﴿يُظُلْمٍ﴾ وجهين: (أحدهما) ﴿ذَلِكَ﴾ من أجل ﴿أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، ويقول: إن لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولاً ينبههم على حجج الله عليهم، ينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ﴿مَا جََّنَا مِنْ نَذِيرٌ ﴾ [المائدة: ١٩]. بشِیرِ وَلَا (والوجه الثاني) أن ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلٍّ﴾ يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده(١). ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم. وقال(٢): وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ أي: ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيراً فخير وإن شراً فشرٌ. (قلت): ويحتمل أن يعود قوله: ﴿وَلِكُلّ دَرَجَتُ مِّمَا عَيِلُواْ﴾ أي: من كافري الجن والإنس، آخرها ... (السنن، التفسير، باب ومن سورة الرحمن ح٣٢٩١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي = (ح ٢٦٢٤). (١) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ١٢٤/١٢ ط. شاكر). (٢) القائل هو الطبري. ٦١٦ • سُورَةُ الْأَنْقَظَم (١٣٣، ١٣٥) 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 أي ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ (4)﴾ [النحل]. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه. ﴿وَرَبِّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَا أَنْشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ءَخَرِينَ (٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ (3) قُلْ بَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَتِكُمْ إِنِ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ ٣٥ يقول تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿الْغَنِىُّ﴾ أي: عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ﴿ذُوَ الرَّحْمَةِ﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ﴿إِن يَشَأَ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿وَيَسْتَغْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَآءُ﴾ أي: قوماً آخرين، أي يعملون بطاعته ﴿كَمَا أَنشَأَكُم مِّنْ ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َاخَرِينَ﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَيِنْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ (٣)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ @) قَدِیرًا إِن يَشَأْ يُدْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ (١٤)﴾ [فاطر]. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية: ﴿كَمَآ أَنْشَأَكُمْ مِّنْ ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ◌َاخَرِينَ﴾ الذرية الأصل والذرية النسل(١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَتِّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ (19)﴾ أي: أخبرهم يا محمد، أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم تراباً رفاتاً وعظاماً، هو قادر لا يعجزه شيء. وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها: حدثني أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حِمْيَر، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ظُه، عن النبي ◌َّلهم أنه قال: ((يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعُدّوا أنفسكم من الموتى والذي نفسي بيده ﴿إِنّ ﴾))(٢). مَا تُوعَدُونَ لَتٍّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِينَ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن بكير به، وسنده حسن. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم. ٦١٧ • سُورَةُ الْأَنْتَطُل (١٣٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَأَنْتَظِرُواْ إِنَّا على طريقتي ومنهجي كقوله: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ مُنْتَظِرُونَ (4)﴾ [هود]. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿عَ مَكَتِكُمْ﴾ ناحيتكم (١). ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: أتكون لي أو لكم وقد أنجز الله موعده لرسوله صلوات الله عليه أي فإنه تعالى مكنه في البلاد وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد وفتح له مكة وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه واستقر أمره على سائر جزيرة العرب وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَ أَنَّ وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ (٣٥)﴾ [الأنبياء]. الصَّلِحُونَ وَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ وقال تعالى إخباراً عن رسله: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَتُهُمْ لَتُلِكَنَّ الَّالِمِينَ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ ﴾﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَِّنَا فَمَا كَانَ لِتُرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَابِهِمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعاً وكفراً وشركاً، وجعلوا لله شركاء وجزءاً من خلقه وهو خالق كل شيء ◌َلَ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ﴾ أي: مما خلق وبرأ ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: من الزرع والثمار ﴿وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ أي: جزءاً وقسماً ﴿فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَّيِنَا﴾، وقوله: ﴿فَمَا كَانَ لِتُّرَكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَِّ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَلِهِمْ﴾. قال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءاً وللوثن جزءاً، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان، حفظوه وأحصوه وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد، ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئاً جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن، وإن سقط شيء من الحرث والثمر الذي جعلوه لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا هذا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. ٦١٨ • سُورَةُ الْأَنْفَعَل (١٣٧) فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه قربة لله، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا﴾ الآية(١)، وهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي(٢) وغير واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية: كل شيء يجعلونه لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبداً حتى يذكروا معه أسماء الآلهة وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(٣) أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطأوا أولاً في القسم، لأن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه، ثم لما قسموا فيما زعموا القسمة الفاسدة لم يحفظوها بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَتِ سُبْحَنَهُ وَلَهُم ◌َا يَشْتَهُونَ (3﴾﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًاَ إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ [الزخرف] وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى ®) وقوله: ﴿مِّكَ إِذَا قِسْمَةُ ضِيزَئ (W)﴾ [النجم]. ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيَّهِمْ دِينَهُمّ وَلَوْ شَآءَ أَللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَّرُونَ يقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق ووأد البنات خشية العار. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾، زينوا لهم قتل أولادهم(٤). وقال مجاهد: ﴿شُرَكَآؤُهُمْ﴾ شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية العيلة(٥) (٦). وقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات إما ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ فيهلكوهم، وإما ﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، أي فيخلطوا عليهم دينهم(٧). ونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة(٨). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُثِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴿﴿ يَنَوَرَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوَّةٍ مَا بُثِّرَ بِّهِ أَيُّمْسِكُمُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِ اُلَُّبِ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (@)﴾ [النحل]، وكقوله: ﴿وَإِذَا (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين، وطريق علي يقوي طريق العوفي. (٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٥) العيلة أي: الفقر وشدة الحاجة. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه. ٦١٩ • سُورَةُ الأَنْتَطَا (١٣٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [التكوير] وقد كانوا أيضاً يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ جَ بِأَتِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ الفقر أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف المال وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من تزيين الشياطين وشرعهم ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كوناً وله الحكمة التامة في ذلك، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه فسيحكم الله بينك وبينهم. - ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَاْ إِلَّا مَن نَشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنْعَهُ لَّا يَذَكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا أَفْتِرَآءَ عَلَيْءٍ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الحِجْر: الحرام مما حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا(١)، وكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٢) وغيرهم. وقال قتادة: ﴿وَقَالُواْ هَذِهِةٍ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ [الآية](٣) تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم وتغليظ وتشديد ولم يكن من الله تعالى(٤)، وقال ابن زيد بن أسلم ﴿حِجْرٌ﴾ إنما احتجروها لآلهتهم(٥)، وقال السدي: ﴿لَّا يَطْعَمُهَآَ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعِْهِمْ﴾ يقولون: حرام أن يطعم إلا من شئنا(٦). وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم ◌َّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَا قُلْ ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾﴾ [يونس] وكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اَللّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَكِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَ حٍَّ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبِّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [المائدة]. وقال السدي: أما الأنعام التي حرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها لا إذا أولدوها ولا إن نحروها. وقال أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود: قال لي أبو وائل: تدري ما في قوله: ﴿وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ◌ُهُورُهَا وَأَنَْهُ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾؟ قلت: لا. قال: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها (٧). وقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به. (٢) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((إلا)). (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بكر بن عياش به بنحوه. ٦٢٠ • سُورَةُ الْأَنْفَعَل (١٣٩) شأنها لا إن ركبوا ولا إن حلبوا ولا إن حملوا ولا إن نتجوا ولا إن عملوا شيئاً (١). ﴿أَفْتِرَآءَ عَلَيَّةٍ﴾ أي: على الله وكذباً منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رضيه منهم ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: عليه ويسندون إليه. ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا وَإِن يَكُنْ ◌َيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمَّ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قال أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾ الآية قال: اللّبن(٢). [وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ اٌلْأَنْهَمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾ فهو](٣) اللّبن كانوا يحرمونه على إناثهم ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تُركب فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء فنهى الله عن ذلك(٤). وكذا قال السدي(٥). وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء(٦). وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٧). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمٌ عَ أَزْوَجِنَا﴾ قال: هي السائبة والبحيرة(٨). وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة في قول الله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: قولهم الكذب في ذلك(٩). يعني كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ١ مَتَعٌ﴾ الآية [النحل: ١١٦ - ١١٧]، ﴿إِنَّهُ حَكِيمُ﴾ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ﴿عَلِيمٌ﴾ بأعمال عباده من خير وشر وسيجزيهم عليها أتم الجزاء. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به. (٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(حم) و(مح). (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف ويتقوى بأقوال التابعين التالية. (٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح نجيح عن مجاهد، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.