Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سُورَةُ النَّسَاءِ (٢٩، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث آخر) فيه [التعرب](١) بعد الهجرة(٢) قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه،
عن أبي هريرة مرفوعاً(٣).
قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا [عمرو بن
خالد] (٤) الحراني، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة،
عن أبيه، قال: سمعت النبي و ﴿ يقول: ((الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل
النفس والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد
الهجرة))(٥)، وفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير: حدثنا تميم بن
المنتصر، حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهل بن أبي حَثْمة، عن أبيه،
قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعلي ◌ُه يخطب الناس على المنبر يقول: يا
أيها الناس، الكبائر سبع فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟
قالوا: يا أمير المؤمنين، ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف
المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة. فقلت
لأبي: يا أبه، ما التعرب بعد الهجرة، كيف لحق ههنا؟ قال: يا بني وما أعظم من أن يهاجر
الرجل حتى إذا وقع سهمه في [الفيء](٦) ووجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع
أعرابياً كما كان (٧).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان -، عن
منصور، عن هلال بن يساف، عن سلمة بن قيس الأشجعي، قال: قال رسول الله وَّ في حجة
الوداع: ((ألا إنما هن أربع أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق،
ولا تزنوا، ولا تسرقوا)) قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من رسول الله ◌َل﴾ (٨). ثم رواه
أحمد أيضاً والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله.
(حديث آخر) تقدم من رواية عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن
عباس، عن النبي ◌َّر أنه قال: ((الإضرار في الوصية من الكبائر)) (٩) والصحيح ما رواه غيره عن
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((القربة)) وهو تصحيف.
(٢) الصواب التعرب بعد الهجرة. قال ابن الأثير: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الإعراب بعد أن كان
مهاجراً، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد (النهاية ٢٠٢/٣).
(٣) تقدم عند هذه الآية وتبين أنه ضعيف الإسناد.
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((خالد بن عمرو)) وهو مقلوب.
(٥) ضعفه الحافظ ابن كثير، والصحيح وقفه كما سيأتي.
(٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((نبي)) وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير، وكذا الحافظ ابن حجر (الفتح ١٨٢/١٢).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٩/٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٣٥١/٤)، أخرجه النسائي السنن الكبرى (التفسير ح١١٣٧٣)، والطبراني في المعجم الكبير، وقال
الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١٠٩/١).
(٩) تقدم في تفسير آخر آية ١٢ من هذه السورة الكريمة.

٨٢
• سُورَةُ الْنِسَاءِ (٢٩، ٣١)
داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح عن ابن عباس من قوله.
(حديث آخر في ذلك) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا
[عباد بن عباد](١)، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن أناساً من أصحاب
النبي وَ ل﴿ ذكروا الكبائر وهو متكئ، فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، وفرار من الزحف،
وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال
رسول الله وَله: ((فأين تجعلون ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ... ))) [آل عمران: ٧٧]
إلى آخر الآية (٢)؟ في إسناده ضعف، وهو حسن.
(ذكر أقوال السلف في ذلك):
قد تقدم ما روي عن أميريّ المؤمنين عمر وعلي ◌ّ في ضمن الأحاديث المذكورة، وقال ابن
جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن الحسن، أن أناساً سألوا
عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله رَك أمر أن يعمل بها لا يعمل بها،
فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر ظراته فقال: متى قدمت؟
فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف ردّ عليه. فقال: يا أمير المؤمنين،
إن ناساً لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا
أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال: فجمعتهم له. قال ابن عون: أظنه قال: في بهو،
فأخذ أدناهم رجلاً فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال:
[فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا. قال: ولو قال: نعم، لخصمه] (٣). قال: فهل أحصيته
في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أمرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم قال:
فئكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات،
قال: [وتلا](٤) ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا
(*). ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد فيما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو
علموا لوعظت بكم(٥). إسناد حسن ومتن حسن وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها
انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر، فتكفي شهرته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري -، حدثنا علي بن
صالح، عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن [جوين] (٦)، عن علي ظه. قال: الكبائر الإشراك
بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد
(١) كذا في تفسير الطبري ونسخة (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((حماد بن عباد)) وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده جعفر بن الزبير تكلم فيه، وهذا سبب الضعف الذي ذكره الحافظ
ابن كثير، أما قوله: وهو حسن، فإن ذلك بالشواهد يرتقي إلى الحسن.
(٣) (٤) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من الطبري و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسن لم يسمع من عمر.
(٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((جرير)) وهو تصحيف.

•
سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٩، ٣١)
٨٣
الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة(١).
وتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من
رحمة الله، والأمن من مكر الله رَك.
وروى ابن جرير من حديث الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق والأعمش، عن إبراهيم،
عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها(٢)،
ومن حديث سفيان الثوري [وشعبة](٣)، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن
مسعود قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ثم تلا ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا
ثُنْهَوَّنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَتُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا (®)﴾ (٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا صالح بن حيان،
عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضول الماء بعد
الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل(٥) (٦).
وفي الصحيحين عن النبي ◌َ ير أنه قال: ((لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ))(٧)، وفيهما عن
النبي ولو أنه قال: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل
على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل ... ))(٨) وذكر تمام الحديث.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً: ((من منع
فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة))(٩).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد، عن
سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ما أخذ على النساء من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا مالك بن جوين سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح
والتعديل ٢٠٧/٨).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البزار من طريق الأعمش به وصححه الحافظ ابن حجر (مختصر
زوائد مسند البزار ٧٨/٢ ح ١٤٥٧)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٧/٧)، وأخرجه
الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٩/١).
(٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سعيد)) وهو تصحيف.
(٤) سنده صحيح.
(٥) أي منع إعارة الفحل يقال: اطرقني فحلك: أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي (ينظر: لسان العرب ١٠/
٢١٦).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف صالح بن حيان (التقريب ٣٥٨/١)،
ولبعضه شواهد صحيحة تقدمت.
(٧) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه، صحيح البخاري، الحرث والمساقاة، باب من قال: إن
صاحب الماء أحق بالماء (ح٢٣٥٣)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب تحريم بيع فضل الماء (ح١٥٦٦).
(٨) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، المساقاة، باب إثم من منع ابن السبيل من
الماء ح٢٣٥٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح١٧٣).
(٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب به (المسند ١٧٩/٢) وله شواهد
تقدمت في الصحيحين وحسنه الألباني في (السلسلة الصحيحة ١٤٢٢/٣).

٨٤
• سُوْرَةُ النَّسَاءِ (٣١،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الكبائر، قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِلَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا
يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِيَنَ بِبُهْتَكِنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبَدِهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢](١).
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا زياد بن مخراق، عن
معاوية بن قرة، قال: أتينا أنس بن مالك فكان فيما حدثنا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن ربنا
تعالى لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت هُنيهة ثم قال: والله لما كلفنا ربنا أهون من
ذلك لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر فما لنا ولها، وتلا ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوَنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ
(٢١) ﴾ (٢)
عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلُكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (
أقوال ابن عباس في ذلك:
روى ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن طاوس، قال: ذكروا عند ابن
عباس الكبائر فقالوا: هي سبع، فقال: هي أكثر من سبع وسبع(٣)، قال سليمان: فما أدري كم
قالها من مرة؟
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال:
قلت لابن عباس: ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع (٤). ورواه ابن
جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن ليث، عن طاوس قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال:
أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن الله ما هُنَّ؟ قال: هُنَّ إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع(٥).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر
سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب (٦)، وكذا قال أبو العالية الرياحي ◌َّهُ.
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن
سعيد بن جبير: أن رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر سبع؟ قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها
إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار(٧). وكذا رواه ابن أبي حاتم من
حديث شبل به (٨).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُّنْهَوَنَ عَنْهُ﴾ قال:
الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، رواه ابن جرير (٩).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر به، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ليث وهو ابن أبي سليم تكلم فيه وقد توبع فأخرجه عبد الرزاق
في تفسيره ومصنفه (٤٦٠/١٠ رقم ١٩٧٠٢)، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به. وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وليث هو ابن
أبي سليم وكلاهما توبع.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه في التفسير والمصنف (٤٦٠/١٠ رقم ١٩٧٠٢) وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٨٥
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٢٩، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا شبيب، عن
عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكبائر كل ما وعد الله عليه النار كبيرة(١)، وكذا قال سعيد بن
جبير والحسن البصري، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن
محمد بن سيرين، قال: نبئت أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة، وقد ذكرت
الطرفة، قال: هي النظرة (٢)، وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا
عبد الله بن معدان، عن أبي الوليد، قال: سألت ابن عباس عن الكبائر، فقال: كل شيء
عصي الله فيه فهو كبيرة(٣).
(أقوال التابعين)
قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال:
سألت عَبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم
الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة.
قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شراً كثيراً (٤).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن
أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله،
الإشراك بالله منهن ﴿وَمَن يُثْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ ... ﴾
الآية [الحج: ٣١]، و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية
[النساء: ١٠]، و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾
[البقرة: ٢٧٥] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرار من الزحف
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا ... ﴾ الآية [الأنفال: ١٥]، والتعرب بعد الهجرة
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَرْتَدُّواْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ اَلْهُدَىّ﴾ [محمد: ٢٥]، وقتل المؤمن ﴿وَمَنْ
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ... ) الآية [النساء: ٩٣]، وكذا رواه ابن
أبي حاتم أيضاً في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء
- يعني ابن أبي رباح -، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي
المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف(٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن مغيرة،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد توبع عبد الله بن معدان و((أبو الوليد)) في رواية ابن أبي حاتم السابقة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى عَبيدة ومحمد هو ابن سيرين.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وكذا ابن أبي حاتم، وسنده حسن إلى عبيد.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عطاء.

٨٦
سُورَةُ النِّسَاءِ (٣١،٢٩)
قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر ﴿يا من الكبائر(١).
قلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير مَن سبَّ الصحابة، وهو رواية عن مالك بن
أنس تَّقُ(٢). وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحداً ينتقص أبا بكر وعمر وهو يحب
رسول الله بَّر، رواه الترمذي(٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش(٤) قال
زيد بن أسلم في قول الله رَى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ من الكبائر: الشرك بالله،
والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعى الله ولداً أو صاحبة، ومثل ذلك من
الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل،
فإن الله يغفر السیئات بالحسنات(٥). وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، حدثنا
سعيد، عن قتادة ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ ... ) الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن
اجتنب الكبائر وذكر لنا أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا))(٦).
وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس، وعن جابر مرفوعاً: ((شفاعتي لأهل الكبائر من
أُمتي)»، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن
ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ويلشير: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) فإنه إسناد صحيح
على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفرداً به من هذا الوجه عن عباس العنبري،
عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح(٧)، وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله وَل
بعد ذكر الشفاعة: ((أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين [المتلوثين] (٨)(٩).
وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم
من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن
محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة
فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر، وللأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه:
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى مغيرة.
(٢) وقد سرد الذهبي أحاديث كثيرة في ذلك (الكبائر ص٢٦٠ - ٢٦٤).
(٣) سنن الترمذي، المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب له (ح ٣٦٨٥).
(٤) في الأصل: ((عبد الله بن عباس)) وهو نسبة إلى الجد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن عياش بن عباس القتباني: صدوق يغلط.
(التقريب ٤٣٩/١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والسند إلى قتادة حسن لكنه مرسل.
(٧) سنن الترمذي، صفة القيامة (ح٢٤٣٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصححه
الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٩٨٣).
(٨) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((المذنبين)).
(٩) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري (السنن، الزهد، باب ذكر الشفاعة ح٤٣١١)، وصحح
إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣٢٠/٣)، وجود إسناده المنذري (الترغيب ٤٤٨/٤)، وقال الهيثمي:
ورواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح (المجمع ٣٨١/١٠)، وقد رواه الإمام أحمد في
المسند (ح٥٤٥٢) وصححه أحمد شاكر.

٨٧
سُورَةُ النِّسَاء (٣٢)
(أحدها): أنها المعصية الموجبة للحد.
(والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما
يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
(والثالث): قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين
ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة.
(والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل
معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب
في الشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم قال: وفصل القاضي الروياني
فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ
المال غصباً، والقذف، وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور، وأضاف إليها
صاحب العدة: أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق
الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة
على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله، وَلايه
عمداً، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء،
والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة،
ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس
من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن، ومما يعد من
الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة، ثم قال الرافعي دَّثُهُ: وللتوقف
مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا
الحافظ أبو عبد الله الذهبي(١) الذي بلغ نحواً من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد
عليها الشارع بالنار بخصوصها، كما قال ابن عباس(٢) وغيره: وما تُتُبّع ذلك، اجتمع منه شيء
كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه فكثير جداً، والله أعلم.
] ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَى بَعْضَِّ لِلِرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ
نَصِيبٌ مِمَا أَكْتَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِّهِ:ٍ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا
رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ
بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(٣). ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن
(١) كتابه الكبائر طبع عدة طبعات.
(٢) تقدم برواية ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٢/٦)، وأخرجه الترمذي (السنن، تفسير سورة النساء
ح٣٠٢٢)، والطبري وابن أبي حاتم والحاكم كلهم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٣٠٥/٢ - ٣٠٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري، والألباني في صحيح سنن الترمذي
(ح٢٤١٩)، وقد تكلم في سماع مجاهد من أم سلمة وقد عاصرها فترة طويلة في أربعين سنة.

٨٨
• سُؤَدَّةُ النِّسَخَّاءِ (٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مجاهد، عن أم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله ... فذكره، وقال: غريب. ورواه بعضهم
عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن أُم سلمة قالت: يا رسول الله ... ورواه ابن أبي حاتم وابن
جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث، فنزلت ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْا
مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَى بَعْضَِّ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا أَكْتَسَبُواْ وَلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَّ﴾، ثم
أنزل الله ﴿أَنِ لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَِلٍ مِّنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىُّ ... ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥](١).
ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ، وروى
يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أُم سلمة
قالت: قلت: يا رسول الله ... وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك(٢).
وروى ابن جرير من حديث ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أُم
سلمة(٣). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة، قال: نزلت هذه الآية في قول
النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله رأيك (٤).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن،
حدثني أبي، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِّ لِّلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
اُكْتَسَبُواْ وَلِلِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَّ﴾، قال: أتت امرأة إلى النبي ◌َّ قالت: يا رسول الله، للذكر
مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؟ إن عملت امرأة حسنة كتبت
لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَا تَكَمَنَّوْا﴾، فإنه عدل مني وأنا صنعته(٥).
وقال السدي في قوله: ﴿وَلَا تَنَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِّ لِلِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا
اُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْتَسَبْنَّ﴾ فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على
أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر
الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك ولكن قال لهم:
سلوني من فضلي(٦)، قال: ليس بعرض الدنيا، وقد روي عن قتادة نحو ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضَّ لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا أَكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا أَكْنَسَبْنَ﴾ يقول: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت
لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله(٧). وقال الحسن
(٢) ذكره ابن أبي حاتم.
(١) تقدم تخريجه عنهم في الحاشية السابقة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسبق تصحيحه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وفي سنده شيخ معمر مبهم، ويتقوى بما سبق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما في التقريب، وخالف
رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد السابقة.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.

٨٩
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك، نحو هذا(١) وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما
ثبت في الصحيح: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق
فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء)) (٢)، فإن هذا شيء غير
ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني
عين نعمة هذا، فقال: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَى بَعْضٍٍ﴾ أي: في الأمور
الدنيوية، وكذا الدينية أيضاً، لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح:
نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالاً فيغزون، رواه ابن
جرير (٣)، ثم قال: ﴿لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا أَكْتَسَبُواْ وَلِلِسَآءِ نَصِيبٌ مِمَا أَكْنَسَبْنَّ﴾ أي: كل له جزاء
على عمله بحسبه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، هذا قول ابن جرير، وقيل: المراد بذلك في
الميراث، أي كل يرث بحسبه، رواه الوالبي عن ابن عباس (٤)، ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم،
فقال: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهٍ﴾﴾ لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر
محتوم، والتمني لا يجدي شيئاً، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد
روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وَ له: ((سلوا الله من فضله، فإن الله
يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج)) ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد،
وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي وَلِّ،
وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح(٥)، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع، عن
إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس، قال: قال رسول الله وَ لفيه: ((سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن
أحب عباده إليه الذي يحب الفرج))(٦).
ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها،
وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان
فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، لهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ .
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن سيرين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب
السختياني عنه.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود. الصحيح البخاري، الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (ح١٤٠٩)،
وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٦).
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به بنحوه.
(٥) أخرجه الترمذي بسنده ومنه وتعليقه (السنن، الدعوات، باب في انتظار الفرج ح٣٥٧١)، وسنده ضعيف
بسبب حماد بن واقد وهو ضعيف (التقريب ص١٧٩)، وضعف سنده الألباني في السلسلة الضعيفة
(ح ٤٩٢).
(٦) في سنده حكيم بن جبير وهو ضعيف (التقريب ص١٧٦).

٩٠
• سُوَرَّةُ النِّسَاءِ (٣٣)
﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونُ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَاتُوهُمْ
نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك
ومقاتل بن حيان وغيرهم، في قوله: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ أي: ورثة (١)، وعن ابن عباس في
رواية: أي عصبة(٢)، قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تُظهرنَّ لنا ما كان مدفونا(٣)
قال: ويعني بقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَلَِانِ وَالْأَقْبُونَ﴾، من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل
الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَقَاتُوُهُمْ نَصِيَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان
المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله
شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك
وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
قال البخاري: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن
مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ
عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [كان] (٤) المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي
رحمه للأخوة التي آخى النبي ◌َّهِ بينهم، فلما نزلت ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ نسخت، ثم قال:
﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَقَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر [والرفادة](٥) والنصيحة وقد ذهب الميراث
ويُوصَى له، ثم قال البخاري: سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة (٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي،
أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ
أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري
دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله بَّه بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا
تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَكُونُ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَثَانُوُهُمْ نَصِيَهُمْ﴾(٧)، وحدثنا
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده، وقد أخرجه هو والبخاري من طريق
سعيد بن جبير عن ابن عباس (صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء، باب ﴿وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾
[النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٠).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(٣) ذكره الطبري وأبو عبيدة (مجاز القرآن ١٢٥/١).
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: ((كانوا)).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((والزيادة)).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، سورة النساء باب ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ
اُلْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونُ﴾ [النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٠).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٩١
سُورَةُ الشَّاء (٣٣)
الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريحٍ، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن
ابن عباس، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد
الرجل ويقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله رَلي: ((كل حلف كان في
الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام)»
فنسختها هذه الآية ﴿ وَأُوْلُوْ اْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اَللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٦](١). ثم قال: وروي
عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي
وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شريك، [عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس
- ورفعه - قال: ((ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة شدة))](٣) (٤)
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال: قال رسول الله وَله: وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن
يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: قال
رسول الله وَلهو: ((لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة،
وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة»، هذا لفظ ابن
جرير(٥). وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن
رسول الله وسلم قال: ((شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم،
وإني أنكثه)) قال الزهري: قال رسول الله وَلي: ((لم يصب الإسلام حلفاً إلا زاده شدة)) قال: ((ولا
حلف في الإسلام))، وقد ألف النبي وَله بين قريش والأنصار(٦). وهكذا رواه الإمام أحمد عن
بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بتمامه(٧).
لفظ ابن جرير: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن
شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النبي ◌َ﴿ عن الحلف، قال: فقال: ((ما كان من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف وقد تابعه ابن جريج لكن أباه
عطاء لم يسمع من ابن عباس وهو صدوق اختلط، ويشهد له حديث جبير بن مطعم مرفوعاً: ((لا حلف في
الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)) (صحيح مسلم، الفضائل، باب مؤاخاة
النبي ◌َلـ ح ٢٥٣٠).
(٢) ذكرهم جميعاً ابن أبي حاتم بحذف السند وأغلبهم أخرج رواياتهم الطبري وعبد الرزاق بأسانيد ثابتة
وبعضها ضعيفة تتقوى بالثابتة.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من المسند، فقد أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٩/١).
(٤) في سنده سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب، ويشهد له الحديث الصحيح السابق عن جبير بن مطعم.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه کسابقه.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح أخرجه مسلم من حديث مطعم بن جبير (الصحيح، فضائل
الصحابة ح ٢٥٣٠).
(٧) المسند (ح ١٦٥٥).

٩٢
• سُؤَدَّةُ النِّسَاءِ (٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام)) (١) وهكذا رواه أحمد عن هشيم(٢)، وحدثنا
أبو كريب، حدثنا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن جدته، عن أم سلمة، أن
رسول الله 9، قال: ((لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا
شدة)»(٣). وحدثنا أبو كريب حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم
يزده الإسلام إلا شدة)). وحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله وَله بمكة عام الفتح، قام خطيباً في
الناس فقال: ((يا أيها الناس ما كان من حلف الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في
الإسلام)) (٤)، ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن
إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا حلف في الإسلام وأيما
حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة))(٥). وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد
- وهو أبو بكر بن أبي شيبة - بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن
محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - بإسناده مثله، ورواه
ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن
زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن
قيس بن عاصم أنه سأل النبي وله عن الحلف فقال: ((ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به،
ولا حلف في الإسلام)» (٧) وكذا رواه شعبة عن مغيرة - وهو ابن مقسم - عن أبيه به. وقال
محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد بن الربيع مع
ابن ابنها موسى بن سعد وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها ﴿وَالَّذِينَ عَاقَّدَت
أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (٨) أَيْمَنِكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه
عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام
بالسيف، أمر الله أن يؤتيه نصيبه، رواه ابن أبي حاتم(٩)، وهذا قول غريب، والصحيح الأول،
وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن
كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٢٦٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٢١٩/٣٤ ح ٢٠٦١٣) أي أنه يتقوى
بالشواهد والمتابعات.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، وقد توبع في الرواية التالية في تفسير الطبري.
(٧) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٥)(٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٨) قراءة متواترة (النشر في القراءات العشر ٢٤٩/٢).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عنعنة محمد بن إسحاق وكذا أخرجه أبو داود من طريق ابن
إسحاق ولم يصرح بالتحديث (السنن، الفرائض، باب نسخ العقد بميراث الرحم ح٢٩٢٣).

٩٣
سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية
لم يزده الإسلام إلا شدة))، وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما
هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك
والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ اُلْوَلِدَانِ
وَالْأَقْرَبُنُ﴾ أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، هم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في
الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله وسلم قال: ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى
رجل ذكر))(١)؛ أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آياتي الفرائض،
فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أي: قبل نزول هذه الآية
فآتوهم نصيبهم؛ أي: من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه
الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضاً، فلا توارث به، كما قال ابن أبي
حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن
مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَتَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة
والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث(٢). ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أُسامة(٣)،
وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك (٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ قال: كان الرجل
يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنز الله تعالى ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى
كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يقول: إلا أن
يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف(٥)،
وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى
كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنَ وَالْمُّهَجِرِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ .
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمَّ﴾ أي: من الميراث، قال: وعاقد أبو بكر مولى
فورثه، رواه ابن جرير(٦). وقال الزهري، عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا
يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، ورد الميراث
إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم،
ولكن جعل لهم نصيباً من الوصية، رواه ابن جرير (٧)، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله:
(١) صحيح البخاري، الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه (ح٦٧٣٢)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب
ألحقوا الفرائض بأهلها (ح ١٦١٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.
(٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه، وقول أبي مالك أخرجه
ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصین عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، لكن سعيد بن جبير لم يدرك أبا
بكر ته (جامع التحصيل ص١٨٢).
(٧) أخرجه الطبري من طريق الزهري به وسنده مرسل.

٩٤
سُورَةُ النِّسَاء (٣٤)
00000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
﴿فَشَاتُوُهُمْ﴾ أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد ﴿فَشَاتُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الميراث
حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكماً ثم نسخ بل إنما دلت الآية على الوفاء
بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي [محكمة](١) لا منسوخة، وهذا الذي قاله: فيه
نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير
واحد من السلف، وكما قال ابن عباس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه
حتى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة (٢)؟ والله أعلم.
﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ
فَالضَلِحَتُ قَنَِتُّ حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَِّ تَخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُربَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى
الْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنٌّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣)
يقول تعالى: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ أي: الرجل قيم على المرأة؛ أي: هو رئيسها
وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن
الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك
الملك الأعظم لقوله : ((لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة))(٣) رواه البخاري من حديث
عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك، ﴿وَيِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾
أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه وَطير، فالرجل
أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها، كما قال الله
تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَيْهِنَّ دَرَجَةُ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني: أمراء، عليها
أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله(٤)، وكذا قال
مقاتل والسدي والضحاك(٥).
وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي وَّل و تشكو أن زوجها [لطمها](٦)، فقال رسول الله وَل:
(القصاص))، فأنزل الله رَك: ﴿الْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فرجعت
بغير قصاص، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه(٧)، وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن
جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حدثنا أحمد بن
علي النسائي، حدثنا محمد بن هبة الله الهاشمي، حدثنا محمد بن محمد [الأشعث، حدثنا موسى بن
إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حدثنا أبي عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه}(٨)،
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((محله)) وهو تصحيف.
(٢) أجاب الأستاذ أحمد شاكر عن هذا الاعتراض على الطبري في تفسير الطبري ٢٨٩/٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (المغازي، باب كتاب النبي ◌َ ﴿ إلى كسرى وقيصر ح ٤٤٢٥).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((لظلمها)) وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن الحسن لكنه مرسل.
(٨) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).

٩٥
سُورَةُ الْنِشَكَاءِ (٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن علي، قال: أتى رسول الله وسيله رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن زوجها
فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله ويقول: ((ليس ذلك له))
فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: قوامون على
النساء في الأدب، فقال رسول الله وَّه: ((أردت أمراً وأراد الله غيره))(١).
وقال الشعبي في هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَاً
أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لا عنها، ولو قذفته
جلدت(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلْفَلِحَتُ﴾ أي: من النساء ﴿قَنِنَتُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني:
مطيعات لأزواجهن(٣) ﴿حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ﴾ وقال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في
نفسها وماله(٤).
وقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: المحفوظ من حفظه الله. قال ابن جرير: حدثني المثنی، حدثنا
أبو صالح، حدثنا أبو معشر، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله الله: ((خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها
حفظتك في نفسها ومالك)) قال: ثم قرأ رسول الله وَّر هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَ
اُلِسَآءِ ... ﴾ إلى آخرها، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به، مثله سواء(٥). وقال الإمام أحمد:
حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عُبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن
عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها،
وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت)»(٦) تفرد به
أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله تعالى: ﴿وَِّ تََّافُونَ نُشُوزَهُنَ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن،
والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه،
المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله
قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد
قال رسول الله وَل: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من
(١) في سنده محمد بن محمد الأشعث وضع نسخة رواها عن موسى بن إسماعيل بن جعفر عن أبيه عن جده
(لسان الميزان ٣٦٢/٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عَبيدة السلماني عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كل بسنده المذكور، وسندهما صحيحان، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ١٦١/٢) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٨٣٨).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح١٦٦١) وضعفه أحمد شاكر، وفي سنده عنعنة ابن لهيعة وهو من
مدلسي الطبقة الخامسة الذين لا يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع.

٩٦
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٤)
0000000000000000000000000 000 000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
عظم حقه عليها))(١).
وروى البخاري عن أبي هريرة ظُه، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى
فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح))، ورواه مسلم، ولفظه: ((إذا باتت المرأة مهاجرة
فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح))(٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَِّ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُرَ
فَعِظُوهُنَ﴾، وقوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها
ويوليها ظهره(٣)، وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس
في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها (٤).
وقال علي بن أبي طلحة أيضاً، عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في
المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد(٥). وقال مجاهد والشعبي
وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها(٦).
وقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
أبي حُرة الرقاشي، عن عمه أن النبي ◌َّ قال: ((فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع)»
قال حماد: يعني: النكاح(٧).
وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا
عليه؟ قال: ((أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا
تهجر إلا في البيت))(٨).
وقوله: ﴿وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضرباً
غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النبي ◌َّ أنه قال في حجة الوداع:
((واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه،
فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))(٩)، وكذا
(١) أخرجه أبو داود من حديث قيس بن سعد (السنن، النكاح، باب في حق الزوج على المرأة ح ٢١٤٠)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ١٨٧/٢).
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء (ح ٣٢٣٧)، وصحيح
مسلم، النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها (ح١٤٣٦).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت عنه.
(٤) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب في ضرب النساء ح٢١٤٥)، وحسنه الألباني في صحيح
سنن أبي داود (ح ١٨٧٨).
(٨) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٤٤٧، وأبو داود، السنن، النكاح، باب في حق المرأة على زوجها
(ح ٢١٤٢)، وسنن الدراقطني ٢٦/٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٠/٦، وقال الألباني: حسن صحيح
(صحيح سنن أبي داود ح ١٨٧٥)، ويشهد له حديث جابر في نهي رسول الله وَّ ر عن ضرب الوجه صحيح
مسلم، اللباس، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه (ح٢١١٦).
(٩) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي وَل و (ح١٢١٨).

٩٧
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن عباس وغير واحد: ضرباً غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر(١). وقال
الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضواً ولا يؤثر فيها شيئاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح، ولا
تكسر لها عظماً، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية (٢).
وقال سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن
أبي ذُباب(٣) قال: قال النبي ◌َّ: ((لا تضربوا إماء الله)) فجاء عمر ظُبه إلى رسول الله وَله فقال:
((ذئر(٤) النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله (َ﴿ في ضربهن))، فأطاف بآل رسول الله الآلي
نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله وَله: ((لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون
أزواجهن ليس أولئك بخياركم)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود - يعني: أبا داود الطيالسي -، حدثنا أبو عوانة،
عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المُسلي، عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر تَظُه،
فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثاً حفظتهن عن رسول الله وَل : ((لا تسأل
الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة)) (٦)، وكذا رواه أبو داود والنسائي
وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة، عن داود الأودي به(٧) .
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع
ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها .
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله
العلي الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدًاً إِصْلَاحًا
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا
٣٥
ذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني [وهو إذا كان
النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ](٨) حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَاً﴾ وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في
أمرهما يمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُميد عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((ذياب)).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٤) كذا في (حم)، وفي الأصل و(مح): ((دير)).
(٥) سنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح٢١٤٦)، والسنن الكبرى (ح٩١٦٧)، وسنن ابن ماجه،
النكاح، باب ضرب النساء (ح١٩٨٥)، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ١٤٥/١)، والألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح١٨٧٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٥/١ ح١٢٢) وضعفه محققوه بسبب جهالة عبد الرحمن المُسلي.
(٧) مسند الطيالسي (ح٤٧)، وسنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ٢١٤٧)، وسنن النسائي
الكبرى (ح٩١٦٨)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب في ضرب النساء (ح١٩٨٦) وحكمه كسابقه.
(٨) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).

٩٨
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من
التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ
بَيْنَهُمَأْ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله من أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل
الرجل، ورجلاً مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا
عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها
النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي
أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث
الكاره الراضي، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال:
بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا
جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقاً(٢). وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن
عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا
دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فقال: على يسارك في النار إذا دخلت،
فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال
ابن عباس: لأفرقن بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما
فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا(٣).
وقال عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت
علياً وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء
حكماً، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت
المرأة: [رضيت بكتاب](٤) الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت والله
لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله ◌َ لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم(٥)، ورواه ابن جرير، عن
يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي مثله(٦)، ورواه من وجه
آخر عن ابن [سيرين](٧)، عن عبيدة، عن علي به، وهذا مذهب جمهور العلماء على أن الحكمين
إليهما الجمع والتفرقة حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ومصنفه (٥١٢/١٦ رقم ١١٨٨٥) بسنده ومتنه وسنده صحيح، وفي سنده
انقطاع بين معمر وعثمان.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٥١٢/١٦ رقم ١١٨٨٧)، وصحح سنده الحافظ ابن حجر
(الإصابة ٤/ ٣٧٢).
(٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سفيان)) وهو تصحيف.

٩٩
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بطلقتين أو ثلاث فعلا(١)، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في
الجمع لا في التفرقة(٢). وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم(٣)، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور
وداود: ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا
كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.
وقد اختلف الأئمة في الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض
الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين والجمهور على الأول، لقوله تعالى:
﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً﴾ فسماهما حكمين ومن شأن الحكم أن يحكم بغير
رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة
وأصحابه، الثاني منهما بقول علي ظُه للزوج حين قال: أما الفرقة فلا، قال: كذبت حتى تقر
بما أقرت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة
بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل
ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أن ينفذ قولهما فيها أيضاً من غير توكيل(٤).
﴿ وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ
وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ◌ِسَ)
يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على
خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً من
مخلوقاته، كما قال النبي ◌َّله لمعاذ بن جبل: ((أتدري ما حق الله على العباد؟)) قال: الله ورسوله
أعلم، قال: ((أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً))، ثم قال: ((أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا
ذلك؟ أن لا يعذبهم))(٥) ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً
لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيراً ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين،
كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء
كما جاء في الحديث: ((الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة))(٦).
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح من طريق عبيدة عن إبراهيم (التفسير رقم ٦٣٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.
(٤) ذكره في الاستذكار ١١١/١٨.
(٥) أخرجه الشيخان من حديث معاذ بن جبل. صحيح البخاري، التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ◌َّ أمته
إلى توحيد الله تبارك وتعالى (ح٧٣٧٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على
التوحيد دخل الجنة قطعاً (ح٣٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٧/٤)، والترمذي وحسنه في السنن، الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على =

١٠٠
• سُورَةُ النِّسَاءِ (٣٦)
ثم قال تعالى: ﴿وَاُلْيَتَمَى﴾ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر الله
بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال: ﴿وَالْمَسَكِينِ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا
يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم
وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.
وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالْجَارِ
ذِى الْقُرْبَ﴾ يعني: الذي بينك وبينه قرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة (١)،
وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان
وقتادة(٢) .
وقال أبو إسحاق، عن نوف البكالي في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ﴾ يعني: الجار المسلم،
﴿وَالْجَارِ اٌلْجُنُبِ﴾ يعني: اليهودي والنصراني، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٣).
وقال جابر الجعفي: عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى، يعني المرأة (٤).
وقال مجاهد أيضاً في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبٍ﴾ يعني: الرفيق في السفر(٥)، وقد وردت
الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر وبالله المستعان:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن
محمد بن زيد أنه سمع أباه محمداً يحدث عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله وَ ل* قال: ((ما زال
جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) (٦) أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن
محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر به(٧) .
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن
عبد الله بن عَمْرو، قال: قال رسول الله وير: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه
سيورثه)) وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن [بشير] (٨) أبي إسماعيل،
زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا
= ذي القرابة (ح٦٥٨)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/
٤٠٧) وفي سنده: الرُباب بنت صُليع أم الرائح مقبولة (التقريب ص ٧٤٧)، ويشهد له حديث زينب الثقفية
وفيه: لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة (صحيح البخاري الزكاة، باب الزكاة على الزوج (ح١٤٦٦)،
وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل الصدقة والنفقة (ح ١٠٠٠).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن نوف به، وأخرجه ابن أبي حاتم معلقاً .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي عبد الله سليم المكي عن مجاهد.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح٥٥٧٧)، وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، الأدب، باب الوصاة بالجار (ح٦٠١٤)، وصحيح مسلم، البر، باب الوصية بالجار
(ح ٢٦٢٤).
(٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((بشر)) وهو تصحيف.