Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
• سُورَةُ الْشَخَّاءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الوجه، وقد روي عن مجاهد وعائشة وأبي هريرة عن النبي وَلٍ(١).
(والحديث الثالث): قال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا
شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
عن النبي ◌َّر أنه قال: ((خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم
لجاره))(٢) ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به،
وقال: حسن غريب(٣).
(الحديث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه،
عن [عباية](٤) بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا يشبع الرجل دون جاره))(٥)،
تفرد به أحمد.
(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن
غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود
يقول: قال رسول الله وَلفر لأصحابه: ((ما تقولون في الزنا؟)) قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام
إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ◌َ: ((لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة
جاره))، قال: ((ما تقولون في السرقة؟)) قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: ((لأن يسرق
الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره)) (٦) تفرد به أحمد، وله شاهد في
الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل الله
نداً وهو خلقك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)). قلت: ثم أي؟
قال: ((أن تزاني حليلة جارك))(٧).
(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا [يزيد، حدثنا هشام] (٨)، عن حفصة، عن أبي
العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي وَّر، فإذا به قائم ورجل
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٦٠/٢)، وأبو داود، السنن، الأدب، باب في حق الجوار (ح ٥١٥٢)،
الترمذي في السنن البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح١٩٤٣) وقال: حسن غريب من هذا
الوجه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٩١) ويشهد له الحديث السابق المتفق عليه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٧/٢) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح١١٥) من طريق
حيوة به، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٨٤)، وأخرجه الحاكم من طريق حيوة به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠١) وحسنه الترمذي كما سيأتي.
(٣) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح١٩٤٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((عناية)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤/١) وسنده ضعيف لأن عباية لم يسمع من عمر (مجمع الزوائد
١٦٧/٨).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/٦)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن
فضيل به (ح١٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٧٦)، وذكره الهيثمي وقال: رواه أحمد
والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات (المجمع ١٧١/٨).
(٧) تقدم في سورة البقرة آية ٢٢ و١٦٥.
(٨) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((يزيد بن هشام)) وهو تصحيف.

١٠٢
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[معه](١) مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله وَليل حتى جعلت
أرثي لرسول الله وَّلقر من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرجل
حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: ((ولقد رأيته؟)) قلت: نعم، قال: ((أتدري من هو؟)).
قلت: لا، قال: ((ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) ثم قال: ((أما إنك
لو سلمت عليه لردّ عليك السلام))(٢).
(الحديث السابع): قال [عبد] (٣) بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر
- يعني: المدني - عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله وَّر،
وجبريل ظلّا، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله، من
هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: ((وقد رأيته؟)) قال: نعم. قال: ((لقد رأيت خيراً كثيراً، هذا
جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه))(٤)، تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي
قبله .
(الحديث الثامن): قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا
محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل، عن عطاء الخراساني، عن
الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَل ـ: ((الجيران ثلاثة: جار له حق واحد،
وهو أدنى الجيران حقاً، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقاً، فأما
الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له
حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق
الإسلام وحق الرحم)(٥)، قال البزار: لا نعلم أحداً روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي
فديك.
(الحديث التاسع): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران،
عن طلحة بن عبد الله، عن عائشة، أنها سألت رسول الله وَ ل﴿ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما
أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك باباً)) (٦)، ورواه البخاري من حديث شعبة به.
[(الحديث العاشر): روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي قُراد قال: إن
رسول الله جم توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال: ((ما يحملكم على ذلك؟)) قالوا:
(١) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/٥)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
(مجمع الزوائد ١٦٧/٨)، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤٠٣/٣ (ح ٨٩١).
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((عبد الله)) والصواب ما أثبت.
(٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من المسند ح١١٢٩)، وفي سنده أبو بكر المدني وهو الفضل بن
مبشر فيه لين (التقريب ص٤٤٧)، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه مختصر زوائد مسند البزار، قال الحافظ ابن حجر: والحارثي متهم (٢٥١/٢
ح ١٨٠٤)، وقال الهيثمي: وضاع (مجمع الزوائد ١٦٤/٨).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٥/٦)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران به (السنن،
الأدب، باب في حق الجوار ح٥١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٢٩٤).

١٠٣
• سُورَةِ النِّسَاءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حب الله ورسوله. قال: ((من سره أن يحب الله ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد
الأمانة إذا ائتمن، وليحسن جوار من جاوره))(١).
(الحديث الحادي عشر): قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عشان، عن
عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَله: ((إن أول خصمين يوم القيامة جاران))](٢) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلْصَاحِبٍ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي
وابن مسعود، قالا: هي المرأة(٤) .
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن
جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك(٥)، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في
السفر(٦).
وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح(٧).
وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر (٨).
وأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف(٩)، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر
والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازاً في السفر (١٠). وهذا أظهر، وإن كان
مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة
براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء، لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي
الناس، فلهذا ثبت أن رسول الله و ﴿ جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: ((الصلاة الصلاة
وما ملكت أيمانكم))(١١) فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وقال الإمام أحمد: حدثنا
إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا [بَحير بن سعد](١٢)، عن خالد بن معدان، عن
(١) ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف (المجمع ١٤٨/٤).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥١/٤)، وحسنه الهيثمي (المجمع ٣٥٢/١٠)، وقال المنذري:
إسناده جيد (الترغيب ٣٥٥/٣)، وحسنه السيوطي والألباني في صحيح الجامع الكبير (ح ٢٥٦٠).
(٤) تقدم في بداية تفسير الآية، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد
وعكرمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عنهما، ويشهد لهما قول ابن
عباس، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بكير التيمي عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن أبي عجلان عنه، ولم أقف على ترجمة لحاتم.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الإسناد إلا قول مجاهد فأخرجه بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١١) أخرجه ابن ماجه، السنن، الوصايا، باب هل أوصى رسول الله وَ طر (ح ٢٦٩٧)، وصححه الألباني في
صحيح سنن ابن ماجه (ح٢١٨٣) وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٦١/٢).
(١٢) كذا في المسند، وفي نسخة (حم) و(مح) والأصل: ((يحيى بن سعيد))، والصواب ما أُثبت.

١٠٤
سُورَةِ النِّسَاءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المقدام بن معديكرب، قال: قال رسول الله وَله: ((ما أطمعت نفسك فهو لك صدقة، وما
أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك
صدقة))(١) ورواه النسائي من حديث بقية(٢)، وإسناده صحيح، ولله الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق
فأعطِهم، فإن رسول الله وَّ﴿ قال: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتهم)) رواه مسلم(٣).
وعن أبي هريرة، عن النبي و ﴿ قال: ((للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما
يطيق)) رواه مسلم أيضاً(٤).
وعن أبي هريرة، عن النبي وَ ل9، قال: ((إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه
فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه)) أخرجاه، ولفظه للبخاري(٥)،
ولمسلم: ((فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً، فليضع في يده أكلة أو أكتين)) (٦).
وعن أبي ذر ظُه، عن النبي وَ لي قال: ((هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن
كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن
كلفتموهم فأعينوهم)) أخر جاه(٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ تُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي: مختالاً في نفسه، [معجباً متكبراً
فخوراً على الناس، يرى أنه خير منهم فهو في نفسه] (٨) كبير وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض.
قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ تُخْتَالًا﴾ يعني: متكبراً ﴿فَخُورًا﴾ يعني: يَعُدّ
ما أعطى، وهو لا يشكر الله تعالى(٩). يعني: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو
قليل الشكر لله على ذلك.
وقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد
أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، وتلا ﴿وَمَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً [شقياً](١٠)، وتلا
﴿وَبَرَّا بِوَالِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَّارًا شَقِيًّا (®)﴾ [مريم](١١).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣١/٤)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) السنن الكبرى (ح٩٢٠٤)، وتحفة الإشراف ٥٠٧/٨.
(٣) صحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك (ح٩٩٦).
(٤) صحيح مسلم، الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل (ح ١٦٦٢).
(٥) صحيح البخاري، العتق، باب إذا أتى أحدكم خادمُه بطعامه (ح ٢٥٥٧).
(٦) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ١٦٦٣).
(٧) صحيح البخاري، الأيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية (ح٣٠)، وصحيح مسلم، الموضع السابق
٤٠/١٦٦٠.
(٨) زيادة من (حم) و(مح).
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سيا))، وهو تصحيف.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين، وهو سنيد: ضعيف.

١٠٥
• سُورَةُ النِّسَّاءِ (٣٧، ٣٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي،
حدثنا أبو نعيم، عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف:
كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن
رسول الله وَّ حدثكم: ((إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة))؟ فقال: أجل، فلا إخالني، أكذب
على خليلي ثلاثاً؟ قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور. أوليس تجدونه
عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾(١)، وحدثنا
أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بلهجم،
قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: ((إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة،
وإن الله لا يحب المخيلة))(٢).
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرُ
وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِنِا فَسَآءَ قَرِيْنًا ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَّهُمُ
اَللَّهَ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا
يقول تعالى ذاماً الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين
والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب،
والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء، ولا يدفعون حق الله
فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضاً، وقد قال رسول الله وَله: ((وأي داء أدوا من البخل))(٣).
وقال: ((إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور
ففجروا)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَدُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة الله لا تظهر عليه
ولا تبين، لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَنَ لِرَبٍِّ.
لَكُنُودٌ ﴿ وَإِنَُّ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾﴾ [العاديات] أي: بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
﴾ [العاديات] وقال ههنا: ﴿وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله:
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق خرشة بن الحر عن أبي
ذر بنحوه (الصحيح، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ح١٠٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والرجل المبهم هو صحابي واسمه: جابر بن سليم تظـ
إذ صرح بذلك أبو داود فقد أخرجه من طريق أبي تميمة عن أبي جري جابر بن سليم بنحوه وأطول (السنن،
اللباس، باب في إسبال الإزار ح٤٠٨٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح٢٩٦)، من حديث جابر، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢١٩/٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٢٢٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً (المسند ح ٦٤٨٧)، وصححه محققوه وأخرجه ابن
حبان (الإحسان ح٥١٧٦)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١١/١).

١٠٦
سُورَةُ النَّسَاءِ (٣٧، ٣٩)
ويجحدها فهو كافر لنعم الله [عليه](١)، وفي الحديث: ((إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن
يظهر أثرها عليه))(٢)، وفي الدعاء النبوي: ((واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها،
وأتممها علينا))(٣).
وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة
محمد ﴿ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، رواه ابن
إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٤)، وقاله
مجاهد(٥) وغير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال،
وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب
والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِشَآءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر
الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون [بإعطائهم](٦)
السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي الحديث الذي ذُكر فيه الثلاثة
الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بأعمالهم، يقول
صاحب المال: ((ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت
إنما أردت أن يقال: كريم فقد قيل))؛ أي: أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك(٧).
وفي الحديث: أن رسول الله وَّ، قال لعدي بن حاتم: ((إن أباك رام أمراً فبلغه))(٨).
وفي حديث آخر: أن رسول الله والله سئل عن عبد الله بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال:
((لا، إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين))(٩). ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا يَلْيَوْمِ الْآَخِرُ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ أي: إنما حملهم على صنيعهم
هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم
فحسَّن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِا فَسَآءَ قَرِينًا﴾، ولهذا قال الشاعر:
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث مالك بن نضلة الجشمي بنحوه (المسند ٢٢٢/٢٥ ح ١٥٨٨٧)، وصححه
محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح٥٤١٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٩٠).
(٣) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود مرفوعاً (السنن، الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة ح٩٦٩)،
والطبراني في المعجم الكبير (ح١٠٤٢٦)، وقال الهيثمي: سنده جيد (المجمع ١٨٢/١٠)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٥٥).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه قال: نزلت في اليهود.
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً بنحوه وأطول (الصحيح، الإمارة، باب من قاتل للرياء
والسمعة ... ح١٩٠٥).
(٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٥٨/٤)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١٢٤/١)، وأخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٤٠/٤).
(٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﴿ثها (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه
عمل ح٢١٤).

١٠٧
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٢،٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فكل قرين بالمقارن يقتدي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهَ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا
أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطرائق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى
الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملاً، وأنفقوا مما رزقهم الله
في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم
الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح
يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه،
فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذاً بالله من ذلك.
٤٠
] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٨ يَوْمَيِذٍ يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (1)﴾.
يخبر تعالى أنه لا يظلم عبداً من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها
له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَّوَمِ اُلْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ
شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنْيَّنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى
مخبراً عن لقمان أنه قال: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ
أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾﴾ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ
أَشْنَانَا لِيُرَوْ أَعْمَئِلَهُمْ ﴿﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرًّا
يَرَؤُ ﴾﴾ [الزلزلة] وفى الصحيحين من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد
الخدري، عن رسول الله ير في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: ((فيقول الله رقم: ارجعوا فمن
وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار))(١)، وفي لفظ: ((أدنى أدنى أدنى
مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار فيخرجون خلقاً كثيراً))(٢)، ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن
﴾(٣)،
شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُكَهُ أَخْرًّاً عَظِيمًا
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن
عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد الله بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة
فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه،
فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ﴿فَلَآ أَسَابَ
يَتْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيغفر الله من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس
(١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيَذٍ نَاضِرَةُ (﴾﴾ [القيامة] (ح٧٤٣٩)، وصحيح مسلم،
الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب وَ يوم القيامة
(ح ٧٥١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٣).
(٣) هذا القول لأبي سعيد وهو الخدري، تتمة للحديث قبل السابق المتفق عليه.

١٠٨
• سُوَّرَّةُ النِّسَتَّاءِ (٤٢،٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
شيئاً، فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب
فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق بقدر
طلبته، فإن كان ولياً لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة وإن كان عبداً [شقياً](١)
قال الملك: ربِّ فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته
ثم صكوا له صكاً إلى النار(٢). ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه(٣) ولبعض هذا
الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل - يعني: ابن مرزوق -، عن
عطية العوفي، حدثني عبد الله بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جََّ بِالحَسَنَّةِ فَهُ
عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل
من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَّةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًّا عَظِيمًا
(٤) ،
وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن
دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب
يوم القيامة ولا يخرج من النار أبداً(٥). وقد يُستدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا
رسول الله، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: ((نعم هو في
ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار))(٦)، وقد يكون هذا خاصاً بأبي
طالب من دون الكفار بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران، حدثنا قتادة،
عن أنس أن رسول الله وَ * قال: ((إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا
ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له
حسنة)»(٧).
وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن علي بن
زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((حبشياً)) وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الطبري من طريق زاذان به نحوه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، قصة أبي طالب (ح٣٨٨٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب شفاعة
النبي ◌َ﴾﴿ لأبي طالب (ح٢٠٩).
(٧) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح٢٠١١)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، صفات
المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ح٢٨٠٨).
(٨) قول أبي هريرة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي
حاتم بحذف السند وهي تشهد لرواية أبي هريرة.

١٠٩
سُورَةُ الْنِسَخَاءِ (٤٢،٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فقُضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً، فلقيته فقلت:
بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الله رَك يجزى العبد بالحسنة
ألف ألف حسنة)) قال: فقضي أني انطلقت حاجّاً أو معتمراً، فلقيته؛ فقلت: بلغني عنك حديث
أنك تقول: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((إن الله يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة قال أبو
هريرة: لا بل سمعت رسول الله و ◌َل﴿ يقول: ((إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة))، ثم تلا ﴿يُضَعِفْهَا
وَيُّؤْتٍ مِن لَّكُنَّهُ أَبْرًّا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟(١). ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا يزيد، ثنا
مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له:
بلغني أنك تقول: إن [الحسنة](٢) تضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله
لقد سمعت - يعني: النبي ◌َّ - يقول: ((إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة))(٣)، وعلي بن
زيد بن جدعان عنده مناكير، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
يقول تعالى: مخبراً عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم
القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني: الأنبياء ◌ِلَّ * -، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ
الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجَِّ بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٣)﴾
[الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى
هَؤُلَاءُ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَكِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (﴾﴾ [النحل]، وقال
البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة،
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله وَ له: ((اقرأ علي)) فقلت: يا رسول الله اقرأ
عليك، وعليك أنزل؟ قال: ((نعم إني أحب أن أسمعه من غيري)) فقرأت سورة النساء حتى
أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (@)
فقال: ((حسبك الآن)) فإذا عيناه تذرفان، ورواه هو ومسلم أيضاً من حديث الأعمش به (٤)،
وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به عنه ورواه أحمد من طريق أبي
حيان وأبي رزين عنه(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا
الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة
الأنصاري، عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبي وَّر: إن النبي ◌َّ أتاهم في بني
ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٢١/٢، ٥٢٢)، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: ((الجنة))، وهو تصحيف.
(٣) سنده ضعيف بسبب علي بن زيد.
(٤) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ ... ﴾ [النساء: ٤١]
(ح٤٥٨٢)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن (ح ٨٠٠).
(٥) المسند (٣٧٤/١).

١١٠
سُورَةُ الشِّاءِ (٤٠، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من أصحابه، فأمر النبي ◌َ ﴿ه قارئاً فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ
أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا ﴾﴾ فبكى رسول الله وَّه حتى اضطرب لحياه
وجنباه، فقال: ((يا رب، هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره)) (١).
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن
جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد الله - هو ابن مسعود - في هذه الآية، قال: قال
رسول الله وَّلجر: ((شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم))(٢). [وأما ما
ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ◌َّر على أمته، قال
ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول:
ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي والر أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم،
فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَحِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ
شَهِيدًا ﴾﴾ فإنه أثر وفيه انقطاع، فإن فيه رجلاً مبهماً لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب
لم يرفعه، وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين
وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص
نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة
والسلام(٣)](٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تَُوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا
®﴾ أي: لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة
والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا فَذَمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ يَلَيْتَنِى كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه
شيئاً .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن
عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت الله رحمك يقول
- يعني: إخباراً عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا -: ﴿وَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]
وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّ
مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: [تعالوا فلنجحد، ﴿وَلَّهِ رَيْنَا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده فضيل بن سليمان، وهو النميري صدوق يخطئ كثيراً
(التقريب ص٤٤٧)، ويونس بن محمد ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٢٤٦/٩)، ولبعضه
شاهد متفق عليه تقدم.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/
٣١٩)، وأخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٤) ذكره القرطبي في: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٢٩٤.

١١
• سُوَّرَةُ الْنِسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾](١)، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ
حَدِيثًا﴾(٢)، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن
جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، قال: ما هو؟ أشك
في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال:
﴾﴾ [الأنعام] وقال: ﴿وَلَا
أسمع الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَئُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ دَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
يَكْتُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثُمَّ لَ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِنَ
فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركاً جحد المشركون، فقالوا: ﴿وَلَِّ رَيْنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾
رجاء أن يغفر لهم، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند
ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوََّ بِهِمُ اٌلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾(٣).
وقال [جويبر] (٤)، عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس،
قول الله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَذُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ اٌلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا
(@) وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَيْنَ مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند
أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى
جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن
وحّده، فيقولون: تعالوا نقل فيسألهم فيقولون: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ قال: فيختم الله على
أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون لو أن
الأرض سويت بهم ﴿ وَلَا يَكْتُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا﴾. رواه ابن جرير (٥).
- ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًّا إِلَّا
عَابِ سَبِيلٍ حَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُم مَّرْضَ أَوْ عَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسُْمُ الْنِسَآءَ
فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٥)﴾
ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي
ما يقول، وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب
من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة
البقرة عند قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ... ) الآية [البقرة:
٢١٩]. فإن رسول الله (8* تلاها على عمر، فقال: ((اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً))، [فلما
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ معمر.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: (ابن جرير)) وهو تصحيف.
(٥) وسنده ضعيف بسبب جويبر وهو متروك، أخرجه الطبري من طريق جويبر به. ووقع في طبعة أحمد شاكر
تصحيف فورد بلفظ: ((الزبير)).

١١٢
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: ((اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً))](١)، فكانوا لا يشربون
الخمر في أوقات الصلوات، فلما نزل قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ بِجْسُ
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (®) إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]
فقال عمر: انتهينا انتهينا (٢). وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، عن
عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التي في النساء
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول الله رَّـ
إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (٣).
وذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود،
حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيّ
أربع آيات، صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعا أناساً من المهاجرين وأناساً من الأنصار، فأكلنا
وشربنا حتی سکرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لَحْيَ بعیر ففزر به أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف،
وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى ... ) الآية(٤)،
والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به(٥).
(سبب آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله
[الدشتكي](٦)، حدثنا أبو جعفر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن
علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر،
فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلاناً، قال: فقرأ (قل يا أيها الكافرون، ما أعبد ما
تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون)، فأنزل الله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى
تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾، هكذا رواه ابن أبي حاتم(٧)، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن
عبد الرحمن الدشتكي به، وقال: حسن صحيح(٨). وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار،
عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن،
عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر، شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿قُلّ
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.
(٢) حديث صحيح تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٩.
(٣) السنن، الأشربة، باب في تحريم الخمر (ح ٣٦٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣١١٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضل سعد (ح١٧٤٨)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب في النفل
(ح ٢٧٤٠)، وسنن الترمذي، تفسير سورة العنكبوت (ح ٣١٨٠) والسنن الكبرى للنسائي (ح١١١٩٦).
(٦) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((الرستكي)) وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر وهو الرازي صدوق سيء الحفظ، وقد توبع كما
سیأتي، فسنده حسن.
(٨) أخرجه الترمذي من طريق أبي جعفر به وقال: حسن صحيح غريب (السنن، تفسير سورة النساء ح٣٠٢٦)،
وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن عطاء به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٧)، وأخرجه تمام
الرازي من طريق علي بن عاصم عن عطاء به (الفوائد ٧٩٨/٢).

١١٣
سُورَةِ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ [الكافرون] فخلط فيها، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾(١)، وهكذا
رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به (٢)، ورواه ابن جرير أيضاً عن ابن حميد، عن
جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي وَلّ
في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر،
فحضرت الصلاة فقدموا علياً فقرأ بهم ﴿قُلّ يَأَيُهَاَ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾﴾ فلم يقرأها كما ينبغي،
فأنزل الله وَ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ وَأَنتُمْ شُكرى﴾ ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا
الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب - وهو أبو
عبد الرحمن السلمي -: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاماً وشراباً، فدعا نفراً من أصحاب
النبي ◌َّر فصلى بهم المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما
أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين)، فأنزل الله رَت هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ شُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّى
تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ وذلك أن رجالاً كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر،
فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى ... ) الآية، رواه ابن جرير(٤)، وكذا قال أبو رزين
ومجاهد(٥) وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات
ثم نسخ بتحريم الخمر (٦). وقال الضحاك في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾: لم يعن
بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم(٧)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير:
والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب،
لأن ذلك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما
قاله: وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب توجه إلى من يفهم الكلام دون
السكران الذي لا يدري(٨) ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد
التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب تحريم الخمر (ح٣٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٣١١٨).
(٣) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، والرواية الأولى فيها ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف،
وقد تفرد بأن الذي قرأ هو علي بن أبي طالب، والصواب عبد الرحمن بن أبي عوف ﴿ه، وأما الرواية
الثانية فحكمها كالروايات الحسنة المتقدمة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو سند ضعيف لكن يتقوى بما سبق من الروايات الثابتة.
(٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد فيها محمد بن حميد الرازي ضعيف، وقول مجاهد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسند حسن.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقد رده الطبري ورده حق.
(٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لا يدرك)).

١١٤
• سُورَّةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائماً، والله أعلم، وعلى هذا
فيكون كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَوُثُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ (َ)﴾ [آل
عمران] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.
وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما
يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله وَله:
((إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول))(١) انفرد بإخراجه البخاري دون
مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به(٢). وفي بعض ألفاظ الحديث: ((فلعله ذهب
يستغفر فيسب نفسه))(٣).
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار (٤)،
حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًّا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم
جنب، إلا عابري سبيل، قال: تمر به مراً، ولا تجلس(٥). ثم قال: وروي عن عبد الله بن
مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق،
وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعكرمة،
والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة نحو ذلك (٦).
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب،
عن قول الله رَك: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد،
فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، [فيردون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد](٧)،
فأنزل الله ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾(٨). ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب تَخَّتُهُ، ما ثبت
في صحيح البخاري: أن رسول الله وَ * قال: ((سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي
بكر)) (٩)، وهذا قاله في آخر حياته وَ له، علماً منه أن أبا بكر ◌ُبه سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٠/٣)، وأخرجه البخاري من طريق أيوب به كما سيأتي.
(٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء من النوم (ح٢١٣).
(٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٢١٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: ((محمد بن يسار)) وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو صدوق سيء الحفظ ويشهد له
الأقوال التالية، فسنده حسن.
(٦) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق
عَبيدة عنه، وبقية الآثار أخرجها الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ١٤٦/١ - ١٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي
٢/ ٤١٣.
(٧) الزيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي حبيب لم أتأكد من روايته عن أحد الصحابة، وذكر ابن
حجر أنه كان يرسل كما في التقريب.
(٩) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٧).

١١٥
سُورَةُ النِّسَّاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الدخول في المسجد كثيراً للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين(١)، فأمر بسد الأبواب الشارعة
إلى المسجد، إلا بابه ظُه، ومن روى إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن(٢)، فهو خطأ،
والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب
اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضاً، في معناه، إلا أن بعضهم
قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في
حال المرور، جاز لهما المرور، وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضيّا قالت:
قال لي رسول الله وَّل: ((ناوليني الخُمرة من المسجد)) فقلت: إني حائض، فقال: ((إن حيضتك
ليست في يدك)) وله عن أبي هريرة مثله(٣)، ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد،
والنفساء في معناها، والله أعلم.
وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة،
قالت: قال رسول الله وَل : ((إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب)) (٤)، قال أبو سليمان
الخطابي: ضَعّف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول، لكن رواه ابن ماجه، من حديث
أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن [جسرة](6) عن أم سلمة، عن النبي وَّر به (٦)،
قال أبو زرعة الرازي: يقولون: [جسرة](٧) عن أم سلمة، والصحيح جسرة عن عائشة، فأما ما
رواه أبو عيسى الترمذي: من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية، عن أبي سعيد الخدري،
قال: قال رسول الله ويلي: ((يا علي لا يحل لأحد أن يجنب، في هذا المسجد غيري وغيرك))(٨)
فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالماً هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم.
(قول آخر) في معنى الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن
موسى، أخبرني ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾
قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي، حتى يجد الماء،
ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب ... فذكره(٩). قال:
(١) هذا الشاهد يصلح لحكم جواز العبور من المسجد لا لصحة سبب نزول الآية.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين
(فتح الباري ٧/ ١٤، ١٥).
(٣) صحيح مسلم، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (ح٢٩٨، ٢٩٩).
(٤) سنن أبي داود، الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد (ح٢٣٢)، ونقل البغوي عن أحمد أنه ضعف هذا
الحديث (شرح السنة ٤٦/٢)، وضعف سنده عبد الحق الإشبيلي (الأحكام الوسطى ٣٠٧/١).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: ((حبيش)) وهو تصحيف.
(٦) سنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (ح٦٤٥)، وفي سنده محدوج مجهول
(كما في التقريب ص٥٢١)، وضعف إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢٣٠/١).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: ((حبيش)) وهو تصحيف.
(٨) أخرجه الترمذي من طريق سالم بن أبي حفصة به (السنن، المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب هـ
عنه
ح ٣٧٢٧)، وفي سنده سالم بن أبي حفصة: صدوق في الحديث إلا إنه شيعي غالي (التقريب ص٢٢٦)،
والمتن يؤيد بدعته في الغلو بعلي ته، فالحديث ضعيف كما قرر الحافظ.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بالسندين به وكلا الإسنادين حسن.

١١٦
• سُؤَرَّةُ النِّسَخَّاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك(١). وقد روى
ابن جرير، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، وعن زر بن
حبيش عن علي ... فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس ... فذكره(٢).
ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم،
وابنه عبد الرحمن مثل ذلك(٣). وروي من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع
أنه في السفر(٤). ويُستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي
قلابة عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله وَله: ((الصعيد الطيب طهور
المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير))(٥).
ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًّا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾
أي: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله:
﴿وَإِن كُمْ فَّفَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْهُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ
صَعِيدًا طَيًِّا﴾، فكان معلوماً بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًّا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ لو كان معنياً
به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وَإِن كُمْ قَرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد
مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا
المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جنباً،
حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مراً وقطعاً، يقال منه: عبرت هذا
الطريق، فأنا أعبره عبراً وعبوراً، ومنه يقال: عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة
القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار (٦).
وهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي
الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي
الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيضاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿حَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه
يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري بسندين
صحیحین .
(٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق وفيها ضعف ويتقوى بما سبق.
(٣) أخرجه الطبري من طرق هؤلاء وكلها بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه الطبري وفيه الحسين وهو سنيد ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه ..
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٨٠/٥)، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب الجنب يتيمم (ح ٣٣٢)،
والترمذي في السنن، الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب (ح١٢٤)، وقال: حسن صحيح، كلهم من
طريق أبي قلابة به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي
قلابة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٧٦/١ - ١٧٧)، وصححه ابن حبان وأبو الحسن بن القطان
كما سيأتي في ص١٦٨.
(٦) ذكره الطبري في نهاية تفسير هذه الآية (٤٣).

١١٧
• سُؤَدَّةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد،
لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال
سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد، عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله وكلية، يجلسون في
المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة(١). وهذا إسناد على شرط مسلم، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَإِن كُثُم ◌َّهَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ
مَآءُ فَتَيَكَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا﴾ أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء،
فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن
خُصَيْف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِن كُم تَرْضَ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضاً
فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي صل﴿ فذكر ذلك له، فأنزل الله
هذه الآية (٢)، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.
وقوله: ﴿أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَايِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كُني بذلك
عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءُ﴾ فقرئ لمستم ولا مستم،
واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:
(أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَشُوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ
الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُرٍ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ قال: الجماع(٣). وروي عن علي
وأُبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة
ومقاتل بن حيان، نحو ذلك(٤) .
وقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر،
عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من
العرب : اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا
في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين
كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة:
الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبه به نحوه،
(١) صحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ اختلط كما في التقريب وأعله
ابن كثير بالإرسال.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر إلى سعيد بن جبير (الفتح ٢٧٢/٨).
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وبعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.

١١٨
• سُورَةُ النَّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم رواه من غير وجه، عن سعيد بن جبير نحوه(١). ومثله قال: حدثني [يعقوب، حدثنا هشيم] (٢)
قال: حدثنا أبو بشر، أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اللمس والمس والمباشرة:
الجماع ولكن الله يكني بما يشاء(٣)، حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأرزق، عن
سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: الملامسة: الجماع،
ولكن الله كريم يكني بما يشاء(٤)، وقد صح من غير وجه، عن عبد الله بن عباس، أنه قال ذلك،
ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير وقال آخرون:
عنى الله تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وأوجبوا الوضوء على كل من
مس بشيء من جسده شيئاً من جسدها مفضياً إليه، ثم قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن،
حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود، قال: اللمس ما دون
الجماع(٥)، وقد رواه من طرق متعددة، عن ابن مسعود بمثله، وروى من حديث الأعمش، عن
إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: القبلة من المس وفيها الوضوء (٦). روى
الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده ومن
القبلة [وكان يقول في هذه الآية ﴿أَوْ لَمَسْنُمُ اُلِسَآءَ﴾: هو الغمز](٧) (٨).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن
ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس(٩). وروى ابن
أبي حاتم وابن جرير أيضاً: من طريق شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله، قال: اللمس
ما دون الجماع(١٠)، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وعبيدة، وأبي عثمان النهدي،
وأبي عبيدة - يعني ابن عبد الله بن مسعود -، وعامر الشعبي، وثابت بن الحجاج، وإبراهيم
النخعي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك(١١).
(قلت): وروى مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول:
قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء (١٢).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((يعقوب بن هاشم)) وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بسابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/
١٣٥).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (المجمع ٢٤٧/١)، وقد
توبع بواسطة طارق في الرواية السابقة.
(٧) زيادة من (مح).
(٨) أخرجه الطبراني من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن
مسعود (مجمع الزوائد ٢٤٧/١).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مالك عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (الموطأ،
باب الوضوء من قبلة الرجل ٦٥/١)، وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده صحيح.
(١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد خرجت آثارهم في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة النساء.
(١٢) تقدم تخريجه قبل روايتين.

١١٩
سُورَةِ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو ذلك(١)،
ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبّل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ (٢)، فالرواية عنه مختلفة،
فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء
من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل رحمهم الله، قال
ناصر هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية ﴿لَمَسْنُ﴾ و(لمستم)(٣)، واللمس يطلق في الشرع على
الجس باليد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَمَسُوهُ بِأَيْدِهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي: جسوه،
وقال رسول الله وي﴿ لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: ((لعلك قبلت أو
لمست؟)) (٤)، وفي الحديث الصحيح: ((واليد زناها اللمس))(٥)، وقالت عائشة ﴿ّ: قلّ يوم إلا
ورسول الله * يطوف علينا، فيقبل ويلمس (٦)، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله وَل
نهى عن بيع الملامسة(٧)، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في
اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:
وألمستُ كفي كفَّه أطلب الغنى
واستأنسوا أيضاً بالحديث الذي رواه أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد، قالا:
حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول الله وَ﴿ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما
تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتاه منها، غير أنه لم
يجامعها، قال: فأنزل الله وَت هذه الآية ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النََّارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِّكْرَى لِلَّكِينَ (19)﴾ [هود]، قال: فقال له رسول الله وَّر: ((توضأ ثم صلّ)) قال
معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: ((بل للمؤمنين عامة))(٨)، ورواه
الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل(٩)، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن
عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلاً(١٠)، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه
لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل
(١) أخرجه الدارقطني (السنن ٤٤/١ ح ٣٧)، وفي سنده عبد الله بن شبيب وهو متهم بسرقة الحديث وقلب
الأخبار (لسان الميزان ٢٩٧/٣).
(٢) مسند الفاروق ظ ◌ُله (١١٥/١ - ١١٧).
(٣) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٤) أخرجه البخاري (الصحيح، الحدود، باب هل يقول الإمام للمُقر: لعلك لمست وغمزت ح ٦٨٢٤).
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج ح٦٨٢٤).
(٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٣٥/١).
(٧) صحيح البخاري، البيوت، باب بيع المنابذة (ح٢١٤٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب إبطال بيع الملامسة
والمنابذة (ح١٥١١).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٤٦/٣٦ ح٢٢١١٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما
قالوا، فله شواهد صحيحة صححها الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٣٣٢٦ و٣٣٢٩).
(٩) سنن الترمذي تفسير سورة هود (ح٣١١٣)، وقد برهن الترمذي على الانقطاع بين ابن أبي ليلي ومعاذ.
(١٠) ينظر: تحفة الإشراف (ح ١١٣٤٣).

١٢٠
• سُوَرَّةُ النِّسَاءِ (٤٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق: ((ما من عبد يذنب ذنباً
فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له ... )) الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند
قوله: ﴿ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُوْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ... ) الآية [آل عمران: ١٣٥] (١).
ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ
النِّسَآءَ﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله وَّ ه أنه قبّل بعض
نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا أبو
بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان
رسول الله ﴿ يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع،
عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله وَّقة، قبّل بعض نسائه، ثم خرج
إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت(٢)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي،
وابن ماجه، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به(٣)، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه
قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا
الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن
أبي ثابت لم يسمع من عروة (٤). وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة،
وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن
الزبير، عن عائشة(٥)، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة (٦)، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا
أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء،
عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة ... فذكره(٧)، والله
أعلم.
(١) ينظر تخريجه في: تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه وترجيحه. وصححهما أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري وفي تحقيقه لسنن
الترمذي وقد أطال في تخريجه ليبرهن على صحة سنده، وأخرجه الترمذي بإسناده نفسه ومتنه (السنن،
الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة ح٨٦).
(٣) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح١٧٩)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء من
القبلة (ح٥٠٢) قال البوصيري: وقد رواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين فالحديث حجة
بالاتفاق . اهـ.
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٦٥). ولكن الحديث ليس حجة بالاتفاق لأن البعض قد
أعله كما أفصح عن ذلك أحمد شاكر وأجاب عن ذلك بالتفصيل في تحقيقه لسنن الترمذي كما تقدم في
الحاشية السابقة إشارة.
(٤) ذكره أبو داود في السنن كما سبق في تخريجه وتتمة كلامه ما يلي: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن
عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً. السنن (ح ١٨٠).
(٥) تقدم تخريجه قبل حاشيتين.
(٧) السنن، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٨٠).
(٦) المسند ٢١٠/٦.