Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
سُورَةُ الْنَشَاءِ (٩٢، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب
عليه إطعام ستين مسكيناً كما في كفارة الظهار؟ على قولين:
أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا، لأن هذا مقام
تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص.
والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجباً لما أخر بيانه عن وقت الحاجة
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.
ثم لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا (1) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون
بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَأَلَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ اَلَِّى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:
٦٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَيْكُمَّ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْخُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا
بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل
كثيرة جداً، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وقلت :
((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) (١)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو
داود من رواية [عمرو] (٢) بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت، قال: قال
رسول الله : ((لا يزال المؤمن [معنقاً](٣) صالحاً ما لم يصب دماً حرماً، فإذا أصاب دماً
حراماً بلَّح(٤))(٥).
وفي حديث آخر: ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)) (٦)، وفي الحديث الآخر:
(لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار))(٧).
(١) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (ح٦٥٢٣)، وصحيح مسلم، القسامة، باب المجازاة
بالدماء في الآخرة (ح ١٦٧٨).
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتقريب، وفي الأصل: ((عمر)) وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حمٍ) و(مح) والنهاية لابن الأثير، وفي الأصل: ((شفيعاً)) وهو تصحيف، ومعنى معنقاً: مسرعاً في
طاعته منبسطاً في عمله (النهاية ٣١٠/٣).
(٤) هذا الحديث هو في سنن أبي داود كما قال الحافظ ابن كثير ولكنه أغفل من النسخة المطبوعة التي بين
أيدينا، وقد صرح بذلك المزي بعد أن ذكر الحديث بطريقه ولفظة (تحفة الإشراف ٢٥٦/٤ ح ٥١٠٥)، وفي
سنده خالد بن دهقان: مقبول (التقريب ص١٨٧).
(٥) بلحّ الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك (النهاية ١٥١/١).
(٦) أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (السنن، الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن
ح ١٣٩٥)، وحسنه المنذري (الترغيب ٢٠٢/٣)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢٦١/٢)،
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح١١٢٦).
(٧) صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥٨/٥ (ح٥١٢٣).

١٨٢
• سُوَرَّةُ الْنِسَاءِ (٩٢، ٩٣)
وفي الحديث الآخر: ((ومن أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين
عينيه: آيس من رحمة الله))(١) .
وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً، وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا
شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت
إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ
جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيءٍ (٢). وكذا رواه هو أيضاً ومسلم والنسائي من طرق
عن شعبة به(٣). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن
مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: ما نسخها شيءٍ(٤).
وقال ابن جرير: حدثنا بن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال:
قال عبد الرحمن بن أبزى سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾
الآية، قال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِىِ حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٣)﴾ [الفرقان] قال:
نزلت في أهل الشرك (٥) .
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير أو
حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمناً
متعمداً، فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم(٦).
حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد،
قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في
رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ
عَذَابًا عَظِيمًا﴾، قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه وأنى
له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم وَ له يقول: «ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً
جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله
وبيده الأخرى رأسه))، يقول: ((يا رب، سل هذا فيمَ قتلني)) وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد
(١) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً (السنن، الديات، باب التغليط في قتل مسلم ظلماً
ح ٢٦٢٠)، وسنده ضعيف جداً بسبب يزيد بن زياد الدمشقي متروك (التقريب ص٦٠١).
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾ [النساء: ٩٣]
(ح ٠ ٤٥٩).
(٣) صحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠٢٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم (ح ٨٥١٧).
(٤) سنن أبي داود، الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (ح٤٢٧٥)، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وبالإسناد نفسه أخرجه مسلم (الصحيح، التفسير ح ١٨/٣٠٢٣).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد توبع فأخرجه
البخاري من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير به (الصحيح، مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي ◌َل
وأصحابه من المشرکین بمكة ح٣٨٥٥).

١٨٣
سُورَةُ النَّاءِ (٩٢، ٩٣)
·
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم وَ ◌ّل، وما نزل بعدها من برهان (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن
سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس أن رجلاً أتى إليه فقال: أرأيت رجلاً قتل رجلاً عمداً؟
فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها، الآية، قال: لقد نزلت من آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى
قبض رسول الله وَّر، وما نزل وحي بعد رسول الله وَ لقوله قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً
ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: («ثكلته أمه رجل قتل رجلاً
متعمداً يجئ يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره - أو آخذاً رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب
أوداجه دماً من قبل العرش، يقول: يا رب، سل عبدك فيمَ قتلني(٢)؟))، وقد رواه النسائي عن
قتيبة وابن ماجه، عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني ويحيى الجابر
وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس ... فذكره (٣)، وقد روي هذا عن ابن
عباس من طرق كثيرة وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة
وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم
نقله ابن أبي حاتم(٤).
وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره؛ حدثنا
دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح)، وحدثنا عبد الله بن جعفر،
وحدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن
الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود عن النبي وسلم قال: ((يجئ المقتول
متعلقاً بقاتله يوم القيامة آخذاً رأسه بيده الأخرى فيقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني؟ قال: فيقول:
قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقاً بقاتله فيقول: رب سل هذا فيمَ
قتلني. قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار
سبعين خريفاً)) وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر [العروقي](6)، عن عمرو بن عاصم، عن
معتمر بن سليمان به(٦) .
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون،
عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية وبه يقول: سمعت النبي وَل﴿ يقول: ((كل ذنب عسى الله
أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً)) وكذا رواه النسائي عن محمد بن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن عبد الله الجابر لين الحديث (التقريب ص٥٩٢)، وقد توبع
كما سيأتي في الروايات اللاحقة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٤٣٠٣)، وصححه محققه وغيره كما سيأتي.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (٣٠٢٩)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٥،
وسنن ابن ماجه (ح٢٦٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٢٥).
(٤) ذكرهم جميعاً ابن أبي حاتم بحذف السند وقد خرجتها هناك.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتقريب وفي الأصل: ((العدولي)) وهو تصحيف.
(٦) سنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي
(ح ٣٧٣٢).

١٨٤
• سُورَةُ النِّسْتَّاء (٩٢، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المثنى، عن صفوان بن عيسى به(١).
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر،
حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا، قال: سمعت أم الدرداء
تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله وَّيه يقول: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا
من مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً)) وهذا غريب جداً من هذا الوجه، والمحفوظ حديث
معاوية المتقدم، فالله أعلم، ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد:
حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ◌ِّ قال:
((من قتل مؤمناً متعمداً فقد كفر بالله (ب))(٢) وهذا حديث [منكر](٣) أيضاً، وإسناده مظلم جداً،
قال الإمام أحمد: حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد، قال: أتاني أبو العالية
أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما فأنتما أشب سناً مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى
بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك، فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي
قال: بعث رسول الله * سرية فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل فاتبعه رجل من السرية
شاهراً سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، قال: فضربه فقتله، فنمي
الحديث إلى رسول الله وَله، فقال فيه قولاً شديداً، فبلغ القاتل، فبينما رسول الله وَله يخطب إذ
قال القاتل: والله ما قال الذي قال: إلا تعوذاً من القتل، قال: فأعرض رسول الله وَّ ل عنه وعمن
قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم قال أيضاً: يا رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذاً من
القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر حتى قال الثالثة: والله يا
رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذاً من القتل، فأقبل عليه رسول الله وهي تعرف المساءة في
وجهه، فقال: ((إن الله أبى على من قتل مؤمناً ثلاثاً)) (٤)، ورواه النسائي من حديث سليمان بن
المغيرة(٥) .
والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله رمك، فإن
تاب وأناب، وخشع وخضع وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من
ظلامته وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٣)﴾ إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/٤)، وأخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن،
تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح٣٧١٩).
(٢) هاتان الروايتان ضعفهما الحافظ ابن كثير، ومنهما يؤيد الخوارج في تكفير القاتل، وضعفها أيضاً ابن عدي
في الكامل (١٠٥٩/٣).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: ((مثله)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٨٨/٥ - ٢٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن المغيرة به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٨/١ - ١٩)، وأخرجه الضياء المقدسي من حديث أنس مقتصراً على
آخره وصححه محققه (المختارة ١٦٣/٦ ح٢١٦٤)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير ٧١/١، وصححه
الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٦٨٩).
(٥) السنن الكبرى (ح ٨٥٩٣).

١٨٥
سُورَةُ الْنَشَاءِ (٩٢، ٩٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلَا صَالِحًا فَأُوْلَيْكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَنتُّ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
٧٠
[الفرقان]، وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين
خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
﴾ [الزمر]، وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك
٥٣)
جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب؛ أي: من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهذه الآية عامة في جميع
الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء،
والله أعلم.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالماً: هل لي من توبة؟
فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في
الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة(١) كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون
في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي
كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ) الآية، فقد قال أبو
هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعاً من طريق
محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنزي، عن حجاج الأسود، عن محمد بن
سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً (٢)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي
عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول
ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد،
والله أعلم بالصواب.
وبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على
قول الجمهور حيث لا عمل له صالحاً ينجو به فليس بمخلد فيها أبداً، بل الخلود هو المكث
الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله وسلم: ((أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى
مثقال ذرة من إيمان))(٣)، وأما حديث معاوية: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت
كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً))(٤) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا
(١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء باب (رقم ٥٤ ح ٣٤٧٠) وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن
كثر قتله (ح٢٧٦٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن جامع عن العلاء بن ميمون العنزي به وسنده ضعيف لأن العلاء
تفرد بهذا الحديث ولا يعرف إلا به (ميزان الاعتدال ١٠٥/٣) ومحمد بن جامع ليس بصدوق (الجرح
والتعديل ٢٢٣/٧).
(٣) متفق عليه صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَذٍ نَاضِرَةُ (19) ... ﴾ [القيامة]
(ح٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢).
(٤) تقدم في تفسير آية ٤٨ سورة النساء الحديث الثالث.

١٨٦
• سُوَرَّةُ النِّسَاءِ (٩٢، ٩٣)
تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافراً فالنص أن الله
لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا
تسقط بالتوبة، ولكن لا بدّ من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه
والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بدّ
من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بدّ من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من
وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها،
ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة
ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم.
ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول
عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُثِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ
مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثاً،
ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو مقرر في كتاب الأحكام.
واختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام؟ على
أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين:
فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم، يجب عليه، لأنه إذا وجبت عليه الكفارة
في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتضدوا
بقضاء الصلاة المتروكة عمداً كما أجمعوا على ذلك في الخطأ .
وقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا
اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمداً، فإنهم
يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمداً، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد
بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن
إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النبي وَّ نفر من
بني سليم فقالوا: إن صاحباً لنا قد أوجب، قال: ((فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضواً
منه من النار))(١) .
وقال أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن
الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له: حدثنا حديثاً سمعته من
رسول الله ◌َ، قال: أتينا رسول الله وَ ﴿ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله
بكل عضو منه عضواً منه من النار))(٢).
وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود عن الغريف
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٧/٤)، وفي سنده الغريف الديلمي مقبول كما في التقريب،
وضعفه الألباني (إرواء الغليل ٣٣٩/٧ ح ٣٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق الغريف به وصححه وسكت
عنه الذهبي (المستدرك ٢١٢/٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده (المسند ٤٩١/٣)، وفيه أيضاً الغريف.

١٨٧
• سُوْدَّةِ النِّسَاءِ (٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب
فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثاً سمعته من
رسول الله وَ﴾ قال: أتينا رسول الله و ﴿ في صاحب لنا قد أوجب، يعني: النار بالقتل، فقال:
((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار))(١).
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ
فَمَنَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٣)﴾ .
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا: حدثنا
إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب
النبي وَل﴿ يرعى غنماً له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه،
وأتوا بغنمه النبي وَ ﴿، فنزلت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ... ﴾ إلى آخرها(٢)، ورواه
الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن إسرائيل به، ثم قال:
هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أسامة بن زيد (٣)، ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن
موسى عن إسرائيل به، ثم قال: صحيح الإسناد، ولن يخرجاه (٤)، ورواه ابن جرير من حديث
عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل به(٥)، وقال في بعض كتبه غير
التفسير(٦) - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط -: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب
أن يكون على مذهب الآخرين سقيماً لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا
الوجه، ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم
مختلف فيه فقال بعضهم: نزلت في محلّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير
ذلك.
قلت: وهذا كلام غريب وهو مردود من وجوه: أحدها: أنه ثابت عن سماك حدث به عنه غير
واحد من الأئمة الكبار، الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح، الثالث: أنه مروي من غير
هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن
عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾
قال: قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (سنن أبي داود، العتق، باب في ثواب العتق ح٣٩٦٤)، والسنن الكبرى
للنسائي (ح ٤٨٩٢)، وفيه أيضاً الغريف الديلمي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٢٣ و٢٤٦٢)، وفي سنده سماك وهو ابن حرب وفي روايته عن
عكرمة اضطراب لكنه روي من طريق آخر كما سيأتي في رواية البخاري، فسنده صحيح.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (ح ٣٠٣٠). (٤) المستدرك ٢٣٥/٢.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكمه كسابقه.
(٦) لعله في تهذيب الآثار لأن منهجه مطابقٌ لمنهج هذا النص.

١٨٨
سُورَةُ النِّسَّْاءِ (٩٤)
وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن
عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس: ﴿السَّلَمَ﴾(١).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن
عباس، قال: لحق المسلمون رجلاً في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته،
فنزلت ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾(٢). وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم
من طريق سفيان بن عيينة به، [(وقد ذكرت في المسند في ترجمة جزء من الحدرجان عه)(٣) أن
أخاه فزاراً، هاجر إلى رسول الله وَ *، عن أمر أبيه بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية
لرسول الله وير، في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، قال جزء:
فقدمت على رسول الله ولو، فأعطاني ألف دينار دية أخي وأمر لي بمائة ناقة حمراء فنزل قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ الآية](٤)(٥).
وأما قصة [محلّم](٦) بن جثامة، فقال الإمام أحمد تَُّ: حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن
محمد بن إسحاق، حدثنا يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد نظر اته،
قال: بعثنا رسول الله وَّلهول إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن
ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط
الأشجعي على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه،
وحمل عليه [محلّم](٧) بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على
رسول الله ◌َ﴿ وأخبرناه الخبر نزل فينا ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿خَبِيرًا﴾(٨) تفرد به أحمد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: بعث رسول الله وَ﴿ محلم بن جثامة مبعثاً، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام،
وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله وَّر، فتكلم
فيه عيينة والأقرع: فقال الأقرع، يا رسول الله، سر اليوم وغر غداً، فقال عيينة: لا والله حتى
تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله وَلا قه
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
◌َسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ح ٤٥٩١).
(٢) وهو سبب نزول صحيح كما تقدم في صحيح البخاري. وهو في سنن سعيد بن منصور (٤/ ١٣٥٠) رقم
(٦٧٧).
(٣) ما بين قوسين لا يوجد في الطبعات وهو في نسخة (مح). وقوله: وقد ذكرت في المسند ... هو في جامع
المسانيد ١٨٢/٢ (ح١٨٣٣)، وجزء هذا له ترجمة: أسد الغابة ٣٣٥/١، وفي الإصابة ٢٣٣/١.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(حم) واستدرك من (مح) وجامع المسانيد لابن كثير.
(٥) أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن جزء الحدرجان عن أبيه به (جامع المسانيد ١٨٢/٢ ح١٨٣٣)،
قال الحافظ ابن حجر: هذا إسناد مجهول (الإصابة ٢٣٣/١).
(٦)(٧) كذا في (حم) و(مح) والمسند وفي الأصل: ((محكم)).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/٦) وسنده حسن وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧).

١٨٩
• سُورَةُ النَّسَاءِ (٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليستغفر له، فقال رسول الله وَيقول: ((لا غفر الله لك))، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له
سابعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي عليه فذكروا ذلك له، فقال: ((إن
الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم)) ثم طرحوه بين صدفي جبل
وألقوا عليه الحجارة فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ ... ﴾ الآية(١).
وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَ له
للمقداد: ((إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة
من قبل)) هكذا ذكره البخاري معلقاً مختصراً (٢).
وقد روي مطولاً موصولاً، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حمدان(٣) بن علي البغدادي،
حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي بن مقدم، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله و 8* سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم
وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه
المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرن ذلك
للنبي وَ لجر، فلما قدموا على رسول الله وَ ل﴿ قالوا: يا رسول الله، إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله،
فقتله المقداد، فقال: ((ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك
بلا إله إلا الله غداً؟)) قال: فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ
لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنشَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَنُواْ﴾، فقال رسول الله وَّ للمقداد: ((كان رجل
مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل)» (٤).
وقوله: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِهُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم
على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة
والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَرَبَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال
كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفاً، وكما قال تعالى:
﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾
[الأنفال: ٢٦]، وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن
جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم ◌ِّن قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين(٥). ورواه عبد الرزاق
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وعنعنة ابن إسحاق.
(٢) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (ح٦٨٦٦).
(٣) حمدان كذا في النسخ الخطية وفي كشف الأستار (ح٢٢٠٢)، ومختصر زوائد مسند البزار (ح١٤٥٨)، باسم
أحمد وكلاهما صحيح لأن حمدان لقبه (التقريب ص٨٣).
(٤) مختصر زوائد مسند البزار (ح١٤٥٨)، وكشف الأستار (ح٢٢٠٢)، قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع
الزوائد ١١/٧ - ١٢)، ونقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.

١٩٠
سُورَةُ الْنِسَاءِ (٩٥، ٩٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن
قَبْلُ﴾: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا اختيار ابن جرير (١).
وقال ابن أبي حاتم، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿كَذَلِكَ
كُنْتُم ◌ِن قَبْلُ﴾ توزعون عن مثل هذا (٢). وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن
مسروق: لم تكونوا مؤمنينٍ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَنُواْ﴾. قال السدي: ﴿فَمَرَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾
أي: تاب عليكم فحلف أسامة لا يقتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من
رسول الله وَليه فيه(٣).
وقوله: ﴿فَبِيَّنُوا﴾ تأكيد لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن
جبير: هذا تهديد ووعيد.
﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ
اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا
عَظِيمًا (١٥) دَرَجَتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا
قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما
نزلت ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله رَّي زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا
ضرارته، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾(٤). حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ◌َِّ: ((ادع فلاناً))،
فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: ((اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله)) وخلف النبي ◌َّ﴿ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير،
فنزلت مكانها ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾(٥). قال البخاري
أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن
شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت
حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله وَ ل﴿ أملى علي ((لَا يَسْتَوِي
اَلْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله)) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا
رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله بص له، وكان
فخذه على فخذي فثقلت علي خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: ﴿غيّرُ أُوْلِ
الضَّرَرِ ﴾. تفرد به البخاري دون مسلم(٦) .
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده معلق لعدم التصريح باسم شيخه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، لكنه مرسل.
(٤) أخرجه البخاري بسنده، ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء باب ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... ﴾
[النساء: ٩٥] ح ٤٥٩٣).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٤).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٥٩٢).

١٩١
• سُوَّرَّةُ النِّسَاءِ (٩٥، ٩٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد عن زيد فقال: حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب
النبي ﴿ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة، قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، قال
زيد: فلا والله ما وجدت شيئاً قط أثقل من فخذ رسول اللهمَ # ثم سري عنه، فقال: ((اكتب يا
زيد))، فأخذت كتفاً، فقال: ((اكتب ((لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله))
الآية كلها إلى قوله: ﴿أَجْرًّا عَظِيمًا﴾)) فكتب ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان
رجلاً أعمى، فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع
الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فوالله ما قضى كلامه - أو ما هو إلا أن قضى
كلامه - حتى غشيت النبي والقر السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت
في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: ((اقرأ)) فقرأت عليه ((لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَأَلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله))، فقال النبي ◌ََّّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ قال زيد: فألحقتها، فوالله كأني
أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف (١). ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه (٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر أنبأ الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال:
كنت أكتب لرسول الله ﴿ ﴿ فقال: ((اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي
سَبِيلِ الله)) فجاء عبد الله بن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله
ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله وسلم على
فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه، ثم قال: ((اكتب ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾))(٣). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري -، أن
مقسماً مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن
بدر والخارجون إلى بدر، انفرد به البخاري دون مسلم (٤). وقد رواه الترمذي من طريق حجاج،
عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن
أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ
أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر،
دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي
٩٥
﴿ وَفَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى اُلْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٠/٥)، وصححه الألباني كما سيأتي.
(٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٧)، وقال الألباني: حسن صحيح
(صحيح سنن أبي داود ح٢١٨٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (صحيح
البخاري، الباب السابق ح٤٥٩٥).

١٩٢
• سُوَّةُ الْنِسَاءِ (٩٥، ٩٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه(١). فقوله:
﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقاً، فلما نزل بوحي سريع ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، صار ذلك
مخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم
للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدین،
قال ابن عباس: ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾(٢)، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من
طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله وسلم قال: ((إن بالمدينة أقواماً ما
سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه))، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال:
(نعم حبسهم العذر)) (٣)، وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به،
وعلقه البخاري مجزوماً، ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن
مالك، عن أبيه، عن النبي وَ ل﴿ قال: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من
نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه»، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال:
((نعم حبسهم العذر)) لفظ أبي داود(٤)، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
سرتم جُسوماً وسرنا نحن أرواحا
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد
ومن أقام على عذر فقد راحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر
وقوله: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس
بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من
الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات،
إحساناً منه وتكريماً، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٨)﴾
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وسلم قال: ((إن في الجنة مائة
درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض))(٥).
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال
رسول الله وَله: ((من رمى بسهم فله أجره درجة)) فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال:
((أما إنها ليست بعتبة أُمك، ما بين الدرجتين مائة عام)) (٦).
(١) سنن الترمذي، تفسير القرآن سورة النساء (ح ٣٠٣٢).
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة وأخشى وقوع سقط التفسير وهو قوله: ((أهل العذر)) كما رواه الطبري
وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن العدو (ح٢٨٣٨).
(٤) أخرجه البخاري معلقاً بالجزم عقب الحديث السابق، ووصله الإمام أحمد (المسند ٣/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن،
الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر (ح٢٥٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢١٨٩).
(٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح ٢٧٩٠)،
وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (الصحيح، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد ح ١٨٨٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي عوانة بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر
(الإصابة ٣٢٤/٦).

١٩٣
سُورَةُ الْنِسَخَّاء (٩٧، ١٠٠)
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمَّ
تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْنِسَآءِ
· فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمَّ وَكَانَ اللَّهُ عَفْوًّا غَفُورًا
وَاُلْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
(٩٩
﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ اُلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَّةٌ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ
وَرَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ اٌلْوِّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن
عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى
ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال: أخبرني ابن عباس أن ناساً من المسلمين
كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله صل*، يأتي السهم يرمى به فيصيب
أحدهم، فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾، رواه
الليث عن أبي الأسود (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور [الرمادي](٢)، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري -،
حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان
قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب
بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم،
فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ ... ﴾ إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى
من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم
(الفتنه)(٣)، فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨](٤).
قال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة منهم: علي بن
أمية بن خلف وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو العاص بن [منبّه](6) بن الحجاج والحارث بن
ـة (٦).
زمعة(٠
قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله وَية بمكة وخرجوا مع
المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية (٧) الكريمة عامة في كل من أقام بين
ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب
حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ... ﴾
[النساء: ٩٧] ح ٤٥٩٦).
(٢) ((الرمادي)) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((الرفادي)) وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((البقيه)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: و(مح) ((منصور)) وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومنته، وسنده حسن لكنه مرسل.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه معضل لأن الضحاك تابع تابعي.

١٩٤
سُورَةُ النِّسَاءِ (٩٧، ١٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أي: بترك الهجرة ﴿قَالُواْ فِيَمَ كُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى
الْأَرْضِّ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قَالُواْ أَلَمَّ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
وَسِعَةٌ ... ) الآية.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن
موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه
سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد، قال رسول الله ويليقول: ((من جامع المشرك
وسکن معه فإنه مثله))(١).
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله ◌َ و للعباس: ((افد نفسك وابن
أخيك)) فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: ((يا عباس، إنكم
خاصمتم فخصمتم))، ثم تلا عليه هذه الآية ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَّا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنٌَّ
وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾، رواه ابن أبي حاتم(٢).
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (®)﴾ هذا عذر
من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على الخلاص(٣) من أيدي المشركين، ولو
قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ .
قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقاً (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، عسى
من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة،
قال: بينا رسول الله ولم يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد:
((اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم
أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني
يوسف))(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثني عبد الوارث، حدثنا
علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّ﴿و رفع يده بعدما سلم وهو
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك ح ٢٧٨٧)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.
(٣) كذا في الأصل: وفي (حم) و(مح): ((التخلص)) وكلاهما مستقيم المعنى.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم
بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط
عنه .
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُوْلَّيْكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمَّ ... ﴾
[النساء: ٩٩] ح ٤٥٩٨).

١٩٥
سُورَةُ النَّسَاءِ (٩٧، ١٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مستقبل القبلة، فقال: ((اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام،
وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً من أيدي الكفار)).
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله
أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة أن رسول الله وَسير كان يدعو في دبر صلاة الظهر:
((اللهم خلّص الوليد، [وسلمة ](١) بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي
المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً))(٢)، ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من
غير هذا الوجه كما تقدم.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول:
كنت أنا وأُمي من المستضعفين من النساء والولدان(٣).
وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن
ابن عباس ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله بهمن (٤).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَمَةٌ﴾ هذا تحريض على الهجرة
وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه،
والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغماً ومراغمة، قال النابغة بن جعدة:
كطور(٥) يُلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهرب(٦)
وقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض(٧). وكذا روي عن الضحاك والربيع بن
أنس والثوري(٨) .
وقال مجاهد: ﴿مُرَغَمَا كِرً﴾ يعني: متزحزحاً عما يكره(٩).
وقال سفيان بن عيينة: مراغماً كثيراً؛ يعني: بروجاً (١٠).
والظاهر - والله أعلم - أنه المنع الذي يُتحصّن به ويراغم به الأعداء.
قوله: ﴿وَسَعَةٌ﴾ يعني: الرزق، قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِ اُلْأَرْضِ
مُرَغَمَا كَثِرًا وَسَعَةٌ﴾؛ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى(١١).
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: (سليم))، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف إلا أنه توبع كما تقدم
في رواية البخاري فسنده حسن لغيره.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٧). ويشهد له لا حقه.
(٦) شعر النابغة الجعدي ص٣٣.
(٥) الطود: الجبل العظيم.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأسند الطبري قول الضحاك والربيع بأسانيد يقوي بعضها بعضاً وتتقوى
برواية ابن عباس.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طرق نافع عن ابن عيينة، وفي سنده خباب ذكره أبي حاتم وسكت عنه (الجرح
والتعديل ٣٩٥/٣).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.

١٩٦
• سُوَرَّةِ النِّسَاءِ (٩٧، ١٠٠)
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكَهُ الْوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى الَّهُ﴾ أي: ومن
يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما
ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري
عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال
رسول الله وَل: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله
ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته
إلى ما هاجر إليه))(١) .
وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل
الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالماً: هل له من توبة؟ فقال
له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه.
فلما ارتحل من بلده مهاجراً إلى البلد الآخر أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه
ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائباً، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد،
فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من
هذه، وهذه أن تبتعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة(٢).
وفي رواية: أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها .
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم،
عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله صل* يقول:
((من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله))، ثم قال: بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة
والإبهام فجمعهن، وقال: ((وأين المجاهدون في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره
على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله
- يعني: بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله الخر -
ومن قتل قعصاً فقد استوجب المآب))(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة
[الحزامي](٤)، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في
الطريق فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى الَّهُّ وَكَانَ
(١) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله وَّر؟ (ح ٥٤)، وصحيح مسلم،
الإمارة، باب قوله وَلهو: ((إنما الأعمال بالنيات)) (ح١٩٠٧).
(٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٩٣ من هذه السورة المباركة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٣٤٠ ح١٦٤١٤)، وضعفه محققوه بسبب وعنعنة ابن إسحاق،
ومحمد بن إبراهيم لم يوثقه سوى ابن حبان. ومعنى: استوجب المآب: أي الآخرة أي مات شهيداً
فاستحق لذلك الدار الآخرة. قاله السندي في حاشية المسند.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((الخزاعي)) وهو تصحيف.

١٩٧
سُورَةُ النِّسَاءِ (٩٧، ١٠٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء
حزن وفاته حين بلغتني، لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي
رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره(١). وهذا الأثر غريب
جداً، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره
وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان،
حدثنا [عبد الرحمن بن سليمان، حدثنا أشعث ــ هو ابن سوار -، عن عكرمة، عن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة](٢) بن جندب إلى رسول الله صل ﴿ فمات في الطريق قبل
أن يصل إلى رسول الله وَله، فنزلت ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَّتُ فَقَدْ وَقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اَللَّهُ ... ) الآية (٣)، وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم،
عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما
نزلت ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِيَ مِنَ الرِّجَالِ وَلِسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو
حيلة، فتجهز يريد النبي وَ﴿، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا
إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ أَلْوَّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾ (٤).
وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن عروبة البصري، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن
الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، حدثنا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو
مالك، قال: سمعت رسول الله و 18 يقول: ((إن الله قال: من انتدب خارجاً في سبيلي غازياً ابتغاء
وجهي، وتصديق وعدي، وإيماناً برسلي فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله
الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبداً فنغصه حتى يرده إلى أهله مع ما نال من
أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفضته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو
مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد)). وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى
آخره، وزاد بعد قوله: ((فهو شهيد، وإن له الجنة))(٥)](٦)(٧). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا
إبراهيم بن زياد سبَلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي ميمون(٨)،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه المنذر بن عبد الله الحزامي: مقبول، وعبد الرحمن بن
عبد الملك صدوق يخطئ كما في التقريب ولم يتابعا .
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف، وعبد الله بن سليمان بن أبي الجون
صدوق يخطئ وقد توبعا بواسطة عمرو بن دينار ومحمد بن شريك في رواية لابن أبي حاتم كما له شواهد تقوية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٦) المعجم الكبير (ح٣٤١٨)، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٧٨/٢).
(٧) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فيمن مات غازياً (ح٢٤٩٩). في إسناده ابن ثوبان فيه مقال.
(٨) حميد بن أبي ميمونة كذا في الأصل و(مح)، وفي (حم): ((حميد بن أبي حميد)) وفي مسند أبي يعلى:
((جميل بن أبي ميمونة)) (المسند ٢٣٨/١١ ح ٦٣٥٧).

١٩٨
• سُوَرَّةُ النِّسْتَّاءِ (١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من خرج حاجاً فمات،
كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم
القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة))(١). وهذا
حديث غريب من هذه الوجه.
2- ﴿وَإِذَا ضَرَيُّ فِ اٌلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرَّاً
إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا شُِينًا
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ
مِنكُ مَرَّْ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ... ﴾ الآية
[المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن
تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر
على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو
طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحكى عن مالك في
رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَغْيِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، ومن قائل: لا يشترط سفر
القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحاً، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي ◌َخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] أباح له تناول الميتة مع الاضطرار إلا بشرط أن لا يكون عاصياً بسفره،
وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل
فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين(٢)، وهذا
مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحاً أو محظوراً حتى لو خرج لقطع الطريق
وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الآية
وخالفه الجمهور.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال
نزول هذه الآية، فإن فى ابتداء الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا
ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق
إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ
أَرَدِّنَ تَحَصُّنَا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِسَآَبِكُمُ ... ) الآية
[النساء: ٢٣].
وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢٣٨/١١ ح ٦٣٥٧)، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،
وجميل بن أبي ميمونة ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٢١٦/٢)، وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (ح٧٤٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٤٤٧/٢)، ورجاله ثقات لكنه مرسل.

١٩٩
• سُورَةُ النِّسَاءِ (١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بابيه، عن يعلى بن أُمية، قالت: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ
نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر ظُه: عجبت مما
عجبت منه، فسألت رسول الله ( 18 عن ذلك، فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا
صدقته)(١). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
أبي عمار به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث
حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ورجاله معروفون (٢).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء،
قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله وَيَ(٣) .
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد: حدثنا
[منجاب](٤)، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، قال: سألت ابن عمر عن
ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردّوها(٥).
وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس،
قال: صلينا مع رسول الله وَير بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما ركعتين ركعتين(٦). وهكذا
رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به.
قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن
سيرين، عن ابن عباس رضي﴿ه، عن النبي ◌َّر مثله.
قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعاً عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن
محمد بن سيرين، عن ابن عباس أن النبي وَل* خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب
العالمین، فصلی رکعتین، ثم قال الترمذي: صحیح(٧).
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوراث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق، قال:
سمعت [أنساً] (٨) يقول: خرجنا مع رسول الله وَّل من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح١٧٤)، وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين (ح٦٨٦)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة
المسافر (ح١١٩٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح٣٠٣٤)، وسنن النسائي، بداية كتاب تقصير
الصلاة ١١٦/٣، وسنن ابن ماجه، الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٦١٩٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سحاب)) وهو تصحيف.
(٥) في سنده شريك صدوق سيء الحفظ، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٤٤٨/٢، وصححه الترمذي ثم الألباني كما سيأتي.
(٧) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح ٥٤٧)، وسنن النسائي، كتاب تقصر الصلاة
[الباب الأول] في السفر ١١٧/٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ١٣٥٧).
(٨) كذا في (حم) و(مح)، وصحيح البخاري، وفي الأصل: ((إنساناً)) وهو تصحيف.

٢٠٠
• سُؤْرَّةُ النَّسَاءِ (١٠١)
ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً (١).
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي به(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب
الخزاعي، قال: صليت مع النبي ◌َّر الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين(٣).
ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن ابن أبي إسحاق السبيعي عنه به، ولفظ البخاري:
حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب، قال: صلى بنا
رسول الله ﴿ آمن ما كان بمنى ركعتين (٤).
وقال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرني نافع، عن عبد الله - هو
ابن عمر -، قال: صليت مع رسول الله و8َ* ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان صدراً من إمارته،
ثم أتمها، وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به(٥).
وقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم: سمعت
عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان رُه بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك
لعبد الله بن مسعود ربه فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللّه ◌َّر بمنى ركعتين وصليت مع
أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات
ركعتان متقبلتان(٦). ورواه البخاري أيضاً من حديث الثوري عن الأعمش به وأخرجه مسلم من
طرق عنه منها عن قتيبة كما تقدم(٧).
فهذه الأحاديث دالة صريحاً على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف، ولهذا قال من قال
من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد
والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضاً بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان،
عن عروة بن الزبير، عن عائشة عنها أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر
والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الحضر(٨). وقد روى هذا الحديث البخاري
عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، كتاب تقصير الصلاة (ح ١٠٨١).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح٦٩٣)، وسنن أبي داود، الصلاة باب متى يتم المسافر؟ (ح ١٢٣٣)،
وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح٥٤٨)، وسنن النسائي، تقصير الصلاة في
السفر ١١٨/٣، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٧٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٦/٤)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح١٠٨٣).
(٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح١٠٨٢)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٩٤).
(٦) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٤).
(٧) صحيح البخاري، الحج، باب الصلاة بمنى (ح ١٦٥٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب قصر
الصلاة بمنى (ح٦٩٥).
(٨) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، قصر الصلاة في السفر ١٤٦/١ ح٨)، وسنده صحيح.