Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سُورَةُ الأَنْتَطَا (٥٤،٥٠)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَإِذَا جَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم،
وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ أي:
أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ .
قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل(١).
وقال معتمر بن سليمان: عن الحكم بن أبان عن عكرمة، في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا
بَجَهَلَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة(٢)، رواه ابن أبي حاتم ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع
عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، ﴿فَأَنَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا
أبو هريرة، قال: قال رسول الله وَ ل و ((لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش:
إن رحمتي غلبت غضبي))(٣) أخرجاه في الصحيحين(٤)، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، ورواه موسى عن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره،
عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي و 98 بذلك، وقد روى ابن مردويه من
طريق الحكم بن [أبان](6)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَلّ: ((إذا فرغ الله
من القضاء بين الخلق، أخرج كتاباً من تحت العرش، إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم
الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقاً لم يعملوا خيراً، مكتوب بين أعينهم
عتقاء الله))(٦).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان
في قوله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق
السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق
فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها
يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة،
وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى
ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع(٧)، وقد روي هذا مرفوعاً من وجه آخر(٨)، وسيأتي كثير من
(١) تقدم نحوه وأمثاله في تفسير سورة النساء آية ١٧.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ثلاثة شيوخ عن معتمر بن سليمان به وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٣/٢) وسنده صحيح.
(٤) تقدم تخريجه من الصحيحين في الآية ١٢ من هذه السورة.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وترجمة الحكم، وفي الأصل: ((وأبان)) وهو تصحيف.
(٦) سنده حسن إذ له شواهد في سابقه في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري في آخره (الصحیح،
التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ (٣)﴾ [القيامة] ح٧٤٣٩).
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه مسلم مرفوعاً من حديث سلمان ته، (الصحيح، التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى ح٢٧٥٣).

٥٤٢
سُورَةُ الأَنْتُم (٥٩،٥٥)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومما يناسب
هذه الآية من الأحاديث أيضاً، قوله ﴿ لمعاذ بن جبل: ((أتدري ما حق الله على العباد؟ أن
يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)) ثم قال: ((أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا
(١)
﴾ (١).
يعذبهم)) وقد رواه الإمام أحمد: من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة
قُلْ إِنِّى نُّهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اُلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
- ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلِتَسْقَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ
قُلْ إِنِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ
٥٦
دُونِ اللَّهِ قُل لَّ أَّعُ أَهْوَاءَ كُمُّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
وَكَذَبْتُم بِهَّ مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِّ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُضُ اُلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ (69) قُل لَّوْ
أَنَّ ◌ِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِينَ ﴿ ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ
اٌلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْبَرِّ وَأَلْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى
◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسِ إِلَّا فِ كِنٍَ مُِّينٍ
يقول تعالى: وكما بيّنا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل، على طريق الهداية والرشاد وذمّ
المجادلة والعناد، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اُلَيَتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ﴿ وَلِتَسْتَبِينَ
سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ ﴿ولتستبين سبيلَ
المجرمين﴾(٢) أي: ولتستبين يا محمد، أو يا مخاطب سبيل المجرمين، وقوله: ﴿قُلّ إِى عَ بَيِّنَةٍ
مِّن رَّبِّ﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي ﴿ وَكَذَّبْتُم بِهٍ﴾ أي: بالحق الذي
جاءني من الله ﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِّ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما
يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما
له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿ يَقُضُ الْحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من
فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.
وقوله: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ اُلْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ذلك
إليّ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، والله أعلم بالظالمين.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب، عن
يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت لرسول الله وَ ل 9: يا رسول الله، هل أتى
عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد؟ فقال: ((لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم
العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت
وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب(٣)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد
ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل علـ*، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا
عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم
عليّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك
(١) الحديث تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١.
(٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان.
(٣) هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد.

٥٤٣
• سُورَةُ الْأَنْتُم (٥٥، ٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين(١)، فقال رسول الله وَليقول: بل أرجو أن يخرج الله من
أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً)(٢) وهذا لفظ مسلم.
فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعلّ الله أن يخرج من
أصلابهم من لا يشرك به شيئاً، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، ﴿قُل
لَوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِلََّلِينَ ﴾﴾ فالجواب والله
أعلم، أن هذه الآية دلت، على أنه لو كان إليه وقوع العذاب، الذي يطلبونه حال طلبهم له،
لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال
أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنى
بهم وسأل الرفق لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن
عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله) ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ
الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَاذَا تَحْكِسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُونَّ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيِّ ﴾ [لقمان](٣) وفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل
عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي صَ لّ فيما قاله له: ((خمس لا يعلمهن إلا الله)) ثم
قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (٤).
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِّ﴾ أي: محيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها
وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن
ما قال الصّرصري :
فلا يخفى عليه الذر إمّا تراءى للنواظر أو توارى
وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما
ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ
اُلْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِىِ الصُّدُورُ (﴿4﴾ [غافر].
وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن
مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾
قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها(٥)، وقوله: ﴿وَلَا
حَبَّةٍ فِي ◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلَّا فِ كِنٍَ مُِرٍ﴾ .
(١) هما جبل أبو قبيس والجبل الذي يقابله وبينهما الكعبة المشرفة.
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين (ح٣٢٣١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب ما
لقي النبي * من أذى المشركين (ح١٧٩٥).
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] (ح ٤٦٢٧).
(٤) صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ◌َ ر (ح ٥٠).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حسان النمري ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٣٥/٣).

٥٤٤
• سُوَرَّةُ الأَنْقَطَا (٦٠، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهري، حدثنا
مالك بن سُعير، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في
الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلا وعليها ملك موكل، يأتي الله بعلمها، رطوبتها إذا رطبت،
ويبوستها إذا يبست(١). وكذا رواه ابن جرير عن أبي الخطاب زياد بن عبد الله الحساني، عن
مالك بن سعیر به(٢).
ثم قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن أبي حذيفة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خلق الله النون وهي الدواة، وخلق الألواح، فكتب
فيها أمر الدنيا، حتى ينقضي ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو
فجور، وقرأ هذه الآية ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ إلى آخر الآية](٣)(٤) قال محمد بن
إسحاق: عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: إن تحت
الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنهم ظهروا، - يعني لكم -، لم تروا معهم نوراً
على كل زاوية من زوايا الأرض خاتم من خواتيم الله ربك، على كل خاتم ملك من الملائكة،
يبعث الله ريك إليه في كل يوم ملكاً من عنده أن احتفظ بما عندك(٥).
- ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَقََّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَنَّىٌ ثُمَّ
إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَّىَ إِذَا جَلَّ
أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ ( ثُمَّ رُدُّوَأْ إِلَى الَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ ◌َلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ
اَْسِبِينَ
يخبر تعالى أنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ
قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَتِ لَمْ تَّمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ اَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَبُرْسِلُ اَلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾
[الزمر: ٤٢] فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام، حكم
الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَقَّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم ◌ِلَّهَارِ﴾ أي: ويعلم
ما كسبتم من الأعمال بالنهار، وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم
ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: ﴿سَوَآءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ اُلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ.
وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِلََّارِ ﴾﴾ [الرعدآ وكما قال تعالى: ﴿وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُ الَتْلَ
وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٣] أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] أي:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف كما في ((التقريب)).
(٢) أخرجه الطبري بسنده، وحكمه کسابقه.
(٣) ما بين معقوفين ورد في الأصل بعد رواية ابن إسحاق والمثبت من (حم) و(مح).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ عمرو بن قيس، وتعليق ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، والمتن فيه غرابة، وكأنه من
أخبار بني إسرائيل ضمن الزاملتين اللتين أتى بهما عبد الله بن عمرو من اليرموك.

٥٤٥
• سُورَةُ الأَنْتُل (٦٠، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ وَجَعَلْنَا النََّرَ مَعَاشًا (٣)﴾ [النبأ] ولهذا قال تعالى ههنا:
في النهار كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا الَّلَ لَِاسًا
﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفََّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِلنََّارِ﴾ أي: ما كسبتم من الأعمال فيه ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ
فِيهِ﴾ أي: في النهار، قاله مجاهد وقتادة والسدي(١).
وقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير؛ أي: في المنام (٢). والأول أظهر، وقد روى ابن
مردويه بسند: عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال: ((مع كل إنسان ملك إذا نام أخذ
نفسه ويرده إليه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه)) فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ
بِلَيْلِ﴾(٣).
وقوله: ﴿لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مُسَتَّىٌ﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي:
يوم القيامة ﴿ثُمَّ يُنَبِئُكُم﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك إن خيراً
فخير وإن شراً فشر، وقوله: ﴿وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ،﴾ أي: وهو الذي قهر كل شيء وخضع
الجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء، ﴿ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن
الإنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِبَتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهُ﴾ [الرعد: ١١] وحفظة
يحفظون عمله ويحصونه كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ ﴾﴾ الآية [الانفطار] وكقوله: ﴿إِذْ يَلَقَّى
الْمُّلَفِيَانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدٌ ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِبُ عِدٌ (®)﴾ [ق].
وقوله: ﴿حََّ إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ اٌلْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا﴾ أي: ملائكة
موكلون بذلك، قال ابن عباس وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة(٤)، يخرجون
الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] الأحاديث المتعلقة بذلك الشاهدة لهذا المروي عن
ابن عباس وغيره بالصحة.
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث
شاء الله ◌ّ، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذاً بالله من
ذلك.
وقوله: ﴿ثُمَّ رُؤُّوَأْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوَا﴾ يعني: الملائكة(٥) ﴿إِلَى اللَّهِ
مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حسين بن محمد،
حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة،
عن النبي ولو أنه قال: ((إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها
النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان،
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير بلفظ: ((ليقضي أجل مدتهم)).
(٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طرق عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس.
(٥) ذكره الطبري بدون سند.

٥٤٦
• سُوَرَةُ الأَنْشَطُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح(١) لها فيقال من هذا؟
فيقال فلان، فيقال مرحباً بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح
وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله ﴾،
وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي
ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم
يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس
الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فترسل من السماء
ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس
الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول))(٢).
هذا حديث غريب، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ﴾ يعني: الخلائق كلهم إلى الله
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْم
يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَِّينَ وَالْآَخِرِينَ
[الواقعة] وقال: ﴿وَحَشَرْتَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
مَعْلُوم (جَا﴾
[الكهف: ٤٧ - ٤٩] ولهذا قال: ﴿مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ اُلْتَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ﴾.
2] ﴿قُلّ مَن يُنَجِيَكُم مِّنِ ظُتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّهَا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ
الشَّكِينَ ﴿ قُلِ اَللَّهُ يُنَجِّكُم مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿ قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَّحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِنَّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ (٥َّ﴾
٠
يقول تعالى ممتناً على عباده، في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر؛ أي:
الحائرين الواقعين في المهامه البرية، وفي اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذٍ
يفردون الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَاً
تَكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعَْضْتُمْ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيُِّ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ
حَّةٍ إِذَا كُنْتُمْ فِ الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َتِبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتَّهَا رِيُ عَاصِفٌ وَجَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ
فَلَمَّاً
وَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمَّ دَعَوْا ◌َللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ لَبِنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ (9)
أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَيُّ﴾ الآية [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِ ظُلُمَتِ
اَلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرَِّحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، أَوَِهٌ مَّعَ اللَّهَّ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[النمل] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ أي:
جهراً وسراً ﴿لَيْنْ أَنْجَنَا﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ أي: بعدها قال الله: ﴿قُلِ اللَّهُ
يَُِّكُمْ مِنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُنَ ®﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾ لما قال ﴿ِثُمَّ أَنْتُمْ
(١) كذا في (عش) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((فيستفتح فيفتح)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٣٧٨/١٤ ح٨٧٦٩).

٥٤٧
سُورَةُ الأَنْتُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تُشْرِكُونَ﴾، عقبه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ أي: بعد إنجائه إياكم، كقوله في
سورة سبحان ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِّ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
وَإِذَا مَسَّكُمُ الْغُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِنَّهُ فَلَّا نَّكُمْ إِلَى الْبَّ أَغْرَضْتُمَّ وَكَانَ الْإِسَنُ كَفُورًا (g)
أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخِْفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَ غِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا ﴿َ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ
يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الْرِّيجِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِعًا
(٦٩)﴾ [الإسراء].
قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا هارون الأعور، عن حفص بن سليمان
عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَائِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال:
هذه للمشركين(١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ
مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد بَّرَ وعفا عنهم(٢) .
ونذكر هنا الأحاديث، الواردة في ذلك والآثار، وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة.
قال البخاري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ
مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضَِّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَّهُونَ
يلبسكم: يخلطكم من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعاً: فرقاً، حدثنا أبو النعمان، حدثنا
حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ
اٌلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله وَّه: ((أعوذ بوجهك)) ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
قال: ((أعوذ بوجهك)) ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله وَّهِ: ((هذه أهون، أو
أيسر))(٣) وهكذا رواه أيضاً في كتاب التوحيد، عن قتيبة، عن حماد به، ورواه النسائي أيضاً في
التفسير عن قتيبة، ومحمد بن النضر بن مساور، ويحيى بن حبيب بن عدي، أربعتهم عن حماد بن
زيد به، وقد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمع جابراً عن
النبي ◌َّله به. ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن
سفيان بن عيينة به (٤)، ورواه ابن جرير في تفسيره، عن أحمد بن الوليد القرشي، وسعيد بن
الربيع، وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به(٥)، ورواه أبو بكر بن مردويه، من حديث
آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد، وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به، ورواه
سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد، كلاهما عن عمرو بن دينار به.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه معلقاً ووصله الطبري من طريق ابن المبارك عن هارون به. والصواب أنها
عامة كما سيأتي.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير ح ٤٦٢٨).
(٤) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَمٌ﴾ [القصص: ٨٨] (ح ٧٤٠٦)،
والسنن الكبرى للنسائي (ح١١١٦٥)، ومسند الحميدي (ح١٢٥٩) والإحسان (ح ٧٢٢٠).
(٥) أخرجه الطبري بطرقه.

٥٤٨
• سُورَةُ الأَنْتُم (٦٣، ٦٥)
طريق أخرى: قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا
مقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن أبي
الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال
رسول الله وَّل: ((أعوذ بالله من ذلك)) ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال رسول الله وَل: ((أعوذ بالله من
ذلك)) ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال: ((هذا أيسر)) (١) ولو استعاذه لأعاذه.
ويتعلق بهذه الآية، أحاديث كثيرة:
(أحدها): قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو بكر - يعني ابن
أبي مريم - عن راشد - هو ابن سعد المَقْرَئِي -، عن سعد بن أبي وقاص، قال: سئل رسول الله وَيه
عن هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال: ((أما إنها
كائنة ولم يأت تأويلها بعد))(٢) وأخرجه الترمذي عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش،
عن أبي بكر بن أبي مريم به، ثم قال هذا حديث غريب.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى - هو ابن عبيد -، حدثنا عثمان بن حكيم، عن
عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله وَّه حتى مررّنا على مسجد
بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين، فصلينا معه، فناجى ربه رَك طويلاً ثم قال: ((سألت ربي
ثلاثاً: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة(٣) فأعطانيها،
وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)) انفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن، عن أبي
بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن عبد الله بن نمير، وعن محمد بن
يحيى بن أبي عمرو، عن مروان بن معاوية، كلاهما عن عثمان بن حكيم به (٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن عبد الله بن
عبد الله بن جابر بن عتيك، عن [جابر بن عتيك](٥)، أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر في حرة بني
معاوية - قرية من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله وَّر في مسجدكم هذا؟
فقلت: نعم، فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعاهن فيه؟ فقلت: نعم،
فقال: أخبرني بهن، فقلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين
فأعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، قال: صدقت فلا يزال [الهرج](٦) إلى يوم
القيامة (٧). ليس هو في شيء من الكتب الستة، إسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.
(حديث آخر) قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن علي بن
(١) في سنده ابن لهيعة ويشهد له سابقه بدون: ولو استعاذه لأعاذه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٧٠/١)، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم كما في التقريب.
(٣) أي بالقحط والجوع.
(٤) المسند ١٧٥/١، وصحيح مسلم، الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (ح ٢٨٩٠).
(٥) كذا في (عش) و(مح)، وسقط من الأصل.
(٦) كذا في (مح) و(عش)، وصحفت في الأصل إلى: (العرح).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ١٥٨/٣٩ ح٢٣٧٤٩)، وجوده وقواه الحافظ ابن
كثير، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٢٢١/٧) ويشهد له سابقه.

٥٤٩
• سُورَةُ الْأَنْتُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول الله وَّر إلى حرة بني معاوية،
قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال: ((حبستك يا حُذيفة)) قلت الله
ورسوله أعلم، قال: ((إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يسلط على
أمتي عدواً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل
بأسهم(١) بينهم فمنعني))(٢)، رواه ابن مردويه من حديث محمد بن إسحاق.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني سليمان الأعمش، عن رجاء
الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ظُبه، قال أتيت رسول الله وَ ل﴿ فقيل لي:
[خرج قبل، قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مرّ قبل، حتى مرّت فوجدته قائماً يصلي،
قال: فجئت حتى قمت خلفه، قال: فأطال الصلاة، فلما قضى صلاته قلت: يا رسول الله، قد
صليت صلاة طويلة، فقال رسول الله قال: ((إني صليت صلاة رغبة ورهبة، إني سألت الله رَك
ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي غرقاً فأعطاني، وسألته أن لا يظهر
عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها علي))(٣) ورواه ابن
ماجه في الفتن عن محمد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمد، كلاهما عن أبي معاوية، عن
الأعمش به(٤)، ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ◌َّ بمثله أو نحوه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني
عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أنس بن
مالك، أنه قال: رأيت رسول الله وَ﴿ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف،
قال: ((إني صليت صلاة رغبة ورهبة، وسألت ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن
لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً
فأبى عليّ))(٥)، ورواه النسائي في الصلاة عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب به (٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال
الزهري، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب، عن أبيه،
خباب بن الأرت مولى بني زهرة، وكان قد شهد بدراً مع رسول الله وَليو، أنه قال: وافيت
(١) أي أن لا يجعل الخلاف والحرب بين المسلمين.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن نمير عن ابن إسحاق به (المصنف ٣١٨/١٠)، وفي سنده عنعنة
ابن إسحاق ويشهد له ما سبق.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٠/٥)، وفي سنده رجاء الأنصاري: مقبول كما في ((التقريب))،
ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٤) السنن، الفتن، باب ما يكون من الفتن (ح٣٩٥١) وسنده كسابقه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٦/٣)، وأخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب به (الصحيح
ح١٢٢٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو بن الحارث به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٤/١)،
وله شواهد تقدمت.
(٦) السنن ٢١٦/٣.

٥٥٠
سُورَةُ الأَنْتَقُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله 18 في ليلة صلاها كلَّها، حتى كان مع الفجر، فسلم رسول الله وَلّر من صلاته،
فقلت: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها، فقال رسول الله وَلافيه: ((أجل
إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي رَك فيها ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة،
سألت ربي ◌َك أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ◌َ أن لا يظهر
علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ◌َّك أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها)) (١) ورواه النسائي
من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر، وابن حبان في صحيحه بإسناديهما عن
صالح بن كيسان والترمذي، في الفتن، من حديث النعمان بن راشد، كلاهما عن الزهري به،
وقال: حسن صحيح(٢).
(حديث آخر) قال أبو جعفر بن جرير في تفسيره: حدثني زياد بن عبد الله المزني، حدثنا
مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا أبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه، أن
النبي ، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، فقال: ((قد كانت صلاة رغبة ورهبة،
سألت الله وَق فيها ثلاثاً أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب
به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم فأعطانيها،
وسألت الله أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها)) قال أبو مالك: فقلت له:
أبوك سمع هذا من في رسول الله وَّر؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم، أنه سمعها من فيّ
رسول الله وَل﴾ (٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي
قلابة، عن الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس، أن رسول الله والهم
قال: ((إن الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زوى لي
منها، وإني أُعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ◌َ أن لا يهلك أمتي بسنة
عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس
بعض))، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يردّ، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا
أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم، فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم
يهلك بعضاً، وبعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً، قال: وقال النبي ◌ٍَّ: (إني لا أخاف
على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي، لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة))(٤)
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده وطريق آخر وبمتنه (المسند ٥٣٢/٣٤ ح ٢١٠٥٣)، وصححه محققوه.
(٢) سنن النسائي ٢١٦/٣، وسنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي ◌َّر ثلاثاً في أمته (ح٢١٧٥)،
والإحسان في ترتیب صحيح ابن حبان ٩/ ١٨٠ (ح ٧٢٣٦).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات (الإصابة ٧٥/٣)، وأخرجه البزار من
طريق مروان به، وحسنه الحافظ ابن حجر (مختصر زوائد البزار ح١٦٢٩)، وأخرجه الطبراني من طريق
مروان به (المعجم الكبير ١٩٢/٤ ح٤١١٢)، قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال
الصحيح غير نافع بن خالد (مجمع الزوائد ٢٢٥/٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٣/٤)، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٢٩٣/٨)، وقال
الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٢٤/٧).

٥٥١
• سُورَةُ الأَنْتَعُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه من حديث حماد بن
زيد، وعباد بن منصور، وقتادة، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان،
عن رسول الله وَله بنحوه والله أعلم.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم
الهاشمي، وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي، قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا
محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه - قال: وكان
أبوه من أصحاب رسول الله وَ طير، وكان من أصحاب الشجرة - قال: كان رسول الله وَيقول إذا صلى
والناس حوله، صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود، قال فجلس يوماً فأطال الجلوس، حتى
أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه، فلما فرغ، قال له بعض القوم: يا رسول الله لقد
أطلت الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض أنه ينزل عليك، قال: ((لا ولكنها كانت صلاة رغبة
ورهبة، سألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب
به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدواً يستبيحها فأعطانيها، وسألته
أن لا يلبسكم شيعاً وأن لا يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها)) قال: قلت له: أبوك سمعها من
رسول الله وَ﴾؟ قال: نعم سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله وَلير عدد أصابعي هذه عشر
أصابع(١).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن
سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله وَله
أن رسول الله وَ﴿ قال: ((سألت ربي ◌َ أربعاً فأعطاني ثلاثاً، ومنعني واحدة، سألت الله أن لا
يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها،
وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله يت أن لا
يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها))(٢). لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب
الستة .
(حديث آخر) قال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث،
حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السوائي، عن علي أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة))، فقلت: ((يا رب
لا تهلك أمتي جوعاً فقال: هذه لك قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدواً من غيرهم يعني أهل
الشرك فيجتاحهم قال: ذلك لك، قلت: يا رب لا تجعل بأسهم بينهم قال: فمنعني هذه) (٣).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن
(١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٦/٦)، وسنده ضعيف لإبهام شيخ أبي وهب الخولاني،
ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠٧/١ ح١٧٩)، قال الهيثمي وفيه أبو حذيفة الثعلبي ولم
أعرفه (المجمع ٢٢٢/٧) ويشهد له ما سبق وما لحق.

٥٥٢
• سُورَةُ الأَنْقُل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان،
حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((دعوت ربي ◌ّ أن يرفع عن
أمتي أربعاً، فرفع الله عنهم اثنتين، وأبى عليّ أن يرفع عنهم اثنتين دعوت ربي أن يرفع الرجم من
السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله
عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع اثنتين القتل والهرج))(١).
(طريق أخرى) عن ابن عباس أيضاً، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد،
حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن منير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا عمرو بن
قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية ﴿قُلّ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن
فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن ◌َحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شَِعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ◌َ ◌ّ فتوضأ ثم قال:
((اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعاً ولا تذق
بعضهم بأس بعض)) قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك، أن يرسل عليهم
عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم(٢).
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله بن
أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي،
حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال: ((سألت ربي
لأمتي أربع خصال، فأعطاني ثلاثاً، ومنعني واحدة، سألته أن لا تكفر أمتي صفقة واحدة
فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم
عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)) ورواه ابن أبي حاتم عن
أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، عن عمرو بن محمد العنقزي به نحوه (٣).
(طريق أخرى) وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى،
حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المدني، حدثني الوليد بن
رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي وَلّ: «سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين
ومنعني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم
بالسنين فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني)) ثم رواه
ابن مردويه بإسناده، عن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌ّ* بنحوه، ورواه البزار من طريق عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
النبيِ وَ﴿ بنحوه(٤).
(أثر آخر) قال سفيان الثوري، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال:
(١) سنده ضعيف جداً لأن إسحاق بن عبد الله بن كيسان، لينه أبو أحمد الحاكم وقال البخاري: منكر
الحديث، وقال ابن حبان في الثقات: يتقى حديثه من رواية ابنه عنه (لسان الميزان ٣٦٥/١).
(٢) سنده ضعيف لإبهام شيخ عمرو بن قيس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده نحوه، وسنده حسن. وله شواهد تقدمت.
(٤) مسند البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٢٩٠) وله شواهد تقدمت.

٥٥٣
• سُورَةُ الأَنْقَل (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أربع في هذه الأمة، قد مضت اثنتان وبقيت اثنتان، ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن
فَوْقِّكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضِلْ﴾
قال سفيان: يعني الرجم والخسف (١).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، ﴿قُلْ هُوَ
الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍّ﴾ قال:
فهي أربع خلال، منها اثنتان بعد وفاة رسول الله وَّهُ بخمس وعشرين سنة، ألبسوا شيعاً وذاق
بعضهم بأس بعض. وبقيت اثنتان لا بد منهما واقعتان، الرجم والخسف، ورواه أحمد عن
وكيع، عن أبي جعفر(٢).
ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب،
عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ﴾ الآية، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها،
فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها(٣)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي،
وابن زيد وغير واحد في قوله: ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم ﴿أَوْ مِن تَّحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾ يعني:
الخسف(٤). وهذا هو اختيار ابن جرير.
وروى ابن جرير: عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله:
﴿قُلْ هُوَ اُلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَّحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود
يصيح وهو في المسجد أو على المنبر، يقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول:
﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ﴾ لو جاءكم عذاب السماء لم يبق منكم أحداً، ﴿أَوْ
مِن ◌َّتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لو خسف بكم الأرض أهلككم، ولم يبق منكم أحداً، ﴿أَوْ يَلْيَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ
بَعْضَكُرُ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث(٥).
(قول ثان): قال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب،
سمعت خلاد بن سليمان يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول:
في هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ فأئمة السوء ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِّكُمْ﴾
فخدم السوء(٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ يعني أمراءكم ﴿أَوْ مِن تَحْتِ
(١) سنده جيد تقدمت دراسته في مقدمة التفسير الصحيح.
(٢) سنده جيد وأخرجه الإمام أحمد عن وكيع به (المسند ١٥١/٣٥ ح ٢١٢٢٧)، وضعفه محققوه، وقال
الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٢٤/٧)، ويشهد لبعضه الآثار التالية عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك
والسدي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيف يتقوى بما ثبت وبما تقدم عن أبي العالية عن أبي بن
کعب.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف للانقطاع بين عبد الرحمن بن زيد وابن مسعود
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عامر بن عبد الرحمن لم أجد له ترجمة، وقد تابعه
علي بن أبي طلحة في الرواية التالية.

٥٥٤
سُورَةُ الأَنْتُم (٦٣، ٦٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: عبيدكم وسفلتكم(١)، وحكى ابن أبي حاتم عن أبي سنان وعمرو بن هانئ،
نحو ذلك(٢). قال ابن جرير: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح، لكن الأول أظهر وأقوى،
وهو كما قال ابن جرير نَّتُهُ، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿َأَمِنْثُم مَّن فِ السَّمَاِ أَنْ يَخِْفَ
بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ (٨ أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السََّلِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ
(٣)﴾ [الملك] وفي الحديث: (ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ))(٣) وذلك مذكور مع
نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن
شاء الله تعالى، وقوله: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني: يجعلكم متلبسين شيعاً فرقاً متخالفين.
وقال الوالبي، عن ابن عباس: يعني الأهواء(٤)، وكذا قال مجاهد وغير واحد (٥).
وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه وَالر أنه قال: ((وستفترق هذه الأمة على ثلاث
وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)) (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على
بعض بالعذاب والقتل(٧).
وقوله تعالى: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلَيَتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها مرة ونفسرها، ﴿لَعَلَّهُمْ
يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.
قال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلّ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ الآية، قال
رسول الله ◌َر: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف)) قالوا: ونحن
نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟، قال: ((نعم)) فقال بعضهم: لا يكون هذا أبداً أن
يقتل بعضنا بعضاً ونحن مسلمون، فنزلت ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ
وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكبِلٍ
(٣)﴾ [الأنعام] رواه ابن أبي
لِكُلِّ نَبَارِ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
(٦٦)
حاتم وابن جرير(٨).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) بل أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمزة بن إسماعيل عن أبي سنان وحمزة بن إسماعيل سكت عنه ابن أبي
حاتم (الجرح ٢٠٨/٣)، وأما قول عمرو بن هانئ فهو تابعي وقد ذكره ابن أبي حاتم حكاية، معلقاً.
(٣) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ﴿بًا، السنن، القدر (ح٢١٥٢)، وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني
في صحيح سنن الترمذي (ح١٧٤٨).
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح ثابت من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه ابن ماجه من حديث أنس بن مالك مرفوعاً (السنن، الفتن، باب افتراق الأمم ح ٣٩٩٣) وصححه
البوصيري في الزوائد والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٢٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ١٢٨/١).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق زيد به، وسنده مرسل.

٥٥٥
• سُوَرَّةُ الأَنْتَطُل (٦٦، ٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
﴿وَذَّبَ بِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿٨َ لِكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَفْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ ﴿٨َ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَنَّقُونَ
(٦٩)
يقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به، والهدى والبيان، ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني:
قريشاً ﴿وَهُوَ الْحَقّ﴾ أي: الذي ليس وراءه حق ﴿قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: لست عليكم بحفيظ،
ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ زَّيَّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ [الكهف: ٢٩]
أي: إنما عليّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن
خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿لَكُلِّ نَبَرِ مُسْتَقَرِّ﴾ قال ابن عباس وغير واحد:
أي لكل نبأ حقيقة (١)؛ أي: لكل خبر وقوع، ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَعَلَمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ
(٣)﴾ [صّ] وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٧] وهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ ءَايَئِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِ
حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب، ﴿وَإِمَّا يُسِيَنَّكَ
الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد، من آحاد الأمة، أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون
آيات الله ويضعونها على غير مواضعها، فإن جلس أحد معهم ناسياً، ﴿فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾
بعد التذكر ﴿مَعَ اُلْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ ولهذا ورد في الحديث ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه»(٢).
وقال السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنِسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت
فذكرت ﴿فَلَ نَفْعُدْ﴾ معهم (٣)، وكذا قال مقاتل بن حيان(٤)، وهذه الآية هي المشار إليها في
قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِوَةَّ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٠] أي: إنكم إذا جلستم معهم،
وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم فيما هم فيه، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم
مِّن شَىْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم، فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم وتخلصوا من
إثمهم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن
السدي، عن أبي مالك، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس مرفوعاً (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح٢٠٤٥)،
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤).
(٣) أخرج الطبري هذه الآثار بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.

٥٥٦
• سُورَةُ الأَنْدْعُل (٧٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك؛ أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم(١).
وقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم، فليس عليهم من حسابهم من شيء، وزعموا أن
هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] قاله مجاهد والسدي
وابن جريج وغيرهم(٢). وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أي: ولكن
أمرناكم بالإعراض عنهم، حينئذٍ تذكيراً لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.
] ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أُمَّخَذُوْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَّاً وَذَكِّرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ
بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِىٌ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ أَلَّذِينَ
٧٠
أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
يقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض
عنهم وأمهلهم قليلاً فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال ﴿وَذَكِرْ بِهِ﴾﴾؛ أي: ذكر
الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُلُ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل.
قال الضحاك، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل تسلم (٣).
وقال الوالبي، عن ابن عباس: تفتضح (٤).
وقال قتادة: تحبس(٥) .
وقال مُرَّةُ وابن زيد: تؤخذ(٦).
وقال الكلبي : تجزى(٧) .
وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن
الخير والارتهان عن درك المطلوب، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَبَتْ رَهِنَةُ (٣٨) إِلَّ أَعَْبَ آلْيَمِينِ
١٣٩
[المدثر] وقوله: ﴿لَيْسَ لَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها،
كما قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَ خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ اللَّلِمُونَ﴾ [البقرة:
٢٥٤]. وقوله: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بسابقيه.
(٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن، الضحاك لم يسمع من ابن عباس،
ويشهد له الآثار التالية: فقول مجاهد وعكرمة والحسن أخرجه الطبري بأسانيد صحاح، وقول السدي
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق الوالبي به.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٦) قول ابن زيد وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٧) أخرجه الطبري عن الكلبي، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.

٥٥٧
سُورَةُ الأَنْتَعُال (٧١، ٧٣)
كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ الآية [آل عمران:
٩١]، وكذا قال ههنا: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ
يَكْفُرُونَ﴾ .
- ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اَللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَنَا اللَّهُ كَلَّذِى
اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَأْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اُلْهُدَىّ
وَأُمِنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَنَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُّحْشَرُونَ ﴿ وَهُوَ
اَلَّذِى خَلَقَ السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ
فِي الصُورِّ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الَْكِيمُ الْخَيرُ
قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله من: ﴿قُلْ
أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىَ أَعْقَايِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَمْنَا اَللَّهُ﴾
فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن كفرتم بعد إيمانكم، كمثل
رجل خرج مع قوم على الطريق فضل الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض وأصحابه
على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل ما
يتبعهم بعد المعرفة بمحمد بدر، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام(١)،
رواه ابن جرير.
وقال قتادة: ﴿اَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض(٢). يعني استهوته سيرته، كقوله:
﴿تَّهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الَِّ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا
يَضُرُّنَا﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى هدى الله رَك،
كمثل رجل ضل عن طريق تائهاً، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب
يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن
أجاب من يدعوه إلى الهدى، اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان،
يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شيء، حتى يأتيه الموت فيستقبل
الندامة والهلكة، وقوله: ﴿كَالَّذِى اُسْتَهْوَتَهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم
أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء فيصبح وقد رمته في هلكة، وربما أكلته، أو تلقيه في
مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله رقم(٣)،
رواه ابن جرير، وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، ﴿كَلَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اُلْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾
قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن هدي(٤).
(١) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده مرسل بالنسبة لسبب النزول، وحسن بالنسبة للتفسير
الوارد بعد سبب النزول.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به نحوه.

٥٥٨
سُورَةُ الْأَنْقُل (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِى أُسْتَهْوَتَهُ الشَّيَاطِينُ فِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَابٌ﴾ هو
الذي يستجيب لهدى الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد عن
الحق، وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه به هدى، يقول الله
ذلك لأوليائهم من الإنس، ﴿إِنَّ اُلْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] والضلال ما يدعو إليه
الجن (١)، رواه ابن جرير، ثم قال: وهذا يقتضي أن أصحابه يدعونه إلى الضلال ويزعمون أنه
هدى، قال: وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن الله أخبر أنهم يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون
ضلالاً، وقد أخبر الله أنه هدى، وهو كما قال ابن جرير: فإن السياق يقتضي أن هذا الذي
استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال؛ أي: في حال حيرته وضلاله
وجهله، وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب
معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام فيأبى عليهم، ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه
ولرد به إلى الطريق، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىّ﴾ كما قال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ
مِن ◌ُضِلٍ﴾ [الزمر: ٣٧] وقال: ﴿إِن تَحْرِصِ عَلَى هُدَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن
نَّصِرِينَ
[النحل].
وقوله: ﴿وَأُمِّنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة، وحده لا شريك له، ﴿وَأَنْ
أَقِيمُواْ الضَلَوَةَ وَأَنَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ
تُحْتَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بِالعدل فهو
خالقهما، ومالكهما، والمدبر لهما ولمن فيهما، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم
القيامة، الذي يقول الله كن فيكون، عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على
العطف على قوله واتقوه، وتقديره واتقوا يوم يقول كن فيكون، وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهذا مناسب وإما على
إضمار فعل تقديره واذكر يوم يقول كن فيكون.
وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقٌّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين،
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلاً من قوله ويوم يقول كن فيكون يوم ينفخ في
الصور ويحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: ﴿وَلَّهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ
لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِدٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِينَ عَسِيرًا
: [الفرقان] وما أشبه ذلك.
واختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا، جمع
صورة؛ أي: يوم ينفخ فيها فتحيا. قال ابن جرير: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع
سورة، والصحيح أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل علا، قال ابن جرير:
والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله وسطهو أنه قال: ((إن إسرافيل قد التقم الصور،
وحنی جبهته ينتظر متی یؤمر فینفخ))(٢).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) ذكره الطبري بدون سند وتقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٧٣ في مسند أحمد من حديث ابن عباس.

٥٥٩
سُورَةُ الأَنْتُل (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن
شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابي: يا رسول الله ما الصور؟ قال: ((قرن ينفخ
فیە))(١) .
وقد روينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني، في كتابه المطولات،
قال: حدثنا أحمد بن الحسن المقري الأبلي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع،
عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ظُبه، قال: حدثنا رسول الله وَله
وهو في طائفة من أصحابه، فقال: ((إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور
فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخصاً بصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر)) قلت: يا
رسول الله وما الصور؟ قال: ((القرن)) قلت: كيف هو؟ قال: ((عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم
دارة فيه كعرض السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية
نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول:
انفخ فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها
ولا يفتر، وهي كقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقِ (٣)﴾ [صَ] فيسير
الجبال، فتمر مَرّ السحاب فتكون سراباً، ثم ترتج الأرض بأهلها رجاً، فتكون كالسفينة المرمية
في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق في العرش ترجرجه الرياح، وهو الذي
يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ ﴿ تَبعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾﴾ [النازعات] فيميد الناس على
ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى
تأتي الأقطار فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين، ما لهم من أمن الله
من عاصم، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] فبينما هم
على ذلك إذ تصدعت الأرض، من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً لم يروا مثله، وأخذهم لذلك
من الكرب والهول ما الله به عليم، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء
فانتثرت نجومها وانخسفت شمسها وقمرها)) قال رسول الله وَالله: ((الأموات لا يعلمون بشيء من
ذلك)) قال أبو هريرة: يا رسول الله من استثنى الله رَ حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ
اَلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؟ قال: ((أولئك الشهداء)) وإنما يصل الفزع إلى الأحياء،
وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على
شرار خلقه قال: وهو الذي يقول الله : ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ
عَظِيمٌ ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمَلَهَا وَرَى
النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾﴾ [الحج] فيكونون في ذلك العذاب ما
شاء الله إلا أنه يطول، ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل
السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار ◌َك،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٥٣/١١ ح ٦٥٠٧).

٥٦٠
• سُوَرَّةُ الْأَنْقْطَا (٧١، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فيقول: يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت، فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي -
فمن بقي: فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل
وميكائيل، وبقيت أنا، فيقول الله ريك: ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش، فيقول: يا رب
يموت جبريل وميكائيل، فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي،
فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار، فيقول: يا رب، قد مات جبريل وميكائيل، فيقول الله
- وهو أعلم بمن بقي ـ: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي تموت، بقيت حملة عرشك،
وبقيت أنا، فيقول الله: لتمت حملة العرش فتموت، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من
إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك، فيقول الله - وهو أعلم بمن
بقي -: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا، فيقول الله: أنت
خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت فمت، فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد
الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخراً كما كان أولاً، طوى السموات والأرض طي السجل
للكتب، ثم دحاها ثم يلقفهما ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاثاً، ثم
هتف بصوته ﴿لِمَنِ اٌلْمُلَّكُ اَلْيَوْمٌ﴾ [غافر: ١٦] ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: ﴿لِلِّ
اٌلْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]
فيبسطهما ويسطحهما، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي ﴿لَا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْتًا (٣٦)﴾ [طه] ثم
يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة، مثل ما كانوا فيها من الأولى،
من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء
من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوماً، حتى يكون الماء فوقهم اثني
عشر ذراعاً ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث(١)، أو كنبات البقل، حتى إذا
تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله رَّت: ليحيَى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله
إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل، فيحيان ثم يدعو الله
بالأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نوراً، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعاً، ثم
يلقيها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، فينفخ نفخة البعث، فتخرج الأرواح
كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى
جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد،
كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنهم، وأنا أول من تنشق الأرض عنه، فتخرجون
﴾ [القمر] حفاة عراة غلفاً
سراعاً إلى ربكم تنسلون، ﴿مُهْطِينَ إِلَى النَّعُ يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عِيْرٌ
غرلاً، فتقفون موقفاً واحداً مقداره سبعون عاماً لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى
تنقطع الدموع، ثم تدمعون دماً وتعرقون، حتى يلجمكم العرق أو يبلغ الذقان، وتقولون: من
يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده، ونفخ فيه
(١) الطرائيث: جمع ◌ُرْثوثٍ وهو نبات رملي طويل مستدق يضرب إلى الحمرة وبيبس.