Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
• سُوْدَةُ المَائِدَة (٢٠، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال السدي في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ قُلُوًا﴾ قال: يملك الرجل منكم نفسه وماله وأهله، رواه ابن
أبي حاتم(١).
وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري،
عن رسول الله وَ﴿ قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كتب ملكاً(٢)،
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير: حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد بن
أسلم يقول: وجعلكم ملوكاً فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله وَّ ر من كان له بيت وخادم فهو
ملك(٣). وهذا مرسل غريب.
وقال مالك: بيت وخادم وزوجة. وقد ورد في الحديث ((من أصبح منكم معافى في جسده،
آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)»(٤).
وقوله: ﴿وَءَاتَنَّكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ يعني: عالمي زمانكم، فإنهم كانوا أشرف الناس
في زمانهم من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ اَلْكِتَبَ
﴾ [الجاثية] وقال تعالى إخباراً عن موسى
وَاَلْحُكّمَ وَالنُّبُوَةَ وَ رَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
لما قالوا: ﴿أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَُّ مَا هُمْ فِيهِ وَطِلٌ مَّا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ﴿َ) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (٣)﴾ [الأعراف] والمقصود
أنهم كانوا أفضل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم
منهاجاً، وأكرم نبياً، وأعظم ملكاً، وأغزر أرزاقاً، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأوسع مملكة، وأدوم
عزاً. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً
وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه
الأمة وشرفها وكرمها عند الله عند قوله تعالى: ﴿كُنُُّمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وروى ابن جرير عن ابن عباس وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿ وَءَاتَنْكُمْ مَّا
لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ يعني: أمة محمد مي(٥)، فكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله:
﴿وَءَاتَنَكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة، والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو
محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا، وقيل: المراد ﴿وَءَاتَنَّكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ اٌلْعَلَمِينَ﴾ :
يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، ويظللهم به من الغمام وغير ذلك مما
كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) في سنده دراج في حديثه عن أبي الهيثم ضعف كما في التقريب.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٤) روي عن جمع من الصحابة بأسانيد ضعيفة، وحسنه الألباني بمجموع طرقه (السلسلة الصحيحة ح٢٣١٨).
(٥) وقول ابن عباس لم أقف عليه في المطبوع من تفسير الطبري، ولعله في النسخة التي بيد الحافظ ابن كثير،
وقول أبي مالك وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف.

٣٦٢
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٢٦،٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال تعالى مخبراً عن تحريض موسى ظلّلا لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت
المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام
يوسف فعلا، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى، فوجدوا فيها قوماً من العمالقة الجبارين
قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى علّلها بالدخول إليها وبقتال أعدائهم
وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي
في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة عقوبة لهم على
تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبراً عن موسى أنه قال: ﴿يَقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾
أي: المطهرة.
وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ
اُلْمُقَدَّسَةَ﴾، قال: هي الطور وما حوله(١)، وكذا قال مجاهد وغير واحد(٢).
وروى سفيان الثوري عن أبي سعد [البقال](٣) عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: هي
أريحاء(٤)، وكذا ذكر عن غير واحد من المفسرين، وفي هذا نظر، لأن أريحاء ليست هي
المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين
أهلك الله عدوهم فرعون، إلا أن يكون المراد بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما
رواه ابن جرير عنه(٥)، لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الطور شرقي بيت المقدس.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل أنه
وراثة من آمن منكم، ﴿وَلَ نََّدُّواْ عَلَى أَذْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا تنكلوا عن الجهاد ﴿فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِنَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَّ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
﴾ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها قوماً جبارين أي ذوي
خلق هائلة وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما
داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلا فلا طاقة لنا بهم.
وقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان قال:
قال [أبو سعد(٦)]: قال عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، قال:
فسار موسى بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عيناً من
كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيئتهم
وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه،
(١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((النعال)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده أبو سعد البقال وهو سعيد بن المرَزُبان العبسي، وأبو سعد
ضعيف في التقريب.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) كذا في (مح) وهو الصواب، وفي الأصل: ((أسعد)) وهو تصحيف.

٣٦٣
• سُورَةُ المَائِدَة (٢٠، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فجعل يجتني الثمار وينظر إلى آثارهم، فتبعهم فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع
الفاكهة، حتى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب بهم إلى ملكهم
فنثرهم بين يديه، فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال:
فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم(١). وفي هذا الإسناد نظر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلاً،
وهم النقباء الذين ذكرهم الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم
في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا من أنتم؟ قالوا:
نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا
إلى موسى وقومه، فقولوا لهم: هذا قدر فاكهتهم، فرجعوا إلى موسى فأخبروه، بما رأوا، فلما
أمرهم موسى عليّلها، بالدخول عليهم وقتالهم، قالوا: يا موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
قاعدون. رواه ابن أبي حاتم (٢).
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن الهاد، حدثني
يحيى بن عبد الرحمن، قال: رأيت أنس بن مالك، أخذ عصاه فذرع فيها بشيء لا أدري كم
ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق(٣)،
وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخباراً من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين،
وأن منهم عوج بن عنق، ابن بنت آدم علا، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة
وثلاثون ذراعاً وثلث ذراع - تحرير الحساب -(٤)، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف
لما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله وسلم قال: ((إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً، ثم لم
يزل الخلق ينقص حتى الآن))(٥) ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافراً، وأنه كان ولد زنية، وأنه
امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى
ذكر أن نوحاً دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾
(١)﴾ [الشعراء]
[نوح: ٢٦] وقال تعالى: ﴿فَأَنَّنَهُ وَمَن مَعَهُ فِ الْفُلْكِ اُلْمَشْحُونِ (١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ
وقال تعالى: ﴿لَ عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَحِمَّ﴾ [هود: ٤٣] وإذا كان ابن نوح الكافر، غرق
فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود
رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن
طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى وَطهير، حرضهم رجلان الله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقول ابن كثير في هذا الإسناد نظر لعله بسبب أبي سعد البقال وهو سعيد بن
المرزبان ضعيف مدلس (التقريب ص٢٤١)، وهذه الرواية من الإسرائيليات الغريبة.
(٢) سنده ثابت ولكنه أيضاً من الإسرائيليات.
(٣) في سنده يحيى بن أيوب: صدوق ربما أخطأ، والرواية أيضاً من الإسرائيليات.
(٤) كذا في الأصل وكأن الحافظ ابن كثير يشير إلى أنه يحتاج إلى تحرير الحساب لأنه أنكر ذلك بالدليل الصحيح.
(٥) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح٣٣٢٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفهِ. نعيمها
(ح ٢٨٤١).

٣٦٤
• سُوَّرَّةُ القَائِدَة (٢٠، ٢٦)
00000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
يخاف أمر الله ويخشى عقابه، وقرأ بعضهم ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ﴾ أي: ممن لهم مهابة
وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب(١) بن يوقنا. قاله ابن عباس ومجاهد
وعكرمة، وعطية، والسدي، والربيع بن أنس (٢)، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله
فقالا: ﴿ أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَِبُونٌ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَُّواْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي:
إن توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم
بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئاً ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَاً
مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴾﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد،
ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على
الانصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون #إنَّه، قدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاماً
لما هموا به، وشَقَّ يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال:
إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم، وخطر جليل، وما أحسن ما أجاب به الصحابة ﴿ يوم بدر
رسول الله ﴿ حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاؤوا لمنع العير، الذي كان مع أبي
سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف
في العدة، والبيض [واليلَبَ](٣). فتكلم أبو بكر له فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من
المهاجرين، ورسول الله وسلم يقول: ((أشيروا علي أيها المسلمون)) وما يقول ذلك، إلا ليستعلم ما
عند الأنصار، لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذٍ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا
رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا
رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن
يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، فسرّ رسول الله وص له بقول سعد ونشطه ذلك (٤).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن
عبد الله الأنصاري، حدثنا حُميد، عن أنس أن رسول الله ◌َ و لما سار إلى بدر استشار
المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد
رسول الله ﴿ قالوا: إذاً لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا
إنا هاهنا قاعدون﴾ والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك، ورواه الإمام
أحمد عن عبيدة بن حُميد عن حميد الطويل، عن أنس به(٥)، ورواه النسائي عن محمد بن
(١) كذا في النسخ الثلاث وفي بعض روايات الطبري التالية: ((كلاب)).
(٢) قول ابن عباس وعكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس ويتقوى
بالآثار التالية، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عطية أخرجه
الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط
عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((السلب))، واليلب: الدروع من الجلود.
(٤) ينظر السيرة لابن هشام ٦١٥/١، وستأتي شواهده كما يلي.
(٥) أخرجه الإمام أحمد عن عبيدة به وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط البخاري (المسند ٢٨١/٢٠
ح ١٢٩٥٤).

٣٦٥
• سُورَةِ المَائِدَة (٢٠، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به (١)، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى، عن
عبد الأعلى بن حماد، عن معتمر بن سليمان، عن حميد به(٢).
وقال ابن مردويه: أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة بن
عبيد السلمي، قال: قال النبي وَله لأصحابه: ((ألا تقاتلون))؟ قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو
إسرائيل لموسى ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا
إنا معكما مقاتلون(٣).
وكان ممن أجاب يومئذٍ المقداد بن عمرو الكندي څہ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع،
حدثني سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق هو ابن شهاب، أن المقداد قال
لرسول الله ﴿ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَأَذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون(٤)،
هکذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا
ـه: لقد شهدت من
إسرائيل عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود
المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله ◌َّجر وهو يدعو على
المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك،
فرأيت وجه رسول الله ◌َ﴿ يشرق لذلك وسر بذلك(٥).
وهكذا رواه البخاري في المغازي(٦) وفي التفسير من طرق عن مخارق به(٧)، ولفظه في كتاب
التفسير عن عبد الله، قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو
إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكن امض ونحن معك. فكأنه
سرّي عن رسول الله وَّل ثم قال البخاري: رواه وكيع عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن
المقداد قال للنبي عَ ليه (٨).
وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن
رسول الله وَ* قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم
(١) السنن الكبرى (ح ١١١٤١).
(٢) الإحسان ٢٤/١١ ح ٤٧٢٢.
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن بن أيوب به (المسند ١٨٤/٤)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/
١٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٩/١)، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري من طريق مخارق به
(الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ... ﴾ [الأنفال: ٩] ح ٣٩٥٢).
(٥) المسند (٣٨٩/١).
(٦) تقدم في الحاشية قبل السابقة.
(٧) الصحيح، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَاً ... ﴾ [المائدة: ٢٤] (ح٤٦٠٩).
(٨) تقدم عزوه في الحديث السابق.

٣٦٦
سُؤَدَّةُ المَائِدَة (٢٠، ٢٦)
@000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
((إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت)) فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من
بني إسرائيل إذا قالوا لنبيهم: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت
وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله وَ لهير تتابعوا على ذلك(١)، وهذا
إن كان محفوظاً يوم الحديبية فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذٍ كما قاله يوم بدر.
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ (٥)﴾ يعني:
لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى لعلّها، وقال داعياً عليهم ﴿رَبِّ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ﴾ أي: ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله ويجيب إلى ما دعوت إليه إلا أنا
وأخي هارون ﴿فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ .
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم(٢)، وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن
ابن عباس. وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم(٣)، وقال غيره: (افرق)
افصل بيننا وبينهم(٤)، كما قال الشاعر:
أشد ما فرقت بين اثنين
يارب فافرق بينه وبيني
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةُ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِّ﴾ الآية، لما دعا عليهم
موسى عليه حين نكلوا عن الجهاد حكم الله بتحريم دخولها عليهم مدة أربعين سنة فوقعوا في
التيه يسيرون دائماً لا يهتدون للخروج منه وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة من تظليلهم
بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم
على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عيناً تجري لكل شعب
عين، وغير ذلك من المعجرات التي أيد الله بها موسى بن عمران. وهناك نزلت التوراة وشرعت
لهم الأحكام، وعملت قبة العهد ويقال لها: قبة الزمان.
قال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت
ابن عباس عن قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضِِّ﴾ الآية قال: فتاهوا في
الأرض أربعين سنة يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل
عليهم المن والسلوى(٦)، وهذا قطعة من حديث الفتون، ثم كانت وفاة هارون عليه، ثم بعده بمدة
ثلاث سنين وفاة موسى عليه، وأقام الله فيهم يوشع بن نون عليه *، نبياً خليفة عن موسى بن عمران،
ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى يوشع وكالب،
ومن ها هنا قال بعض المفسرين في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَهِمْ﴾ هذا وقف تام.
(١) سنده صحیح لكنه مرسل.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي لكن يتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فقد أخرجه
الطبري من هذه الطريق أيضاً.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له سابقه.
(٤) قاله الطبري قبل بيت الشعر المذكور.
(٥) ذكره معمر بن المثنى في مجاز القرآن (١٦٠/١).
(٦) في سنده أصبغ بن زيد وهو الجهني الوراق صدوق يغرب (التقريب ص ١١٣).

٣٦٧
• سُوَدَّةُ المَائِدَة (٢٠، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ﴾ منصوب بقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضِّ﴾ فلما انقضت المدة، خرج بهم
يوشع بن نون ظلّا، أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت
المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب وخشي
دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى
حتى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون، أن يأمر بني إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس، أن
يدخلوا بابها سجداً، وهم يقولون: حطة أي حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون
على أستاههم وهو يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة(١) (٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، عن أبي
سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، ◌َُّه، قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى
اٌلْأَرْضِِّ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة، قال: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين
سنة فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو
الذي افتتحها، وهو الذي قيل له، اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها ودنت الشمس للغروب،
فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتى
افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته، فقال فيكم الغلول،
فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم والتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول
عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع
القربان، فأتت النار فأكلته(٣).
(٤)
وهذا السياق له شاهد في الصحيحُ
وقد اختار ابن جرير أن قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾ هو العامل في أربعين سنة وأنهم مكثوا لا
يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى علَلا،
ففتح بهم بيت المقدس، ثم احتج على ذلك من قال بإجماع علماء أخبار الأولين، أن عوج بن
عنق قتله موسى عليّ، قال: فلو كان قتله إياه قبل التيه، لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق فدل
على أنه كان بعد التيه، قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على
موسى، قال: وما ذاك إلا بعد التيه، لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه، هذا
استدلاله، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن ابن أبي إسحاق، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله
عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسراً لأهل النيل سنة(٥).
(١) تقدم في آية ٥٨.
(٢) بعض هذا الأثر ورد في صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس (ح٣١٢٤).
(٣) في سنده أبو سعد وهو سعيد بن المرزبان ضعيف ومدلس (التقريب ص٢٤١).
(٤) بل لبعضه شاهد في الصحيح فإن أول الرواية وآخرها في وصف الرأس ليس فيهما شاهد بل الشاهد لوسط
الرواية وقوله: فأتت النار فاكلته. (صحيح البخاري الحديث السابق نفسه).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وذكر الأستاذ أحمد شاكر أن كل ما رواه الطبري من أخبار عوج بن عنق من =

٣٦٨
• سُورَةُ الْمَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
وروى أيضاً عن محمد بن بشار: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف - هو
البكالي - قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة
أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجاً فأصاب كعبه فسقط ميتاً وكان جسراً للناس
یمرون عليه(١).
وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾ تسلية لموسىلعلّها عنهم؛ أي: لا تأسف ولا
تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به، فإنهم يستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود،
وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد،
فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله وَله
وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما
شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون
لتقر به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا
توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا
فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون،
وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه ويقولون مع ذلك: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم التي
مسخ منها الخنازير والقرود وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأييد
الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.
﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ آلْآَخَرِ
E
قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ * لَبِنْ بَسَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَا أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ
لِأَقْتُلَكَّ إِّيَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴿ إِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَثْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ فَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ (٣) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ
جَزَاؤُاْ اُلَّلِينَ
فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَنَّ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ
سَوْءَةَ أَخِّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
يقول تعالى مبيناً وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه في قول الجمهور،
وهما قابيل وهابيل كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله، بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من
النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله رب، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة،
وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ
بِالْحَقِّ﴾ أي: اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم
وأشباههم خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل، فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.
= مبالغات أهل الكتاب وأنها أخبار زيوف لا يعتمد عليها، وقد سبقه بذلك الإمام ابن القيم في (المنار
المنيف ص٧٦).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسقط لفظ أبي من أبي إسحاق في طبعة أحمد شاكر، وهذه الرواية أيضاً من
الإسرائيليات التي ولع بها نوف البكالي فقد كان من مسلمة أهل الكتاب.

٣٦٩
• سُوْرَّةُ المَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿ِالْحَقِّ﴾ أي: على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل،
ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقوله تعالى:
﴿َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وقال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَّ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:
٣٤]، وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى: شرع لآدم علَّلها،
أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان
يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة، فأراد
أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك، إلا أن يقربا قرباناً، فمن تقبل منه فهي له، فتقبّل من
هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه.
ذکر أقوال المفسرین ههنا:
قال السدي فيما ذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن
مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ◌َله: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان
يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر،
حتى ولد له ابنان يقال لهما: هابيل وقابيل وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع،
وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت
قابيل، فأبى عليه، وقال هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوج بها،
فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وأنهما قربا قرباناً إلى الله وهميت أيهما أحق بالجارية، وكان
آدم علَّ قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله رَك: هل تعلم أن لي بيتاً في الأرض؟
قال: اللهم لا. قال: إن لي بيتاً في مكة، فأته، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت،
وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك
كما يسرك، فلما انطلق آدم قربا قرباناً، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك هي
أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة وقرب قابيل حزمة
سنبل فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها فنزلت النار، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان
قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال هابيل إنما يتقبل الله من المتقين(١)،
رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج
أخبرني ابن خُثَيْم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس، قال: نهي أن تنكح
المرأة أخاها توأمها وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة،
فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني
أختك وأنكحك أختي، فقال لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً فتقبل من صاحب الكبش ولم
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهذا السند ضعيف لخلط السدي طرق هذا السند، وقد أشار إلى ضعف هذا
السند الإمام أحمد والحافظ ابن حجر في مقدمة (العجاب في بيان الأسباب). وسيأتي إنكار الحافظ ابن
كثير على قصة اختلافهم على المرأة الجارية.

٣٧٠
• سُوَرَّةُ الْغَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
00000000000000000000000000000000000000 000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0
يتقبل من صاحب الزرع، فقتله(١). إسناد جيد.
وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش
أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين
خريفاً، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم عليَّا(٢)، إسناد جيد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي المغيرة، عن
عبد الله بن عمرو، قال: إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر،
كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قرباناً، وإن صاحب الغنم
قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكودن
والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله رَك، تقبل قربان صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب
الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين
ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه (٣).
وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما
صاحب غنم وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على ظهره
من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قربه لله رم فقبله الله منه، فما
زال يرتع في الجنة حتى فدي به ابن إبراهيم عليّله، رواه ابن جرير (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا
محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم عليّ لها بيل وقابيل: إن ربي عهد إلي أنه كائن من
ذريتي من يقرب القربان، فقربا قرباناً حتى تقر عيني، إذا تقبل قربانكما فقربا وكان هابيل صاحب
غنم فقرب أكولة غنم خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب مشاقة من زرعه، فانطلق آدم
معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما ثم جلسوا ثلاثتهم آدم وهما ينظران إلى
القربان، فبعث الله ناراً حتى إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان
قابيل، فانصرفوا، وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل رد عليك قربانك،
فقال قابيل أحببته فصليت على قربانه ودعوت له فتقبل قربانه ورد علي قرباني، فقال قابيل لهابيل
لأقتلنك وأستريح منك، دعا لك أبوك فصلى على قربانك فتقبل منك، وكان يتوعده بالقتل إلى أن
احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: وبعثتني له راعياً لا
(١) على الرغم من قول الحافظ ابن كثير: إسناد جيد فقد أنكر قصة خلافهما على المرأة كما سيأتي، وفي
سنده أيضاً حجاج وهو ابن محمد المصيصي: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره (التقريب ص١٥٣).
(٢) هذه من الروايات الإسرائيلية وفي متنه نكارة إذ كيف يكون الفترة بين إبراهيم علا وابني آدم مدة أربعين
خريفاً!
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة أبي المغيرة (التقريب ص ٦٧٥).
(٤) أخرجه الطبري من طريق هشام بن سعد عن إسماعيل به، وسنده ضعيف لضعف إسماعيل (التقريب
ص ١٠٧).

٣٧١
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
أدري، فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك، فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله، وأخذ
معه حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد علي قرباني لأقتلنك، فقال
هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك وإن الله لا يقبل إلا الطيب إنما يتقبل الله من
المتقين، فلما قالها غضب قابيل، فرفع الحديدة وضربه بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت
من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله، فطرحه في جوبة(١) من الأرض، وحتى عليه شيئاً من
التراب (٢).
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح
أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح توأمة قابيل، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبي ذلك قابيل
وكره تكرماً عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل وقال: نحن من ولادة الجنة، وهما من
ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي، ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قابيل من
أحسن الناس، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه والله أعلم أي ذلك كان فقال له أبوه: يا بني
إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني قرّب قرباناً ويقرب
أخوك هابيل قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بذر الأرض، وكان هابيل
على رعاية الماشية، فقرب قابيل قمحاً وقرب هابيل أبكاراً من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب
بقرة، فأرسل الله ناراً بيضاء فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وبذلك كان يقبل القربان إذا
قبله(٣)، رواه ابن جرير.
وروى العوفي عن ابن عباس قال: [من] (٤) شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه وإنما
كان القربان يقربه الرجل فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا لو قربنا قرباناً، وكان الرجل إذا قرب
قرباناً فرضيه الله أرسل إليه ناراً فتأكله، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قرباناً، وكان
أحدهما راعياً وكان الآخر حراثاً، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر
بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه
أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردّ علي، فلا والله لا ينظر الناس
إليّ وأنت خير مني فقال: لأقتلنك، فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين(٥).
رواه ابن جرير.
فهذا الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارؤ(٦) في امرأة كما تقدم عن
(١) الجوبة: الحفرة.
(٢) سنده ضعيف لأن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري قال أبو حاتم: ضعيف الحديث .. حدثنا عنه
الأنصاري بحديثين باطلين (الجرح والتعديل ٧/ ١١٢).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو: محمد بن حميد
الرازي: ضعيف، وقد صرح ابن إسحاق أن روايته عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول، أي بالتوراة
وأشباهها .
(٤) ما بين معقوفين تأخر في الأصل بسبب الخطأ في الترتيب.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٦) أي: اختلاف.

٣٧٢
0000000000000000000000000000000000
• سُورَةُ القَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
00000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
جماعة ممن تقدم ذكرهم وهو ظاهر القرآن ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَنُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ
قَالَ لَأَقْتُكَنَّكَّ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ اٌلْمُنَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده بقبول
قربانه دونه، ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل وأن الذي قرب الطعام هو
قابيل وأنه تقبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره إنها الكبش الذي فدي به الذبيح وهو
مناسب(١)، والله أعلم.
[ولم يتقبل من قابيل، كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف وهو المشهور عن
مجاهد أيضاً، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل وهو المتقبل منه، وهذا
خلاف المشهور ولعله لم يحفظ عنه جيداً (٢)، والله أعلم] (٣).
ومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبد، حدثنا إسماعيل بن عياش،
حدثني صفوان بن عمرو، عن تميم - يعني ابن مالك المقري -، قال: سمعت أبا الدرداء يقول:
لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ (٤).
وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -، عن
المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالساً عند أبي وائل فدخل علينا رجل
يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن
معاذ بن جبل؟ قال: بلى سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟
فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال قوم اتقوا
الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة فيمرون إلى الجنة (٥).
وقوله: ﴿لَبِنَّ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْنُلِى مَا أَتَأْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل على
غير ما ذنب منه إليه ﴿لَيِنْ بَسَطَتَ إِلَىَ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ﴾ أي: لا أقابلك
على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ أي:
من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب.
قال عبد الله بن عمرو: وايمُ الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع (٦)،
(١) قوله فيه نظر وقد أجبت عن ذلك قبل صفحتين.
(٢) ما ورد عن مجاهد بعده أسانيد صحيحة وغيرها أن المتقبل منه الذي قرب شاة وليس الذي قرب الزرع.
(٣) زيادة من (حم) و(مح).
(٤) في سنده تميم بن مالك سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ١٥٥/٢)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢٪
٤٤٤) .
(٥) في سنده ميمون بن أبي حمزة وهو الأعور، قال الإمام أحمد: متروك الحديث (تهذيب التهذيب ١٠/
٢٦٨) .
(٦) تقدم بيان ضعفه قبل ثلاث صفحات.

٣٧٣
سُورَةُ القَائِدَة (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي وير أنه قال: ((إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول
في النار)) قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: ((إنه كان حريصاً على قتل
صاحبه))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن [عياش بن عباس](٢)،
عن بكير بن عبد الله، عن بُسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن
رسول الله * قال: ((إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي،
والماشي خير من الساعي)) قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليّ ليقتلني فقال: ((كن
كابن آدم))(٣).
وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة
وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة، ورواه بعضهم عن
الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلاً (٤).
قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي.
قلت: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا الفضل، عن
عياش بن عباس، عن [بكير](٥) عن بُسْر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه
سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ◌ّ في هذا الحديث قال: فقلت: يا رسول الله أرأيت إن
دخل بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله وٍَّ: ((كن كابن آدم)) وتلا ﴿لَبِنْ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ
لِنَقْتُلِ مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكُ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ﴾(٦).
قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَيْنَ بَسَطَتَ إِلَ يَدَكَ لِنَقْتُلِ مَآَ
◌َنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ ()﴾ لعثمان بن عفان ◌َظُبه، رواه ابن
أبي حاتم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن
أبي ذرّ، قال: ركب النبي والر حماراً أردفني خلفه وقال: ((يا أبا ذرّ، أرأيت إن أصاب الناس
جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟)) قال: قال الله ورسوله
أعلم، قال: ((تعفف)) قال: ((يا أبا ذرّ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد
(١) صحيح البخاري، الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (ح٧٠٨٣)، وصحيح مسلم، الفتن، باب إذا
تواجه المسلمان (ح٢٨٨٨).
(٢) كذا في المسند وفي الأصل: عياش بن عياش، وفي (حم) و(مح): عباس بن عباس.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٥/١)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وصححه
الألباني كما يلي.
(٤) سنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم (ح٢١٩٤).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((بكير بن بكر)). ولم أثبته بهذا الاسم لأن اسم أبيه عبد الله.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب النهي عن السعي في الفتنة ح ٤٢٥٧)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥٨١).

٣٧٤
• سُوَّرَّةُ المَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يعني: القبر كيف تصنع؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((اصبر)) قال: ((يا أبا ذر، أرأيت إن قتل
الناس بعضهم بعضاً، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟)) قال: الله ورسوله
أعلم، قال: ((اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك)) قال: فإن لم أترك، قال: ((فأت من أنت منهم فكن
منهم)) قال: فآخذ سلاحي، قال: ((فإذاً تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع
السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك)) (١)، ورواه مسلم وأهل السنن سوى
النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به(٢)، ورواه أبو داود وابن
ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذر بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد (٣).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن
عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلاً يقول:
سمعت هذا يقول في ناس، مما سمعت من رسول الله وَّه: ((لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت
في داري فلألجنه، فلئن دخل على فلان لأقولن ها، بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم)) (٤).
وقوله: ﴿إِنّ ◌ُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِثْمِى وَإِنْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّأَرِ وَذَلِكَ جَزَُّؤْاْ الطَّلِينَ (﴾﴾ قال
ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِإِنَّمِى وَإِنْكَ﴾: أي بإثم
قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، قاله(٥) ابن جرير.
وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطيئتي فتتحمل وزرها وإثمك في قتلك إياي،
وهذا قول وجدته عن مجاهد(٦) وأخشى أن يكون غلطاً لأن الصحيح من الرواية عنه خلافه،
يعني ما رواه سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد ﴿إِنّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِإِثْمِى﴾ قال: بقتلك إياي
﴿وَإِّكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك(٧)، وكذا رواه عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
بمثله(٨)، وروى شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إِنِّ أُرِيدُ أَن تَبُوَّأَ بِئْمِى وَإِنْكَ﴾ يقول: إني
أريد أن يكون عليك خطيئتك ودمي فتبوء بهما جميعاً(٩).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٩/٥)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران الجوني به
(المصدر السابق ح٤٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٥٨٣).
(٢) لم أجده في صحيح مسلم وإنما فيه من طريق حماد وبسنده واقتصر على ذكر الصلاة لوقتها. وورد في سنن
أبي داود كما تقدم.
(٣) ما ورد فيه هو حديث مسلم المتقدم.
(٤) رجاله ثقات إلا قبيصة صدوق ربما وهم وسنده حسن، ويشهد له حديث أبي ذرّ السابق.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده إلى السدي عن ابن عباس وتقدم أنه خلّط السدي فيه ويشهد له الآثار
الأخرى كقول مجاهد الذي أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة، وقول قتادة: أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٦) لم أجده بهذا اللفظ عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري بسنده عن الثوري به، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى به.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شبل به.

٣٧٥
سُورَةُ المَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثاً لا أصل له: ((ما ترك
القاتل على المقتول من ذنب))(١).
وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثاً يشبه هذا ولكن ليس به فقال: حدثنا عمرو بن علي،
حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَليقول: ((قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه))(٢)
وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه فأما أن تحمل
على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب
القاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته فإن نفدت ولم يستوف حقه، أخذ من
سيئات المقتول، فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على
القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله 18 في المظالم كلها (٣)، والقتل من أعظمها
وأشدها والله أعلم.
وأما ابن جرير فقال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله إني أريد أن تنصرف
بخطيئتك في قتلك إياي وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَّأَ بِثْمِى﴾ وأما معنى ﴿وَإِنْكَ﴾ فهو
إثمه يعني قتله وذلك معصية الله رحمك في أعمال سواه وإنما قلنا ذلك هو الصواب لإجماع أهل
التأويل عليه وأن الله ومت أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في
خلقه فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذاً بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم
وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله (٤)، هذا لفظه، ثم أورد على هذا سؤالاً
حاصله كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه مع أن قتله له محرم؟
وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف عنه يده طالباً
إن وقع قتل أن يكون من أخيه لا منه، قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجراً له
لو انزجر، ولهذا قال: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثَِّى وَإِنْكَ﴾ أي: تتحمل إثمي وإثمك ﴿فَتَكُونَ مِنْ
أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَُّؤْاْ الظَّلِينَ﴾ .
وقال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر (٥) .
وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾ أي: فحسنت
وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله؛ أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر.
وقد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين أنه قتله بحديدة في يده (٦).
(١) أشار الحافظ أنه لا أصل له، وقال أيضاً معناه صحيح (ينظر المقاصد الحسنة ص ٣٦٤).
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح١٥٤٥)، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي ◌َّر إلا من هذا
الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب، وضعفه الحافظ ابن كثير فقال: ((لا يصح)).
(٣) ينظر: صحيح مسلم حديث ((أتدرون من المفلس؟))، كتاب البر، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٨١).
(٤) تفسير الطبري ٢١٦/١٠ - ٢١٧.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس به مطولاً .
(٦) تقدم بيان ضعفه قبل بضع صفحات.

٣٧٦
• سُوَرَّةُ المَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود،
وعن ناس من أصحاب النبي ◌َّر، فطوعت له نفسه قتل أخيه، فطلبه ليقتله، فراغ الغلام منه في
رؤوس الجبال، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه
فمات فتركه بالعراء(١)، رواه ابن جرير. وعن بعض أهل الكتاب أنه قتله خنقاً وعضاً كما تقتل
السباع. وقال ابن جريج: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها
على حجر، ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل
ذلك(٢)، رواه ابن أبي حاتم.
وقال عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله
فاضطجع له وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟
قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه،
ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء
يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت،
فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرتين فلم
تكلمه، فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وابنيّ منها برآء(٣)، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ وأي خسارة أعظم من هذه؟
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة،
عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على
ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل» (٤). وقد أخرجه الجماعة سوى أبي
داود من طرق عن الأعمش به(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال
مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذٍ إلى يوم القيامة ووجهه في
الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج.
قال: وقال عبد الله بن عمرو: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب
عليه شطر عذابهم(٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم أنه
(١) تقدم بيان ضعفه قبل بضع صفحات.
(٢) هذه الرواية من الإسرائيليات التي اشتهر بها ابن جريج.
(٣) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٣/١)، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم ح٣٣٣٥)، ومسلم (الصحيح، القسامة، باب
بيان اثم من سنّ القتل ح١٦٧٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لثلاث علل: الأولى: الحسين هو ابن داود المُلقّب بسُنيد
ضعيف، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، ومجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو.

٣٧٧
سُورَةُ المَائِدَةِ (٢٧، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدث عن عبد الله بن عمرو أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلاً ابن آدم الذي قتل أخاه، ما
سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر، وذلك أنه أول من سن
القتل (١)
وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفل
منه (٢)، ورواه ابن جرير أيضاً.
وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَتَ
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىِّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ ﴾﴾﴾ قال السدي بإسناده
المتقدم إلى الصحابة رضيه: لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين
أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حتى عليه، فلما رآه قال: ﴿يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ
أَكُنَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب إلى غراب ميت، فحتى عليه من
التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَوَيَلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةً
أَخِىٌ﴾ (٤).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة حتى بعث الله
الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ﴾ فدفن أخاه(٥).
وقال [ليث](٦) بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتاً لا يدري ما
يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ
أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ (٧) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال عطية العوفي: لما قتله ندم فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر
متی یرمي به فتأكله، رواه ابن جرير (٨).
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي ولم
يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل في بني آدم، وأول ميت ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا
يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغَرَبِ فَأُوَرِىَ
(٣)). قال: وزعم أهل التوراة أن قابيل لما قتل أخاه هابيل، قال
سَوْءَةً أَخِّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لثلاث علل: الأولى: ابن حميد هو محمد بن حميد الرازي:
ضعيف، ومحمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع، وحكيم لم يسمع من عبد الله بن عمرو.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع: ضعيف ويشهد له الحديث السابق والمتفق عليه.
(٣) أخرجه الطبري وتقدم بيان ضعفه بخلط السدي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك، لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((ليس)).
(٧) أخرجه الطبري من طريق ليث به وليث فيه مقال.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية به.

٣٧٨
سُوَدَّةُ المَائِدَة (٢٧، ٣١)
000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
له الله رم: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه رقيباً، فقال الله: إن صوت
دم أخيك ليناديني من الأرض الآن، أنت ملعون في الأرض التي فتحت فاها فتلقت دم أخيك من
يدك، فإن أنت عملت في الأرض فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعاً تائهاً في
الأرض(١).
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران، فهذه أقوال
المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن،
وكما نطق به الحديث في قوله: ((إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن
القتل)»(٢) .
وهذا ظاهر جلي، ولكن قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو،
عن الحسن هو البصري، قال: كان الرجلان اللذان في القرآن اللذان قال الله: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ
أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِ﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من بني إسرائيل
وكان آدم أول من مات(٣)، وهذا غريب جداً، وفي إسناده نظر.
وقد قال عبد الرزاق: عن معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن ابني آدم
إلَلد
ضربا لهذه الأمة مثلاً، فخذوا بالخير منهما))(٤). ورواه ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن
الحسن، قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً، فخذوا من خيرهم ودعوا
شرهم)(٥)، وكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني(٦)، روی ذلك کله ابن جرير.
وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل ابن آدم أخاه مكث آدم مائة سنة حزيناً لا يضحك، ثم أتى
فقيل له: حياك الله وبياك؛ أي: أضحكك(٧)، رواه ابن جرير، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا
سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني قال: قال علي بن أبي طالب لما قتل
ابن آدم أخاه بكاه آدم فقال:
فلونُ الأرض مغبر قبيح
تغيَّرت البلاد ومَن عليها
تغير كل ذي لون وطعم
وقلّ بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم عليه الصلاة والسلام:
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق وسنده ضعيف ومتنه من
الإسرائيليات الصريحة المنقولة من أهل التوراة.
(٢) تقدم تخريجه في الصحيحين قبل بضع صفحات.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وضعف عمر وهو ابن عبيد، ومتنه
يخالف الحديث الصحيح السابق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به وسنده مرسل أيضاً.
(٦) أخرجه الطبري من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن بكر به وسنده مرسل أيضاً.
(٧) أخرجه الطبري من طريق حسام بن المِصَك عن عمار الدهني عن سالم به، وسنده ضعيف لضعف حسام بل
كاد أن يترك (التقريب ص١٥٧).

٣٧٩
• سُؤَدَُّ المَائِدَة (٣٢، ٣٤)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وصار الحي بالميت الذبيح
أبا هابيل قد قتلا جميعاً
على خوف فجاء بها يصيح(١)
وجاء بشرَّةٍ قد كان منها
والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد وابن جبير أنه علقت ساقه بفخذه إلى
يوم القيامة، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلاً به(٢)، وقد ورد في
الحديث أن النبي ◌َّ ر قال: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر
لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)) وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا الله وإنا
إليه راجعون.
42 ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَهِيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى
اُلْأَرْضِ فَكَأَنََّا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً وَلَقَدْ جَاءَتُهُمْ رُسُلُنَا
بِاَلْبَِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى اُلْأَرْضِ لَّمُسْرِفُونَ ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ
وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ
يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِ اَلْلَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَتِهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلماً وعدواناً ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ أي: شرعنا
لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنََّا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ
أَحْيَاهَا فَكَأَنََّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ أي: من قتل نفساً بغير سبب من قصاص أو فساد في
الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس جميعاً، لأنه لا فرق عنده بين
نفس ونفس، ومن أحياها؛ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا
الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّا أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ .
[وقال الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار
فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين، فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل
الناس جميعاً وإياي معهم؟ قلت: لا، قال: فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس
جميعاً فانصرف مأذوناً لك مأجوراً غير مأزور، قال: فانصرفت ولم أقاتل](٣)(٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو موضوع على علي بن أبي طالب، وضعه غياث بن إبراهيم قال عنه ابن
معين كذاب خبيث واتهمه كثير من النقاد بالوضع (لسان الميزان ٤٢٢/٤)، ومن أين الشعر لآدم عليها؟!
(٢) لا يعتمد على هذه الإسرائيلية العجيبة الغريبة.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٤) أخرجه ابن سعد عن أبي معاوية الضرير عن الأعمش به (الطبقات الكبرى ٥١/٣)، وكذا خليفة بن خياط
(الطبقات ص١٢٩)، ولا تضر عنعنة الأعمش لأنه توبع بواسطة عثمان بن حكيم الأنصاري عن أبي صالح
ذكوان به، فقد أخرجه الدينوري من طريق عثمان به (المجالسة ٢/ ١٦٠ ح١٨٣)، وكذا ابن عساكر (تاريخ
دمشق ٣٩/ ٣٩٧)، وسنده صحيح.

٣٨٠
سُورَةُ المَائِدَة (٣٢، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾
وإحياؤها ألا يقتل نفساً حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعاً يعني أنه من حرم قتلها إلا
بحق حيي الناس منه(١)، وهكذا قال مجاهد: ومن أحياها؛ أي: كف عن قتلها(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، يقول: من قتل نفساً
واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعاً، وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم
فكأنما استحل دماء الناس جميعاً، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم [دماء](٣) الناس جميعاً، هذا
قول وهو الأظهر.
وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبياً أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعاً،
ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعاً (٤)، رواه ابن جرير. وقال مجاهد
في رواية أخرى عنه: من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً(٥)، وذلك لأن من قتل
النفس فله النار فهو كما لو قتل الناس كلهم.
قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل
النفس المؤمنة متعمداً، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً،
يقول: لو قتل الناس جميعاً لم يزد على مثل ذلك العذاب(٦)، قال ابن جريج: قال مجاهد:
﴿وَمَنْ أَخْيَاهَا فَكَأَنََّآَ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ قال: من لم يقتل أحداً فقد حبي الناس منه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفساً فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه
القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ومن أحياها أي عفا عن قاتل وليِّه فكأنما أحيا الناس
جمیعاً، وحکی ذلك عن أبيه(٧)، رواه ابن جرير.
وقال مجاهد في رواية: ومن أحياها؛ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة(٨).
وقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا﴾، هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها(٩).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حسين واقد عن عكرمة به، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
العوفي به، ويتقوی بسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن المبارك عن ابن جريج به وفي آخره بلفظ: ((فقد استراح الناس
منه)) .
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن.
(٨) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٩) قول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوى بعضها بعضاً عن الحسن، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق عن
معمر عنه، وسنده صحيح.